كلام قبل الموت ✍محمد حسين حمصي

عشتُ كما لم يعش ملك.
بنيتُ أعشاشاً للعصافير،
وأقمت مأدبة للحمام على حرف الشبابيك.
وكنتُ أوّل من أعطى الأمطار حقها
بالبلل على الوجوه،
دون أن تقمعها المناديل
وتمسحها.
عشتُ كما لم يعش ملك.
ركبتُ الباصات
وهرولت مع الصبية خلف التعب،
وطرت على دراجة نارية
أهرب من سجانٍ يتربّص بي، في قلبي.
ولعبت بالشوارع العريضة،
حبّاً بالعربات التي كانت تحمل أشلائي
حول عجلاتها الدائرة،
نعم
لقد قتلت في حادث ما،
لكنّ الملوك لا تموت من ميتة واحدة،
ربما أموت من كلمة واحدة
تبكيني حتى أجفّ كإسفنجة مرمية على رفّ مهجور.
عشتُ كما لم يعش ملك.
كنت متخماً من الحنين،
حتى قتلني عطشي،
ولم أجد اسمي، في صوت يبلّل كأسي،
لم أجد صورة تهين عرش وحدتي،
حتى ملكت وهماً،
لا تعرفه الإنس ولا الجان.
يا أيّها الناس
إنّني ملك عليكم من الغد
اقتلوني
ولا تتركوا فيَّ وهماً يقتلني،
إنّني عشت كما لم يعش ملكٌ على هذه الأرض.
أتعيش الملوك عيش الصعاليك؟
أو هل تموت الملوك من كلمة و دمعة؟
يا أيها الناس
اقتلوني..
فإن جاء الغد سأكون ملكاً عليكم
وسأبكي على جبين المتنبي
وألومكم،
وسأثأر لقيس بن الملوح
وسأسبي كلّ نساء الأرض
وأضعهن في كيس، وأدفنه بجانب قيس.
اقتلوني قبل الغد،
لأنّي سأتهمكم بقتل هابيل
وسأقاضيكم بأنّ جدّكم أنزلنا على هذه الأرض
التي تنقعنا في وحلها كأنّنا حصاة ملقاة..
اقتلوني قبل الغد
إنّني أنصحكم
فكلّ أحزان التاريخ في قلبي خبأتها لكم
وسأوزعها عليكم بالتساوي،
من أول دمعة عرفتها السماء
إلى آخر حزن ستعرفه الأرض،
وآخر حزن هو حزني
سأظل أبكي حتى أغرق مدنكم،
ابنوا سفنكم، واجمعوا أحلامكم وأولادكم،
ولا تأخذوني معكم
علّني أغرق بدمعي وأعود ملكا وحيداً
وأموت كما لم يمت ملك مثل موتي
بعد كلّ هذا الموت.



