قراءة نقدية في قصيدة “غدر ورحيل” للشاعرة الجزائرية آمال زكريا


بقلم: علاء الأديب
بلاغة الغدر ومرارة الرحيل
تقديم
تنسج الشاعرة آمال زكريا في قصيدتها “غدر ورحيل” نسيجًا وجدانيًا ممضًا، تتقاطع فيه ثنائيات العشق والخيانة، الطفولة والخذلان، والاحتواء ثم الطرد من جنّة الأمان. لا تكتفي الشاعرة بتأريخ الألم، بل تغزل سردية شعرية متينة تستند إلى بلاغة الصورة وتكثيف اللغة، فتتحوّل الكلمات إلى جمرات من الحنين والأسى.
السرد العاطفي: من الولادة إلى الخذلان
منذ مطلع القصيدة، تُؤسس آمال لعلاقة عاطفية متجذرة، تأخذ شكل الولادة الجديدة:
(كان العشق كوني .. وأكسير الحياة)
هنا لا يبدو العشق عابرًا، بل هو وجود كامل، حياة بديلة، وعالمٌ يليق بالمطلق. لتواصل عبر صورة “التعرّي من العالم” والاحتماء بالعاشق كأنّه الأمومة البديلة، في دلالة على التماهي التام والانسلاخ عن الذات القديمة.
لكن هذا الفردوس لا يدوم، وسرعان ما تهبّ عاصفة الخيانة:
(فيسحب البساط ..دون أن تتهيأ الريح للرقص)
مشهد السقوط المفاجئ يأتي مشحونًا بالدلالة والدراما، حيث تترك الشاعرة لحظة الانهيار مفتوحة على اللاوعي، وعلى غفلة الريح، ما يوحي بأن الخيانة ليست مجرد فعل، بل زلزال نفسي يهدم الطفولة والمؤمنات.
الرمزية والتكثيف الدلالي
تتسم لغة القصيدة بكثافة رمزية عالية، حيث تنسج الشاعرة صورًا عميقة تتجاوز سطح المعنى:
(نيسان .. رواية خانها الحبر): تحوير جمالي لفكرة الخذلان، ففي الوقت الذي يُفترض أن يكون نيسان شهر البدايات، يأتي باهتًا، بلا فصول ولا عطر.
(ذئب .. يغرز نابه بظهر البنوة): في هذه الصورة الصادمة، يختزل النص خيانة الأب أو الحبيب في صورة اغتصاب رمزي للثقة والبراءة.
اللغة والصور البلاغية
النص مغمور بمجازات واستعارات تشكّل قلب التجربة:
(ظلي ذبلت مراياه): صورة تجريدية تعكس انكسار الذات في مرآة الآخر.
(بلاغة السيف) و(أبجدية الطفولة): مزاوجة ذكية بين الحدّة والبراءة، وبين أداة القطع وأداة التعلم.
كما توظف الشاعرة أسلوب التساؤل البلاغي لإضفاء نبرة احتجاج وجودي:
(أي ذرائع تبلسم تشقق الطفولة؟)
(أي لسان يقرأ أبجدية السيف؟)
وهذه الأسئلة لا تنتظر جوابًا، بقدر ما تُفجّر صدى الألم في قلب القارئ.
تفكيك العلاقة: الأبوة المغدورة
ربما أبرز ما يميز النص هو تماهي العلاقة بين العاشق والأب، بين الرجل والملاذ:
تبدأ القصيدة بتمجيد العشق ككونٍ بديل، وتُبنى صورها على ثنائية “أبوة/بنوة”، حتى إذا انكشفت الخيانة، تتهاوى كل الروابط، ويتحوّل الأب/الحبيب إلى ذئب، والعشق إلى تنّور يستعر في الكبد.
خلاصة القراءة: الأسى بلغة شعرية مشتعلة
(غدر ورحيل) ليست قصيدة فحسب، بل هي اعتراف شعري مكثّف، محمّل بخسائر أنثوية فادحة، تكشف هشاشة الثقة حين تُغرس في غير موضعها. استطاعت آمال زكريا أن تبني نصًا يرقى إلى مستوى الشعر الحديث، حيث القصيدة هي المساحة التي يُروى فيها ما لا يُقال، ويُغتفر فيها ما لا يُغتفر.
بهذا النص، تُثبت الشاعرة أنّ الخذلان، حين يُصاغ بشفافية فنية، يمكن أن يتحوّل إلى وثيقة جمالية شاهدة على التجربة والذات واللغة معًا.
وفق الله شاعرتنا وادامها.
النص
……..
غدر ورحيل
الشاعرةآمال زكريا
كان العشق
كوني
واكسير الحياة
تعريت من العالم
وأويت له
كمولودة
من رحم الامومة
لم تتلبى
بحليب لابوة العز
نسيت اليتم
وجحيمه
وغفوت
بين غيومه
حتى اعتقت لعابي
بالامنيات
على مشيب لحيته
فيسحب البساط
دون ان تتهيأ الريح
للرقص
فيسقط الأمان
بطين الغدر
على حين غفلة
أي ذرائع
تبلسم
تشقق الطفولة؟
أي لسان
يقرأ أبجدية السيف
الذي احتمى بحدته
و قطع متانة الحبال
المعلقة بعنقه؟
ظلي ذبلت مراياه
والابوة
تسربتها دماء الخيانة
وانت خارج إطار اللوحة
ألوان طيفي
نيسان
رواية خانها الحبر
فصولها أوراق باهتة
أبوابها
متدلية
تنام في ادراج الاهمال
بعدما كانت
مغارتي الحميمية
آوي إليها
من وحشية العالم
هو ذئب
تجرد من الخديعة الهمجية
ترتمي الطفولة
بين حناياه
بعد عقود من العشق
يغرز نابه
بظهر البنوة
بعري الجبال
أهداني عواء ناي
وتنور
يستعر بكبدي



