سَرِيرُ اَلطَّرِيقُ ✍️عبد العزيز الخبشي- المغرب

صفارة الإسعاف شقت الليل الجبلي كعواء ذئب جريح. في الداخل، كان الحسين ممدداً على سرير معدني مهتز. كلما اهتزت العجلات على الحفر، شعر وكأنه يطير في هواء بارد. زوجته إلى جانبه، تشد على يده، تهمس بالدعاء. لكنه، وسط الغيبوبة، سمع أصواتاً أخرى: ضحكات أطفاله تتردد كأنها تأتي من عمق الجبل، همساتهم تتسرب من جدار السيارة. أراد أن يجيبهم، لكن فمه لم يطاوعه.
عند بوابة المستشفى الإقليمي، توقفت السيارة. المبنى بدا له كقلعة متهالكة، نوافذها معتمة، كأنها ترفض استقبال أحد. الممرض صاح:
ــ حالة استعجالية!
لكن الباب الحديدي لم يفتح إلا بعد صمت طويل. دخلوا، فاستقبلهم طبيب شاب، قلب الملف وقال ببرود:
ــ لا إمكانيات… فاس هي الحل.
سمع الحسين العبارة كأنها قرار نفي. أغمض عينيه، ورأى نفسه يسير في طريق طويل بين جبال سوداء، والريح تسأله: هل أنت ذاهب إلى الموت أم إلى الشفاء؟ لم يجد جواباً.
عاد إلى السيارة. الطريق نحو مدينة فاس كان متعرجاً، لكنه رأى فيها ما لم تره عينا زوجته: الأشجار انحنت كأنها تودعه، الصخور تهمس باسمه، وحتى القمر كان يرافقه مثل مصباح باهت. في أذنه استمرت ضحكات أطفاله تتصاعد، ثم تختفي مع كل منعطف.
مع الفجر دخلوا المستشفى الجامعي. البناية شاهقة، لافتاتها تتلألأ بوعود الشفاء. غير أن الداخل كان غابة مكتظة: أجساد على الأرض، صراخ، صفوف طويلة. حين وضعوه في قاعة الإنعاش، شعر أن الجدران تقترب منه، كأنها ستبتلعه.
الزوجة انتظرت خلف الباب، تلهث بين شبابيك ومكاتب. كل ورقة تحتاج رسماً، كل وصفة تحتاج مالاً. باعت سوارها الفضي، ثم استعارت من جارتها. أما هو، فبين إغماءة وأخرى، كان يرى نفسه في أماكن غريبة: مرة في بيت الطين بضحكات أطفاله، ومرة في ممر بارد يسير فيه بلا جسد. كان يسمع أصواتاً متناقضة: طبيب يقول “لا أمل”، وطفل يصرخ “ارجع يا أبي”.
في ليلة باردة، فتحت عيناه فرأى زوجته قربه. ابتسم، وهمس بصوت واهن:
ــ لا تبكي… قولي لهم إنني ذهبت في سفر طويل.
لكن في داخله رأى شيئاً آخر: قافلة من المرضى فوق أسرة مهتزة، تسير جميعها على طريق واحد، بلا نهاية.
مرت الأيام، والزوجة تنهكها الإدارات، وهو ينهكه النزيف الصامت في جسده. ثم، فجأة، ضجّت القاعة بأصوات الأجهزة. اقترب الطبيب، حاول إنقاذه، لكن الحسين كان قد بدأ يرى شيئاً مختلفاً: باباً من نور في آخر الممر، وأطفاله الثلاثة يركضون نحوه.
ابتسم. لم يعد يشعر بالألم. ترك يده تسقط من يد زوجته، وغاب.
—
في القرية، كان الغبار يعلو خلف الجنازة. الأطفال ركضوا نحو الباب حين عاد النعش، لكن الصمت سبقهم. جلست الأم عند العتبة، وضمتهم إلى صدرها. الليل حلّ، فكتبت في دفتر صغير:
“لم يمت الحسين بمرضه… بل مات على سرير الطريق.”
أغلقت الصفحة، لكنها سمعت شيئاً غريباً. من بعيد، تسللت صفارة إسعاف جديدة، نفس الصوت الذي بدأ به كل شيء. لحظة، ظنت أنها تسمع ضحكات أطفالها تمتزج بالصفارة. التفتت نحو الطريق، فرأت في خيالها أسِرّة أخرى تهتز، تسير نحو المصير نفسه.
ابتسمت بمرارة وقالت في سرها:
ــ الحكاية لم تنته.





