رضوان فلاحة، شاعرٌ يغزلُ من دمه الوردَ حدّ التشظّي” غرز الدين جازي
* “أيها الإنسانُ أراكَ
هلّا ترى؟!.. أنّي أراكَ”
صرخةٌ يطلقها الشاعرُ، تَقضّ مضجع القصيدة بمفردته الموقظة لحنايا إنسانيته :
“أتسلل بعمقي وفضائي المبحر فيك..
فهلّا رأيت انغماسي في ذاتك؟”
*شاعرٌ يمنحُ قصيدَتَهُ كياناً متواشجاً بعيداً عن الإسهاب الممل، فيبرزُ رونقُ مفرداته ووقعها المتوازن ملاصقاً للنص في كلّ صوره الشعرية، ويُصيخُ السمعَ لنبضات قلبه في هَدأة ذلك الليل مبتهلاً للصباحِ أن يكون منصفاً معه في أبسط حالاته الإنسانية الحياتية للعيش على رمق الماء :
“أستمعُ لطقطقةقلبي
ينمو بسكون الليل .. فليكن الصباحُ عادلاً
في عطشه” .
*يحرر أسر مفرداته من قيودها، ويمنحها أفقاً خصباً يسبح فيه خيال القارئ ببحر تأملاته التي يقوده إليها خيال الشاعر الخصب بتساؤلاته حسيّة الوجود المتدفق، وبعداً فلسفياً لآيات الصمت بكل جوارحه وهذيان طربه :
“إن كانت عباءة للوجود
نتبادلُ الأدوارَ فيها
فلماذا كنّا ؟
ولماذا ركام القوافي
والصمت إيقاع المعاني
وما الرؤيا
إلّا رَجْعُ نُواحٍ
بخمرة التيه
تَطرَبُ للهديان”
*هو الفلسطيني تخدم قصائده هدفاً حسيّاً ونسقاً موضوعياً، يميزها وحدة عضوية القصيدة وتكاملها وانسجامها معنىً ومضموناً وأسلوباً :
“ترابُ فلسطين اليوم حارٌ .. كالأمسِ
وطعم الدم على درب الخلاص حلوٌ”
فيرتشفها القارئ بمتعة الوضوح، وبهاء الترميز الشعري أيضاً :
“لرمح روما طعنةٌ بخاصرة الانتماءِ ..
وثُغاءُ صحراءٍ تُعِدُّ طقوسَ الولاء”
فهو الفلسطيني مؤكداً أن “الهوية بندقية” :
“رفيف خوافيك فلسطين
عاصفة للحمراء”
ولن يخلع شاعريته المقاتلة، حيث ترتدي قعقعة المفردة وصليلها الوطني :
“لو أنّ لبارودة الفدائي إطلالةٌ
ينزّ من حديدها الدم
ستغنيك طلول جيدٍ بحفلٍ راقصٍ
على وقع إيقاعه
تيجان صحراء تفور بالزبد ..”
فهم شعبُ الكلمة والحجر، زيّنها الشاعر أهزوجة الوطن الجريح، ومضمّداً جراحه ببلسم القصيدة، حيث لا قبر ولا كفن :
“نحن فلسطين .. الكَلِمُ الأول صرخة
حجرٌ حجر
من البحر إلى النهر
من ركامنا الألمُ يغزلُ لفجرنا الحجر
لا قبرٌ .. لا كفن
من شظايانا الترابُ
ومن دمنا المطر”
*تمنح قصائده كشاعر حرية التحليق والطوفان في بحر المشاعر والأحاسيس بعيداً عن الموروث الشعري التقليدي، ومطلقاً العنان لذاته ورؤيته الشعرية، ومتوسداً المرونة في تشكيل قصائده بعيداً عن التعقيد والتحسينات البديعية المصطنعة، فنراها تقفز من مفهومه الشعري السلس والدافئ، ويحتضن المتلقي برقّة مميزة :
“نصنعُ للحقيقة فماً
ونحشوه بالرغبة
نعطّر الشفتين بماء البراءة
ولكليهما المقصلة”
*ينهج الشاعر الإيجاز والتكثيف الشعري، فينفض عن قصائده مستنقع الإطناب والإطالة، ومجانباً فيض السرد، فيحافظ بذلك بمهنية راقية على قيمة مادته الشعرية ومحتواها العميق :
“ضوءانِ وما تَبَدّتْ بَعْدُ
وقمر خجول ينوس على عتبات سمائها”
معتمداً حالته الشعرية بمعناها اللغوي، لتبرز صور قصائده البيانية وعاطفيتها وترميزها للحالة الشعورية:
“أسدلي عليّ جفنيكِ
لأنسابَ .. قطرةً .. قطرة ..
كلما لامست وجنتيكِ
أينعت فراديس اللغة قصائداً”
*لقد استطاع الشاعر بحرفيته في امتلاك ناصية المفردة ومهارته اللغوية المتوغّلة في الفصاحة، أن ينسج وحدة عضوية بين معنى المفردة وتركيبها، فأغنى نصوصه الشعرية بذلك الثراء الشعري الذي بدا واضحاً في الإبداع والمتعة الأدبية :
“ماذا لو قلتُ لكَ أيها الشاعرُ
تعالَ هنا
حيث لا مِنبرَ لامتلاء منكبيكَ
لا جهات هنا
فأطلقْ يديك حرة للمدى”
كما استطاع بشاعريته تقريب المسافة بين قصائده وبين مخيّلة القارئ ومشاعره وكسر نمطيّة الاغتراب في تكلّس وجمود القصيدة بشكلها الصنمي المتوارث معتمداً على التجديد والابتكار وتحديث نبض وذائقة الشعر :
“أجملُ مافي الشتاء أنك لا تبحث عن ظلّ ..
وأوجع مافي الشتاء أنك تبحث عن مطر ..”
* رضوان هلال فلاحة، شاعر يرسم قصائده خالية من أي تكلف أو مغالاة أو تعقيدات في الأسلوب، وبعيداً عن الحشو الذي يفرغ القصيدة من مضمونها البديعي الأدبي، فأينع وأزهر قصائداً “دون عرشكَ والماء”.




