في السماحة رِفعة – راضية عبد الحميد/الجزائر

حين تقع مشاحنة بيننا وبين أحد الأحبة أو الأشخاص فغالبا أننا لا نفكر بأخذ مبادرة الصلح في حالة الخصام، وننتظر أن يكون الطرف الآخر هو العائد مع الاعتذار وطلب الصفح، وفقا لوجهة نظرنا أننا لم نخطىء، أو ربما نكون عناديين وأخذتنا عزة النفس، مع أننا ندري جيدا أن التسامح خُلق نبوي عظيم ولكننا نتردد في قول “أنا آسف” ويصعب علينا العفو والصفح ظنًا منا أن هذا ينقص من قيمتنا وأننا ضعفاء إذا بادرنا بالأمر! وأن السماحة جُبن واذلال ومهانة! بل إنها قمة الجسارة وعزة ورفعة، ولقد دعا الإسلام إلى الصفح والتسامح لأنه يعمل على تصفية القلوب ويقضي على العداوة والكراهية، كما يحدّ من المشاكل ويساعد في نشر الألفة بين الناس، الوشائج الطيبة فيها خير وثواب، فلا تتلجج في الصلح والإصلاح. في الحقيقة أن مسامحة الآخرين فضيلة، ولها أجر عظيم، ونبينا الكريم ﷺ أعظم حليم وخير مثال لذلك، إذ نجد صور عفوه ومواقف سماحته محفورة في سيرته فهو قدوتنا ومنهاجنا الذي يجب أن نتّبع سُنّته ونسير على خطاه، العفو عند المقدرة من أنبل الخصال وشمائل الكرام، والمتسامح صاحب قلب طيب وشخصية قوية، فمن عفا وأصلح فأجره على الله، وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًا، اعفوا واصفحوا قبل أن يدرككم الموت من ظلمك اصفح عنه ومن حرمك أغدق عليه ومن قطعك وعاداك صِله ومن طرق بابك أكرمه ومن جاءك معتذرا أقبل عليه مبتسما مسرورا به لا تكن شخصا عاديا كن مميزا، كن مختلفا اعتذر من زوجتك إذا أخطأت بحقها، فهذا ليس عيبا ولا نقص رجولة، وإنما شهامة منك ودلالة على احترامك وحبك لها وأنتِ أيتها الزوجة اسعي لإرضاء زوجك ولا تنتظري أن يسعى هو إليكِ، حتى تحفظي استقرار بيتك وتكبر مكانتك في قلبه، ولا تحسبي هذا ذل وهوان، بل هو نبع أخلاقك الطيبة وتربيتك الصالحة والنشأة التي نشأتِ عليها، إن خير النساء هي تلك الودود المواسية التي لا يغمض لها جفن ولا يستطيب لها شيء حتى يرضى زوجها جاء في أخبار النساء لابن الجوزي: قال معاوية لصعصعة بن صوحان: أيّ النساء أحبّ إليك؟ قال: المواتية لك فيما تهوى قال: فأيّهن أبغض إليك؟ قال: أبعدهنّ لِما ترضى قال معاوية: هذا النقد العاجل فقال صعصعة: بالميزان العادل إذا اختلفت مع صديق، كن أول من يبادر بالصلح، تقرّب منه واعتذر له عما حدث بينكما، واطلب بأناقة ومودة أن ترجع علاقتكما كما كانت وإذا تخاصمت مع قريب، اكسر الحاجز واقطع الهجران، القطيعة تُورث الجفاء والحياة قصيرة جدا لا تستحق المُفارقة. كان مسعود بن محمد الهمذاني من خير الناس وأصفحهم، متسامح كريم، كان كثيرا ما يقول: الماضي لا يُذكر! رؤي في المنام فقيل له ما فعل الله بك؟ فقال: أوقفني بين يديه وقال لي: يا مسعود، الماضي لا يذكر! انطلقوا به إلى الجنة! أعرف شخصا لم يرَ أخاه ولم يكلمه مذ ٣٠سنة، بسبب الميراث! وإنه لأمر تنخلع له القلوب، لو التقى أبناء العم في الطريق أو في أي مكان، لا يعرف أحدهم الآخر! قال الراغب الأصفهاني في معنى الرحم وصلة الرحم الرحم: رحم المرأة ومنه استعير الرحم للقرابة، لكونهم خارجين من رحم واحدة. والمراد بالرحم: الأقرباء في طرفي الرجل والمرأة، من ناحية الأب والأم. ومعنى صلة الرحم: الإحسان إلى الأقارب في القول والفعل، ويدخل في ذلك زيارتهم وتفقد أحوالهم، والسؤال عنهم، ومساعدة المحتاج منهم، والسعي في مصالحهم. وقد حثّ النبي ﷺ على هذا الأمر ورغّب فيه، في الصحيح عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: ” من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليصل رحمه” وعن عائشة رضي الله عنها، أن النبي ﷺ قال: “الرحم متعلقة بالعرش، تقول: من وصلني، وصله الله، ومن قطعني، قطعه الله” رواه مسلم. إني أستبعد كليا أن يرضى أحدنا أن يقطعه رب السموات والأرض! أحسن لمن أساء إليك، فإن صلة الرحم من الإيمان، وإنها من محاسن الأخلاق، ولا شك أن التراحم من أسباب الدخول إلى الجنة، ورسولنا الكريم حذرنا من القطيعة إذ أنه لا يدخل الجنة قاطع الرحم! من أراد رضى الرحمن وكرمه، فليصل رحمه ومن أراد أن تُقضى حاجته، لا يقطع من قطعه مهما ابتُليتم بأقارب سيئين، لا تعاملوهم بالمثل من يجفوك، اذهب لزيارته حتى لو قابل احسانك بالإساءة! حتى لو أنكر معروفك! أنت فقط افعل ما يتوجب عليك كمسلم، لِما يترتب من تواصل الأرحام، الخير الكثير ورضوان الله وثوابه. الصلة، مثراة للمال بركة في الرزق والعمر تؤلف القلوب وتزدان محبة الأهل. ولكن في بعض الأحيان فقد يُلحق بنا هذا التواصل ضرر كبير وأذى لا نقوى على تحمله، هنا، هجر جميل خير من قرابة مؤذية!



