” أدونيس ” و ” أنا “بين ” تناص ” المنصف الوهايبي و ” انتحال ” كاظم جهاد//بقلم:عادل عبدالله
يقول أدونيس:
” أيتها المرأة المكتوبة بقلم العاشق، سيري حيث تشائين بين أطرافي، قفي و تكلّمي: ينشقّ جسدي و تخرج كنوزي، زحزحي نجومي الثابتة، واستلقي تحت سحابي وفوقه – في اغوار الينابيع وذرى الجبال – عالية ، عالية ، عالية صيري وجهي الطالع من كلّ وجه .. شمسا لا تطلع من الشرق ، لا تغيب في الغرب ولا تستيقظي ولا تنامي.
تجتمعُ حولي أيّامُ السنة، أجعلها بيوتاً و أسرّة و أدخل كلّ سرير ٍ و بيت، أجمعُ بين القمر و الشمس، و تقوم ساعة الحبّ، أنغمسُ في نهر يخرج منك الى أرض ثانية، أسمع كلاماً يصير جنائن و أحجاراً أمواجاً أمواجا”
أمّا نصّ النفّري – بعد حذف العبارات التي جاء بها الوهايبي لإضفاء نوع ما من الاختلاف عن النص الذي وُجد في مقالتي، و هي عبارات ليس لها ما يُشبهها في نصّ أدونيس، و هذا هو مبرر حذفي لها– فهي وفقاً لمتن أطروحة الوهايبي:
“كذلك أوقفني الربُّ و قال لي: قل للشمس أيتها المكتوبة بقلم الربّ اخرجي وجهك، ابسطي من أعطافك، و سيري حيثُ ترين فرحك على همّك و أرسلي القمر بين يديك، و لتحدّق بك النجوم الثابتة و سيري تحت السحاب و اطلعي على قعور المياه و لا تغربي في المغرب و لا تطلعي في المشرق و قفي للظل “
– موقف مخاطبة و بشارة و إيذان الوقت –
و يقول في موقف قد جاء وقتي ” و قال لي: قد جاء وقتي و آنَ لي أنْ أكشفَ عن وجهي… فإنّي سوفَ أطلعُ و تجتمع حولي النجوم و أجمع بين الشمس و القمر و أدخل في كلّ بيت ولتحدّق بك النجومُ الثابتة، و يسلّمون عليّ و أسلّم عليهم و ذلك بأنّ لي المشيئة و بإذني تقوم الساعة، و أنا العزيز الرحيم”
أمّا وضع النصّين بالتقابل، نص عادل عبد الله و نص الوهايبي عن أدونيس، من جهة، و نص عادل عبد الله و الوهايبي عن النفّري، من جهة أخرى، فسيسفر عن النتيجة التالية:
نص عادل عبد الله من قصيدة أدونيس و يليه نص المنصف الوهايبي من قصيدة أدونيس
1-
هكذا يقول السيد الجسد، أيتها المرأة المكتوبة بقلم العاشق، سيري حيث تشائين بين أطرافي، قفي و تكلّمي: ينشقّ جسدي و تخرج كنوزي، زحزحي نجومي الثابتة، واستلقي تحت سحابي وفوقه – في اغوار الينابيع وذرى الجبال – عالية ، عالية ، عالية صيري وجهي الطالع من كلّ وجه .. شمسا لا تطلع من الشرق ، لا تغيب في الغرب ولا تستيقظي ولا تنامي. – تحولات العاشق، الصفحة نفسها –
2- تجتمعُ حولي أيّامُ السنة، أجعلها بيوتاً و أسرّة و أدخل كلّ سرير ٍ و بيت، أجمعُ بين القمر و الشمس، و تقوم ساعة الحبّ، أنغمسُ في نهر يخرج منك الى أرض ثانية، أسمع كلاماً يصير جنائن و أحجاراً أمواجاً أمواجا و زهراً سماوي الشوك.
– تحولات العاشق ص 514- 515 الأعمال الكاملة- دار العودة,
” أيتها المرأة المكتوبة بقلم العاشق، سيري حيث تشائين بين أطرافي، قفي و تكلّمي: ينشقّ جسدي و تخرج كنوزي، زحزحي نجومي الثابتة، واستلقي تحت سحابي وفوقه – في اغوار الينابيع وذرى الجبال – عالية ، عالية ، عالية صيري وجهي الطالع من كلّ وجه .. شمسا لا تطلع من الشرق ، لا تغيب في الغرب ولا تستيقظي ولا تنامي.
تجتمعُ حولي أيّامُ السنة، أجعلها بيوتاً و أسرّة و أدخل كلّ سرير ٍ و بيت، أجمعُ بين القمر و الشمس، و تقوم ساعة الحبّ، أنغمسُ في نهر يخرج منك الى أرض ثانية، أسمع كلاماً يصير جنائن و أحجاراً أمواجاً أمواجا”
أدونيس – تحولات العاشق ص 514- 515 الأعمال الكاملة- دار العودة,
أمّا نصّا عادل عبد الله و الوهايبي – قدر تعلّق الأمر بالنفّري فهما:
نص عادل عبد الله عن النفّري و يليه نص الوهايبي عن النفّري
1-
“كذلك أوقفني الربُّ و قال لي: قل للشمس أيتها المكتوبة بقلم الربّ اخرجي وجهك، وابسطي من أعطافك، و سيري حيثُ ترين فرحك على همّك و أرسلي القمر بين يديك، و لتحدّق بك النجوم الثابتة و سيري تحت السحاب و اطلعي على قعور المياه و لا تغربي في المغرب و لا تطلعي في المشرق و قفي للظل “
} و في سطور تسبق هذا يرد {
فأنت وجهي الطالع من كلّ وجه …و لا تنامي و لا تستيقظي حتّى آتيك “
موقف مخاطبة و بشارة و إيذان الوقت –
2-” و قال لي: قد جاء وقتي و آنَ لي أنْ أكشفَ عن وجهي… فإنّي سوفَ أطلعُ و تجتمع حولي النجوم و أجمع بين الشمس و القمر و أدخل في كلّ بيت ولتحدّق بك النجومُ الثابتة، و يسلّمون عليّ و أسلّم عليهم و ذلك بأنّ لي المشيئة و بإذني تقوم الساعة.
– موقف جاء وقتي –
“كذلك أوقفني الربُّ و قال لي: قل للشمس أيتها المكتوبة بقلم الربّ اخرجي وجهك، ابسطي من أعطافك، و سيري حيثُ ترين فرحك على همّك و أرسلي القمر بين يديك، و لتحدّق بك النجوم الثابتة و سيري تحت السحاب و اطلعي على قعور المياه و لا تغربي في المغرب و لا تطلعي في المشرق و قفي للظل “
– موقف مخاطبة و بشارة و إيذان الوقت –
و يقول في موقف قد جاء وقتي ” و قال لي: قد جاء وقتي و آنَ لي أنْ أكشفَ عن وجهي… فإنّي سوفَ أطلعُ و تجتمع حولي النجوم و أجمع بين الشمس و القمر و أدخل في كلّ بيت ولتحدّق بك النجومُ الثابتة، و يسلّمون عليّ و أسلّم عليهم و ذلك بأنّ لي المشيئة و بإذني تقوم الساعة، و أنا العزيز الرحيم”
السؤال هنا ما هو الاختلاف بين النصّين، النص الذي استحضرته مقالتي، و النص الذي استحضرته أطروحة الوهايبي؟
إذا أهملنا العبارات التي أضافها الوهايبي الى النصّين لإضفاء نوع من الاختلاف عن طريقة استحضار مقالتي لهما – و ربّما لحاجة تخصّ بحثه، لم يكن لها من مثيل في غايتي بحثي – فمن الواضح القول: إنّ متن أطروحة الوهايبي يستخدم و يستحضر الهويّة الأصيلة المعرّفة بالنصّين اللذين وُجدا في مقالتي من قبل، أعني العيّنات التي انتخبتها من قصيدة أدونيس ” تحولات العاشق ” لغرض إحالتها على عيّنات من بعض مواقف النفّري، لا بدلالة المضمون المشترك لمحتوى النصّين فحسب، بل بدلالة المصادر التي أُخذ النصّان منها و التي ثبّتتها كلّ من المقالة و الأطروحة و هي، كما ورد في المقالة و الأطروحة على حدّ سواء: قصيدة أدونيس ” تحولات العاشق ” و بعض من مواقف النفّري، هما موقف ” قد جاء وقتي ” و موقف ” مخاطبة و بشارة و إيذان الوقت “
لكن، و هذه التفاتة مهمة، قد يخفى معناها على بعضٍ من القرّاء، مفادها:
لئن كانت مقالة عادل عبد الله تحيل نصّي أدونيس و النفّري الى مصدرهما على نحو مباشر، فإنّ لها من الحقّ في إجراءٍ كهذا، بسببٍ من كشفها الأول عن علاقة النصّين، من جهة، و بسبب من عدم وجود بحث سابق آخر منشور يمكن للمقالة ذكر مصدره من جهة أخرى، و هو حقّ لا تمتلكه أطروحة الوهايبي إلّا إذا أشارتْ بنصّ صريح الى وجود هذين النصّين نفسهما من قبلُ في مقالة عادل عبدالله، ثم يجري تيرير ذلك بالقول: إنّما يجري استحضارهما هنا، ربّما للحوار معه في مضمونهما أو لتفنيد التصورات التي دوّنتها مقدمة المقالة عنهما، من أجل وضع تصورات أخرى عنهما، و هذا هو نوع العذر الأول للباحث، أمّا نوع العذر الآخر الذي يعفيه من المساءلة فهو، عدم علمه بوجود مثل هذه المقالة من قبل، أو عدم اطلاعه عليها – في الأقل – و هذه فرضية تنفيها الكثير من تفاصيل أطروحة الباحث، ناهيك عن ذكرها حيناً و ذكر اسم صاحبها آخر. أمّا المسألة الثالثة التي لم أجد للوهايبي عذراً يناسب ارتكابها، فهي: لماذا انتخبَ الوهايبي من قصيدة أدونيس تلك المقاطع المحددة التي سبقَ للمقالة انتخابها حصراً، من دون غيرها من مقاطع القصيدة الطويلة؟ بل لماذا أحال هذه المقاطع المنتخبة من قصيدة أدونيس نفسها على المقاطع المنتخبة من مواقف النفّري، بذات الكيفية التي سبقتْ لمقالة عادل عبد الله فعلها؟ أمْ، هل كان الوهايبي يعتقد أنّ مهمة مقالة عادل عبد الله بالنسبة له هي: جمع العيّنات و النماذج من نصّي أدونيس و النفّري ليتسنى لأطروحته من بعد توظيفها و استخدامها مادة للتنظير و النقد مما يساعده و يوفّر عليه الكثير من عناء البحث و التنقيب عنها؟ بل هل يمكن القول بأخذ بعض من مضامين أطروحته المسوّغة لفعلي التناص و الانتحال، بجريرة و محتوى تنظيره عن ” الجسد المرئي و الجسد المتخيل ” من حيث اتخاذه لمقالة عادل عبد الله جسداً متخيلاً لبناء جسد أطروحة المرئي؟
مع ذلك، لماذا سكتت أطروحة الوهايبي عن ذكر أيّة عبارة تستوعب أو تشير الى هذا المعنى الذي أتحدثُ الآن عنه؟ أعني إحالة النصّين معا – نصّ أدونيس و النفّري – كلّ الى مصدره، على نحو مباشر بطريقةٍ موحيةً الى القارئ – بإجراءٍ كهذا – أنّ عملية استحضار النصّين برمّتها إنّما كانت بمنزلة كشفٍ لصاحب الأطروحة، و ليس لأحدٍ سواه؟
هنا يحقّ للقارئ الكريم أنْ يتوجّه اليّ بالسؤال التالي: المْ تكن قد ذكرتَ قبل قليل بأن هناك هامشاً وضعه الباحث الوهايبي في الصفحة ذاتها، و قد أعلن فيه عن اسمك و معلومات مفيدة عن مقالتك؟
أمّا إجابتي عن السؤال هذا فهي: نعم لقد فعل الباحثُ الوهايبي ذلك بالتأكيد كلّه، غير أن هذا الهامش الذي نتحدث عنه و الذي تكرّم الباحث الوهايبي بذكر اسمي في نصّه، إنّما وُضعَ بعناية فائقة ليُفهَم من معناه: أنّ النصّين اللذين يتعلّق بهما، هما نصّان من اكتشاف الباحث الوهايبي نفسه و ليس لعادل عبد الله من يدٍ أو حظّ في اكتشافهما!! و هذا هو المضمون الذي ستتحدثُ عنه و عن تعدد معانيه في الفقرة التالية.
ثالثاً: في الهامش المرقم 32 من الصفحة 60 يكتب الباحث الوهايبي ما نصّه ” يقارن عادل عبد الله بين قصيدة أدونيس ” تحولات العاشق ” و مقتطفات من كتاب النفّري ” المواقف و المخاطبات ” فيحصي أوجه التشابه بين النصّين، دون تحليل أو حتّى مجرد إشارة الى استبدال السياق في قصيدة أدونيس. و يتساءل عن السبب الذي جعل النقّاد يغفلون عن هذه ” السرقة ” هل كان ذلك لأنّ كتاب النفّري نادرٌ و غير متداول أمْ لأنّ الريبة لا ترقى لأدونيس ” أنظر الطليعة الأدبية ص 86 – 89 بغداد تشرين الثاني 1978 “
ثم يتبع نصّ الهامش هذا – على نحو مباشر – بإضافة تخص بحثاً له، هو البحث نفسه، ذلك التي تمت الإشارة اليه بإضافةٍ وضعها تحت الهامش الأول الذي أشار فيه على نحو مبهم لمقالتي، أمّا الإضافة الحالية لهذا الهامش فهي نصّا ” في هذا السياق، يشير صاحب البحث الى أنه نحا نفس المنحى في دراسة لمصادر التجربة الصوفية في ” مفرد بصيغة الجمع ” لأدونيس فقد ألحّ على التشابه الكبير بين نصوص أدونيس و نصوص النفري، و اعتبر أدونيس ناقلاً مستنسخاً، و لم يشر الى التناص إلّا عرضا ( انظر ” التجربة الصوفية في مفرد بصيغة الجمع ” الجامعة التونسية – أكتوبر 1985 .”
رابعاً: حين كانت النقطتان ” أولاً و ثانياً ” من هذه الفقرة – 6 – مخصصتين لبحث موضوع محدد بدقّة مفاده: إمكانية العثور على أيّ معنى يمكن اتخاذه دليلَ صدقٍ على إشارة الباحث الوهايبي لمقالة عادل عبد الله بوصفها مصدراً كان له قصب السبق في استخدام النصّين – نصّ أدونيس و النفّري – قبلَ استحضاره النصّين نفسهما في متن أطروحته، ثم عرفنا من بعد بأنّ الباحث الوهايبي قد عمل جاهدا على نسبة النصّين إلى اكتشافه الشخصي، مكتفياً و مفضلاً إحالتهما الى مصدريهما في أعمال ادونيس و النفّري، كما فعل ذلك على مدى خمس صفحات من بحثه – أيْ من الصفحة 55 الى الصفحة 59 – مع التذكير أنّ تلك المصادر التي أحال عليها الوهايبي نصّي أدونيس و النفّري، هي نفس المصادر التي تم للمقالة تثبيتها و إحالة النصّين عليها من قبل،
أقول لمّا كنّا قد تعرّفنا على كلّ ذلك، أيْ تعرفّنا على أنّ إمكان إحالة النصّين الى مقالة عادل عبد الله قضيّة لا حظّ لها من الوجود، و أنّ الباحث قد غادر الموضوع هذا و طوى صفحته، فمن المؤكد أنّ الهامش الموجود في الصفحة 60 – وهو الهامش الذي يذكر الباحث الوهايبي فيه اسمي – إنّما يتعلق بموضوع آخر لا علاقة له من قريب أو بعيد بموضوع إمكان إحالة النصّين الى مقالة عادل عبد الله.
فما هو الموضوع الجديد هذا؟ ما مناسبة ذكر اسمي فيه؟ و هل يمكن الاهتداء من خلال ذكر هذا الاسم في هذا الهامش، الى أيّ معنى يفيد إحالة النصّين – و من دون وعي من الباحث الوهايبي -على المقالة بوصفها مصدراً تمّ له بحث هذين النصّين من قبل؟
دعونا نتعرّف الآن على محتوى المتن الذي كتبه الباحث الوهايبي في الصفحة 60 ثم وضع هذا الهامش على علاقة تفسيرية به، لنحصل على الإجابة الكاملة عن كل هذه الأسئلة التي تمّ لي طرحها.
يقول الباحث في نهاية الصفحة 59 ” قد يتساءل القارئ و هو يقرأ البيانين المتقدمين } يعني نصّ أدونيس و النفّري {إنْ كان التناص في قصيدة أدونيس – تحولات العاشق – سرقة و استنساخاً، أم تعالقاً و توليدا؟ و قد يجد في نفسه ميلاً الى ترجيح الاحتمال الأول، فيثبت السرقة و الاستنساخ . هامش برقم 32 “
– انتهى نص الوهايبي – و بهذه النهاية تمّ طيّ صفحته، قدر تعلّق الأمر بأمل العثور على الإشارة الى مقالة عادل عبد الله بوصفها مصدراً سبق له التعامل مع النصين – قيد البحث – قبل تعامل أطروحة الباحث الوهايبي معهما.
الأمر الذي يعني – وهذه مسألة بالغة الأهمية – أنّ أيّة إشارة قادمة من الباحث الوهايبي لعادل عبد الله أو لمقالته، سيتمّ تفسيرها على أنّها إشارة لموضوع آخر، أيّ موضوعٍ ممكنٍ سوى الاعتقاد بربط هذه الإشارة بذلك الموضوع الذي تمّ للباحث طيّ صفحته.
فهل فعل الباحث شيئاً من هذا؟ أعني هل أشار الى مقالة عادل عبد الله و عنوانها في هامش جديد استدعى مضمون متنهِ الاشارة الى مصدره؟ ما هو الموضوع الجديد هذا؟ و لماذا لا يمكن لنا عدّ الهامش الخاص به، إشارة الى موضوع النصّين اللذين تمّ طيّ صفحتهما؟ بل هل يمكن القول: إنّ هذا الهامش الجديد سيفضح لعبة الوهايبي كلّها، في عدم إشارته لموضوع النصّين – اللذين تمّ طيّ صفحتهما – الى مصدرهما الشرعي، و هو مقالة عادل عبد الله، على الرغم من حرص الباحث الوهايبي على إخفاء هذه القضيّة كلّها ؟ دعونا نراجع ملّف النصين مرّة ثانية.
في الهامش 32– و لا بدّ من استحضاره هنا مرّة ثانية – و نصّه ” يقارن عادل عبد الله بين قصيدة أدونيس ” تحولات العاشق ” و مقتطفات من كتاب النفّري ” المواقف و المخاطبات ” فيحصي أوجه التشابه بين النصّين، دون تحليل أو حتّى مجرد إشارة الى استبدال السياق في قصيدة أدونيس. و يتساءل عن السبب الذي جعل النقّاد يغفلون عن هذه ” السرقة ” هل كان ذلك لأنّ كتاب النفّري نادرٌ و غير متداول أمْ لأنّ الريبة لا ترقى لأدونيس ” أنظر الطليعة الأدبية ص 86 – 89 بغداد تشرين الثاني 1978 “
ثم يتبع نصّ الهامش هذا – على نحو مباشر – بإضافة تخص بحثاً له، هو البحث نفسه، ذلك التي تمت الإشارة اليه بإضافةٍ وضعها تحت الهامش الأول الذي أشار فيه على نحو مبهم لمقالتي، أمّا الإضافة الحالية لهذا الهامش فهي نصّا ” في هذا السياق، يشير صاحب البحث الى أنه نحا نفس المنحى في دراسة لمصادر التجربة الصوفية في ” مفرد بصيغة الجمع ” لأدونيس فقد ألحّ على التشابه الكبير بين نصوص أدونيس و نصوص النفري، و اعتبر أدونيس ناقلاً مستنسخاً، و لم يشر الى التناص إلّا عرضا ( انظر ” التجربة الصوفية في مفرد بصيغة الجمع ” الجامعة التونسية – أكتوبر 1985 .”
من الواضح القول، بأن مضمون الهامش هذا، يتحدث عن موضوع آخر لا يمكن الاستدلال من خلاله على أيّ معنى يفهم منه الإشارة الى مقالة عادل عبد الله بوصفها مصدراً سبق له التعامل مع النصّين نفسهما، أمّا الدليل على ذلك فهو ما يمكن أنْ تفصح عنه الإجابةُ عن السؤال التالي:
هل كانت مقارنة “عادل عبد الله بين قصيدة أدونيس ” تحولات العاشق ” و مقتطفات من كتاب النفّري ” المواقف و المخاطبات ” و التي أحصى فيها ” أوجه التشابه بين النصّين” في عدد المجلة المذكور، كما يرد في نصّ هامش الوهايبي، تحتوي و تتضمن نفس النصوص و العيّنات التي تمّ للباحث الوهايبي عرضها و نقدها في الصفحات الخمس من 55 – 59 من أطروحته، أم أنها كانت نصوصاً أخرى لا تمتّ لعرض الباحث الوهايبي بصلة ما؟
في حقيقة الأمر أنّ الإجابة الصحيحة الكاملة عن هذا السؤال المحدد، إمّا أنْ تكون نعم أو لا. أعني إمّا: نعم إنها النصوص نفسها بالضبط، و هذه نوع إجابةٍ تستدعي معاييرُ البحث الأكاديمي و أخلاقيات الكتابة، الإشارة – من الباحث الوهايبي – الى أنّ هذه النصوص ذاتها قد وجدت من قبل في مقالة عادل عبد الله و قد تمّ لهذا الكاتب إحصاء ” أوجه التشابه بين النصّين” . و هنا سيكون الحقّ كلّه مع الباحث في نقد مقارنة عادل عبد الله للنصين و الاختلاف معه و تفنيد ما يقول .
أمّا الإجابة عن السؤال نفسه، إذا كانت : لا، إنّما هي نصوص غير تلك التي استحضرها الباحث في متن أطروحته، فإن معايير البحث الأكاديمي و أخلاقياته تستدعي – هذه المرّة – و بالضرورة تعريف القارئ الكريم و لجنة المناقشة بمضمون تلك المقارنة التي تحصي بين قصيدة أدونيس ” تحولات العاشق ” و مقتطفات من كتاب النفّري ” المواقف و المخاطبات ” و التي يحصي فيها عادل عبد الله “أوجه التشابه بين النصّين ” و إلّا فإنّ حكم الباحث على مقارنة عادل عبد الله بين النصّين، و هو – وفقاً لنصّ الباحث – من ” دون تحليل أو حتّى مجرد إشارة الى استبدال السياق في قصيدة أدونيس” سيكون حكماً غيابيّا جائرا بسبب من عدم تعريف و اطلاع القارئ على النصوص التي استخدمها عادل عبد الله في هذه المقارنة بين قصيدة أدونيس تحولات العاشق و ” مقتطفات من مواقف النفّري “
مع ذلك كلّه، دعونا نسأل الباحث الوهايبي و القارئ الكريم على حدّ سواء هذا السؤال الدقيق:
إذا كانت النصوص التي قارن فيها عادل عبد الله بين نصّي أدونيس و النفّري غير موجودة في متن أطروحة الباحث الوهايبي، و لم تجرِ إشارة الباحث لها من جهة،
ثمّ كان هامش الباحث يشير الى نصّين أجرى عادل عبد الله مقارنةً بينهما من جهة ثانية،
ثم أصدر الباحثُ حكْمَهُ على نوع هذه المقارنة بوصفها ” ” تحصي أوجه التشابه بين النصّين، دون تحليل أو حتّى مجرد إشارة الى استبدال السياق في قصيدة أدونيس” من جهة ثالثة،
ألا يعني مثل هذا الحكم بأنّ هذه المقارنة التي أجراها عادل عبد الله بين النصّين و التي أصدر الباحث حكمه بشأنها، هي مقارنة موجود بالفعل في مصدر منشور ما؟
أين يمكن لنا أن العثور على هذا المصدر؟ على الأخص أنّ الباحث الوهايبي لم يعرّفنا بالمصدر المفترض في الحالة التي تكون الإجابة فيها عن سؤالنا بالنفي، بسبب من عدم وجود مثل هذا المصدر المفترض الذي يحتوي الإجابة.، بالنسبة له.
ألا يعني كلّ ذلك بأن مضمون الهامش الذي يرد فيه ( يقارن عادل عبد الله بين قصيدة أدونيس ” تحولات العاشق ” و مقتطفات من كتاب النفّري ” المواقف و المخاطبات ” فيحصي أوجه التشابه بين النصّين، دون تحليل أو حتّى مجرد إشارة الى استبدال السياق في قصيدة أدونيس) أعني الهامش الذي ينقل الباحث فيه، عن عادل عبد الله تساؤله ( عن السبب الذي جعل النقّاد يغفلون عن هذه ” السرقة ” هل كان ذلك لأنّ كتاب النفّري نادرٌ و غير متداول أمْ لأنّ الريبة لا ترقى لأدونيس ) أيّ الهامش الذي يشير الباحث الوهايبي إلى أنّ مصدره هو ” أنظر الطليعة الأدبية ص 86 – 89 بغداد تشرين الثاني 1978 “
أقول ألا تعني لنا كلّ هذه التفاصيل، بأنّ المقارنة التي أجراها عادل عبد الله بين النصّين، هي نوع مقارنةٍ لها وجود فعلي واقعي منشور بدلالة أشارتْ الباحث الى مصدرها؟
ثم ألاْ يمكن لنا عدّ هذه التفاصيل كلّها اعترافاً صريحا بأنّ النصوص التي استحضرها الباحث الوهايبي في متن أطروحته، هي النصوص نفسها التي أجرت مقالةُ عادل عبد الله المقارنة بينها – من قبل – من جهة؟ على الأخص و أن الباحث يذكر في الهامش نفسه المصدر المنشور لمقارنة عادل عبد الله و هو ” ” أنظر الطليعة الأدبية ص 86 – 89 بغداد تشرين الثاني 1978 “
ثمّ لمّا كان هذا المصدر – من جهة أخرى – هو الوحيد الذي أجرى هذه المقارنة، فإنّ الأمر سيعني هنا و على نحو قاطع هذه المرّة، بأن الباحث الوهايبي قد استخدم النصّين الموجودين في مقارنة عادل عبد الله لكن مع رغبة بعدم الإشارة لها مطلقا خلال استخدامه لتلك المقارنة في صفحات متن اطروحته المذكورة، و هو أمر لم يستطع إخفاءه جيدا فجاء هذا الهامش ليكشف عن كلّ ما سكتت تلك الصفحات عنه .
7– الوهايبي ينتحل من المقالة أسئلتها و إجاباتها.
مرّ بنا قول الباحث الوهايبي و هو يعيب على مقدّمة مقالة عادل عبدالله، بأن ” كاتب المقالة لا يقدّم تفكيراً بمشاكل النصّ أو بهذا النمط من التعامل مع نصّ الآخر ” كما نقل الشاعر كاظم جهاد عنه في الصفحة 80 من كتابه. و من الواضح القول إنّ مثل هذا الوصف للمقالة يعفي الباحث الوهايبي من اقتباس بعض آراء مقدمة المقالة أو استعارة بعض أفكار كاتبها. لكن هل التزم الباحثُ الوهايبي بمضمون هذه المسألة و امتنع بالفعل عن استعارة بعض أفكارها المهمة؟ يبدو أن الباحث الوهايبي لم يفعل ذلك، أو أنّه نسيَ – على الأقل – أوصافه المعيبة لها، حين استحضر إحدى أفكارها المهمة و أدرجها في سياق أطروحته من دون أيّة إشارة لمصدرها. دعوني أثبتْ ذلك لكم و على النحو التالي:
أولاً: في هامش الصفحة 60 من أطروحة الوهايبي، ينقل الباحث عن نصّا من مقدمة عادل عبد الله هو: أنّ كاتب المقالة ( يتساءل عن السبب الذي جعل النقّاد يغفلون عن هذه ” السرقة ” هل كان ذلك لأنّ كتاب النفّري نادرٌ و غير متداول أمْ لأنّ الريبة لا ترقى لأدونيس” ؟)
ثانياً: في الصفحة المرقمة 62 من أطروحة الباحث الوهايبي، يرد النصّ التالي ” لقد غفل النقّاد الذين درسوا شعر أدونيس، عن تداخل بعض نصوصه مع النفّري، و خاصة في مجموعته، كتاب التحولات و الهجرة في أقاليم النهار و الليل، و هي غفلةٌ قد يكون مردّها الى سببين رئيسيين، أوّلهما أن نصوص النفّري لم تكن متداولة بين الناس، عندما نشر أدونيس قصيدته تحولات العاشق عام 1962 . و ثانيهما أنّ أدونيس قد أغفل الإشارة إلى تأثّره بالنفّري في كلّ الحورات الأدبية التي تحدّث فيها بإسهاب عن مصادر تجربته الصوفية ” – انتهى كلام الباحث الوهايبي –
دعونا نتساءل الآن عن الفرق بين معنى النصّين – نصّ عادل عبد الله و نصّ الوهايبي – و على وفق الطريقة التالية:
– إنّ النصين معاً يتحدثان عن الموضوع نفسه، و هو ” لماذا غفل النقّاد عن قضيّة انتحال أدونيس للنفّري ” و مثل هذا الموضوع يرد في نصّ عادل عبد الله على النحو التالي – كما ينقل الباحثُ نفسه ذلك – بقوله إنّ كاتب المقالة ” يتساءل عن السبب الذي جعل النقّاد يغفلون عن هذه ” السرقة “
أمّا النحو الذي ورد عليه نص الوهايبي المنسوب لنفسه فهو ” ” لقد غفل النقّاد الذين درسوا شعر أدونيس، عن تداخل بعض نصوصه مع النفّري “
من الواضح القول هنا إنّ عادل عبد الله و الباحث الوهايبي يتساءلان عن الموضوع نفسه ” و هو لماذا غفل النقاد عن مسألة انتحال أدونيس للنفّري ” و معنى هذا بعبارة أخرى: إن الوهايبي يستعيد في نصّه مضمون سؤال عادل عبد الله نفسه.
أمّا عن الإجابة الخاصة بهذا السؤال لكلّ من عادل عبد الله و الوهايبي، فهي:
– إنّ إجابة عادل عبد الله عن السؤال الذي طرحه هي ” هل كان ذلك لأنّ كتاب النفّري نادرٌ و غير متداول أمْ لأنّ الريبة لا ترقى لأدونيس “
أمّا إجابة الباحث الوهايبي عن السؤال نفسه فهي ” أنّ مردّ ذلك الى سببين رئيسيين، أوّلهما أنّ نصوص النفّري لم تكن متداولة بين الناس، عندما نشر أدونيس قصيدته تحولات العاشق عام 1962 . و ثانيهما أنّ أدونيس قد أغفل الإشارة إلى تأثّره بالنفّري في كلّ الحورات الأدبية التي تحدّث فيها بإسهاب عن مصادر تجربته الصوفية”
الآن دعونا نتساءل عن الفرق بين قول عادل عبد الله ” لأنّ كتاب النفّري نادرٌ و غير متداول” و بين قول الوهايبي ” أنّ نصوص النفّري لم تكن متداولة بين الناس، عندما نشر أدونيس قصيدته تحولات العاشق”
أمّأ السببُ الثاني الذي يعزو اليه الباحث الوهايبي سبب غفلة النقاد عن انتحال أدونيس وهو ” أنّ أدونيس قد أغفل الإشارة إلى تأثّره بالنفّري في كلّ الحورات الأدبية التي تحدّث فيها بإسهاب عن مصادر تجربته الصوفية”
و مثل هذا السبب موجود في مضمونه و معناه في مقدمة عادل عبد الله التي يتساءل فيها عن السبب في ” عدم إشارة أدونيس للنفري ” في نصّ قصيدته ، حتّى أنّ الشاعر كاظم جهاد يأخذ هذا المعنى من مقدمة المقالة فيقول ” سواء أفي الشواهد التي قدّمها الوهايبي أو هذه التي طرحها صلاح نيازي، أو حالة انتحال النفّري التي كشف عنها عادل عبد الله و التي لا يلجأ فيها أدونيس حتّى الى أقواس وإشارات وهميّة أو تحويرات صياغية طفيفة لعصرنة الخطاب ……” المصدر أدونيس منتحلاً ص 97 .
خلاصة القول في هذه المسألة كلّها: إنّ الباحث الوهايبي الذي وسم مقدمة مقالة عادل عبد الله ببضعة من العيوب، يستحضر من هذه المقدمة ذاتها بعضاً من أفكارها و مضميمنها و عباراتها أيضا.
8- المهمة المفترضة لمقالة عادل عبد الله
طرحنا في الفقرة السادسة من هذه الدراسة سؤالاً بصيغة الاستنكار، مفاده ” هل كان الوهايبي يعتقد أنّ مهمة مقالة عادل عبد الله بالنسبة له هي: جمع العيّنات و النماذج من نصّي أدونيس و النفّري ليتسنى لأطروحته من بعد توظيفها و استخدامها مادة للتنظير و النقد مما يساعده و يوفّر عليه الكثير من عناء البحث و التنقيب عنها؟
يبدو لنا ان مثل هذا السؤال له ما يبرر طرحه و يسوّغه، لا بالاستناد الى العيّنة التي تمّ الحديث عنها في تلك الفقرة فحسب، استناداً الى وقائع جديدة تثبتُ تكرار المسألة ذاتها، أعني استحضار الباحث الوهايبي لعيّنات منتخبة من مقالة عادل عبد الله و هي تقارن بين نصّي أدونيس و النفّري ليجري توظيفها و استخدامها في أطروحته من أجل غاياتٍ نقديّة و تنظيرية تخصّ نوع بحثه، و من دون الإشارة – بطبيعة الحال – لا الى مصدرها في المقالة، و لا الى كون الباحث يستخدمها من أجل الاختلاف مع طريقة فهم عادل عبد الله لها. مثال ذلك:
في الصفحة 73 من أطروحة الوهايبي يستحضر الباحث النصين الموجودين في المقالة و هما أولاً نصّ أدونيس ” و قلت أيها الجسد انقبض و انبسط و اظهر و اختف، فانقبض و انبسط و ظهر و اختفى “
و نصّ النفّري من بعد، و هو ” يا نور انقبض و انبسط و انطو و انتشر و اخف و اظهر، فانقبض و انبسط و انطوى و انتشر و خفي و ظهر”
و مثل هذا الإجراء نفسه يحدث في الصفحات 74،77، 88.
غير أنّ الأمر المحزن في هذه المسألة، بل و المثير للشفقة على الباحث أيضا، هو تدوينه لهامش في الصفحة 88 أراد بوضعه مراجعة القارئ لمصدر هذه النصوص التي استخدم بعضها على نحو كامل في اطروحته، نصّه ” أنظر النصّ الوارد في هذا الفصل ” بعبارة أخرى : أن الباحث الوهايبي يحيل القارئ هنا الى نصّي أدونيس و النفّري بوصفهما كشفاً من كشوفه !!
بعبارة أخيرة: ما من عيّنة استخدمها الباحثُ المنصف الوهايبي في أطروحته لجهة إثبات فعل التناص بين نصّي أدونيس و النفّري، لم تكن موجودةً من قبلُ في مقالتي. أو بعبارة أخرى تؤدي المعنى نفسه و تثير التساؤل: إنّ الباحث الوهايبي لم يستخدم من نصوص أدونيس كلّها، و من مواقف النفّري أجمعها – موضوعا للتناص – إلّا تلك النصوص التي تمّ لمقالتي استحضارها من قبل. لكن من دون أيّة إشارة تفيدُ معنى استحضار تلك العيّنات من مصدر المقالة .
9- غواية النفّري تجمعُ الوهايبي بأدونيس.
في منهج البحث من مقدّمةِ أطروحة الباحث التي تقدّم بها الى الجامعة التونسية لنيل شهادة الدكتوراه من الدرجة الثالثة عام 1987 و التي كان عنوانها ” الجسد المرئي و الجسد المُتخيّل، في شعر أدونيس – قراءة تناصيّة ” يضعُ الباحثُ الوهايبي عبارتين إثنتين، أولاهما بيت شعرٍ لأدونيس هو ” الجسد الذي قال إقرأني كتبتُ غيره، أكتبني قرأتُ غيره. أمّا العبارة الأخرى فهي من إحد مواقف النفّري، و هي ” و قال لي: كلّما إتسعتْ الرؤية، ضاقت العبارة”.
دعونا نتساءل الآن: لئن كانت العبارةُ الأولى – عبارة أدونيس الشعرية – تحمل مبررات وضعها معها، بسبب من صلتها الوثيقة بموضوع بحث الوهايبي، فإنّ العبارة الثانية – عبارة النفّري – ليس لها مثل هذا التبرير الواضح لوضعها من حيث علاقتها بعنوان البحث، بل ليس لها من ضرورة لاختيارها – تحديدا- من دون غيرها من عبارات مواقف النفّري، ناهيك عن عدم إشارة الباحث الى أيّ صلةٍ مفترضه بين مضمون هذه العبارة و موضوع بحثه من جهة، و عدم تضمّنها لا لمفردة تدلّ على صلتها بعنوانه و لا على معنى يشير إليه، سواء أ كان هذا المعنى على صلةٍ بالجسد أم بالتناص.
ما الذي أراده الوهايبي إذن من اختيار هذه العبارة – عبارة النفّري – تصديرا لمتن كتابه بأجمعه؟
يبدو لي أن اختيار عبارة النفّري هذه تحديداً، ينطوي على كثير من المعاني مما لا صلة مباشرة له بموضوع بحث الوهايبي، إنّما تتلخص صلتها بأجمعها بالعلاقة المفترضة بين أدونيس و النفّري، اعني باكتشاف أدونيس للنفّري، بتأكيد الهوية الصوفية التي استعارها الشاعر من الصوفي، و بمباركة الباحث لهذه الصلة و اعترافها بها، و ربّما لضمّ نفسه الى هذه الصحبة و إعلان إنتمائه لها، و اختصاصه بشؤونها أيضا..
ذلك لأنّ أدونيس قد سبق له وضع هذه العبارة ذاتها عنواناً أكبر لشعره، مكرّماً إيّاها بتصديرها لمجموعته الشعرية الأكثر شهرة ” تحولات العاشق و الهجرة في أقاليم النهار و الليل” تماماً كما فعل الدكتور عبد القادر محمود في تقديمه لكتاب “المواقف و المخاطبات” للنفّري بوضع هذه العبارة نفسها عنواناً لمقدمة كتاب النفّري، مشيرا الى المكانة السامية لهذه العبارة من علاقتها بالشعر، بوصفه لها أنها ” الرائعة الشهيرة المنبثة الان في أعمق أعماق الشعر المعاصر الحي ” في إشارة منه غير معلنة الى شعر أدونيس لا سواه.
فإذا كان الأمر كذلك مغوياً، فلمَ لا يضع الباحثُ هذه العبارة عنواناً لبحثه، لعلّها تضفي على مضمونه من الوقار و الهيبة الصوفية ما يستحقّه هذا البحث منهما، على الأخص أن صلة أدونيس بالنفّري تؤلف الفصل الأكثر أهمية في بحث الوهايبي كلّه .
لكن هل جهد الباحثُ نفسه في إدراك معنى هذه العبارة على وفق السياق الصوفي الذي أراد النفّري لعبارته أنْ تُفهم عَبْره؟ أم أنها عبارة واضحة بذاتها ليست بحاجة الى شرح و تفسير أكثر من معناها الذي تجود به بكلّ هذا الكرم من العمق و البساطة، كما اعتقد أدونيس ذلك من قبل و تبعَهُ في اعتقاده الدكتور عبد القادر محمود، حين لم يشغلا نفسيهما ببحث معناها العميق، المعنى الذي لم تبلغ فطنة أدونيس و لا عبد القادر محمود كنهه و عمقه و هو يقف ضدّاً مباشراً على نوع فهمهما لمضمونه، كما أثبتت إحدى دراسات هذا الكتاب هذه الأفكار كلّها.
خلاصة القول، ثمة مجاملة من الباحث لأدونيس في اختياره هذه العبارة، طمأنة و وعد خفي مفاده: بأن ما سبق لباحث ما نشره تحت عنوان ” انتحالات أدونيس ” سيجري في هذا البحث التصدّي له، مواجهته و ردّه الى رتبة التناص المشروع و ليس الى الانتحال المحرّم، كما تزعم مقالة الشاعر عادل عبد الله.
– انتهى القسم الأول من هذه الدراسة و سيليه القسم الثاني منها، و هو خاص بالحوار مع كتاب الشاعر كاظم جهاد ” أدونيس منتحلاً “
– ملاحظة: جميع الأحالات و الاقتباسات و الإشارات الموجودة في هذه الدراسة – قدر تعلّق الأمر بالوهايبي و كاظم جهاد، مأخوذة من المصدرين :
– كاظم جهاد، أدونيس منتحلاً، مكتبة مدبولي، الطبعة الثانية، 1993 .
– المنصف الوهايبي، الجسد المرئي و الجسد المتخيل في شعر أدونيس – قراءة تناصيّة، الجامعة التونسية كلية الآداب و العلوم الانسانية، 1987. نسخة الكترونية – مكتبة نور.



