كتاب “ثلاث مدن مقدسة”.. النص الكامل- جون ماري غوستاف لوكليزيو- ترجمة وتقديم خالد النجار
الفصل الثالث
شون بــــوم
طريق الأزهار تمضي مستقيمة فوق الأرض المستوية. للأشجار جذوع نحيلة رشيقة، ترتفع منتصبة في الغبار الأبيض. الشّمس نائية في كبد السماء. وهي تشتعل على الدوام في مركز الضوء. نسير تحتها نجرّ ظلالنا القصيرة. بين حيطان الأشجار. الغبار يَؤُزّ تحت أقدامنا مشكلاً سحابات صغيرة تحيط بالأقدام. أحيانا، تهبّ الرّيح حارّة ولافحة، معمية وكأنّها قادمة من السماء، إنها عجاجة الشمس. الأرض عطشى بشكل رهيب، الأشجار والأدغال عطشى. العطش شديد الآن، والحمّى لاهبة. والأفواه متيبّسة كالحجارة. منذ أيام وشهور ونحن نترقّب الماء. لم نعد نكثر من الحديث، ذلك لأن الكلمات صارت تسلخ الحناجر، وتدمى الشفاه. لم نعد نتنفس كثيراً، لأن الرّيح ملتهبة. والعيون موجعة من جرّاء كلّ هذا البياض، وكلّ هذا الجفاف. في كلّ النواحي لا شيء غير القساوة. دوائر متناهية، بيضاء تحيط بالشمس، أسراب من نسور، ودوّامات ذباب دقيق. ورغم ذلك نتقدّم على عجل في الطريق، كما لو أن فرحا كبيرا سيفاجئنا أعني خلاصا ما.
باصات الدرجة الأولى توغل على الطريق المسفلتة وحيدة وسط الغابة متجهة إلى مدن تولوم، وشيتومال. الباصات ذات البلور الأمامي الأزرق تتقدّم، صافرة في الهواء الحارّ، تعبر غابة الشيكليروس، تعبر وبلا توقّف أرض الماشولس البلقع. وهدير محرّكاتها يضجّ ثم يتلاشى.
بيد أنّ هذا ليس هامّا. الضوء يحرق ويجفّف… إنّه حاضر يلتمع في السماء الخاوية وفي الأرض المقفرة، لأنّه هنا مكان الخلاص، ولأجل هذا نحن نتقدّم فوق درب الغبار نحو قلب الغابة. الشمس تحرق القفا، تحرق اليدين، والدم عاد ثقيلا يختضّ في الشرايين، وكلّ خطوة تصطدم بالأرض المغبرّة تترجّع في الفضاء كما لوكان هناك راقصون وضاربو طبول متخفين بين الأشجار.
وهي موسيقى غريبة خرساء، بيضاء مثل الضوء، تلك التي تتردّد داخل الرّأس بينما نحن نسير عبر الغابة. إلى أين سنمضي الآن؟ المدن المقدّسة لم تعد قائمة. المدن الشديدة البياض الطافية فوق الافق مثل السراب: قباب كنائس، مساجد، حدائق معلقة، معابد حمراء ذات مدارج شاقوليّة حيث تصعد في صفوف متعرّجة مواكب الرّجال المرتدين ريش طائر الياكسوم، هناك الهياكل،والمناضد الحجريّة حيث يضوع طيب المباخر، والجدران الجافة التي تحيط بالباحات المصقولة كالسماء، والألعاب، والأسواق، وساحات الرّقص.
كلّ ما تبقى أسماء، أسماء شبيهة بتلك المحفورة فوق أضرحة القبور.
ادزيلام دزيبل شلتون
إيزاميل
أوكسكينتوك
مايابان شيشان إيتزا
جاينا أوكسمال يكسونا
كاباه
لابنا كوبا
ساييل
تولوم
كويك
إكستامباك
إيتزنا
إتزيبيلنوكاك
بوسطونيش إيشباتوم
بيكان
إتزيبانش
ريوباك
طرقات الحجر متصدّعة، والأقواس منهارة. والجبال التي شيّدها البشر مكسوّة بالأشجار وبالعوسجان. لا أحد يحدّق في السماء من علو المصاطب، ولا أحد ينقش تاريخ اليوم فوق مسلّة من الحجر الرّمليّ،
9 16 000 2 آهـــاو13 إتزيك
فلآلهة ذوو الأنوف الكبيرة، الآلهة، ذوو أقنعة التنّين، والخفافيش والآلهة المرتدية جلود الأيائل؛ كلهم مختفون الآن في أعماق الفضاء. والصّمت يسود البراري ويشدّ على الأشجار، يضغط على الأرض، ويغلّق الآبار، ويجعل السماء صلبة. إنما في الصمت نسير كما نسير، متوحدين فوق الطريق البيضاء، نتقدّم بعناء، منحنين إلى الأمام، عبر اللفح الساخن، لنبلغ آخر الطريق، لنصل إلى البرزخ حيث ما يزال الكلام، والوعي، والحياة. صمت الجفاف يهيمن على المدن الصماء والبكماء. هناك ينام الناس منطوين على أنفسهم، بلا أحلام، تحيط بهم علاماتهم اللعينة، متوحدين بلا حماية على جوانب مفترقات الطرق المسفلتة، في ظلّ الشاحنات، وفي الأروقة والمخازن. واذ نصل إليهم نتابع مسيرنا، نتجاوزهم. نتقدّم متوحدين على طريق الغبار، ونقترب من المدينة الحيّة حقيقة، عاصمة البلاد الصامتة، في قلب الغابة حيث ينتفي العطش والجهد، حيث ننشد ابتهالاتنا ونصلّي، للمدينة المقدّسة.
على جانبي الطريق البيضاء، الزهور ملتصقة بالعوسجان وبالأشجار. الزهور الحمراء تلتمع في قلب الغبار. ننظر إليها، ونسير بدون توقف غارسين أقدامنا في الغبار. الزهور الحمراء لا تتكلم. بيد أنها جميلة جدّا، بتويجياتها الواسعة المنحنية وبمدقّاتها الطويلة الصفراء، إنها نضرة جدّا ونقيّة، زهور لشعور النساء الطويلة، زهور طافية فوق دوّامات المياه، لم نر أجمل منها أبدا. إنها الزهور ذات الرائحة الناعمة، الزهور القادمة من الليل الهادئ، حادّة الرّائحة في بياض الغبار، زهور أوراق الخطميّات الداكنة صقيلة مثل أجساد النساء، الزهور الغريبة المفعمة بالروائح، والملتمعة بقطرات الندى. ونحن نسير على امتداد الطريق. ونمضي من زهرة إلى زهرة، كما لو أننا نتشرّبها.
ووقتها نزل الماء، جاء من كبد السماء لأجل البعث الجديد…. ناعما كان فمه، وطرف لسانه. لطيفا كان مزاجه. حينئذ هبطت الأربع خفافيش السحريّة الكبيرة، لتمتصّ رحيق الزهور. ولأجلها ستتفتح الزهرة الحمراء بكمّها الواسع، والزهرة البيضاء بكمها الواسع، والزهرة السوداء بكمها الواسع، والزهرة الصفراء بكمها الواسع. الزهرة التي بحجم نصف السعفة، وتلك التي باتساع سعفة النخل، ومع هذه الزهور كبرت زهرة ماكوال كسوشيت زهرة الأزهار الخمس وزهرة الكا كاو المخرّمة، زهرة الصوّان، زهرة البنت الصغيرة، الزهرة ذات القلب الملوّن، زهرة الدفلى، الزهرة ذات الساق الحلزونيّة. وعندما تكبر، تصير هي الزهور التي يزورها السادة واهبو العطور، هنا كانت دار الأزهار، حيث تكبُرُ باقة كاهن الشمس، باقة الرّبّ، باقة المحارب.
تلك هي رسالة كاتون الأزهار الذي عليه أن ينزل. لا أحد غيره حسب ما يروى. لكنه لا يأتي بالخبز في تكليفه ذاك. وقتها تكبر الزهرة وتينع، خطيئة بولون تيكو الاله التاسع للجحيم.
ثلاث سنين مرّت قبل أن يعلن خلق بولون تزاكاب إله الجحيم. في ذلك الزّمان نزل فوق قلب الزهرة الطفل الصغير آهبيز ميلتاك، نزل متنكّرًا في زيّ طائر الطنّان بصدره الأخضر، جاء يمتصّ رحيق الزهرة ذات الأكمام الخمسة. ثم إن الزهرة ذات الأكمام الخمسة اعتبرته زوجها. ثم إن قلب الزهرة تقدّم وشرع في المسير.
فوق الدروب التي تأتي من الشمال، ومن الشرق، ومن الجنوب، ومن الغرب الأزهار تقود الخطى. ولكن إنما من الشرق الأحمر يأتي الرسول، الزوبعة الحمراء، الرجل الذي ينبئ بالنوء. الزهور الحمراء تلتمع بقوّة فوق الأشجار الداكنة ووسط الغبار، إنّها تدعو، تريد أن تسير بلا توقف نحو المدينة. منذ زمن بعيد، ويومًا بعد يوم، الحرارة شديدة في الشمس، وتحت السماء المقفرة. الآن الأرض تتموّج، والأشجار ترتعش، والهواء يرجّع الصّدى. إنها أصوات الناس التي تبتهل محتمّة. الأصوات التي تتهجّد، والنظرات التي تبحث. وفي الكهوف الحجريّة يترجع نقيق الضّفادع.
نحن نتقدّم، هكذا، ببطء على أطراف الأصابع نسير خفافا عند خطّ الأفق. نقترب، نصل. شهورا مكثنا هناك، فوق البحر، ظللنا ننتظر أن يرد علينا النّداء، وأن ينفتح المعبر في الهواء الساخن؛ كنا نراوح مكاننا مثل ساعي بريد مستعجّل: والتمعت قرب الأفق بروق غريبة خططت السماء وجعلتها شبيهة بجلد حصان الوحش، لأن الغضب والرغبة كانا يكبران. والان، ها هي الطريق مفتوحة. ونحن نصل بسواعد ممدودة مثل جناحين من ظلّ يضمّان الأرض، وينغلقان في تؤدة. نندفع إلى الأمام، صارخين، وبحركة واحدة نغادر البحر ونطير فوق الأراضي المنخفضة. أشجار الشورى تنحني والرمل يثور، ومياه السّباخ تتجعّد. ثمة أمواج تتكسّر على الشواطئ، فوق صخور طولوم الحمراء، وصفير الريح يهتزّ في جذوع أشجار الجوز. ثمّة شهوة شديدة، وغضب وانتشاء شديدين في أجسادنا. بشرة الوجه المنحني إلى الأمام زرقاء بفعل احتقان الدّم. والعيون ترسل شرارات ضوء. ونحن نلهث.
نقترب، نصل. اليوم، والجسد ينتفخ ويتكئ على الإقليم المتكلس، يغطّي الأرض ويحجب السماء. أولئك الذين هم الآن في صلاتهم، في المدن المقدّسة الثلاث، يعلمون أنّنا، ما نزال نسير. لأجلنا هيّأوا الزهور الحمراء المشدودة إلى الأشواك، على امتداد طريق الشرق الأحمر. والآن ها نحن نتقدم على الطريق. أمام سحابة الغبار والظل الكبيرة، نسير، ونرقص مكاننا مثل راقص الفلامنكو، أو نزحف في الغبار مثل الأفعى الجلجليّة. نصل، اليوم. ثملين بالكلمات، بالموسيقى، بالرقص، سكارى بالصلوات وبالبخور.
رجال القرية مهّدوا الطريق، حتّى نجئ. فالآبار والخزانات تنتظر. منذ أيام وأيديهم أيديهم المدمّاة قابضة على فؤوس وقد حفروا ثقوبا في الأرض وتم انتقاء البذور السوداء والصفراء. منذ أيام وأشهر والناس في تهجّد وصوم يهيّئون الأعياد. هناك كلمات كثيرة أنشدت، اناء الليل وأطراف النهار، الرجال يدعون مثل الطيور بأصوات حادّة وسريعة، أو صامتين مثل الأرض، بكل وجوههم، وبكل أجسادهم.
في اليوم الأوّل لإله ياكس يغسلون المعابد، إنه أوكنا وأمام كلّ إله يحرقون بخور الكوبال.
في اليوم الأوّل لإله زاك يهدئون غضب السماء، يستغفرون من ذنب دم الحيوانات المقتولة في الصيد، الدم الذي لم يهرق لإرضاء الالهة ولكن لإطعام البشر. حينئذ تختلج السماء ويصاعد البخار الكثيف فوق البحر. والشمس تلتهب بلا هوادة ولا نسيان.
في يوم 7 آهو يصومون ويقدمون الأضحية.
وفي اليوم الأول وهو لإله ماك يعظّم الشيوخ الشاكات الأربعة. والاله إزامنا. إنه توب كاك، خمود النيران. والحيوانات تجمّع في صحن المعبد. كاهن الشمس، وممثلو الشاكات يقفون في كلّ زوايا صحن المعبد وفي يد كلّ منهم جرّة ماء. وفي الوسط يحترق الكانون الذي من خشب جاف مزيّن بالكوبال. الرجال يقتلعون قلوب الحيوانات ويرمونها في النار. رائحة اللحم المشويّ ورائحة البخور تصّاعد حتى كبد السماء. إنها غذاؤها. الرجال يسوّون أشكالا على صورة قلب السّبع بعجينة الكوبال ويلقونها في النيران. وعندما تكون النار قد أكلت القلوب، يقترب منها الشاكات الأربعة ويلقون ماء الجرار على الجمر. والنيران تنطفئ ونحن، نحن نرى كلّ هذا من مخبئنا في الغيوم، ونكبر. نباعد مابين سواعدنا فوق البحر، ونصغي لدقّ الطبول وضجّة الكستنات. فالأناشيد تدعونا. والأشجار النحيلة المحروقة بالضوء، جذورها موجعة.
في اليوم الأول من باكس إنه باكوم شاك يجتمع فيه كهنة الشمس ونبلاء القرى. يصومون ويصلون مدّة خمسة أيام وخمس ليال داخل سور معبد سيت شاك كوه أمام السيد ناكوم، الإله الحيّ، والرجال يرقصون رقصة المحاربين. يذبحون كلبا صغيرا ويقدمون قلبه قربانا جرار الباكاب Bacab الأربع، تلك التي تحوي ينابيع الماء، ملقية على الأرض ومكسورة. ونحن نحس بالرغبة في أن نغمر الأرض، في أن نسيح فوق الارض.
إذن نحن نتقدّم، اليوم، ببطيء نحو الأرض الجديدة، نحو السنة الجديدة. فوق طريق الأزهار ننزلق سريعا مثل الدخان وبطيئا مثل الزوبعة. الغبار يرتفع فوق الأشجار كما لوكنّا جيشا من الفرسان. ويختلط الغبار بالغيوم الدّاكنة. والريح تمشي أمامنا، إنها تفتح الهواء الحارق، نصل. نقتلع الزهور الحمراء من الأشواك، ونكسر أغصان الأشجار. إننا نحدث ضجيجا مستمرّا يهزّ الأرض، ضجيج بحر، موجة تعبر صمت الغابة.
نتقدّم على الصليب، نحو المركز.
إكسامان
أبيض
شيكين ليكين
أسود أحمر
نوهول
أصفر
نمضي نحو ياكس، اللون النادر، اللون الجميل والإلهيّ، لون اليشب.
الطريق مستقيمة، بيضاء، في الشمس، شبيهة بمدرج نصعده بعناء. العرق يسيل في جداول نحيلة فوق الجبين، وعلى الخدّين، إنه يعشي الرّؤية. العرق يختلط بالغبار ويتيبّس فوق الأردية وفوق الجسد. بيد أنّنا لا نتوقّف. أين يمكننا أن نتوقف؟ ليس هناك استراحة على الدرب، لا ظلّ تحت الأشجار النحيلة.
الشمس تلتمع في كبد السماء. لأجلها نهرب هكذا. نسير لنصل إلى الدّيار، لنصل إلى شجرة السّايبا الكبيرة المتوحّدة في مركز السّاحة.
تحت الشجرة كان الناس جالسين. يتطلعون إلى محيط القرية من أمامهم، إلى حقول الذّرة، وإلى الغابة المظلمة. القرية شبيهة بسراب، شديدة البياض، ذات جدران دائريّة مغطاة بالأوراق. في شمال فرجة الغابة هناك منزل الحراس، والكنيسة والرجال يشربون منذ أيام خمر بلشي وبيرة العلب. موسيقى الكويمبيا تصدح من غراموفون يشتغل ببطاريات في إحدى المنازل. وليس بعيدا عنه، وفي دار مقفرة ثمّة عجوز يعزف وبلا توقف على كمانه الهوياستيكي يعزف نفس اللّحن الذي لا يسمعه أحد. أحيانا تبتعد الموسيقى، فنسمع حفيفا غريبا في الصمت، لعله صخب الضوء.
هنا المركز، هنا المكان الهادئ، المنعزل، حيث تستطيع أصوات الرجال أن ترفع دعاءها من الدّاخل حتّى السماء، وحتّى الأفق. لا أحد يتكلّم حقيقة لا أحد يقول شيئا مهمّا. الرجال السكارى يترنّحون والشباب ينامون في الأسرة المؤرجحة. والنّساء يطبخن اللّوبياء السوداء فوق نار بين الأثافي.
الرجال يسيرون حتى منزل سغوندينوكوه حاملين الجفان، ثم وفي صفوف يتّجهون نحو الكنيسة، يتقدّمهم الموسيقيون، بالكمان، والغيتار، والصندوق الكبير. يرتدي الرّجال أقمصة بيضاء، وأقدامهم منتعلة صنادل مصنوعة من كاوتشوك إطارات الشاحنات.
بأقدام عارية، ها هم الرجال قد دخلوا بيت الصلبان ووضعوا جفانهم المليئة باللّحم وباللّوبياء أمام الصليب المرتدي قميصه. وعلى يسار الصليب هناك العرش المطلي والمزيّن بزهور حمراء. الظلال كثيفة داخل الكنيسة، وألسنة الشموع تتألق، ومباخر الكوبال ترسل دخانا ثقيلا والرّجال والنّساء جاثون على ركبهم، إنهم يصلّون. كلّ يتلو صلاته شاخصا إلى الصّليب. الرّاهب منتصب في مواجهة الصليب. وهو الآن يتكلم بصوت أكثر ارتفاعا من الآخرين. إنّه يخاطب الصّليب ذي السّواعد الممتدّة والذي يهيمن عليه مثل امرأة فارعة. ثم يكلّم التماثيل، وينحني أمام العرش الفارغ. ينهض الرجال واحدًا إثر الآخر، وينحنون على آذان أولئك الجاثين على ركبهم ويهمسون لهم بشيء. ثم يغادرون.وفي الخارج الضوء يعشي الأبصار، والسماء خاوية والأطفال يتراكضون، ويلقون بألعابهم النّاريّة. والغراموفون القديم مايزال يصدح بأغاني الكومبي. والعجوزفي بيته مستمر بمفرده في العزف على كمانه.
كان للزهرة أربعة أغصان عندما استقّر في مركزها راهب الشمس يوشيل تون. حينئذ تقدّم الإله الثالث عشر، اذ أنّه لم يكن يدري عندما علّم شرعته أن الخطيئة كانت قد هبطت فوق الحصير فزهرة ماي هي حصيرته. وزهرة ماي هي مقعده وكانت الشهوة مستبدة به في متكئه وسعيه، وفي أكله وفي شربه، فالشهوة قلبه والشهوة عقله والشهوة فمه.
شهوانية كانت كلمته مدّة تحكّمه. وفي هذه المدّة يطالب وبصيحات صارخة بطعامه وبشرابه اذ يأكل ملئ شدقيه، وحينما يقضم أكله الذي يقبض عليه بمخالبه. يمسك بيده شجرة وصخرة. جنونه الشهوانيّ كبير ووجهه وجه الإله لاهون شان، الذي يدعى الأقوياء العشرة، يلزم فروضه، يأخذ الحصير التي يجلس عليها مدّة تحكمه. أبوه وأمه منسيّان، وأمه لم تعد تتعرّف على أبنائها. أحرق قلب ذلك المتوحّد، والذي بلا أب، ذاك الذي يحقد على أبيه، ذاك الذي لا أمّ له. إنه يسير على غير هدى مثل السكّران، إنه بلا عقل أمام أبيه وأمّه. لا فضيلة ولا طيبة في قلبه، بل على طرف لسانه. وهو يجهل مصيره الخاصّ. لا يعرف كيف ينهي سلطانه، عندما تنتهي مدّة تحكمه.
هاهو لإله بولون تيكو المسمّى بالاله التاسع وبولون شان،الملقب بالقوى التسع، هو وجه إلاه البشر، سيّد حصيرة اليومين، صاحب عرش اليومين.
ولكن عندما تنتهي كلمة هذا الكاتون يرسل اللّه طوفانا كبيرا، وتكون نهاية العالم. وعندما تنتهي هذه الكارثة، ينزل الرب عيسى المسيح بوادي جيهو شاباط قرب مدينة أورشليم العظيمة، حيث سينقذنا بدمه المقدّس. هكذا، سينزل من السماء فوق غيمة كبيرة ليشهد أنه كان لا بد أن يتألم ممدّدا فوق صليب الخشب، بعد ذلك وفي كلّ قوّته سوف ينزل هاهال كو، المسمّى الاله الحقيقي، الذي خلق السماء والأرض، هكذا سوف ينزل ليجزي الصالحين والأشرار، ليجزي المنتصرين، والأسرى.
في مركز الغابة، لا يكفّ الصوت عن الكلام. إنه يتكلم دون أن يحرّك الشفاه، من داخل دار الصلبان. الملعونون، والكفرة، بعيدون. أما يزلون موجودين؟ إنهم أسرى حجارهم وحيطانهم، داخل صحرائهم. إنهم عميّ. أمّا هنا فإنّ البصر منيّرن، يتلألأ مثل الشمس، ينبض مثل القلب. البصر يدرك رؤية ما سيقع. وكلّ إنسان هو نبيّ يبصر بكلّ جسده، يبصر بوجهه، وبيديه، وبصدره. إنّها المكابدة هي التي تفتّح رؤيته: الجفاف الكبير، والانتظار الكبير. بيد أنّ المكابدة لا يمكن أن تستمرّ إلى ما لانهاية. والآن هاهي الأرض ترتعش كما عند شروق الشمس، فهي ثابتة وهادئة، قويّة وجديدة. والرجال جالسون تحت شجرة السّايبا الكبيرة. يتطلعون أمامهم إلى دائرة القرية، إلى حقول الذّرة، وإلى الغابة الدّاكنة.
عند صعود إله المشرق، في زوايا السماء الأربع وفي أركان الأرض الأربعة، عندئذ تصل كلمتي إلى بيت الرّبّ.
عند ارتفاع الغيوم في المشرق، واذ يصعد الإله الذي يتحكم في الأمطار وسط السمو الفلكي إلى طبقات السّحب الثلاث عشر، وإذ ينتظر الآلهة الزوّار، أن يعطي الربّ أوامره للبدء في تخمير نبيذ بلشي، بمباركة الحبّ المقدّس للآلهة القائمة على حرّاسة حقول الذّرة حتى ينشروا فوق الأرض نعمهم المقدّسة، بفضل المولى العظيم، الربّ الابن، الربّ الروح القدس.
أحد ما يأتي من طريق المشرق. أحد يتقدّم بتؤدة، مثيرا سحابا من تحت خطواته. أحد ما يسير، رأسه منخفض تحت ثقل الوزر المشدود إلى جبهته، الوجه مسودّ بالدّم. وأرديته ملتصقة بجسمه من جراء الغبار والعرق، أحد ما يأتي بطيئا، وظله يغطّي الأرض ويحجب السّماء.
عندما سأودع في الأرض الحبّة العذراء مع حبّي المقدّس، أنت سوف تتطلع إليّ في تلك اللحظة من النهار. عندئذ سأترجاك لتمنحني بركتك، لتمنحني حبّك المقدّس، لتنشر على الأرض عطاياك النامية أبدًا. ذلك أنه أمر ضروري ومقدّس أن نقدّم هباتنا ليد الاله المولى، الربّ الابن، الربّ الرّوح القدس.
حينئذ يكبر ظلّ الزّائر، ويمتدّ على الساحة، ويخفي الشمس. ثمة صمت كبير وهدوء كبير. إنه المساء، قبل الليل بقليل عندما تسقط القطرات الأولى للماء البارد فوق أوراق الأشجار وفوق سطوح المنازل.
يوك توبا إييين ثان، سان شيلام بيلام



