حالات لا يجمعها سوى عزلة مؤقتة – دخيل الخليفة

1
يتَسللُ من بيتِ عنكبوتٍ
في أحيانٍ كثيرةٍ
الحبُّ لوحةٌ مقلوبةٌ على جدار!
2
لا حاجةَ لاستدراجِ دمعتَينِ من روحي
أيها القلبُ المالحُ
كل حُبٍّ بيتُهُ بحرٌ وقبرهُ سحابة
بيننا مسافتانِ
سنُمطرُ على أوطانٍ مفقودةٍ تحتَ ثيابنا
وعلى قلوبٍ حُبلى بالغبار!
3
هذا النهرُ لا يُحْصي قتلاه
يختصرُ عمرَهُ في ضحكةِ أرضٍ لا تبادلُه الحبَّ
يرعَى فجيعتَهُ بتاريخٍ من الدَّمِ البريءِ
يغسلُ جسدَهُ بشهَقاتِ الدموعِ المغدورةِ
يملأ مراياهُ بملامحَ مسروقةٍ من عيونِ الضحايا
على جُرْفهِ يخطُّ أسماءَهم بحبْرٍ سرِّيٍّ.
نهرٌ
يستمدُّ غربتَهُ من ضغينةِ خندَقَينِ
يتنازعانِ حكايةً عن قبرٍ ضائع!
4
صديقُ الليل
صديقُ الصحاري التي التهمَتْ قدَميْه
يحْدو عن شمسٍ شعرُها طويل.
من صدْرِ الصباحاتِ الآفلةِ يشربُ حليبَ النوقِ
يصهلُ ليردَّ غارةَ الريحِ
في ظلامٍ دامس.
كثيرون لم يُدْركوا أنه نسيَ ذاكرتَهُ
في قبرٍ مجهول!
5
أرتقُ الفزَعَ
أتركُ الجرحَ على حافَّةِ الهروب
الدروبُ متشابهةٌ.
خلفَ هذا الحجرِ أكثرُ من شمْس
وباب يهشُّ على ظلالٍ تترنَّح!
6
خطواتُها ندوبٌ في الذاكرة
البلادُ التي علَّمتْنا تسلُّقَ الآلام.
نعيشُ على هامش مخاضٍ كاذبٍ
رؤوسُنا كهوفٌ معبَّأةٌ بالقلَق
والأحلامِ الميتة!
7
بهلعٍ يحْفنُ عمرَه
ويضعهُ في سلةٍ مثقوبة!
حين مات
كان قلبُه خارجَ البيت!
8
معَ كلِّ قميصٍ يخلعُ ذاكرة
معَ كلِّ دمعةٍ يخرُّ وجْه
معَ كلِّ خطوةٍ
يتركُ وطناً في محطّة!
9
الجنديُّ خيطُ شمعةٍ
الحدودُ عودُ كبريت!
وكثيراً ما أضاءت شموعُنا
مقابرَ مجهولة!
10
أنا تائه في رأسي
عينايَ دربٌ نسيَ أقدامَ العابرين
يدايَ رايةُ استسلام!
أركضُ وظلِّي يلهثُ ورائي
لا يعرفُ أنني أضعْتُ الطريق!
11
لا تُغادريني
أنا مأوَى الفراغ
وظلُّ المحطاتِ البعيدة…
الفراقُ عناقٌ طويلٌ بين رحيلَيْنِ.
12
أَلبِسي الخجلَ قميصَ نومٍ أبيضَ
ضعيهِ على النافذة
ليطير!
تعالي لأحدثكِ عن غزالةٍ
تتقمَّصُ نهراً!
13
أدخِّنُ تغْريبَتي
أنا هزيمةٌ في حروبِ العَشائر..
عمراً شحيحاً أتناسلُ
لم أرِثْ سوَى
رمادَ ذاكرةٍ معطوبة!
14
أركضُ في دَهْشتي
أخلعُ أصابعي التي لا تكتبُ الألم
صوتي يتعثَّرُ بكوابيسَ
على هيئةِ علبِ كبريت
في جُمْجُمتي
تنامُ صحراءُ بلا مطَر
في دمي ممرٌّ لقطاعِ الطرُق
وبين سقطةٍ وأُخرَى
بين الورقةِ واليدِ
شهقة بلادٍ وعمْرَيْن!
15
لن تخْسَري
ستغْنَمين كثيراً من الدُّخان
تتذكرينَ اسمَكِ في فنجانِ القهوة
أو شفَتيكِ في همَساتِ المطر
غصنٌ واحدٌ يكفي لذاكرةِ عصفور!
16
جرحٌ يطلُّ من زجاجِ الذاكرة
يغادرُ أرصفةَ الهذيان
يقعي على غيوم مدينةٍ بلا سواحل
تغسلُها شمسٌ مراهِقةٌ
جرحٌ يغنِّي:
أستنشقُ النورَ فأضيءُ العالمَ
العالمُ محبرةٌ في يدي!
17
رمادٌ لحياةٍ مُرتَجَلة
أن يُغَطُّوا شمسَكَ الآفلةَ
بقطعةِ كرتون
أكنتَ تقفزُ أسوارَ النار
بحثاً عن قبرٍ مُرتَجَلٍ أيضاً؟
18
كانوا يردّدون:
ـ الشجرةُ وطن!
ـ الأغصانُ قبائل
ـ العصافيرُ أهل.
في الغيابِ تتبدَّلُ الأشياءُ:
ـ الضحكةُ صدَى ألمٍ يتقمَّصُ الملامحَ
ـ الحلمُ رمادُ كوابيس
ـ الماءُ دمعٌ
ـ النافذةُ أفقٌ كاذبٌ
أشباحٌ كثيرةٌ بملامحِ وردةٍ وظلّها
ونحن لا هذا ولا ذاك!
19
فمٌ يمكنُ انتشالهُ من قبرٍ
فمٌ مُباع
فمٌ يبثُّ الصمتَ
فمٌ نائمٌ في الصدأ
فمٌ يرتجفُ على حدِّ سكِّينٍ
فمٌ يزرعُ العقاربَ في صفحةٍ بيضاء
فمٌ يتوه في غرفةٍ ضيِّقةٍ
في ليلةٍ مساحتها شاسعةٌ جداً!
20
جرحتْني كثيراً هذه المَحبَّةُ
كلَّ صباحٍ أُمشِّطُ شَعْرَ الشُّجَيرات
أُلبِسُها قمصانَها
أُولِمُ لها الشارعَ
أسحَبُه من أطرافِه ليصلَ إلى أقدامِها
وكلَّما اقترْبتُ أكثرَ
طعَنَني غصنٌ متمرّد!



