العشر الأواخر من رمضان: قراءة أنثروبولوجية في سلوك المؤمن بين القدر والتزكية – .ا.د حمام محمد ….جامعة الجلفة…الجزائر

يجتبي الله في ملكوته كلَّ شيء بعينٍ لا تنام، ويقسم أرزاق عباده لمن يشاء بحكمةٍ لا يُسأل عنها، فهو سبحانه صاحب الخزائن التي لم ترها عين، ولم يتسع لها عقل. قال تعالى:﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ﴾ (الحجر: 21).له الجلال في تدبير خلقه؛ فقد درج أقوات عباده، وقسّمهم درجات بين الذين يعلمون والذين لا يعلمون، فقال سبحانه:﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ (المجادلة: 11).وجعل التقوى ميزان الفصل بين الناس، كما قال عز وجل:﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (الحجرات: 13).كما أودع الله في العلماء درجاتٍ وفرقًا، ووضع بين الرسل والأنبياء من الآيات والمعجزات ما يدلّ على فضله العظيم، فقال تعالى:﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ (البقرة: 253).ولم يقتصر هذا التفضيل على البشر، بل شمل الأزمنة كذلك؛ فقد فضّل الله بعض الشهور والأيام فجعل لها قداسة خاصة، وجعل الخير لعباده في هذه التفصيلات الزمنية التي تُعدّ من مظاهر رحمته بخلقه.
ومن هذا المنطلق، ومن باب ربط الممارسة الأنثروبولوجية بدراسة سلوك المؤمنين في العشر الأواخر من شهر رمضان، أردت أن أناقش هذا الفضل وعلاقته بإنسانية الإنسان. ولن أسترسل في ذكر الفضائل والشمائل، فقد تكلمت كتب السيرة والفقه عنها بإسهاب، وإنما سأركز على علاقة العشر الأواخر بالسلوك الإنساني من الناحية السيكولوجية لدى المؤمنين الذين يعتقدون بجلال الله إلى حد الكمال الذي لا يوصف.
لقد جعل الله العشر الأواخر محطةً روحيةً كبرى في رمضان، وكأنها دعوةٌ إلاهية لتغيير الحياة في أيامٍ نراها قليلة في العدد، لكنها عظيمة في المعنى. فهي ليست عشرة أيام فحسب، بل منهج روحي متجدد بفعل عظمة الجزاء الذي وعد الله به عباده.
وقد قال رسول الله ﷺ:«مَنْ قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (رواه البخاري ومسلم).كما ورد في القرآن الكريم قوله تعالى:﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ (القدر: 3).وعندما نتأمل عظمة الجزاء، فإننا نتأمل أيضًا يد الله الممدودة بالرحمة، حيث تتنزل الخيرات على الإنسان فتشمل كل جوارحه دون استثناء. لذلك ربط الله هذه الأيام بالباقيات الصالحات، وبسماع الذكر، وتلاوة القرآن، وتحـصين اللسان والجوارح عن القول المسيء والفعل الأرعن.
وكأن الله يمنح عباده في هذه الأيام فرصةً أخيرة للتطهر الروحي، وفرصةً للفوز بالقرب منه سبحانه. وقد جعل فيها ليلة القدر التي تفوق في فضلها عبادة ألف شهر، بما تحمله من صلاة ومودة ورحمة ومجازاة للمؤمنين.إن العشر الأواخر تمثل في حقيقتها انطلاقةً لمراجعةٍ نهائيةٍ للسلوك الإنساني بعد عشرين يومًا من الصيام والعبادة. فهي مرحلة تصفية روحية يصل فيها الإنسان إلى درجة من الصفاء قد يعجز اللسان عن وصفها.
ومن منظور أنثروبولوجي، فإن الطقوس الدينية الكبرى تعيد تشكيل سلوك الإنسان وتمنحه شعورًا بالانتماء والطمأنينة. وقد أشار عالم الأنثروبولوجيا الفرنسي مارسيل موس إلى أن الطقوس الدينية ليست مجرد ممارسات روحية، بل هي أفعال اجتماعية تعيد بناء العلاقة بين الإنسان والمقدس.كما يرى عالم الأنثروبولوجيا البريطاني برونيسلاف مالينوفسكي أن الشعائر الدينية تؤدي وظيفة نفسية واجتماعية، إذ تمنح الإنسان القدرة على مواجهة القلق الوجودي من خلال الاتصال بالمطلق.
وفي هذا السياق، يمكن فهم العشر الأواخر بوصفها مرآة روحية يرى فيها المؤمن صورةً مستقبليةً لنفسه في الجنة، تتحقق بصدق العمل الصالح. وقد قال النبي ﷺ:
«إِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا» (رواه البخاري).فالمؤمن يعيش في هذه الأيام حالةً من الترقب الروحي لليلة القدر، وكأنه يبحر في بحر القدر الإلهي، منتظرًا لحظة الصفاء التي تتجلى فيها الرحمة الإلهية.
إن تسمية ليلة القدر في بعدها الرمزي والأنثروبولوجي تشير إلى تحديد المكانة والمصير؛ فمن عمل صالحًا ارتفعت منزلته عند الله. ولهذا يعيش المؤمن حالةً من الرجاء والرضا، مستحضرًا قول النبي ﷺ:«عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير…» (رواه مسلم).وفي النهاية، تبقى العشر الأواخر مركز تصفية روحية نهائية لقبول الطاعات، وإبعاد النفس عن المعصية، لتعود إلى ربها راضية مرضية، كما قال تعالى:﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ (الفجر: 27–28).فهي طورٌ جديد يمنح الإنسان فرصة البدء من جديد، في ظل يقين المؤمن بأن الملك لله وحده، وأن هذه الأيام قد تكون آخر فرصة في عمره للتزود من الخير قبل أن يقول:﴿رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا﴾ (المؤمنون: 99–100).ولهذا يدرك المؤمن أن العشر الأواخر ليست مجرد زمنٍ ديني، بل تجربة إنسانية عميقة يعيش فيها الإنسان أقصى درجات الاتصال بين النفس واالواحد القهار..





