بين الوسادة والمقبرة: قراءة نقدية في قصيدة إدريس الواغيش – القراءة النقدية: عبد العزيز الخبشي- المغرب

القصيدة
أنا من هنا..
من هذه الأرض يا وطني
وحدي أهذي قبل المنام،
حين تأفل شمس المساء
تسح من عيني دموع ساخنة
وأنهار دم.
………..
أنا واحد، وحيد
خائف، مرتجف
من تجاويف البلد.
أقضي يومي،
مقصوص الجناح
طريدا، شريدا..
لا أهل لي، لا أحباب
لا أصحاب، لا سكن.
………..
أغض الطرف من عزة النفس
أعتصر صبري المزمن
وأستبدل وساداتي
حجرا بحجر.
ظلي شمسي
وما تبقى من أمل،
خبأته تحت جفني.
………..
إخوتي المتسكعين مثلي
حفاة عراة يا وطني
أحلامي ديدان أرض
ودنياي مقبرة.
الميتون أحياء..
نجوا من الهزيمة مثلي بأعجوبة
هم المدانون يا وطني،
حين تلبسني الإدانة.
أيها المارون أمام وسادتي
انظروا أو لا تنظروا،
ستزهر وسادتي فرحا
ربيعا وزهر رمان وأقحوان
خذوا مني درسا وعبر،
إن لم تكن قلوبكم قاسية
مثل وسادتي
صخرا وحجر…!!
– الشاعر: إدريس الواغيش- المغرب.
تبدو قصيدة إدريس الواغيش كصرخة مكتومة تنفذ من عمق الذات لتتجاوز حدودها، فتصير صوتا جماعيا يختزل خيبات وطن كامل. إنّ القصيدة ليست مجرد بوح فردي، بل هي مرآة لحالة وجودية واجتماعية وسياسية ممتدة، يتجلى فيها الشاعر بوصفه شاهدا على عصر مثقل بالقهر، ومشاركا في معاناة جماعية تتجاوز حدود الجغرافيا والهوية. وعبر بناء لغوي بسيط في ظاهره، قوي في دلالاته، ينجح النص في استدعاء رموز متشابكة تجمع بين الفقر، والتهميش، والاغتراب، والخوف، والأمل المكسور، وصولا إلى إرادة نهوض خافتة لا تزال تحتفظ ببصيص الحياة رغم انطفاء كلّ شيء.
في افتتاح النص بعبارة «أنا من هنا.. من هذه الأرض يا وطني»، يثبّت الشاعر انتماءه إلى أرض ترفضه في الوقت نفسه، فيتأسس منذ البداية توتر أساسي بين الهوية والانكسار، بين الأصل والاقتلاع. هذا التوتر ليس جديدا في الشعر العربي الحديث، لكنه في هذه القصيدة يكتسب كثافة مضافة لأنه يُقدَّم بوصفه اعترافا يسبق النوم، أي في اللحظة التي يسقط فيها كل قناع، وتتكشف فيها الروح كما هي، بلا تزييف. إن قول الشاعر إنه «يهذي» قبل المنام يحيل إلى طقوس الاعترافات الليلية التي تُقال في الظلام خشية افتضاحها. لكن هذا الهذيان لا يخفّ، بل يتثقل بدموع ساخنة «وأنهار دم»، حتى يتخذ البكاء شكل نزيف، فيتحول من فعل انفعال إلى فعل احتراق داخلي.
يشتغل الواغيش على صورة الذات بوصفها كيانا ممزقا، وحيدا، خائفا، مرتجفا، مقصوص الجناح، مطرودا ومشرّدا، بلا أهل ولا أحباب ولا أصحاب ولا سكن. هذه السلسلة من النفي المتواصل (لا أهل لي، لا أحباب، لا أصحاب) تعمل بوصفها تقنية لغوية تعمّق الإحساس بالفراغ الوجودي، وتحوّل الذات من فرد منعزل إلى ضحية بنية اجتماعية كاملة. يمكن هنا ملاحظة التأثير الواضح للشعر الحداثي الذي يعيد إنتاج الذات لا كمركز للمعنى بل ككائن هشّ، مهدد، مشظّى، يجد نفسه في مواجهة مجتمع لا يمنحه سوى مزيد من العراء.
وإذا كان التعبير «من تجاويف البلد» يحيل إلى أماكن منسية داخل الجسد الوطني، فإن هذه الاستعارة تشي بأن البلد نفسه جسم مريض، يحتفظ في تجاويفه بالمهمشين والمقصيين كأورام غير مرغوب فيها. هكذا يتحول الوطن من فضاء للحماية إلى فضاء للطرد، ومن موطن إلى متاهة. في هذه النقطة، تتصل القصيدة مباشرة بما يسميه النقد الثقافي «تفكيك خطاب الوطن» الذي يقدّم الانتماء بوصفه فضيلة، بينما الواقع يُظهره كعبء. الشاعر هنا لا ينتقد الوطن من الخارج، بل ينتقده بوصفه ابنه، وهو ما يزيد من قوة الجرح.
على مستوى الإيقاع، يعتمد النص على الجمل القصيرة المتقطعة، وعلى التنقل بين الوقفات، ما يخلق إيقاعا يشبه التنفس المتقطع لشخص يئن تحت وطأة الألم. ينعكس ذلك فنيا في طريقة توزيع الأسطر، وفي الاستعمال الكثيف للفواصل، بما يجعل القراءة نفسها فعلا مرهقا، محاكيا لإرهاق المتكلم. وهذا الشكل ينسجم مع ما يتيحه الشعر الحر من فضاء للتنقل بين النبرة والانفعال من غير قيود. ورغم غياب الوزن الخليلي، فإن الإيقاع الداخلي الناتج عن التكرار «وحيد، خائف، مرتجف…» يمنح النص موسيقاه الخاصة.
الصور الشعرية التي يعتمدها إدريس الواغيش تتحرك وفق خطّ صاعد من الحسي إلى الرمزي. فالدموع تتحول إلى «أنهار دم»، وهي استعارة ذات جذور قديمة في الشعر العربي، لكنها هنا تستعاد في سياق اجتماعي لا ذاتي؛ إذ توحي بدماء جماعية تنسكب في صمت. أما «أحلامي ديدان أرض»، فهي صورة قاسية تُسقِط الأحلام من سماء التمنّي إلى أرض النتن والتحلل. في هذا التحقير المتعمد للأمل يكمن احتجاج وجودي على واقع يسحق كل إمكانية للنهضة. ويبلغ التصوير ذروته حين تتحول «الدنيا» إلى «مقبرة»، ما يعكس انقلابا جذريا في منظومة الحياة، فالمكان الذي يُفترض أن يُعاش فيه يصبح مكانا يُدفن فيه المعنى.
ويأتي البيت المفارق «الميتون أحياء… نجوا من الهزيمة مثلي بأعجوبة» ليقدم قلبا دلاليا بالغ القوة. ففي العادة، يُنظر إلى الموت كخسارة، لكن الشاعر يقلب المعادلة: «الميتون نجوا». هذه الجملة تهزّ البنية الأخلاقية التقليدية، وتضع القارئ أمام حقيقة وجودية قاتمة: أن الحياة، في ظل القمع والفقر والضياع، ليست سوى هزيمة ممتدة، وأن الموت قد يبدو أحيانا نجاة. لعل هذه المفارقة هي من أعمق نقاط القصيدة، لأنها تكشف عن وعي جمعي مأزوم لا يجد خلاصه في الحياة.
أما على مستوى الرمز، فتبرز «الوسادة» كأكثر العناصر الفنية كثافة. فهي في البداية رمز للراحة، لكنها سرعان ما تتحول إلى «حجر»، أي إلى شيء قاس وثقيل وغير قابل للاحتضان. الوسادة الصخرية هنا هي مجاز للسياقات الاجتماعية التي تحرم الإنسان من الطمأنينة. غير أن الشاعر يفاجئ القارئ بإعادة شحن هذا الرمز بإمكانات جديدة، حين يقول إنها «ستزهر فرحا، ربيعا وزهر رمان وأقحوان». هذا التحول لا ينفي القسوة السابقة، لكنه يفتح أفقا رمزيا يعيد للوسادة إمكانية أن تكون رحما للحياة لا مجرد مكان للبكاء.
إن إصرار الشاعر على مخاطبة «المرّين» أمام وسادته «أيها المارون أمام وسادتي… انظروا أو لا تنظروا» يكشف عن بعد تواصلي يتجاوز الذات ويستدعي الآخر/الشاهد، لكنه في الوقت نفسه لا يعطيه سلطة الحكم. سواء نظروا أو لم ينظروا، فإن وسادة الشاعر ستزهر، أي إن نضج الوجع لا يحتاج إلى اعتراف الآخرين. هذا التوتر بين الحاجة إلى المشاهدة والاستغناء عنها ينتمي إلى ما يسميه النقد النفسي «ازدواجية الرغبة في الاعتراف والتمرّد عليه»، وهو ما يعكس حالة الإنسان المهمش: يريد أن يُرى لكنه يرفض أن يكون موضوع شفقة.
ويتضمن النص بعدا اجتماعيا وسياسيا واضحا، وإن جاء بلغة غير مباشرة. فعبارات «مقصوص الجناح»، «طريدا، شريدا»، «لا أهل لي، لا أحباب»، تشير إلى أفراد وجدوا أنفسهم خارج دائرة الاندماج الاجتماعي والاقتصادي. هؤلاء هم أبناء الطبقات الهشة، الذين يعيشون في الهوامش دون سند. حين يقول الشاعر «إخوتي المتسكعين مثلي حفاة عراة يا وطني»، فإنه لا يصف حالة فردية بل يعلن عن طبقة اجتماعية كاملة ينتجها الواقع نفسه. هنا تتحول القصيدة إلى نقد بنيوي يُحمّل الدولة والمجتمع مسؤولية إنتاج التهميش، وليس مجرد تسجيل لشكوى شخصية.
على المستوى الثقافي، تنتمي القصيدة إلى تقاليد الشعر الذي يعيد الاعتبار للجسد المهمش، للمكان المنسي، للأحلام الصغيرة التي تذبل على قارعة الحياة. هذا الشعر، الذي يمكن تسميته «شعر الهامش»، ظهر بقوة في العقود الأخيرة، خاصة مع تحولات المدن العربية، واتساع الفوارق الاجتماعية، وتراجع دور الدولة الاجتماعية، وتحول الصراع من صراع سياسي مباشر إلى صراع يومي من أجل البقاء. إدريس الواغيش، في هذا السياق، يكتب من موقع الشاهد على الوجع، لا من موقع المؤدلج أو المنظّر، وهذا ما يمنح النص صدقه وقسوته في آن واحد.
كما تتقاطع القصيدة مع الوجودية من حيث تصوير الإنسان ككائن مرمي في عالم عبثي لا يملك فيه سوى ألمه. العبارات «أنا واحد، وحيد»، «خائف، مرتجف»، «أستبدل وساداتي حجرًا بحجر»، كلها تشي بحياة فقدت معناها، وصار فيها العذاب شيئا طبيعيا. غير أن هذا العبث نفسه يولد في القصيدة إرادة مقاومة داخلية، تتجلى حين يقول الشاعر «خبّأت ما تبقى من أمل تحت جفني»، كأن الأمل صار شيئا محظورا يجب إخفاؤه عن العالم كي لا يُنهب.
ويقدم النص أيضا بعدا أخلاقيا شديد العمق، إذ إن دعوة الشاعر للمارّين بـ«أن يأخذوا درسا وعبرا» ترتبط بشرط أساسي: «إن لم تكن قلوبكم قاسية». فالقسوة هنا ليست مجرد صفة شخصية، بل هي مرض اجتماعي. المجتمع الذي لا يرى المهمشين هو مجتمع ماتت فيه العاطفة. لذلك تتخذ القصيدة موقفًا أخلاقيا مضادا للقسوة، وتعيد الاعتبار للرأفة بوصفها قيمة مقاومة.
في البنية الفنية، يعتمد الشاعر على تكرار مفردات ذات حمولة نفسية قوية: الحزن، الدم، الحجر، المقبرة، التسكع، الإدانة. هذا التكرار ليس زخرفًا، بل هو وسيلة لتأكيد الحالة الشعورية وتثبيت دلالتها. كما أن التحول الدلالي بين القسم الأول من القصيدة “المشحون بالقهر” والقسم الأخير “الذي يلمّح إلى أفق للنهضة” يخلق بنية شبيهة بالمنحنى الدرامي، حيث يبدأ النص في القاع قبل أن يصعد تدريجيًا نحو إعلان إمكانية الإزهار.
وتكشف القصيدة في نهايتها عن مفارقة لافتة: الوسادة التي كانت صخرة ستتحول إلى أرض خصبة، والأحلام التي صارت ديدان أرض ستُستعاد بزهور الرمان والأقحوان. هذا التحول لا يُقدَّم كيقين بل كاحتمال، لكنه يكفي ليمنح النص بعدا إنسانيا يعيد الاعتبار لوظيفة الشعر كأداة لإضاءة العتمة. فالشعر، كما يبدو في هذا النص، ليس مجرد سجل للألم، بل هو محاولة للانتصار عليه، إن لم يكن واقعيًا فعلى الأقل رمزيًا.
وبذلك يتشكل في القصيدة نسق دلالي واسع يجمع بين الإحساس العميق بالانكسار وبين الرغبة في الانتصار رغم القهر. هي قصيدة لا تخفي ألمها، لكنها في الوقت نفسه ترفض أن تستسلم له. إن الشاعر، وهو يكتب هذا النص، يقف على الحدود بين الهاوية والضوء، بين الوسادة الصخرة وبين المقبرة، وبين الانكسار والنهضة. ولذلك تتجاوز القصيدة حدود البوح لتصبح شهادة فنية على حياة تُعاش في الظلال، لكنها مع ذلك تحتفظ بشعلة لن تنطفئ.





