” أدونيس ” و ” أنا “بين ” تناص ” المنصف الوهايبي و ” انتحال ” كاظم جهاد//بقلم:عادل عبدالله
2- بحثاً عن السبق في انتحالات أدونيس
يقول الباحث الوهايبي إنّ بحثه ” هو بحث أدبي قبل كلّ شيء، عدّته النص الأدبي ” – ص 14- و أنه سينظر الى النصوص، أيْ نصوص أدونيس “بعين ثالثة، هي عين الخيال و الذاكرة” – ص 24 – و لأن جزءاً من العين الثالثة هو “الخيال” لا يدخل في موضوع بحثنا على نحو مباشر، أي لأنّ الذاكرة من هذه العين الثالثة هي التي تهمنا الآن، يجدر بنا التعرّف على النص الذي كتبه الوهايبي لوصفها و هو ” و أمّا الذكرة فلأنّ نصوصاً متداخلة كانت تلوحُ لصاحب البحث، من خلف شعر أدونيس، خفيّة، جليّةً حيناً آخر، فكان لا بدّ أن يتعرّفها و قد تبيّن صلاتِ الرحِم بينها و بين هذا الشعر” – ص 25 –
أحسبُ أنّ أسئلة محددة يثيرها نصّ الوهايبي أعلاه، لا بدّ له و لنا من العثور على إجابات كافية لها، فقول الوهايبي إنّ ” نصوصاً متداخلة كانت تلوحُ لصاحب البحث، من خلف شعر أدونيس، خفيّة، جليّةً حيناً آخر، فكان لا بدّ أن يتعرّفها و قد تبيّن صلاتِ الرحِم بينها و بين هذا الشعر” يستوجب التساؤل بكل تأكيد عن ماهية النصوص هذه التي كانت تلوح لصاحب البحث من خلف شعر أدونيس؟ أعني متى تعرّفَ الباحث عليها و تبيّن صلات الرحِم بينها و بين شعر أدونيس؟ أ كان ذلك قبلَ نشر عادل عبد الله لمقالته في عام 1978 أم بعد هذا التاريخ، أي في عام كتابة الباحث الوهايبي لإطروحته الجامعية عام 1987 التي يشير في أحد هوامشها الى بحث له – غير منشور – عن الموضوع نفسه تولّى كتابته عام 1985 ؟ – كما سنمرّ بذكر مضمون هذا الهامش بالتفصيل؟
لماذا لم يعلن الباحث الوهايبي للجمهور في بحث منشور عن “تناص” شعر أدونيس مع تلك النصوص التي كانت تلوح له أو يعلن “انتحال” أدونيس لها، و لماذا انتظر هذا الزمن الطويل كلّه من 7 – 10 سنوات ليعلن عن تبيّنه لتلك الصلات؟ بل لماذا لم يشر الى مقالة الشاعر عادل عبد الله في هذا السياق الحالي، بوصفها عملاً سابقاً قد ” لاحت لصاحبه و تبيّنت صلات الرحِم ” له بين شعر أدونيس و مواقف النفّري قبل أن تلوح لصاحب البحث الوهايبي مثل صلات الرحم هذه؟
يبدو لي أنّ رغبةً خفيّة لدى الشاعر الباحث الوهايبي توجّه بحثَهُ جهةَ القول – غير الصريح – بأنّ انتحالات أدونيس للنصوص إنّما كان كشفاً له و ليس لأحد غيره، و هذه مسألة سيجري تأكيدها من خلال نصوصٍ و أساليب عرضٍ مثيرة للشكّ حرص الوهايبي على التعامل بها مع مقالة الشاعر عادل عبد الله .
3- لعبة المتن و الهامش، مفاجآت و أسرار
في القسم الأوّل من أطروحة الوهايبي و هو المعنون ” آلية التناص في شعر أدونيس ” – أعني القسم الذي سيكون موضع الحوار مع الوهايبي حصراً، لصلته الوثيقة بمقالتي – يقتبس الباحث الوهايبي شذرة من مواقف النفّري، تحديداً من موقف ” جاء وقتي ” و هو أحد المواقف التي انتحل أدونيس عدداً من أبياته الشعرية منه – كما ورد في مقالتي – لكن من دون أية إشارة تخصّ المقالة أو تخصّني، و ليس لذلك من أهمية تُذكر، لأنّ الأهم هو قول الوهايبي في الصفحة 43 متسائلاً ” كيفَ تُكتشف هذه النصوص الغائبة؟ و إذا اكتُشفتْ فما هي المبادئ التي تحكم علاقتها بالنص الذي زجّ بها في سياقه ؟ “
هنا، يبدو لي أنّ حوارأ “خفيّا ” قد بدأ الآن للمنصف الوهايبي مع مضمون مقالتي، أو بالتحديد مع المقدمة الموجزة التي وضعتها للجدول المقارِن بين نصّي أدونيس و النفّري. أقول ذلك: لأنّ الباحث الوهايبي يتساءل الآن عن ” المبادئ التي تحكم علاقة ” النصين، الحاضر المنتحِل – بكسر الحاء – مع الغائب المنتَحل – بفتحها – أيْ أنه يتساءل – بعبارة أخرى – عن كيفية تعامل الناقد أو الباحث المكتشِف لفعل الانتحال من حيث عرضه ثقافيّا و نقديّا لمضمون اكتشافه، من جهة، و لمّا كان الباحث الوهايبي، من جهة أخرى، قد أعاب – في أكثر من موضع من أطروحته – على المقدمة الموجزة التي وضعتها لمقالتي عن انتحال أدونيس للنفّري، كقوله ” ان كاتب المقالة لا يقدّم تذكيرا بمشاكل النص او بهذا النمط من التعامل مع نص الاخر ” كما نقل الشاعر كاظم جهاد في ” أدونيس منتحلاً” عن أطروحته.
لذا ولأنّ الباحث الوهايبي يريد أنْ يجد المسوّغ الذي سيقدّم من خلاله للقارئ تصوراته الخاصة عن المبادئ التي تحكم النصوص المنتحلة و تحليله الخاص لها، على الرغم من أن تلك النصوص المنتحلة قد تمّ اكتشافها من قبل صاحب المقالة و ليس من قبله، فإنه يتساءل الآن عن كيفية تعامل القارئ المكتشِف – و هو أنا بكلّ تأكيد، لعدم وجود قارئ آخر أعلن اكتشافه قبلي – لفعل انتحال أدونيس لبعض نصوصه من جهة، مُعيباً على مقدمتها التعامل مع الموضوع المكتشَف من جهة أخرى . لكن من دون ذكر صريح، لا لصاحبها و لا لعنوانها و متنها .
من هنا، أيْ من بعد أنْ عثر الوهايبي على مسوّغات اتخاذ مقالة عادل عبد الله موضوعاً لدراسته، أصبح الوقتُ مناسباً لنقل الحوار مع المقالة من حيّز وجودها بالقوة الى حيّز وجودها بالفعل، و من هنا أيضاً سيشرع الوهايبي في تعريفنا بهذه “المبادئ التي تحكم علاقتها بالنص الذي زجّ بها في سياقه” من وجهة نظره، محللّا هذه النصوص من بعد، و ملقّحا إيّاها بالنقود الثقافية و الأدبية و التنظرية التي شكّلت هذا القسم من متن بحثه الأ كاديمي، كما فعل ذلك بالضبط. لكن، من دون أيّة إشارة تذكر أو تلمّح لعنوان مقالتي أو لاسم صاحبها.
أمّا الدليل القاطع الذي أقيمه على صحة فرضية الحوار الخفي للباحث مع مقالتي من دون ذكرها، فإنّما يتمثّلُ بالإجابة التي وضعها الباحث عن سؤاله نفسه، أعني سؤاله الذي يقول ” و إذا اكتُشفتْ فما هي المبادئ التي تحكم علاقتها بالنص الذي زجّ بها في سياقه ؟” من حيث أنّ نص إجابته – في الصفحة 43 – هو ” إنّ الأمر موكول الى القارئ و إلى ثقافته، و لذلك فإنّ النصوص المكتشفة أو المستحضرة قد تختلف من قارئ الى آخر، باختلاف ثقافة كلّ منهما، فقصيدة تحولات العاشق، قد تحيل قارئاً على نصوص النفّري } هامش برقم1{ و قد تحيل آخر على منارات سان جون بيرس} هامش برقم {و قد تحيل ثالثاً على النفّري و بيرس معاً، و قد لا تشير في ذهن البعض الآخر أيّ أصداء فيعتبرها إبداعاً محضاً } هامش 2 {“
هذه هي المرّة الأولى التي تجري خلالها الإشارة الصريحة الى مقالتي ” تحولات العاشق بين أدونيس و النفّري ” أعني الدليل الذي يثبت أن الباحث الوهايبي قد بدأ حواره الخفي مع مقالتي ثم أضطر الى نقل هذا الحوار من نوع وجوده الذهني الكامن الى نوع وجود المعلن الصريح، لكن بطريقة أكثر مُكراُ و دهاءً و تلبيساً و تضليلاً لإمكان تعرّف أحد ما على مضمون هذه المقالة أو على صاحبها أيضا !! كيف؟
في النص الذي يُجيب فيه الباحثُ عن سؤاله حول كيفية التعامل مع النص المكتشف، يرد قول الباحث في المتن ” فقصيدة تحولات العاشق، قد تحيل قارئاً على نصوص النفري ” مع رقم يشير الى وجود هامشٍ يتعلّق بهذا المتن.
أمّا نصّ الهامش فهو ” أنظر مجلة الطليعة الأدبية، العدد 11 ، ص 86 – 89 . بغداد . تشرين الثاني 1978 “
و هي إشارة لم يرد فيها – كما هو واضع للعيان – لا عنوان المقالة و لا اسم صاحبها في الهامش المخصص لهذه الغاية، كما هو واضح . فماذا يقول نصُّ الباحث الوهايبي و ماذا يقول هامشُهُ :
أوّلاً: لنفترض أنّ القارئ لم يطلّع على هذه المقالة، او لم يتسنّ له الحصول على نسخة من عدد المجلة الذي يشير اليه الباحث الوهايبي في هامشه، فهل يمكن لهذا القارئ، أنْ يتعرّف على اسم كاتب المقالة أو على عنوانها أو مضمونها الخاص بها و الذي يريد الباحث الوهايبي التحوار معه، سواء أ كان تعرّف القارئ من خلال المتن الذي كتبه الباحث أو من خلال الهامش الموضّح له؟ بل كيف يمكن للقارئ أنْ يتعرّف على شيء من ذلك، في متنٍ نصُّه ” فقصيدة تحولات العاشق، قد تحيل قارئاً على نصوص النفّري” و في هامشٍ لهذا المتن نصّه ” أنظر مجلة الطليعة الأدبية، العدد 11 ، ص 86 – 89 . بغداد . تشرين الثاني 1978 ” ؟
من الواضح القول، إنّ ما يتضمّنه قول الوهايبي في متنه و هامشه هو: أن هناك عملاً ما، لقارئ ما، أحال صاحبُه قصيدة تحولات العاشق الى مواقف النفّري، و أنّ هذا العمل قد تمّ نشره في مجلة الطليعة الأدبية، العدد 11 ، ص 86 – 89 . بغداد . تشرين الثاني 1978 ” لكن ما عنوان هذا العمل؟ و من هو صاحبُه؟ يبدو أنّها مسألة لا يرى الوهايبي من ضرورة تمسّ لذكرهما، و لذا فهو يسكت عنهما معا.
ثانياً: في الصفحة نفسها – أيْ صفحة 43 – و تحت الهامش الذي يشير الى مقالتي مباشرة – و ليس في هامش آخر – يكتب الوهايبي واصلاً ما سيكتبه بحرف عطف مع الهامش الخاص بمقالتي ما يلي ” و التجربة الصوفية في مفرد بصيغة الجمع لأدونيس، موضوع لنيل شهادة الكفاءة في البحث إعداد : م. المنصف الوهايبي – إشراف الأستاذ توفيق بكار – الجامعة التونسية 1985 “
دعونا نتساءل الآن – أولاً – عن ضرورة أو مسوّغ إضافة الوهايبي لهذا النص الذي يشير الى عمله؟ أعني قوله ” و التجربة الصوفية في مفرد بصيغة الجمع لأدونيس، موضوع لنيل شهادة الكفاءة في البحث إعداد : م. المنصف الوهايبي – إشراف الأستاذ توفيق بكار – الجامعة التونسية 1985 “
بعبارات ُخر، لئن كان الهامش الذي وضعه الوهايبي في إشارة منه لمقالتي، له ما يبرره من حيث كونه مصدرا تم لصاحب المقالة النشر فيه، فإنّ مثل هذه العلاقة لا وجود لها في النص الذي إضافه الوهايبي للهامش الخاص به، إذ ليس هناك – في المتن نفسه – ما يستدعي الاشارة له في الهامش، مثلما ليست هناك من ضرورة أو مناسبة للعطف بين نص الهامش الخاص بي، و الإضافة التي حرص الوهايبي على إلحاقها به.
أعني : لمّا كان المتن الخاص بي، يشير الى إحدى أنواع القراءات المحتملة التي قد يركن القارئ إليها في حال اكتشافه لعلاقة ما بين نصّي أدونيس و النفّري، فإن ّ مثل هذه القراءة قد وجدت بالفعل في المقال الذي يشير اليه الوهايبي في متنه، لكن هل هناك من متن يستدعي الاشارة الى عمل الوهايبي في الهامش الذي ذكره عن نفسه؟ أم أنّ البحث الذي يشير اليه الوهايبي في متنه و الخاص به، يشرك المقالة في ذهابها الى الرأي نفسه، أيْ إحالة نص أدونيس للنفّري انتحالاً؟ يبدو أنّ هذا الفرض لا وجود له، و لم يعلن الوهايبي عنه.
ثالثاً: مع ذلك كلّه، دعونا نتساءل الآن عن الفرق في طريقة تدونين الوهايبي للهامش الخاص بالاشارة الى مقالتي، مع الإضافة التي ألحقها الباحث بهذا الهامش من دون مناسبة أو تبرير – معلن – لإجرائه. يقول الوهايبي في الإضافة الخاصة به ” و التجربة الصوفية في مفرد بصيغة الجمع لأدونيس، موضوع لنيل شهادة الكفاءة في البحث إعداد : م. المنصف الوهايبي – إشراف الأستاذ توفيق بكار – الجامعة التونسية 1985 “
هل تنبّه القارئ الكريم الى الدقّة الأكاديمية التي حرص الباحث الوهايبي على الالتزام بها في تعامله مع المصدر الذي يشير فيه الى بحثه و نفسه؟ من حيث أنّ هناك، أوّلاً ذكر صريح لعنوان بحثه ” التجربة الصوفية في مفرد بصيغة الجمع لأدونيس” ثم هناك من بعد، نسبة واضحة و إشارة صريحة لصاحب البحث، و هو المنصف الوهايبي، بل هناك أيضا معلومات مضافة تخصّ نوع البحث – من حيث كونه إعداداً – و اسم الاستاذ المشرف عليه، و المناسبة التي قدّم الوهايبي فيها بحثه .
و هو الأمر ذاته الذي حدث على نحو بيّن في الهامش الآخر المرقم 3 من الصفحة 43 ذاتها، حيث يحيط الباحثُ الوهايبي القارئ َ علماً بمصدر الفكرة التي وردتْ في متنه، فيذكر أولاً إسم مؤلّف الكتاب ” امطانيوس ميخائيل، ثم يذكر من بعد، نصّ قوله مقتبساً، و عنوان كتابه الذي ورد هذا النص المقتبس فيه و الصفحة التي تضمّنته أيضا.
و في حقيقة الأمر، إنّ هذه الدقة الأكاديمية التي تعامل بها الباحث الوهايبي مع مصادره التي يشير إليها في هوامش صفحات بحثه، تكاد تسري و تشمل مصادر البحث كلّه. باستثناء الهامشين رقم 1 و رقم 2، من الصفحة ذاتها. لكن من دون أنْ تعني إشارتي هنا الى عيب تدوين الوهايبي لهذين الهامشين، محاولةً منّي لإحصاء بعض عيوب أطروحة الباحث – كما يفعل الأساتذة المناقشون للأطاريح في مناسبة كهذه، على الإطلاق – إنّما تأتي هذه الإشارات لعيوب هذين الهامشين حصراً، بسبب الريبة المؤكدة من نوع تدوينهما أولاً، ثم لصلتهما الوثيقة من بعد، بالموضوع الرئيس لبحث الوهايبي من حيث علاقته بمقالتي آنفة الذكر، و هو الأمر الذي قد يشي بتعمد الباحث إفتعال هذا الإيهام في طريقة تدوينه للهامشين.
فإذا كان الأمر كذلك، أعني إذا كان الباحث الوهايبي ملتزماً بالطريقة الصحيحة منهجيّا في التعامل مع مصادر بحثه الموجودة في هوامشه، حريصاً على إنجازها على وفق المعايير القياسية لأصول البحث الأكاديمي، فلماذا غادر هذه الدقّة الأكاديمية و هجر مفرداتها و معاييرها في التعامل مع المصدر الذي يشير فيه الى مقالتي في هامش الصفحة 43 ، حيث جنح الى تدوين هذا المصدر من دون ذكرٍ صريح، لا لعنوان المقالة و لا لأسم صاحبها أيضا؟
أمّا الهامش المرقم 2 من الصفحة 43 ذاتها و الذي تمّ للباحث الوهايبي استثنائه من الدقّة الأكاديمية أيضا، فيجدر التعرف على نص المتن الذي أشار اليه هذا الهامش أولاً، وهو ” فقصيدة تحولات العاشق، قد تحيل قارئاً على نصوص النفّري و قد تحيل آخر على منارات سان جون بيرس و قد تحيل ثالثاً على النفّري و بيرس معاً و قد لا تشير في ذهن البعض الآخر أيّة أصداء فيعتبرها إبداعاً محضاً و ليس عجباً أن تخفى هذه النصوص المتداخلة عن صنف من القرّاء، فهي لون من الحقائق اللطيفة، لا يهتدي إليها إلّا مَنْ تيقّظ حدْسُه و توثّبت ذاكرته و اتسعت ثقافته”
أمّا النص الكامل لهذا الهامش المتعلّق بالمتن أعلاه فهو ” قصيدة Amers لسان جون بيرس. أنظر Gallimard- Paris 1957) )
إنّ السؤال الذي يطرح الآن نفسه بصدد نوع تدوين هذا الهامش – رقم 2 – هو : ما الذي ينظره القارئ في المصدر المشار إليه و هو ” قصيدة Amers لسان جون بيرس. أنظر Gallimard- Paris 1957) ) ؟ ” ما هو المقطع الشعري أو العبارة الشعرية المفردة، التي يتعيّن على القارئ النظر إليها ليكتشف وجود صلة ما بين نصّ قصيدة أدونيس تحولات العاشق و بين نصّ قصيدة بيرس منارات؟ أم يريد الباحث الوهايبي أن يشرك القارئ الكريم في مهمة البحث عن هذه المقاطع المتداخلة بين نصّي أدونيس و بيرس؟
يبدو لي – أولاً – أن هذا المقطع بأجمعه، أعني سؤال الباحث و نوع إجابته عنه، الإجابة المتمثّلة في إمكان تعدد الإحالات الى النفّري تارة و الى بيرس أخرى و اليهما معاً تارة ثالثة، بل و إلى إمكان عدم إحالة نص أدونيس الى أيّ مصدر منتَحل و عدّه إبداعاً محضاً، قد وضع بعناية فائقة و برغبة مبيّتة من الباحث بتهوين شأن المسألة و مصادرة مواطن القوّة في مقالتي التي تشير الى انتحال أدونيس لنصّ النفري، من حيث أن قصيدة أدونيس ” تحولات العاشق ” قد تحيل قارئاً آخر الى ” منارات ” سان جون بيرس، و قد تحيل ثالثاً الى النفّري و بيرس معاً، و قد لا تحيل القارئ الى أيّ مصدر آخر فيعدّها إبداعاً محضاً، كما يقول، و لذا فإنّ مثل هذا الكشف لا يعدّ مزيّة تفرّد صاحب المقالة بامتلاكها.
مع ذلك، دعونا نتساءل الآن عن القارئ المفترض الذي يمكن أن يحيله نص قصيدة أدونيس ” تحولات العاشق ” الى نص قصيدة ” منارات ” لسان جون بيرس، و ليس الى مواقف النفّري وحده كما تذهب مقالتي الى ذلك: من هو القارئ المفترضُ هذا؟ و هل هناك من نصّ له يثبتُ بدليل ما إمكان إحالة قصيدة أدونيس” تحولات العاشق ” الى سان جون بيرس، و ليس النفّري؟
يبدو لي أنّ هذا القارئ المفترض الذي يحجبُ الباحث في هذه الصفحة و في هامشها اسمه، هو الباحث نفسه، أعني المنصف الوهايبي! و هذه هي المفاجأة الأولى، أمّا المفاجأة المضحكة الثانية فهي أنّ هذا القارئ المفترض الذي يتمكن من إحالة قصيدة ” تحولات العاشق ” الى بيرس و ليس النفّري – وهو الباحث الوهايبي نفسه كما سيكشفُ عنه مضمون المفاجأة الأولى – فيبدو أنه لا يحيل قصيدة ” تحولات العاشق ” الى بيرس، كما يرد في نص الوهايبي، إنّما يحيل قصيدة أخرى من شعر أدونيس الى بيرس!!
أمّا الأدلة القاطعة التي تكشف عن مضمون المفاجأتين فهي: ما يرد في الصفحة 46 من أطروحة الباحث الوهايبي، حيث يستحضر نصاً لأدونيس تجري نسبة هذا النص من “قِبله” الى شعر بيرس، الأمر الذي يعني أنّ الباحث الوهايبي يعلن الآن عن نفسه بوصفه القارئ المفترض الذي يتمكن من إحالة نص قصيدة ” تحولات العاشق ” الى بيرس و ليس الى النفّري، بعد أن كان هذا القارئ مجهولاً غير مصرّح باسمه لا في الهامش المرقم 2 و لا في المتن الذي يتعلّق به هذا الهامش و الذي مفاده إمكانية إحالة قصيدة أدونيس ” تحولات العاشق ” الى بيرس أيضاً، و ليس الى النفّري وحدة كما فعلت المقالة.
دعونا نتعرّف الآن على المفاجأتين بالتفصيل:
في الصفحة 46 يستحضر الباحث نصّ قصيدة لأدونيس – و أنا مضطرّ هنا الى نقله بالكامل ضماناً لتعريف القارئ الكريم بأبعاد مسرحية التمويه و المُكر الخفي للباحث الوهايبي – أمّا النص فهو:
” في أيّ ربّ جديد/ تنهمر أجسادنا/ ضاق علينا الحديد/ و ضاق جلّادنا/ باسم خراب سعيد/ ييأس ميلادنا/ ضيّقة جباه أيامنا/ و السنون عجفاء راكدة/ عواصفنا في خرق، و سماؤنا الرمل، و ها نحن في الفصول، نتحصّن بإهدابنا و نمشي تحت سماء فسيحة من البغال و المدافع، و غبار المقابر يمسك بأهدابنا ( و أهدابنا مخيطة بالأبر) } هامش رقم 10 {
هذا هو النص الكامل الذي استحضره الباحث الوهايبي من قصيدة أدونيس، مضيفاً في سياق التدليل على علاقته بنص سان جون بيرس ما يلي ” تتداخل هذه القصيدة مع ثلاث قصائد لسان جون بيرس، هي أناباز، و أمطار، و منفى } هامش برقم 11 { لكن أدونيس لم يشر في الهامش إلّا إلى ثلاث جمل مقتبسة من بيرس، هي الجمل الواردة بين هلالين } هامش برقم 12 {
قبل أن أعرّف القارئ الكريم بمضمون هذه المسرحية التي حرص الباحث على أن تكون من تأليف و تمثيله و إخراجه، أود الإشارة الى مضامين الهوامش الثلاثة التي وردت في نصه و هي : الهامش رقم 10 و يرد فيه مصدر قصيدة ادونيس و نصّ هذا المصدر هو ” أدونيس، أوراق في الريح – الأعمال الكاملة – 103 الى 242 قصيدة مرثية الأيام الحاضرة، من صفحة 220 الى صفخة 226.
أمّا الهامش برقم 11 فمفاده: تعريف بالشاعر سان جون بيرس و بقصائده الثلاث التي ورد ذكرها و هي، أناباز و أمطار و منفى.
أمّا الهامش رقم 12 فنصّه ” لا توجد في أعمال أدونيس الشعرية الكاملة ط 4 – دار العودة 1985 – أيةُ إشارة إلى اقتباسات شعرية باستثناء هذه الإشارة التي وردت بالصيغة التالية: الجمل الواردة في هذه القصيدة بين هلالين، مقتبسة من سان جون بيرس. و هو أمر يبعث على الاستغراب، خاصة أن الطبعات القديمة لمجموعات أدونيس كلّها تخلو من هذه الإشارة، و من أيّ إشارة أخرى الى تضمين أو اقتباس ” – انتهى كلام الباحث الوهايبي الذي يخصنا هنا – و أحسب أن السياق قد أصبح الآن مناسباً لتعريف القارئ بتفاصيل مفاجآت مسرحية الباحث الوهايبي المموهة، و كالتالي:
أولاً: بعد أنْ أثبتنا للقارئ الكريم، أنّ القارئ المفترض الذي يمكن له أنْ يحيل قصيدة أدونيس ” تحولات العاشق ” الى سان جون بيرس و ليس الى النفّري، هو صاحب البحث نفسه، من خلال النصوص التي تم لي استحضارها من اطروحة الوهايبي و التي يشير فيها الى اكتشافه تداخل نصّ أدونيس مع ثلاث قصائد لسان جون بيرس – كما مرّ بنا – يحقّ لنا الآن أن نسأل الباحث الوهايبي عن عنوان قصيدة أدونيس التي أحال بعض أبياتها الى ثلاث قصائد من بيرس، و هذا سؤالٌ تسهل الإجابة عنه بسببٍ من أنّ الباحث الوهايبي يثبّتُ عنوان هذه القصيدة و مصدرها بدقّة أكاديمية قياسية و هما – أي عنوان القصيدة و مصدرها– ” أوراق في الريح – الأعمال الكاملة – 103 الى 242 قصيدة مرثية الأيام الحاضرة، من صفحة 220 الى صفخة 226 “
غير أنّ إحالة الباحث الوهايبي لقصيدة أدونيس هذه، و هي ” مرثية الأيام الحاضرة ” تتناقض على نحو صارخ مع نصّ متنه الذي يرد فيه :
” فقصيدة تحولات العاشق، قد تحيل قارئاً على نصوص النفّري و قد تحيل آخر على منارات سان جون بيرس و قد تحيل ثالثاً على النفّري و بيرس معاً ” من حيث أنّ القصيدة التي يتحدثُ هذا النص عنها هي قصيدة ” تحولات العاشق ” لأدونيس، القصيدة التي أحالتها مقالتي على النفّري حصراً، و هي القصيدة نفسها، التي يمكن أنْ يحيلها القارئ المفترض – على وفق نصّ الوهايبي – الى بيرس. غير أنّ المفاجأة التي تدعو الى الدهشة و الحيرة هي: أن القصيدة التي قد يحيلها القارئ المفترض الى بيرس و هو الوهايبي كما مرّ بنا – لم تكن قصيدة ” تحولات العاشق ” التي يجري الحديث عنها، إنّما هي قصيدة ” مرثية الأيام الحاضرة ” من مجموعة ” أوراق في الريح ” لأدونيس، كما كما مرّ الحديث بنا قبل حين و كما أشار الباحث الوهايبي الى هذه القصيدة الأخيرة بدقّة متناهية.
و معنى هذا أن إشارة الوهايبي في نصّه الى إمكان إحالة قصيدة ” تحولات العاشق ” الى أكثر من مصدر سوى النفّري، أعني بيرس، أو بيرس و النفري معاً، أو عدم إحالتها الى أيّ مصدر و اعتبارها إبداعاً محضاً، إشارة غير صحيحة و ليس لها ما يدعمها و يعززها من شواهد قدّمها الباحث الوهايبي للعيان، بل أن الأمر ليثبت حقيقة خلاف ذلك مفادها أنّ قصيدة ” تحولات العاشق ” لأدونيس لا تحيل الى نص آخر سوى نصّ النفّري، كما أتبتتْ مقالتي ذلك.
ثانياً: في نص الهامش المرقم 12 و الذي يشير الباحث الوهايبي خلاله الى علاقة نص قصيدة أدونيس ” مرثية الأيام الحاضرة ” بثلاث قصائد لسان جون بيرس و هو ” لا توجد في أعمال أدونيس الشعرية الكاملة ط 4 – دار العودة 1985 – أيةُ إشارة إلى اقتباسات شعرية باستثناء هذه الإشارة التي وردت بالصيغة التالية: الجمل الواردة في هذه القصيدة بين هلالين، مقتبسة من سان جون بيرس. و هو أمر يبعث على الاستغراب، خاصة أن الطبعات القديمة لمجموعات أدونيس كلّها تخلو من هذه الإشارة، و من أيّ إشارة أخرى الى تضمين أو اقتباس “
لماذا يبعثُ اعتراف أدونيس، بعلاقة بعض عبارات قصيدته بقصيدة سان جون بيرس، في نفس الباحثَ الوهايبي الاستغراب، و لا تبعثُ مثل هذا الاستغراب في نفسه مقالة كاملة مخصصة بالشواهد القاطعة لانتحال قصيدة أدونيس لمواقف النفّري؟ مع التأكيد أن أدونيس لم يضمّن نصّه أو هوامش نصّه – إن وجدتْ – أية إشارة و من أي نوع الى علاقة نص قصيدته بمواقف النفّري؟ فضلاً عن القول الواضح المبين: أن شواهد العبارات الشعرية المتداخلة التي استحضرها الوهايبي كعيّنات لعلاقة تناصيّة بين قصيدة ” مرثية الأيام الحاضرة ” و ثلاث قصائد لسان جون بيرس، لا تملك من القوّة و الوضوح ما يؤهلها الى المقارنة – التي استحضرتْها مقالتي – بين قصيدة أدونيس “تحولات العاشق” و بعض مواقف النفّري، من حيث بلوغها أحياناً حدّ الاستنساخ و التطابق الكامل الذي يثير الدهشة و الاستغراب حقاً؟ بل لماذا لم تستثير في نفس الباحث الوهايبي حقّها الأدنى من التعامل معها، و هو ذكر عنوانها و اسم صاحبها؟
بقي أنْ أضيفَ هنا، و في سياق إجابة الوهايبي عن احتمالات الإحالة التي مرّ بنا ذكرها، إنّ قول الباحث عن قصيدة تحولات العاشق ” و قد تحيل الى النفّري و بيرس معاً ” قول لا يمكن أن يكون صحيحاً على الإطلاق، أمّا السبب في ذلك فهو: إنّ نوع إحالة القارئ المحتملة هذه حصراً، تُعدّ بمنزلة النتيجة المنطقية لمقدّمتين لا بدّ من أنْ تكونا صحيحتين معاً بالضرورة، و هما مقدمة : إحالة القارئ الى النفّري في مقالتي، و هذه مقدمة صحيحة، أمّا المقدّمة الأخرى، و هي إحالة القارئ القصيدة نفسها الى سان جون بيرس، فهي ليست صحيحة على الإطلاق، لأنّ ما أحاله القارئ المفترض، أيْ الوهايبي الى بيرس – كما كشفنا ذلك – هو قصيدة أوراق في الريح و ليس قصيدة تحولات العاشق، و بذا تسقط حجة المقدمة هذه مؤديةً بسقوطها الى فساد النتيجة التي تأسست عليها، أيْ الى إمكان إحالة القارئ قصيدة أدونيس تحولات العاشق الى النفّري و بيرس معا.
أمّا نوع التعامل الرابع الممكن مع قصيدة تحولات العاشق و هو – وفقاً لنص الوهايبي – ” و قد لا تشير في ذهن البعض الآخر أيّة أصداء فيعتبرها إبداعاً محضاً” فهو رأي لا يعوّل عليه البتة بسبب من إدانة الوهايبي نفسه لهذا نوع من القراء من الذين تخفى عليهم حقائق إحالة القصيدة هذه الى مصدر ما فيعتبرونها إبدعاً محضاً، حيث يقول ” و ليس عجباً أن تخفى هذه النصوص المتداخلة عن صنف من القرّاء، فهي لون من الحقائق اللطيفة، لا يهتدي إليها إلّا مَنْ تيقّظ حدْسُه و توثّبت ذاكرته و اتسعت ثقافته” ص 43. الأمر الذي يعني و بالوضوح كلّه: أنّ ذلك القارئ الذي “لا تشير في ذهنه قصيدة أدونيس أية أصداء ” هو ممن لا يهتدي الى الحقائق اللطيفة، و هو ممن لم يتيقّظ حدسه، و لم تتوثّب ذاكرتُه، و لم تتسع ثقافته، وفقاً لما يقوله نصّ الوهايبي و الذي يخصّ به وصف أولئك القرّاء الذين تمكّنوا من إحالة قصيدة أدونيس الى أحد المصادر المشار إليها، و لذا و كما قلت إنّ رأي هذا الصنف الرابع من القرّاء لا يعوّل عليه.
بعد هذا التفصيل والقراءة التحليلة لأحدى نصوص الباحث الوهايبي في أطروحته الجامعية، يمكن القول إنّ الريبة هنا لا تطاله وحده، بل تتعدى ذلك الحدّ لتشمل أستاذه المشرف و اللجنة المناقشة لأطروحته أيضا.
مع ذلك كلّه، احسبُ أنّ ترك الحكم للقارئ الكريم في هذه المفارقات كلّها، أدنى الى الحكمة من إصدار حكمي الخاص عليها ، بعد كلّ هذه التفاصيل التي ذكرتها..



