الزواج الثاني نكران للجميل أم ترف أم حاجة؟ جنان السعدي
من العبارات الجميلة والمؤثرة والمعبرة (
إنكار الجميل هو أن يكسر الأعمى عصاه بعد أن يبصر ) , بعد رحلة العمر الشاقة
والجهاد في سبيل إقامة العائلة , وحجم التضحية التي قدمتها النسوة المخلصات
الصابرات لأزواجهن والعائلة , وبعد أن قدمّنَ زهرة شبابهن وحسنهن وصحتهن في أيام
العسر والحاجة والشدة , نجد أن بعض الرجال وبعد انقضاء وانحسار سنوات العسر والضيق
والحرمان , يكرمون زوجاتهم بالزواج عليهن بحجج لا ينطبق عليها سوى كلمة نكران
الجميل .
تعدد الزوجات مباح في الشرائع السماوية ,
فقد شرعت الديانة اليهودية الزواج بأكثر من زوجة , وقد جاء في العهد القديم ذكر
لأنبياء و شيوخ تزوجوا أكثر من زوجة , وذكر الحاخام المجري السويسري ( لودويغ
شتاين ) ( وفقاً للتوراة , يعقوب النبي أبو الشعب اليهودي تزوج أربعة نساء , وجده
ابراهيم تزوج اثنتين , وحفيده داود تزوج ثمان عشرة امرأة ) . كما أباحت بعض
المذاهب المسيحية ك ( المورون ) تعدد الزوجات , إلّا أن معظم الطوائف المسيحية
رفضت فكرة تعدد الزوجات , وقيل أن يسوع ( ع ) دعى الى وحدانية الزواج . لكن ظاهرة
تعدد الزوجات برزت بشكل أوضح في الإسلام , ففي الآية 3 من سورة النساء ( فانكحوا
ما طاب لكم من النساء مثنى و ثلاث و رُباع ) هنا أباحت الآية وأذنت بتعدد الزوجات
, لكن الآية اشترطت العدل في النفقة والمبيت ( فإن خفتم ألّا تعدلوا فواحدة ) ثم
تبعتها آية أخرى برقم 129 ( ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء و لو حرصتم ) وهنا
تبين الآية المباركة استحالة إقامة العدل في الميل النفسي والعاطفي والحب و الرغبة
بين الزوجات , وقد جاء في كتاب ( وسائل الشيعة ) للحر العاملي في الحديث النبوي
رقم 27248 , عن الإمام الباقر( ع ) عن جده رسول الله ( ص ) أنه قال ( من كانت له
امرأتان , فلم يعدل بينهما في القسم من نفسه وماله , جاء يوم القيامة مغلولاً
مائلاً شقّه حتى يدخل النار ) . هذا التشديد في إقامة العدل في النفقة ومعائش
الزوجات ومعاشرتهن , يعني أن الزواج ليس عبثياً ومطلقاً للزوج وفقاً لرغائبه
ومتنفساً لشهواته كيفما يشاء .
وقد تبنى الإسلام مبدأ تعدد الزوجات لظروف
خاصة تمر بها العائلة وخاصة الزوجة حينما تعيش ظروف المرض القاهرة أو العقم , مما
يعيقها عن تأدية واجباتها الزوجية وعدم قدرتها على القيام بأعمالها المنزلية بشكل
تام , أو حدوث خدش في العلاقة الزوجية نتيجة اختلاف الرؤى وتباين المستوى الثقافي
والإجتماعي و الإقتصادي بين الزوجين , والأجدر كان دراسة تلك التمايزات بنظر
الإعتبار قبل عقد الزواج وتقرير الإرتباط من دونه , كي لا يحصل هذا النفور
والتباين في المشاعر والأحاسيس والمواقف بين الزوجين والتي تؤدي فيما بعد الى
الزواج الثاني أو الطلاق .
وقد أجازت قوانين الأحوال الشخصية تعدد
الزوجات في الدول الإسلامية ومنها العراق , حيث أجاز قانون الأحوال الشخصية
العراقية لعام 1959 تعدد الزوجات بإذن القاضي , واعتبر التعدد حل لمشكلة تعاني
منها الشعوب وخاصة تلك التي مرت بحروب وفواجع أدت الى خلل كبير في أعداد الرجال
والنساء لصالح النساء , مع بروز مشكلة العنوسة والطلاق والترمل بشكل واضح ومثير
للإهتمام , يصبح السماح لتعدد الزوجات حلاً رئيسياً ومهماً فرضته الشريعة وأقره
القانون ودعمه العرف . بل أن هناك دولاً غير اسلامية أوربية تعاني من مشكلة
الفروقات الكبيرة في أعداد الجنسين , مما دعا دولة مثل آيسلندة تمنح امتيازات
مالية لمن يرغب في الزواج من جنسيات أجنبية لنساء آيسلنديات .
في مضمار البحث عن القيمة الروحية للزواج
واحترام أسس العهد الذي وثقته القوانين السماوية والوضعية بين الزوجين , وحجم
المشاعر التي صيغت في بودقة الحب والأحاسيس الجياشة التي ربطت الطرفين , والتي
فرضت وصايتها عليهما في جميع الأوقات والظروف , وجعلت من ذلك الرباط قدسية عظمى ,
وفرضت بعدم التفريط بها لمجرد تغير الحال لأحد الأطراف من حال الى حال , نجد تفريط
بعض الأزواج بها بنوع من الإستهتار والإستكبار , وقد أثيرت حادثة لشاب عامل بناء
تزوج من فتاة فقيرة , عمل على مساعدتها وحثها على اكمال دراستها الثانوية
والجامعية وتحمل كافة مصاريف الدراسة والمعيشة لتصبح طبيبة , وعند حصولها على
الشهادة طلبت منه التفريق كونه لم يعد يليق بمستواها الجديد بطلب لاينطبق عليه سوى
نكران الجميل والتنصل من العهد . وفي حادثة أخرى كان بطلها رجل دين معمم , وهو
الذي كان يعيش مطارداً وبوضع مادي صعب جداً وتحملت معه أصعب الظروف والمواقف
والحالة المعيشية وأنجبت له الأبناء , ليرد بعض ما عانته بعد تغير الحال وتبدل
النظام السياسي بالزواج من ثانية , هذا شكل فاضح لنكران الجميل بعباءة دينية . لذا
أصبحت العبارة التي جاءت في بداية المقال ( انكار الجميل هو أن يكسر الأعمى عصاه
بعد أن يبصر ) منطبقة على تلك النماذج التي ذكرت , والصحيح كان على الأعمى الذي
عاد بصره الإحتفاظ بعصاه والإعتزاز بها وتكريمها وعدم التفريط بها وكسرها لإنها أعانته
وقت الشدة والضيق , وإلّا فإن كسرها يعني كسراً للخواطر وانكاراً للجميل وبيعاً
للعشرة وإخلالاً بالعهد.




