مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
القصة القصيرة

حفار القبور – الداودي الخالدي/المغرب

1000506704

أشعل لفافة الطابا السوداء .. إمتص كمية دخان كافية لحجب ضوء الشمس..متكئ على معوله بعد أن حفر قبرا يقارب طوله المترين وعمقه أكثر من النصف..حدق فيه مليا بعينين كادتا أن تنفلتان داخل جمجمته..تأمل بفلسفته البسيطة مصير هذا الإنسان الضعيف وكيف به سيردم عليه في حفرة ويدك فوقه التراب والحجر..

نفت الدخان في الهواء واشرأب بعنقه ينظر نحو باب المقبرة عل سيارة اسعاف قادمة بضيف جديد..أو جماعة من الرجال تحمل نعشا مهللة مكبرة..”مولانا نسعاو رضاك على بابك واقفين”..

لا أحد قادم…اعاد النظر متأملا القبر …ماذا لوكان الميت طفلا ؟.. تساءل وأجاب نفسه بسرعة البرق…سأردم نصف الحفرة…! مؤلم أن تدفن طفلا صغيرا …اليس كذلك…؟ جالت بخاطره هذه الفكرة باردة برودة الصقيع…وهو الذي دفن اطفالا ورجالا ونساء وشبابا كثيرين… لكن ما الذي جعل هذه الفكرة تقفز على ذهنه فتشل كل حركاته…؟

لست أدري .. مكتوب..طفل صغير ؟ نعم..يعز على نفسي ردم التراب على وجه طفل ..من يطاوعه قبله أن يطفئ ابتسامة ملاك ..منازل تهد وجدران تدك ومدن تطمر تحت طبقات الأرض..؟

أليس هذا منتهى الوحشية ؟ 

ثم مالي أنا؟ ..مصطفون أنتم أمامي ..ماهذه الفوضى ؟ احترموا ساكنة القبور..ٱحترموا موتاكم…ماذا؟ تريد أن أحفر لميتك قبرا..وفي تلك البقعة بالذات ؟ ليس لوحدك هنا أنظر حواليك كل هؤلاء جاؤوا بموتاهم ..أعلم ..! أعلم ..! عظم الله أجر الجميع.. لست أنا من سبب تلك الحادثة الأليمة اصطدام سرب من السيارات أودى بحياة العشرات..ما هذا التهور؟ ألا ترى معي أننا نعيش حرب الطرقات ؟ أنظر كم سيارة ٱسعاف مركونة أمام باب المقبرة…ٱفتح عينيك لست وحدك من فجع ..عشرات الأسر تذرف الدموع هنا.. مئات الناس سيدفنون مثلك اليوم شخصا عزيزا.. لهذا تأذب مع الموتى ولا مجال هنا لإملاء الشروط..

ليس معي من يعنيني على الحفر..أنا من لحم ودم مثلك تماما..دفن الموتى هنا حسب الترتيب..!

ماذا قلت أنت؟ تريد دفن قريبك هناك ؟ تحت الشجرة ؟ ومن تكن أنت ألست في حضرة الموت هنا..؟ ماذا؟ هوأوصاكم أن تدفنوه هناك؟ مسكين ؟ ما كانت حرفة مرحومكم قيد حياته ؟ شاعر ؟

آه…كم محزن..! كان شاعرا؟ الشعراء رقيقو الأرواح يعشقون الهدوء …لو انتظرت قليلا سأحقق أمنيته وأعدك أني لن آخد منك ثمن القبر..ٱحتراما لروحه الطيبة.. كانت روحه هشة..أليس كذلك..؟

أنت؟ تصرخ؟ مابالك؟ ٱبحث لك عن حفار قبور آخر..أين ستجده؟ يالغباوة سؤالك..! هم كثار منتشرون في كل حذب وصوب…! إذن انتظر مع المنتظرين..وإن لم تتعلم الحكمة من المقابر لن تعلمكها ولو أرقى الجامعات…! نعم…أعلم أن الشمس قد آذنت بالمغيب..قلت لك اني لوحدي هنا وحفر عشرات القبور يحتاج أسبوعا…تريث يا صديقي وأعلم أن كل شيء بقضاء وقدر..

عاد “علال” من هلوسته ..رفع عينيه نحو باب المقبرة…علّ سيارة إسعاف قادمة أو جماعة مهللة مكبرة. ..أرجع بصره منكسرا حسيرا وقد أرسلت الشمس آخر شعاع آذنة بالغروب…القبر أمامه مفتوح يجتر الهواء ..أحس بفراغ قاتل في دواخله..وكيف سيعود إلى “الحوش” الذي اكتراه بمعية زوجته وطفيله على هامش المدينة..وأنه لم يؤدي فاتورتي الضوء والثالثة على الأبواب..وأن تلك العجوز “صاحبة المنزل” ستأتي بعد يومين من أجل قبض أجرة كراءها ..مقوسة الظهر تتكئ على عصا شاكية باكية..”الله انجيك اولدي علال احس مغصا في المعدة هذا الأسبوع..وكما تعلم فأنا “واقفة” بالدواء فقط…لا أحد أعتمد عليه سوى تلك “فرنكات” التي تناولنيها نهاية الشهر…وإلا لكنتَ قد ردمت علي من مدة في قبري…”

نفض معطفه مما علق به من غبار الحفر.. وضع معوله على كتفه وألقى آخر نظرة على القبر المحفور..ثم صار يخبط العشواء نحو المدينة وفي داخله غابة شيح تحترق عن آخرها…!

وجد الباب الخشبي مفتوحا .. توجه إلى بهو الحوش ارتمى على الحصير منهدّا متعبا مكدودا..

– “جيتي؟ على السلامة…”صوت زوجته من جهة المطبخ…! لم يعرها اهتاما …

-“البوطا غاز…راها خوات..!!” 

فتح عينيه قليلا ثم أغمضهما قائلا:

“لم يمت أحد هذا اليوم أتفهمين…؟! ” 

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading