” أدونيس ” و ” أنا “بين ” تناص ” المنصف الوهايبي و ” انتحال ” كاظم جهاد//بقلم:عادل عبدالله
4- المقالة، بين ذمٍ معلن، و ثناءٍ غير واع.
في النصّ نفسه، من الصفحة 43 ذاتها، و في السؤال الذي طرحه الباحث الوهايبي وهو ” كيف تًكتشُف هذه النصوص الغائبة؟ و إذا اكتُشفتْ فما هي المبادئ التي تحكم علاقتها بالنص الذي زجّ بها في سياقه ؟” ترد إجابة الوهايبي على سؤاله في الصفحة نفسها – كالتالي ” إنّ الأمر موكول الى القارئ و إلى ثقافته، و لذلك فإنّ النصوص المكتشفة أو المستحضرة قد تختلف من قارئ الى آخر، باختلاف ثقافة كلّ منهما، فقصيدة تحولات العاشق، قد تحيل قارئاً على نصوص النفّري } هامش برقم1{ و قد تحيل آخر على منارات سان جون بيرس، و قد تحيل ثالثاً على النفّري و بيرس معاً، و قد لا تشير في ذهن البعض الآخر أيّ أصداء فيعتبرها إبداعاً محضاً } هامش 3{“
في حقيقة الأمر أنّ هذا النص – قيد التحليل – يخفي من المعاني المضمرة أكثر مما تعلنه عباراتُه الظاهرة، لذا دعونا نتساءل:
أوّلاً: لماذا اصطفى الباحثُ الوهايبي مضمون مقالة الشاعر عادل عبد الله عن علاقة أدونيس بالنفّري، عيّنةً و نموذجاً لطرائق تعامل القارئ مع النصوص التي يتمّ له اكتشاف علاقتها و تداخلها مع نصوص أخرى، و هل كان أمراً مُتاحاً له اتخاذ عيّنة سواها لطرح السؤال نفسه و من ثمّ الإجابة عليه بالطريقة نفسها؟ بل لماذا لم يتخذ الوهايبي من إحدى كشوفه عن علاقة نص أدونيس بالنصوص الأخرى الموجودة في متن أطروحته – كالعلاقة بين نصّ أدونيس و بيرس مثلاً، أو العلاقة بين نصّ أدونيس و كلّ من الأصمعي و الشلمغاني – عيّنة و نموذجاً يجيب من خلاله عن أنواع و طرائق تعامل القارئ مع النصوص التي يكتشف تداخلها و تناصّها و إحالة الأخير منها الى الأول؟
يبدو لي أنّ مقالة عادل عبد الله ” تحولات العاشق بين أدونيس و النفّري ” المقالة التي لم يذكر الباحث الوهايبي الى الآن عنوانها و اسم صاحبها، تشكّل في ذات الباحث الوهايبي و في قلب أطروحته قلقاً لا يهدأ و لا يمكن لفعل إخفاء معالمها و تأثيرها عليه، أنْ يمحى أو يُحجب بكل هذه السهولة التي عدّها ممكنة لإنجاز مهمته.
أمّا لماذا وقع اختيار الباحث الوهايبي على مقالتي حصراً لاتخاذها نموذجا لنوع إجابته، فهي مسألة يبررها له – في الخفاء – سببٌ مُقْنع وجيه مفاده: أنّ نوع إجابة الوهايبي تحمل معها الكثير من معاني الإساءة الى العيّنة التي اصطفاها و خصّها بإجابته عن إمكان تعدد القرّاء و تباين آرائهم بشأن الجهة التي يمكن أن يُحال نصّ أدونيس عليها، و لذا فهي ليست مزيّة و شرفاً يحظى به صاحب المقالة وحده، إذ أنّ هناك من يشركه هذا الشرف و يتقاسم معه هذه المزيّة مثمثّلاً ذلك بإمكان إحالة نصّ القصيدة نفسه الى بيرس تارة، و الى النفّري و بيرس معاً تارة أخرى، بل أنّ هناك أيضاً، من ” لا تشير في ذهنه أيّ أصداء فيعتبرها إبداعاً محضاً “
إنّها رغبة الباحث – إذن – في إفراغ المقالة من معنى تفرّدها و قوّة اكتشافها، المعنى الذي كرّس الباحث الوهايبي نوع إجابته الخاصة للنيل منها، مما يعني من بعد أن عملية اختيره لإحدى اكتشافاته – بيرس و الأصمعي و الشلمغاني – لا يمكن أن تقف في المكان الذي أوقف فيه مقالتي لتصبح في مرمى إجابته المثقلة بمعاني الإساءة المخصصة لعيّنته.
ثانياً: في إجابة الباحث الوهايبي – قيد البحث – ثمة مفارقة طريفة صدرتْ عنه في غفلةٍ من أمره مفادها: توجيه مجموعة من عبارات الثناء و المديح الى كاتب مقالة ” تحولات العاشق بين أدونيس و النفّري ” لكن من دون وعي منه بذلك أو قصدية مدركة لفعل الثناء و المديح لصاحب المقالة. كيف؟
من الواضح القول، إنّ الإشارة المبهمة لمقال عادل عبد الله في متن أطروحة الباحث و نصّها ” فقصيدة تحولات العاشق قد تحيل قارئاً على نصوص النفّري” تسمّي كاتب المقالة ” قارئاً ما ” من دون ذكر اسمه لا في المتن و لا في الهامش المخصص لهذا المتن أيضاً، فضلاً عن استخدام الباحث للأداة ” قد ” في عبارته ” قد تحيل قارئا ً” و هي أداة تفيد معنى التقليل و إمكان حدوث الشيء أو عدم حدوثه، المعنى الذي يكشف عنه جليّاً قول الباحث عن إمكان إحالة النص نفسه الى بيرس أو بيرس و النفري معاً، أو عدم إحالته الى أحد أصلاً.
فإذا كان الأمر كذلك، أعني إذا كانت رغبة الباحث الوهايبي واضحة المعالم في إفراغ معنى المقالة و النيل من صاحبها، فكيف يمكن لهذا الباحث الذي شحذ همّته لهذه المهمة أن تصدر عنه بقصدّية واعية مجموعة من عبارات المديح و الثناء لكاتب المقالة؟ لذا فإنّ التفسير المنطقي لصدور تلك العبارات عنه، إنّما كان عن غفلةٍ منه، أو بعبارة أخرى بالغة الدقّة مفادها: أنّ تلك العبارات المادحة قد قصدَ بها نفسه عن وعيٍ و درايةٍ، غير أنها خرجتْ عن إرادة قصديّته و وعيه لتشمل صاحب المقالة أيضا، فما هي عبارات المديح و الثناء تلك؟ و هل أراد الباحث الوهايبي أنْ يقصد بها نفسَه حقّاً، من دون غيره من القرّاء؟ دعونا نتبيّن ذلك من خلال التفصيل التالي.
يقول الباحث الوهايبي في بيانه لنوع القارئ الرابع المحتمل الذي لا يتمكّن من إحالة نص قصيدة ” تحولات العاشق ” الى أيّ مصدر، ما نصّه ” و قد لا تستثير في ذهن البعض الآخر أيّة أصداء، فيعتبرها إبداعاً محضاً، و ليس عجباً أنْ تخفى هذه النصوص المتداخلة عن صنف من القرّاء، فهي لونٌ من الحقائق اللطيفة، لا يهتدي إليها إلّا من تيقّظ حدْسُه و توثّبتْ ذاكرته و اتسعتْ ثقافته” كما يرد ذلك في الصفحة 43.
و لمّا كنتُ أنا – صاحب المقالة – قد تمكّنتُ بوصفي قارئاً من إحالة نص قصيدة تحولات العاشق الى النفّري في مضمون مقالتي، فمن المؤكّد أنني غير منتمٍ الى ذلك الصنف من القراء أو ” البعض الآخر ” الذين ” لا تستثير ” قصيدة تحولات العاشق “في ذهنهم أيّة أصداء، فيعتبرها إبداعاً محضاً”
بعبارة أخرى، و فقاً لنص الوهايبي، ثمة صنفان من القرّاء لا غير، صنفٌ لا تستثير ” قصيدة تحولات العاشق “في ذهنه أيّة أصداء، فيعتبرها إبداعاً محضاً” و مثل هذا الصنف ” تخفى هذه النصوص المتداخله ” عنه، بسببٍ من كونها ” لونٌ من الحقائق اللطيفة، لا يهتدي إليها إلّا من تيقّظ حدْسُه و توثّبتْ ذاكرته و اتسعتْ ثقافته” أمّا الصنف الآخر – و هو الذي يتمكن من إحالة قصيدة أدونيس على إحد المصادر الواردة في نصّ الباحث – فهو الصنفُ الذي يهتدي “الى الحقائق اللطيفة ” و لذا فإنّه ممن ” تيقّظ حدْسُه و توثّبتْ ذاكرته و اتسعتْ ثقافته”
لكن من هم المنتمون لهذا الصنف؟ و من هو الذي يمثّلهم و يكون موضع الإشارة لهم في نص الوهايبي؟
ليس من الصحيح أنْ نفترض، أنّ كاتب مقالة ” تحولات العاشق بين أدونيس و النفّري ” الكاتب الذي لم يذكر الباحثُ الوهايبي اسمَه و لا عنوان مقالته، هو القارئ الذي كان مقصودا – عن درايةٍ و وعي – بعبارات الثناء و المديح تلك، أيْ إنّه كان ” ممن يهتدي الى الحقائق اللطيفة ” و كان ممن ” تيقّظ حدْسُه و توثّبتْ ذاكرته و اتسعتْ ثقافته” من حيثُ أنّ مثل هذه الفرضية تحمل من التناقض الذاتي ما يؤهّلها الى الإهمال و التجاهل، بسبب من كونها تقول فيما تقوله: أنّ ثمة مقالة يجري إخفاء معالمها و اسم صاحبها و عنوانها عن قصد مبيّت من قِبل الباحث، لكن مع ذلك ثمة عبارات ثناءٍ و مديح يخصّ بها الباحثُ نفسُهُ – و عن قصدٍ و درايةٍ – صاحبَ المقالة تلك، و هذا أمر غير سائغ و لا مقبول حتّى. الأمر الذي يحيلنا بالضرورة الى البحث عن فرضيّة أخرى أقرب الى التصديق و المنطق، مفادها:
لمّا كان نصّ الوهايبي المخصص– لمن يهتدون الى لون الحقائق اللطيفة – يخصّ صنفاً من القرّاء موجودين بالفعل في متن نصّه، و هذه مقدّمة أولى.
و لمّا كان هؤلاء القرّاء الموجودون بالفعل في النصّ هم : قارئ يحيل نصّ أدونيس على النفّري، و قارئ آخر يحيل النصّ نفسه الى بيرس، و هذه مقدّمة ثانية.
ثم، لمّا كان القارئ الذي يحيل نصّ أدونيس على النفّري مجهولاً، لا وجود لاسمه، لا في متن النص و لا في الهامش المتعلّق به – على الرغم من أنه معروف لي و للباحث على الأقل – فضلاً عن الأخذ بالاعتبار تكريس هذا النص للنيل منه ومن مقالته – كما مرّ بنا – من جهة، ثمّ كان من جهة أخرى، ثمة قارئ آخر يحيل نص قصيدة أدونيس الى بيرس، و كان هذا القارئ – كما تشيرُ الإضافة الواضحة المبينة الملحقة بهامش الإشارة المبهمة الى مقالتي – هو المنصف الوهايبي، وفقاً لنصّ الهامش، و كما تمّ لنا الكشف عن ذلك قبل حين و هذه مقدّمة ثالثة.
فإنّ النتيجة المنطقية المترتبة على هذه المقدّمات الثلاث كلّها سيكون مفادها بالضرورة: إنّ المقصود بعبارات الثناء و المديح تلك – عن وعي و دراية – هو القارئ الذي يحيل نصّ أدونيس على بيرس حصراً و هو المنصف الوهايبي، أمّا القارئ الذي يحيل النص نفسه على النفّري فله قدْر الحظ نفسه من عبارات الثناء تلك، لكن عن غير وعي و دراية من الباحث الوهايبي، بالتأكيد كلّه. مما يعني بالتالي، و انسجاماً مع عبارات الثناء تلك، أن عنوان المقالة و اسم صاحبها يستحقّان الذكر و التعريف الصريح بهما، و ليس التجاهل و غض الطرف عنهما، كما فعل الباحث.
5- التناص، التناص، و ليس الانتحال.
في الصفحة 44 من أطروحته يقول الباحث ” القراءة تظلّ محكومة بسياق النصّ و بهيئات التناص التي يتّخذها، و كلّما اقتصرتْ هذه الهيئات على التضمين و الاقتباس، ضاقت الفروق. و كلّما كانت تعالقاً و توليداً اتسعتْ الفروق، و سواء ضاقت الفروق أو اتسعتْ فإنها تتظافر كلّها في إغناء النص المتداخل”
يمكن لقراءة دقيقة لمعنى النص هذا أنْ تصفه بأنه إحدى الوثائق أو الوسائل النقديّة التي تحاول تبرئة أدونيس من شبهة الانتحال التي أثبتتها عليه مقالتي، كما سأبيّن ذلك بعد حين. لأنّ المهم هو أن نسأل الباحث الآن أولاً: هل كان نوع نصّ أدونيس من حيث علاقته بنصّ النفّري – كما وردا في مقالتي – ممهوراً بهيئتي ” التضمين و الاقتباس ” فتضيق الفروق بين النصّين في حالة كهذا، أم كانت علاقة نص الشاعر بالصوفي تعالقاً و توالداً، فتتسع الفروق بين النصّين، نتيجة لنوع هذه العلاقة؟
ما هو العنوان النقدي الصحيح الذي يصف و يحتوي الحالة الأولى، أعني الحالة أو الهيئة التي ” يقتصر فيها التناص على التضمين و الاقتباس ” فتضيق فيها الفروق بين النصّين، نتيجة لذلك؟ و هل يمكن لهذا العنوان النقدي الذي يصف هذه الحالة أن يكون ” انتحالاً “؟
ما هي الحدود النقديّة الفاصلة الحرجة بين التناص و الانتحال؟ و متى يمكن لنصّ ما أن ينتقل من حالة التناص الى حالة الانتحال، إن لم يكن هذا التضمين و الاقتباس – من دون الإشارة الى مصدر – هو الحدّ الفاصل الحرج بين نصّ منتحل، و آخر متناص بسبب من كون علاقة الأخير مع النص الآخر ليست سوى تعالقاً و توالداً فحسب؟
ثم هل كان نوع علاقة نص أدونيس بالنفّري – كما ورد في مقالتي – مشمولاً مُدرجاً تحت طائلة هذه الهيئة – من التناص – التي تقتصر على ” التضمين و الاقتباس ” أم كانت علاقتُه ” تعالقاً و توالدا ” فحسب؟
لماذا سكت الباحث الوهايبي عن هذه التفاصيل التي تثيرها مثل هذه الأسئلة؟
يبدو لي أن الإجابة عن هذا السؤال الأخير يمكن إيجازه و ردّه الى سببين، الأوّل منهما هو: أنّ هذه الأسئلة كلّها يستدعيها و يفترضها بالضرورة استحضار الباحث – على نحوٍ بحثيّ سليم – مضمون مقالة عادل عبد الله، من حيث أنّ هذه الأسئلة رهينة باستحضارها حصراً، إنّها نوع أسئلة يثيرها نصُّ المقالة بذاته كجزء أصيل من مضمونها و غايتها الأساسية المعلنة. و لّما كان الباحثُ الوهايبي لا يريد إثارة هدا النوع الحرج من الأسئلة التي تضيّق الخناق على نصّ أدونيس و تكرهه على الاعتراف بفعل الانتحال لا التناص، كان من الطبيعي أن يهمل المقالة حيناً، أن يتجاهل مضمونها و أن يعمد الى عدم استحضاره بالكامل حيناً آخر – كما حدث الى الآن و كما سيحدث بوضوح أكثر في القابل من هذه الدراسة – و ربّما يكون المبرر في ذلك كلّه هو رغبة الباحث في التفرّد ببحث نصوص أدونيس وحده، من دون مشاركة أحدٍ سابق له بهذا البحث نفسه من جهة، ثم – وهذا هو السبب الثاني – إن قبول الباحث الوهايبي بهذا النوع ” الصريح ” من مشاركة مقالة عادل عبد الله له، سيضطرّه الى استحضارها للمناقشة، و ستثير في ذهنه كلّ تلك الأسئلة التي طرحتها، و هو الأمر الذي سيفسد عليه المخطط العام لغاية بحثه، أعني ذلك الذي يسعى الى التعامل مع نصوص أدونيس بوصفها “تناصاً ” و ليس ” انتحالا ” و لذا يقول الباحث في النص – قيد البحث – ” و سواء ضاقت الفروق أو اتسعتْ فإنها تتظافر كلّها في إغناء النص المتداخل” أيّ أنه غير معنيٍ على الإطلاق بنوع الفروق بين الانتحال و التناص، بل يمكن قبولهما مع في نصّ أدونيس و في غيره لأنهما من العوامل التي ” تتظافر كلّها في إغناء النص المتداخل” يقول الشاعر كاظم جهاد في كتابه متحدّثاً عن هذا المعنى، أي إصرار الوهايبي على تناص نصوص أدونيس و ليس انتحالها ( و لكنه الى جانب أنموذج النفّري الذي يأخذه من مقالة عادل عبد الله الآنفة الذكر و التي يتوقّف هو أمامها، يقدّم نماذج لا تدخل في باب التناص من غير تعسّف. هذا ما أحسّ به أعضاء اللجنة المناقشة أو بعضهم، ….. و أمام أنموذج النفّري يذهب، كما سنرى أيضا، الى حدّ الكلام عن محاولة مخففة من لدن أدونيس لـ ” طمس إيقاع النفّري ” و ما يكون ” الطمس ” إنْ لم يكن صنيعَ غصبٍ و انتحالٍ ومصادرةٍ؟) – المصدر: أدونيس منتحلاً – ص 84 .
لكن، هل اكتفى الباحثُ الوهايبي بهذا القدْر من العبث و المُكر الخفي مع المقالة و صاحبها؟ ليته فعل ذلك. إذْ أنّ هناك فصلاً آخر أمرّ و أدهى من كلّ ماسبق، فصل جديد عنوانه الأكبر المفصّل: لا بدّ من حجب و تغييب عنوان المقالة و اسم صاحبها، مادام صاحبها قد أحكم قبضة ” الانتحال ” على نصّ أدونيس، من أجل أنْ يعمل الباحث – في خطوة ثانية – على استحضار نصوصٍ محددة – بالكامل – من مضمونها في متن أطروحته – من دون إشارة لعنوانها و اسم صاحبها – لغايةٍ مفادها التعامل مع هذا المضمون نفسه، لكن بوصفه ” تناصا ً” يسمح للباحث ببناء أفكاره النقدية و تصوراته الأدبية التي يتطلّبها حصوله على لقبه العلمي من الجامعة التونسية. كما سأبيّن كلّ ذلك بالتفصيل في الفقرة القادمة، لكن بعد أنْ استحضر الآن – و لحاجة مسّتْ الضرورة لها عند هذا المستوى من دراستي – المضمون الكامل الذي أحلتُ فيه نصّ أدونيس على النفّري، و كما نشرته في العام 1978 و استعاده بالكامل كتاب كاظم جهاد ” أدونيس منتحلاً ” و معظم الدراسات و المقالات التي تعاملتْ مع أدونيس بوصفه منتحلاُ، و كالتالي:
نص النفري و يليه نص أدونيس
1- ” و قال لي: قد جاء وقتي و آنَ لي أنْ أكشفَ عن وجهي… فإنّي سوفَ أطلعُ و تجتمع حولي النجوم و أجمع بين الشمس و القمر و أدخل في كلّ بيت ولتحدّق بك النجومُ الثابتة، و يسلّمون عليّ و أسلّم عليهم و ذلك بأنّ لي المشيئة و بإذني تقوم الساعة.
– موقف جاء وقتي –
2- “كذلك أوقفني الربُّ و قال لي: قل للشمس أيتها المكتوبة بقلم الربّ اخرجي، ابسطي من أعطافك، و سيري حيثُ ترين فرحك على همّك و أرسلي القمر بين يديك، و لتحدّق بك النجوم الثابتة و سيري تحت السحاب و اطلعي على قعور المياه و لا تغربي في المغرب و لا تطلعي في المشرق و قفي للظل “
} و في سطور تسبق هذا يرد {
فأنت وجهي الطالع من كلّ وجه …و لا تنامي و لا تستيقظي حتّى آتيك “
– موقف مخاطبة و بشارة و إيذان الوقت –
1-
تجتمعُ حولي أيّامُ السنة، أجعلها بيوتاً و أسرّة و أدخل كلّ سرير ٍ و بيت، أجمعُ بين القمر و الشمس، و تقوم ساعة الحبّ، أنغمسُ في النهر يخرج منك الى أرض ثانية، أسمع كلاماً يصير جنائن و أحجاراً أمواجاً أمواجا.
– تحولات العاشق ص 514- 515 الأعمال الكاملة- دار العودة,
2- هكذا يقول السيد الجسد، أيتها المكتوبة بقلم العاشق، سيري حيث تشائين بين أطرافي، قفي و تكلّمي: ينشقّ جسدي و تخرج كنوزي، زحزحي نجومي الثابتة، واستلقي تحت سحابي وفوقه – في اغوار الينابيع وذرى الجبال – عالية ، عالية ، عالية صيري وجهي الطالع من كلّ وجه .. شمسا لا تطلع من الشرق ، لا تغيب في الغرب ولا تستيقظي ولا تنامي.
– تحولات العاشق، الصفحة نفسها –
3- وقال يا نورُ، انقبض وانبسط وانطوِ وانتشر واختفِ واظهر، ورأيت حقيقةَ، لا اقبض، وحقيقة يا نور انقبض.
– موقف نور – 3- وقلتُ أيّها الجسدُ، انقبض وانبسط واظهر واختفِ، فانقبض وانبسط وظهر واختفى.
– تحولات العاشق ص 527 –
4- ووقف في الظل وقال لي: تعرفني ولا أعرفك، فرأيتُه كلّه يتعلّق بثوبي ولا يتعلق بي – وقال هذه عبادتي – ومالَ ثوبي، قال لي : من أنا؟ فكُسفتْ الشمسُ القمر وسقطتْ النجومُ وخمدتْ الأنوار وغشيت الظلمةُ كلّ شيء سواه – ولم تر عيني ولم تسمع أذني، وبطل حسّي، ونطقَ كلّ شيء، فقال الله أكبر، وجاء كلّ شيء وفي يديه حربة ، فقال لي : أهرب فقلت، الى أين؟
فقال ، قعْ في الظلمة، فوقعتُ في الظلمة فأبصرتُ نفسي، فقال لي لا تبصر غيرك أبدا، ولا تخرج من الظلمة أبدا.
– موقف من أنت ومن أنا – 4- ورأيتُ ثوبي يميلُ عنّي والظلام يغشاني، طلع مني العالم صارخا كالحربة، أهبط عميقا في الظلمة ووقعتُ في الظلمة والتقيتُ بك ورأيتُ نفسي وقلتُ سأبقى في الظلمة ولن أخرج.
– تحولات العاشق –
5- فإذا سمّيتك فلا تتسّم.
– موقف الفقه و قلب العين – 5- قلنا لا تسّمنا لمن يسمّى
– تحولات العاشق –
6- واجتمعْ علي باقاصي همّك… القلوب لا تهجم علي
– موقف الموعظة – موقف قلوب العارفين – 6- وأهجمُ عليكِ بقلبي … أجمع اقاصي همومي
– تحولات العاشق –
7- وشجر الحروف الأسماء ، الحرف يسري في الحرف.
– موقف التذكرة – 7- كان اسمها يسير صامتا في غابة الحروف.
– تحولات العاشق –
8- اطلعي أيتها الشمس المضيئة، فقد سلخت الليل وترين نوري كيف يزهر .. انفسحي يا محصورة فقد اطلق أسرك .. وأزف ميقات ظهوري….. وتنزل البركة وتنبت شجرة الغنى في الارض
– مخاطبة وبشارة ايذان الوقت – 8- تقوم، تنفسح الحدود المحصورة، ينطلق الأسر، الشمس التي اوقفناها تنبسط على كل شيء ونرى نورها يزهر .. وتقول نبتت شجرة الروح في الارض
– تحولات العاشق –
9- دخلت معه الى قبره فضاق به .. ارفع الحجاب بيني وبينك.
– موقف الاعمال – 9- وسأنزل معك الى القبر ..
بيني وبينك حجاب ولن تريني
– تحولات العاشق –
10- أفلَ الليلُ وطلع وجه السحر وقام الفجر على الساق، فاستيقظي ايتها النائمة.
– موقف وأحل المنطقة – 10- خيطٌ من الفجر، حامض على العين يوقظنا
النهار يعلن الليل
استيقظي
– تحولات العاشق –
11- ان كان مأواك القرب فرشته لك
– موقف القرب – 11- أفرشه لك غبارا وقبرا.
– تحولات العاشق –
6 – ألاعيب فصل المقال بين ” التناص ” و ” الانتحال “
حين رأيتُ اسمي معلناً – للمرة الأولى – في هامش الصفحة 60 من أطروحة الباحث، سألتُ نفسي، هل ” حصحص الحقّ ” في ذات الباحث الوهايبي فجنح الى الاعتراف بذكر اسم صاحب المقالة بعد مراودته لها عن نفسها سرّاً؟
غير انّ مثل هذا التصور الخاص بي، لا حظّ له من الصحّة أبداً – للأسف الشديد – من حيثُ كونه تصوراً نتج عن قراءتي للاسم في وهلةٍ أولى، أمّا الوهلةُ الثانية لقراءة الاسم مع التفصيل الذي تلاه، فلا بد ّ له من خلق تصوّرٍ آخر لا صلةَ له بانطباعي الأول، بل هو نوع تصوّر يقفُ ضدّاً عليه، بسماحهِ لإكمال السياق الذي بدأه الوهايبي في التعامل مع المقالة و صاحبها برغبة الحجب و الإخفاء المحمومة بلا هوادة. و إليكم الدليل على صحة التصوّر الثاني، كما تم للباحث الوهايبي عرض التفاصيل التي قادتْ الى الاعتقاد بصحته من خلال متن أطروحته و هامشها.
أولاً: باستثناء صاحب المقالة – أنا – و قارئ مفترض أطّلعَ على مضمونها عن كثب، فلن يكون بوسع أحدٍ من القرّاء الآخرين – سوانا – الاهتداء بأيّ دليلٍ ممكن – من متن الأطروحة و الهامش المتعلّق بها – إلى أنّ ذلك المقطع الطويل الذي استخدمه الباحث الوهايبي في أطروحته، و الذي كان يقارن فيه بين عيّنات من نصّ أدونيس و عيّنات من مواقف النفرّي، هو مقطع كان موجوداً من قبل، و بالنص الكامل في مقالة عادل عبد الله، قبل وجوده في أطروحة الوهايبي. ذلك لأنّ الفهم و التصور الذي تقود إليه طريقةُ عرض الباحث الوهايبي لهذا المقطع في متن أطروحته و هامشها، هو نوع تصوّر ينفي بإحكام فرضية وجود هذا المقطع في مقالة سابقة، مؤكدا بطريقة ما، أنّ هذا المقطع إنّما كان من اكتشاف الباحث الوهايبي نفسه، كما سأبيّن ذلك في الفقرات التالية.
ثانياً: في الصفحة 55 من أطروحة الباحث، و تحت عنوان ” الشواهد العامة – اللا إحالية ” يُدرج الباحث إحد نصوص أدونيس من قصيدته ” تحولات العاشق ” ليضعَ في مقابله على نحو مباشر مجموعة منتخبة من عبارات النفّري، ليشرع بعد ذلك، و على مدى ثلاث صفحات، بقراءة النصين قراءة نقديّة غايتها إثبات ” تناص ” أدونيس مع النفّري في هذا المقطع و ليس ” انتحاله ” له.
دعونا نتعرّف الآن على نصَّيْ أدونيس و النفّري اللذين استحضرهما الباحث الوهايبي، من خلال مقالة عادل عبد الله أوّلاً، ثمّ نتعرّفُ من بعد، على النصّين نفسهما كما وجدا في متن أطروحة الباحث الوهايبي، لنتبيّن إن كان هناك من فرقٍ يُذكر بين نوع وجود النصّين في هذين المصدرين المختلفين، أعني أطروحة الباحث الوهايبي و مقالة عادل عبد الله، لكن من دون أنْ نغفل عن مهمة المرور بالهامش الذي وضعه الباحث الوهايبي في الصفحة نفسها، اعني الهامش الذي يحمل اسمي و معلومات مفيدة عن مقالتي، من أجل أنْ نكون على بيّنةٍ من الجهة التي ينسبُ لها هذا الهامشُ مضمونَ نصّي أدونيس و النفّري، أعني هل الجهة هذه، هي مقالة عادل عبد الله ؟ أم أطروحة الباحث الوهايبي؟ و كالتالي :
في مقالة عادل عبد الله، يرد نصّا أدونيس و النفري – و لابأس من التقديم و التأخير هنا، كما فعل الباحث ذلك – على هذا النحو:
نص النفري و يليه نص أدونيس
1-
“كذلك أوقفني الربُّ و قال لي: قل للشمس أيتها المكتوبة بقلم الربّ اخرجي وجهك، وابسطي من أعطافك، و سيري حيثُ ترين فرحك على همّك و أرسلي القمر بين يديك، و لتحدّق بك النجوم الثابتة و سيري تحت السحاب و اطلعي على قعور المياه و لا تغربي في المغرب و لا تطلعي في المشرق و قفي للظل “
} و في سطور تسبق هذا يرد {
فأنت وجهي الطالع من كلّ وجه …و لا تنامي و لا تستيقظي حتّى آتيك ” – موقف مخاطبة و بشارة و إيذان الوقت –
2-” و قال لي: قد جاء وقتي و آنَ لي أنْ أكشفَ عن وجهي… فإنّي سوفَ أطلعُ و تجتمع حولي النجوم و أجمع بين الشمس و القمر و أدخل في كلّ بيت ولتحدّق بك النجومُ الثابتة، و يسلّمون عليّ و أسلّم عليهم و ذلك بأنّ لي المشيئة و بإذني تقوم الساعة.
– موقف جاء وقتي –
1-
هكذا يقول السيد الجسد، أيتها المرأة المكتوبة بقلم العاشق، سيري حيث تشائين بين أطرافي، قفي و تكلّمي: ينشقّ جسدي و تخرج كنوزي، زحزحي نجومي الثابتة، واستلقي تحت سحابي وفوقه – في اغوار الينابيع وذرى الجبال – عالية ، عالية ، عالية صيري وجهي الطالع من كلّ وجه .. شمسا لا تطلع من الشرق ، لا تغيب في الغرب ولا تستيقظي ولا تنامي.
– تحولات العاشق، الصفحة نفسها –
2- تجتمعُ حولي أيّامُ السنة، أجعلها بيوتاً و أسرّة و أدخل كلّ سرير ٍ و بيت، أجمعُ بين القمر و الشمس، و تقوم ساعة الحبّ، أنغمسُ في نهر يخرج منك الى أرض ثانية، أسمع كلاماً يصير جنائن و أحجاراً أمواجاً أمواجا و زهراً سماوي الشوك.
– تحولات العاشق ص 514- 515 الأعمال الكاملة- دار العودة,
أمّا أطروحة الوهايبي فقد استحضرتْ النصّين بالطريقة التالية:



