القصة القصيرة

ما وراء الجدران – راضية عبد الحميد

unnamed 10

تحب الهدوء، تُجيد صنع السلال من لحاء أشجار القصب، وخبز التنور، تجلس كل يوم تحت شجرة الأكاسيا الوارفة وتفيء إلى ظلها حيث يحيط بها جرف صخري من الخلف ورقعة من العشب في الأمام تمتد حتى ضفة جدول ممتلىء بالصخور، تستمتع بجمع السلال التي صنعتها هناك ومن ثم تغادر مكانها إلى السوق وتكسب بعض النقود. تعيش في قرية، في منزل مبني من الحجر ويجري تحته غدير، شاء لها القدر أن يقطع سكينتها وتُقبل على حياة لا تستسيغها، إنه القدر! تزوحت وانتقلت إلى العيش في المدينة، كما أنجبت ولدا بحجم الكف! غضّة الشباب، بهية المنظر، ولكن تقرّحت أجفانها من البكاء، عندما يتحول الليل إلى سُمّ يتجرعه الأحياء، تمضي هدأة منه بسوط جلدها حتى يتناثر لحمها ويتدفق دمها، إنها ليلة مدلهمة. تلك العيون الجميلة التي كانت تستمتع بضوء الشمس، توقفت اليوم فقد كلّها الوهن، إذ أصبحت لا تذرف لها دمعة، ولا تصعد لها أَنَة. ذات صباح، احتشد الناس حولها، وجلت بنظراتها في أنحاء غرفة الاستعجالات بمستشفى الرازي وهي فاقدة الوعي تماما والزبد يغطي فمها، صرخ أحدهم بملىء صوته: -هل من أحد هنا، أرجوكم ساعدونا سنفقد الفتاة. خلف أبواب المنازل صرخات لا متناهية، نفوس مشوهة وقلوب مبتورة، تتعالى الأصوات بعد شجار عنيف، تركض نور هنا وهناك في أرجاء الغرفة التي تكسو أرضها سجاجيد مغزولة يدويا، تبكي بِحُرقة يعتليها الحزن واليأس، وقد استنفذت طاقتها في الصراخ طلبا للنجدة آملة أن يسمعها أحد الجيران، لكن أحدا لم يأتِ. الناس نِيّام كما خيّم السكون الأرجاء والطرقات، وكل ما فعله صراخها هو إخافة ابنها إياد الذي كان يتشبث بفستانها بأصابعه الصغيرة إذ راح يبكي دون توقف. بينما كانت تحاول أن تفتح شُباك النافذة راجية أن تجد من يسمع صِياحها ويأتي لإنقاذها من زوجها المريض نفسيا، وعلى حين غرة تأتيها صفعة قاسية على وجهها جعلت فمها ينهمر بالدماء، سقطت أرضا وأخذت تمسحها بِطرف كُمِها وقد تغشّتها دهشة وذهول كبير، وما كادت تعتدل في جلستها وتأتيها صفعة أخرى لكَمَتها بقوة لحدّ أن سقطت أسنانها الأمامية! نهضت نور على قدميها واستندت على الحائط المجاور للنافذة حيث تنتصب خزانة خشبية، كانت تفكر كيف تتخلص من قبضة زوجها، تتعقب عيناها الجدران وكأنها تبحث عن شيء، كان بالغرفة سرير له بطانية مزدانة بالزهور بمختلف الألوان، وبجوار السرير طاولة جانبية بثلاثة أدراج عليها مزهرية، خمّنت لحضتذاك أن تقفز فوق السرير وتأخذ المزهرية بيدها وتهوي فوق رأسه فتُرديه قتيلا، ولكنها كانت محاولة بائسة منها، فقد انقضّ عليها الوحش وأزاحها جانبا، كان وجهه شديد الإحمرار، عيناه داكنتين كالظلام، تُحيط بزاويتيهما تجاعيد بيضاء طفيفة، ولحيته كثة غير مرتبة، له شارب أشبه بمقود الدراجة، وشعره مشعثا، تسيل قطرات من العرق على خلفية عنقه، حاولت نور أن تُبقي عينيها منخفضتين حتى لا ترى الشر الذي يتطاير منه، ولكنه كان قريبا جدا لحد أنها يمكنها عدّ الشعرات في حاجبيه المقوسين، مسك المزهرية ورماها فوق الأريكة المُنجدّة بذراعين من الخشب الأحمر. لم يكفّ خالد عن ضربها وحسب بل أنشأ يشدّها من شعرها ويجرّها نحو المطبخ بدون رحمة ولا شفقة، فيما انسلخت ركبتاها وانخدشت ساقاها، لم يرأف بحالها ولا حال صغيرها إياد واستمر بسحبها هناك حتي يتسنّى له ضربها ويُفرغ طاقته ووحشيته دون أن يسمع الجيران صراخها وسط فوضى عارمة أحدثها لمّا كانا يتعاركا وذهب به الجنون أن حطم الأثاث وبعثر المطبخ مما أصبح البيت أشبه بساحة حرب أو قتال! في هذه الفينة تشجعت نور واستجمعت قِواها وسمعت لصوتها الداخلي يقول: -لا تسمحي له أن يؤذيك أكثر، يجب أن تفعلي شيئا، أنقذي نفسكِ من جبروته وجنونه، إلى متى سيستمر هذا الحال؟ وإذا بها تمسك بِسّكين كان ملقى على طاولة الأكل، في البداية لم تقوَ على حمله وكانت مترردة بعض الشيء، كما أن يداها كانت ترتجف فقد تغلب عليها الخَوْر، لكن سرعان ما تمالكت نفسها وأخذت تهدد خالد إن تجرأ على الإقتراب منها سوف تقتله، ومن ثم صرخت في وجهه وهي تزمجر غضبا وتتصبب عرقا:

  • ابتعد عني وإلا سأغرس هذا السكين في بطنك
  • اهدئي سوف أبتعد

وهنا أؤمأ لها برأسه: انصاع خالد لكلامها وابتعد بضع خطوات ورجع للخلف، ليس خوفا منها وإنما كي يثبت لها أنه استسلم، ثم يرقب اللحظة التي تطمئن هي فيها أنه لن يلمسها وبعدها ينهال عليها ضربا مجددا، لكنها نحجت في مجاراته حتى وصلت الباب الخارجي، فتحته بسرعة ورَمت السكين جانبا، وراحت تمسك بصغيرها وتلهث مهرولة على السلالم مسرورة أنها تخلّصت من خالد فسقطت على رأسها وارتطمت على الحافة، فيما فلتت يداها الصغير إياد، وقد كانت الإصابة شديدة تسببت لها بنزيف في الدماغ والمناطق التي حوله، ومن حسن حظها رآها أحد الجيران ممدودة على الأرض دون حِراك مُحدقة في الفراغ لا تطرف وفمها مفغور مثل سمكة وهو يقفل عائدا من العمل، أخذها إلى المستشفى لإسعافها وفور وصولها كانت لا تعي شيئا مما يدور، ولم يكن بوسعها أن ترى الممرضات وهُنّ يركضن للكشف عليها، ولا وجود الأطباء حولها، وكانت عيناها لا تُبصران إلا صورا ضبابية، كانت ترتدي منديلا أسود مزركش على رأسها وقد انكشفت خصلات من شعرها الأشقر وانسابت فوق جبينها، فتاة ذات بشرة فاتحة يتخللها بعض البقع البنية – النمش- منتصف الوجه مما أضفى على بشرتها توهجا دافئا، وعزز إبراز عيناها البندقيتين التي تلوح فيها براءة الأطفال، وأنف صغير ذو طرف رقيق متناسق مع بقية الملامح، ينحدر تحته شفاه ممتلئة، أودعت فيها السماء أسرارها، بدت كلوحة فنية متفردة، وبعد عدة دقائق بدأت تعلو أصوات الممرضات وصراخهن، وبدأت تختفي الصورة تدريجيا من عينيها إذ أسدلت جفونها وأطبقتها فقد أسلمت روحها إلى بارئها. تسأل نور في كل مرة إلى متى يستمر هذا العنف ضد النساء؟

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading