📰 آخر الأخبار
 باقتان من الهايكو البولندي المعاصر /ترجمة : بنيامين يوخنا دانيالمكانٌ تركته الشمس/عارف عبد الرحمنGrace the Day /Dr. Debabrata MajiDIWALI:The Festival of Lights/Ashok Kumar Thakurمملكة فيسبوك المخادعة...  عبدالقادر كلول ـ المغربThe passionate flute/Shah Jehan AshrafiTHE RETURN OF ARROWS / Ibrahim Honjoعبد الحميد الديب/مصطفى معروفيNothing by Frank Johnson في مملكةٍ من نسيم/إنتصار الخشتلحظة شجن/هشام فرجي"الساعة الثانية عشر".. حين يصبح الانتظار سجناً وتغدو الهوية سؤالاً مفتوحاً/رضا الستراوي – إعلامي بحرينيالمحلية في الرواية المغاربية / حميد المصباحيالشارقة.. سِدرة الحكايات وظِلّ الموسوعة الجامعة في مهرجان الكتاب/علي نفنوف-الشارقةقتل الله يومًا/ أسامة محمد صالح زاملقصائد هايكو للشاعر الامريكي اثيريدج نايت/ترجمة سالم الياس مدالوClass Enemy/Ri HossainThe Delete Button/Mahi Farhanaليث وصراع الوحوش/صبحة بغورةSIDEWALKS OF MEMORY By Biljana Petkovićما بين الركن والمقام/ناصر ابوعونرَحِيلٌ بِلَا نَحِيبٍ، وَوَدَاعٌ بِلَا قَرِيبٍ /حسام الدين ابو صالحةذكريات / غزلان شرعيالشيخ والثرثار/أحمد غانم عبد الجليلحين استوطن الحب عرش قلبي/سوزانه زين الدين
 باقتان من الهايكو البولندي المعاصر /ترجمة : بنيامين يوخنا دانيالمكانٌ تركته الشمس/عارف عبد الرحمنGrace the Day /Dr. Debabrata MajiDIWALI:The Festival of Lights/Ashok Kumar Thakurمملكة فيسبوك المخادعة...  عبدالقادر كلول ـ المغربThe passionate flute/Shah Jehan AshrafiTHE RETURN OF ARROWS / Ibrahim Honjoعبد الحميد الديب/مصطفى معروفيNothing by Frank Johnson في مملكةٍ من نسيم/إنتصار الخشتلحظة شجن/هشام فرجي"الساعة الثانية عشر".. حين يصبح الانتظار سجناً وتغدو الهوية سؤالاً مفتوحاً/رضا الستراوي – إعلامي بحرينيالمحلية في الرواية المغاربية / حميد المصباحيالشارقة.. سِدرة الحكايات وظِلّ الموسوعة الجامعة في مهرجان الكتاب/علي نفنوف-الشارقةقتل الله يومًا/ أسامة محمد صالح زاملقصائد هايكو للشاعر الامريكي اثيريدج نايت/ترجمة سالم الياس مدالوClass Enemy/Ri HossainThe Delete Button/Mahi Farhanaليث وصراع الوحوش/صبحة بغورةSIDEWALKS OF MEMORY By Biljana Petkovićما بين الركن والمقام/ناصر ابوعونرَحِيلٌ بِلَا نَحِيبٍ، وَوَدَاعٌ بِلَا قَرِيبٍ /حسام الدين ابو صالحةذكريات / غزلان شرعيالشيخ والثرثار/أحمد غانم عبد الجليلحين استوطن الحب عرش قلبي/سوزانه زين الدين
كتابات حرة

محور التسلل / عبد الغفور مغوار – المغرب

صورة شخصية لرجل يرتدي بدلة وربطة عنق

المدخل
تشكل الكويرة، الواقعة في أقصى الجنوب الغربي للصحراء المغربية عبر شريط رأس نواذيبو، نقطة ارتكاز جيواستراتيجية فريدة تتجاوز بعدها الجغرافي المباشر لتستحيل حجر زاوية في معادلة أمن الساحل الأفريقي والمجال الأطلسي. إن موقع هذه المنطقة الفريد، المشرف على المحيط الأطلسي والمحاذي لشبه جزيرة نواذيبو الموريتانية، يجعل منها منطقة تماس مباشر بين متطلبات فرض السيادة المغربية الشاملة وحسابات الجوار الموريتاني.
تختزل هذه الرقعة الجغرافية صراعا مركب الأبعاد بين رؤية الرباط الهادفة إلى دمج الأقاليم الجنوبية ضمن رؤية تنموية أطلسية متكاملة، وبين مساعي القوى الإقليمية لعرقلة هذا الامتداد الجيوسياسي. ويبرز المعبر الحدودي “الكركرات” مجسدا لهذا التدافع، حيث يتجاوز دوره الشق الخدماتي ليمثل شريانا تجاريا ولوجستيا حيويا يربط المملكة بالعمق الإفريقي. وتكشف المعطيات أن إقدام عناصر ملثمة تابعة لجبهة البوليساريو، بإسناد جزائري مباشر، على قطع هذا المعبر في أكتوبر 2020، كان خطة موجهة لتعطيل سلاسل الإمداد نحو غرب إفريقيا، وهو ما أدى حينها إلى اضطراب الأسواق الموريتانية وارتفاع أسعار المواد الأساسية، كاشفا الأهمية الحيوية لهذا الشريان بالنسبة لاقتصاد نواكشوط نفسه.
تتحرك موريتانيا في هذا الفضاء الحساس عبر الدفع بسياسة “الحياد السلبي” التي تبنتها عقودا، وهو مسار يظهر عند التحليل الأكاديمي تذبذبا بنيويا واستثمارا ضمنيا في إطالة أمد النزاع. يتيح الحفاظ على “وضع مفتوح” لهذا الملف للطبقة السياسية في نواكشوط هامشا للمناورة والتوازنات بين الرباط والجزائر، مع محاولة تجنب دفع أثمان سياسية صريحة تجاه أي من الطرفين.
1- الكويرة: عقدة السيادة والأطلسي
تتخطى القيمة الجيواستراتيجية لشبه جزيرة رأس نواذيبو، وفي قلبها الكويرة، مجرد الاتصال الجغرافي المباشر بين التراب المغربي والتخوم الموريتانية، لتمثل صمام أمان الملاحة البحرية والأمن القومي في حوض المحيط الأطلسي الجنوبي. إن هذه الرقعة البحرية والبرية الفريدة تطل مباشرة على خليج خليط المنافع والتداخلات المائية الحساسة المحيطة بنواذيبو، مما يجعل كل تحرك سيادي أو عسكري مغربي فيها محط متابعة دقيقة من الدوائر الأمنية والدبلوماسية في نواكشوط والجزائر والعواصم الغربية.
إن بسط السيادة المغربية المكتملة على الكويرة يمنح المملكة التحكم الكامل في البوابة البحرية لجنوب الصحراء، ويؤمن خطوط الملاحة التجارية القادمة من شمال أوروبا ونحو سواحل غرب أفريقيا. يترتب عن هذا النفوذ الساحلي المباشر تحويل الشريط الساحلي الممتد من الداخلة إلى الكويرة إلى المنظومة الاقتصادية والأمنية الأقوى في المنطقة، مما يسحب البساط التدريجي من الرؤى التقليدية التي كانت تراهن على إبقاء الشريط الأطلسي الجنوبي منطقة ظل مجردة من التأثير الجيوسياسي.
تكشف التحليلات الاستراتيجية الصادرة عن المعاهد الدولية أن الأهمية القصوى للكويرة تكمن في قدرتها على ربط الواجهة الأطلسية للمملكة بالعمق الساحلي القاري، وتجريد أطراف الخصومة الإقليمية من أي إمكانية لإيجاد نافذة مطلة على المحيط الأطلسي. إن أي وجود أو تسلل لميلشيات البوليساريو في هذه المنطقة يرمي بالأساس إلى صناعة “شريط رمادي” على الشاطئ الأطلسي يهدد أمن السفن والملاحة الدولية، ويحول دون اكتمال الحزام الدفاعي المغربي الشامل على طول الحدود الجنوبية.
غير أن الأهم من الأثر الاقتصادي هو الدلالة السياسية: فقد أرادت البوليساريو، بدعم جزائري معلن وغير معلن، أن تثبت أنها قادرة على اختراق الحدود، وعرقلة مشروع المغرب الأطلسي، وفرض حضورها العسكري والسياسي في منطقة تعد من أكثر المناطق حساسية بالنسبة إلى الرباط. وكانت الكويرة والكركرات هدفا طبيعيا لهذا الاختبار، لأن أي اضطراب هناك يمس مباشرة موريتانيا، ويضع نواكشوط أمام خيارها الحقيقي: إما حماية استقرار حدودها ومصالحها الاقتصادية، وإما ترك الملف يدار من خارج إرادتها عبر الجزائر والبوليساريو.
وهنا تكمن المفارقة: موريتانيا هي أول المستفيدين من استقرار الحدود ومن انفتاح الكركرات، لكنها لم تكن دائما في موقع الفاعل الذي يحمي هذا الاستقرار بوضوح. فقد ظلت تتحرك بين إدانة الاضطراب ومراعاة حساسيات الجزائر، وبين تعاونها الاقتصادي مع المغرب وحذرها من أي موقف سيادي صريح يغضب تندوف أو الجزائر العاصمة. وهذا التذبذب هو، في جوهره، ما يجعل الحياد الموريتاني حيادا مشروطا وقابلا للاستثمار من قبل خصوم المغرب.
2- موريتانيا بين الحياد المعلن والانحياز الممارس
تعتمد الدبلوماسية الموريتانية منذ عقود طويلة خطابا رسميا يتشح بشعار “الحياد الإيجابي” أو “الحياد التام” إزاء النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية، مستهدفة بذلك حماية أمنها القومي واستقرار حدودها المفصلية عبر الوقوف على مسافة واحدة من جميع أطراف النزاع. غير أن القراءة التحليلية للممارسة السياسية الميدانية والسلوك الدبلوماسي العملي تكشف هوة عميقة بين الإعلان النظري والممارسة الفعلية. يتجلى هذا الانحياز الممارس في شبكة من التفاهمات ضمن الكواليس الدبلوماسية، والحرص على إبقاء قنوات التواصل الاستراتيجي مفتوحة مع جبهة البوليساريو والجزائر، بما يمنح هذه الأطراف مكاسب جيوسياسية مجانية.
إن استمرار هذا الوضع المزدوج يوفر لنواكشوط هامشا للمناورة السياسية بغية تفادي الصدام المباشر مع الجزائر، لكنه يضعها في موقع الفاعل المستفيد من بقاء حالة التوتر الإقليمي. تحضر موريتانيا مختلف المحافل الإقليمية والدولية كدولة جارة ومعنية مباشرة باستقرار المنطقة، غير أن هذا الحضور يتخذ غالبا طابع الهروب إلى الأمام والامتناع المتعمد عن تبني مواقف سيادية صريحة تدعم الوحدة الترابية للمملكة المغربية أو تقر بشكل قاطع بمبادرة الحكم الذاتي. هذا النهج الدبلوماسي المتردد يخدم حسابات النخبة الحاكمة هناك، الساعية إلى تفادي أي غضب جزائري قد ينعكس سلبا على إمدادات الطاقة أو الاستقرار الحدودي، متجاهلة بذلك الأبعاد الاستراتيجية للشراكة الواضحة مع الرباط.
هذا وتؤكد التقارير الصادرة عن مراكز التفكير الاستراتيجي الأوروبية والدولية أن هذا “الحياد المشروط” يتيح للجزائر اتخاذ الأراضي والمجال الموريتانيين امتدادا جغرافيا للضغط على المصالح العليا للمغرب. فحين تحرص نواكشوط على استقبال وفود الانفصاليين في سرية أو علانية، أو تسمح بنشاط شبكات الدعاية التابعة للبوليساريو داخل أراضيها، فإنها تتخلى عمليا عن حيادها المزعوم لتتحول إلى ورقة تفاوضية بيد خصوم الوحدة الترابية للمملكة. هذا السلوك يفرض على الدبلوماسية المغربية قراءة دقيقة لهذا التذبذب الموريتاني، وإدراك أن أي بناء استراتيجي مستقبلي في المنطقة يقتضي بالضرورة نقل موريتانيا من مربع الرمادية السياسية إلى فضاء الوضوح الاستراتيجي والشراكة الكاملة.
3- الجذور التاريخية: من انسحاب 1979 إلى الاعتراف بالجمهورية الصحراوية 1984
تأسست الخلفية التاريخية للموقف الموريتاني الراهن على محطات مفصلية طبعتها التحولات الجيوسياسية الحادة التي شهدتها المنطقة المغاربية نهاية السبعينيات ومستهل الثمانينيات من القرن الماضي. مثل توقيع اتفاقية السلام بين نواكشوط وجبهة البوليساريو بالعاصمة الجزائرية في الخامس من غشت سنة 1979 منعطفا حاسما في العقيدة الدبلوماسية والعسكرية الموريتانية. ترتب على ذلك الإجراء خروج موريتانيا الأحادي من التزامات اتفاقية أرانخويث وتخليها المباشر عن إدارة إقليم وادي الذهب، سعيا إلى تجنب تداعيات مواجهة مسلحة استنزفت بنيتها الاقتصادية الهشة وهددت استقرار مؤسساتها السياسية. وعكَس هذا القرار الميداني نجاح ضغوط المحور الإقليمي الممتد من الجزائر في توجيه خيارات السلطة الموريتانية، مكرسا بداية مرحلة طويلة من الارتهان للضغوط المباشرة والتحولات الاستراتيجية المفروضة على حدودها الشمالية.
لم يتوقف المسار التراجعي عند حد الانسحاب العسكري والمدني، فقد توج بقرار خطير تمثل في الاعتراف الرسمي بالكيان الانفصالي في السابع والعشرين من شهر فبراير سنة 1984. كرس هذا الاعتراف تبنيا دبلوماسيا صريحا لأطروحة خصوم المملكة المغربية، وأسس لواقع جيوستراتيجي فرض على نواكشوط التموضع ضمن محور مناوئ للمصالح العليا للرباط. ترتب عن هذا القرار إرساء سوابق قانونية ودبلوماسية وظفتها الجزائر بلا هوادة لإضفاء شرعية مصطنعة على كيان افتراضي داخل المحافل الإقليمية والدولية.
تكشف المعطيات التحليلية والأرشيفية تجاوز هذا الاختيار الحدود الظرفية للضغوط العسكرية والإكراهات الأمنية المفروضة عبر الجارة الشرقية، محققا رغبة كامنة لدى نخبة الحكم في نواكشوط آنذاك لتأسيس توازن إقليمي صوري يضمن لها هامش حماية ذاتية. ورغم تطور العلاقات الثنائية لاحقا وتوقيع اتفاقيات شراكة اقتصادية وفلاحية وطاقية متقدمة بين الرباط ونواكشوط، ظل الإرث السياسي لذلك الاعتراف يشكل المظلة الخفية التي تبرر مراوغة الدبلوماسية الموريتانية. يفسر هذا الامتداد التاريخي لجوء نواكشوط المتكرر إلى سياسة الحبل الرفيع: فهي تتلقى مكاسب الاستثمار والتبادل التجاري مع المغرب، بينما تحافظ في الآن ذاته على قنوات تنسيق استراتيجية مع تندوف والجزائر العاصمة لتفادي أي كلفة سياسية داخلية أو إقليمية.
هذا و تختزل التحولات السياسية العنيفة في نواكشوط درجة الارتهان الجيوسياسي والهشاشة السيادية التي ميزت مؤسسة الحكم الموريتانية عبر العقود. تجلى هذا الاضطراب التاريخي في هشاشة شرعية الرؤساء الموريتانيين الذين سعوا إلى تقارب استراتيجي مع الرباط وحفظ القواعد التأسيسية لفضاء المغرب العربي الكبير، بدءا بالإطاحة بالرئيس المختار ولد داداه سنة 1978 تحت وطأة ضغوط حرب الصحراء، وصولا إلى الانقلاب العسكري على الرئيس معاوية ولد سيدي أحمد الطايع سنة 2005، والذي أطيح بحكمه أثناء وجوده خارج البلاد لتظل طائرته الرئاسية عالقة في الأجواء عاجزة عن الهبوط بنواكشوط. اصطدمت طموحات الشراكة الإقليمية بسلسلة انزلاقات عسكرية متتالية غذتها الاستقطابات الخارجية، مكرسة واقعا تظل فيه القرارات السيادية الموريتانية رهينة للضغوط المباشرة ومخاوف الإطاحة بالحكم، مما يترك بؤر اتخاذ القرار في نواكشوط تحت تهديد الاهتزاز المباشر عند كل تقارب استراتيجي مع المملكة المغربية.
4- الجزائر والبوليساريو: صناعة الضغط
تتوزع أدوار منظومة الضغط الإقليمي ضد المملكة المغربية عبر هندسة دقيقة تقودها الجزائر وتنفذها ميليشيات المرتزقة انطلاقا من المخيمات، إذ تتخذ هذه المنظومة من الجغرافيا الموريتانية منفذا لوجستيا ومجالا لتسلل النفوذ وتمرير الإملاءات الجيوسياسية. يؤكد قرار السلطات الجزائرية في شهر غشت سنة 2021 القاضي بقطع العلاقات الدبلوماسية مع الرباط وإغلاق المجال الجوي، متبوعا بقطع أنبوب الغاز المغاربي-الأوروبي، ارتباط هذه الإجراءات باستراتيجية شاملة تهدف إلى إحكام الحصار السياسي والاقتصادي على الأقاليم الجنوبية للمملكة وترسيخ خناق جيوستراتيجي يمتد من تندوف وصولا إلى سواحل الكويرة.
تعتمد هذه المنظومة المزدوجة على استغلال هشاشة النسيج الحدودي الموريتاني وتوظيف سياسة “المسك من الوسط” التي تتبعها نواكشوط. تضغط الجزائر بأساليب متعددة، تستخدم فيها ورقة الإمدادات الطاقية والمساعدات الأمنية، إضافة إلى ولوج الأسواق، بغرض دفع الإدارة الموريتانية نحو تقديم تسهيلات ميدانية لعناصر جبهة البوليساريو. يتيح هذا الضغط للكيان الانفصالي التحرك بهامش حرية نسبي داخل المناطق المحاذية للشريط الحدودي الشمالي لموريتانيا، وممارسة عمليات استطلاع واختراق تستهدف ضرب المشاريع التنموية الكبرى التي أطلقتها المملكة، وفي مقدمتها رؤية الداخلة الأطلسية والربط القاري نحو غرب أفريقيا.
تظهر الوثائق الأمنية والتقارير الاستراتيجية الصادرة عن مراكز الأبحاث الدولية أن تحويل النواحي المتاخمة للكويرة إلى منطقة توتر دائم يقف خلفه مخطط جزائري صريح يسعى إلى منع المغرب من قطف ثمار تحولاته التنموية والأطلسية. إن تحريك العناصر المسلحة وإرسال رسائل التهديد للملاحة البحرية والتجارة البرية عبر الحدود الموريتانية يمثلان وسيلة إعادة إنتاج أزمة مفتعلة كلما استشعر الخصوم اقتراب الحسم الدبلوماسي لصالح سيادة المملكة المكتملة. تجد نواكشوط نفسها، جراء هذه الضغوط المتواصلة، في موقع المشلول عن اتخاذ قرارات حازمة لتأمين أراضيها وضبط شريطها الحدودي، مما يجعلها منصة غير مباشرة يمارس من خلالها التسلل والتعطيل ضد مشاريع المغرب التنموية الطموحة.
5- الكويرة والكركرات: عندما تختبر السيادة عند الحدود
تجسد منطقة الكويرة والكركرات المحك الحقيقي الذي تنكشف عنده التزامات الدول وقدرتها التنفيذية على بسط أحكام القانون الدولي وحماية المجال الترابي القومي. تنطوي الإداريات الحدودية المحيطة برأس نواذيبو على تعقيدات قانونية وأمنية تتشابك فيها قواعد اتفاق وقف إطلاق النار لسنة 1991 مع مقتضيات الاتفاقيات الأمنية الثنائية، الأمر الذي يجعل كل تحرك ميداني اختبارا صريحا لجاهزية القوات المسلحة الملكية في ضبط تخوم الحدود دون الانسياق وراء مناورات استدراج التوتر.
يظهر التدخل المغربي الحاسم في الثالث عشر من شهر نوفمبر سنة 2020 تجليا لاستراتيجية فرض الأمر الواقع الشرعي وتطهير الفضاءات الحدودية الحساسة من اختراقات الميليشيات المشبوهة، مع الالتزام المباشر بأعلى درجات الانضباط الميداني وقواعد القانون الدولي. حققت هذه المبادرة الأمنية الميدانية تحصين الشريط المتاخم للحدود الموريتانية، كاشفة في الوقت نفسه شللا بنيويا في العقيدة الأمنية لنواكشوط، ومظهرة عجز المؤسسة العسكرية الموريتانية عن ضبط جغرافيتها المتاخمة لمنع جعل أراضيها منطلقا للاستفزازات الميدانية ضد المملكة.
تثبت القراءة الفاحصة للتقارير الصادرة عن المؤسسات البحثية الدولية وجود حيرة سياسية وأمنية لدى صانع القرار الموريتاني، تعكس تفضيل الامتناع الصامت عن الحركة بدل تحمل المسؤولية الأمنية الحدودية المباشرة. يمثل هذا السلوك الموريتاني تغاضيا غير مبرر عن تهديدات أمنية تمس الجوار المباشر، تاركا عبء تأمين الممرات التجارية الإقليمية كاملا على عاتق الدولة المغربية. يكرس هذا الفارق بين الجاهزية الدفاعية المغربية والتردد الموريتاني واقعا يفرض على الرباط تعميق حضورها الأمني والسيادي المباشر لحماية أقاليمها الجنوبية وإجهاض أي مسعى إقليمي لتحويل المنطقة العازلة إلى منصة تسلل واختراق.
6- اللوبيان الفرنسي والإسباني: من الاستعمار إلى إعادة إنتاج النفوذ
لا يمكن تفكيك شبكات التسلل والضغط المحيطة بالكويرة والحدود الجنوبية للمملكة المغربية بمعزل عن تتبع أدوار القوى الأوروبية التقليدية، وفي مقدمتها فرنسا وإسبانيا، حيث خلف الإرث الاستعماري بنى نفوذ عميقة تتوزع بين دوائر القرار السياسي، والمؤسسات التشريعية، وشبكات المصالح الاقتصادية والإعلامية في عواصم القارة العجوز. ورغم التحولات الجيوسياسية الكبرى التي شهدتها المنطقة، حافظت هذه اللوبيات على حضورها عبر توظيف قضايا حقوق الإنسان، والرهانات الطاقية، والتحالفات الأمنية في منطقة الساحل والصحراء، بغرض إبقاء الملف ورقة مساومة موجهة ضد المصالح الاستراتيجية للمغرب.
على المستوى الفرنسي، تتجاذب دوائر صنع القرار رؤى متباينة: فبينما تتجه المؤسسات نحو ترسيخ شراكة استراتيجية صلبة مع الرباط، يبرز تيار تقليدي داخل الإدارة العميقة وشبكات الأبحاث يرتبط بوزارة الخارجية أو ببعض مراكز التأثير، ويميل إلى مراعاة التوازن مع الجزائر لاعتبارات تاريخية وطاقية مرتبطة بإمدادات الغاز وأسواق غرب إفريقيا. تستثمر جبهة البوليساريو والجزائر هذا التناقض الداخلي بالتسلل عبر قنوات الضغط البرلماني والجمعوي في باريس، لعرقلة أي إجماع أوروبي صريح يدعم السيادة المغربية الكاملة على أقاليمه الجنوبية.
أما الحضور الإسباني فيحمل خصوصية بالغة لارتباط مدريد التاريخي والإداري المباشر بالملف الصحراوي قبل انسحابها سنة 1975، واحتضانها لشبكات حزبية ونقابية وإعلامية تتعاطف مع أطروحة الانفصال. وعلى الرغم من التطور الدبلوماسي المهم المتمثل في اعتراف مدريد بمقترح الحكم الذاتي أساسا لجدية الحل، فإن التيارات المناهضة لهذا المسار داخل البرلمان الإسباني والمجتمع المدني تظل نشطة وقابلة للتوظيف في أي لحظة لإعادة تسخين التوتر الإقليمي. تتخذ هذه اللوبيات من الجغرافيا الموريتانية منصة مراقبة واختبار، حيث تستغل حالة “الحياد المشروط” لنواكشوط لتمرير أجندات تهدف إلى تقويض المشروع الأطلسي المغربي وإبقاء المنطقة رهينة لتقاطعات النفوذ الأجنبي.
7- ما الذي يعد ضد المغرب؟
تتكامل الأبعاد الجيوسياسية والعسكرية السالفة الذكر ضمن هندسة استراتيجية شاملة تتبلور مراميها في استهداف مشاريع النهضة الكبرى التي يقودها المغرب في أقاليمه الجنوبية، محاولة تحجيم أدورها القارية والدولية. تتركز خيوط هذه المؤامرة الميدانية والاقتصادية في تقويض أربعة محاور أساسية تمثل عصب التحول الاستراتيجي للمملكة نحو محيطها الإفريقي والأطلسي، وتتمثل فيما يلي:

  • تعطيل الاتصال الأطلسي ومشروع الميناء المتوسطي: يمثل مشروع الميناء الأطلسي للداخلة والمبادرات الملكية الرامية إلى ربط دول الساحل الأفريقي بالمحيط الأطلسي ثورة لوجستية واقتصادية تنهي العزلة التاريخية لهذه الدول. تسعى أطراف الخصوم، عبر تحريك أدوات الضغط الميداني والتهديد المستمر لخطوط الإمداد قرب الحدود الموريتانية، إلى بث الرعب في نفوس المستثمرين الدوليين وإفشال طموح الرباط في التحول إلى قطب تجاري عالمي يربط بين إفريقيا وأوروبا والأميركتين.
  • مشروع أنبوب الغاز النيجيري المغربي: يشكل هذا المشروع الطاقي الضخم، الذي يمر عبر عدة دول إفريقية وصولا إلى أوروبا، تهديدا مباشرا لمصادر النفوذ الطاقي التقليدي لخصوم الوحدة الترابية. لذلك توظف شبكات الضغط الإقليمية والأجنبية جميع الأوراق المتاحة، بما فيها، كما أشرنا سابقا، التسلل عبر الجغرافيا الموريتانية، لعرقلة هذا المسار الاستراتيجي أو إبطاء وتيرة إنجازه عبر خلق توترات مصطنعة على الحدود الجنوبية للمملكة.
  • إدامة حالة اللاحرب واللاسلم عبر إبقاء الملف مفتوحا: يستهدف المخطط المعادي إبقاء النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية حيا داخل الأروقة الدولية والأممية، عبر استنزاف الدبلوماسية المغربية في معارك جانبية. يتيح هذا الوضع المفتوح للجزائر ولجبهة البوليساريو، بدعم من اللوبيات التقليدية، الحفاظ على أدوات ابتزاز دائم تستغل حالة التذبذب الموريتاني للتشويش على المكاسب الدبلوماسية المتتالية التي تحصدها الرباط والاعترافات الدولية المتزايدة بمغربية الصحراء ومقترح الحكم الذاتي.
  • التأثير على الديناميات التجارية الإفريقية وتهميش الممرات التقليدية: يسعى المخطط الاستراتيجي المغربي عبر تطوير البنى التحتية المينائية واللوجستية في الصحراء إلى إعادة رسم خارطة التجارة القارية والعابرة للقارات، عابرا بالمبادرات الأطلسية نحو إدماج دول حباها الله بموارد ضخمة لتتخلص من الهيمنة الجيوسياسية للممرات التقليدية الشمالية. تواجه هذه التحولات حربا خفية تقودها أطراف الإقليم عبر محاولات عرقلة الاندماج الإقليمي الشامل، مستغلة هشاشة الأوضاع الحدودية لتعطيل دينامية النمو التي تسعى الرباط لترسيخها كمرتكز أساسي للأمن والسلم الإقليميين.
    خلاصة
    تتجسد معركة الكويرة امتدادا حاسما لمستقبل الواجهة الأطلسية للمملكة، ومحورا لقدرة الرباط على تحويل أقاليمها الجنوبية قطبا يربط العمق الأفريقي بالمحيط. ويتجاوز النطاق الاستراتيجي لهذه المواجهة حدود التأمين الميداني لمعبر الكركرات، مستدعيا صياغة دبلوماسية تدفع القيادة الموريتانية نحو الانخراط في شراكة استراتيجية واضحة المعالم، قائمة على المصالح الاقتصادية وتطوير البنيات التحتية والتنسيق الأمني.
    كما تتطلب مواجهة تحركات اللوبيات الفرنسية والإسبانية إرساء مقاربة قائمة على تشابك المنافع المتبادلة، متجاوزة الوعود الدبلوماسية الظرفية. ويستدعي الدعم الرسمي لمقترح الحكم الذاتي تحصينا داخل المؤسسات التشريعية والإعلامية والأوروبية لضمان ثبات المواقف. ويوفر الإنجاز الميداني، عبر تطوير الموانئ، وشبكات الطرق، ومشاريع الطاقة، والاتصال القاري، خيارا حاسما لتقليص مساحات المناورة المتاحة أمام خصوم الوحدة الترابية، وتوجيه الخيارات الإقليمية نحو الاندماج الشامل.
    تتجلى الكويرة اليوم كمركز ثقل استراتيجي في المنطقة، وتتحدد القيمة الجيوسياسية للفاعل الموريتاني بناء على اختياراته المستقبليّة بين بناء شراكة الاستقرار أو الانزلاق نحو مسارات الضغط الإقليمي. وتواصل المملكة المغربية بثبات مسارها التنموي الشامل، مكرسة توسيع شراكاتها الدولية وإرساء معادلة رابح-رابح مع قوى وحلفاء يمتلكون وزنا ونفوذا عالميين. ويعكس هذا التوجه السيادي الحاسم استمرارية الدينامية الوطنية والمشاريع الهيكلية الأطلسية دون التفات إلى التشويش الهامشي أو المخططات المعادية، حاسمة أمر السيادة والترسخ الميداني بيقين وإنجاز لا توقفه أصوات الخصوم ولا مناورات الابتزاز الإقليمي. فالقافلة تسير ولن يوقفها نباح الكلاب.
    لائحة المراجع والمصادر
    1- العربية
  • منظمة الأزمات الدولية (Crisis Group) (2021)، “الجزائر والمغرب: مخاطر التصعيد والتوتر الإقليمي”، تقرير الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
  • مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) (2022)، “ممر الساحل الأطلسي: ديناميات الأمن والتجارة في غرب إفريقيا”.
    2- المترجمة إلى العربية
  • معهد الاتحاد الأوروبي للدراسات الأمنية (EUISS) (2021)، “نزاع الصحراء الغربية: التحولات الجيوسياسية في ممر الساحل الأطلسي.”
  • مجموعة الأزمات الدولية (International Crisis Group) (2020)، “إعادة بناء الثقة عبر انقسام الصحراء الغربية”، تقرير إفريقيا.
    3- الفرنسية
  • Institut Français des Relations Internationales (IFRI) (2022), “La Mauritanie et ses voisins : équilibres géopolitiques dans l’espace sahélo-atlantique”.
  • Institut Français des Relations Internationales (IFRI) (2021), “Les intérêts européens et la stabilité maghrébine”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
🇮🇶 العراق 🇬🇧 المملكة المتحدة 🇫🇷 فرنسا 🇮🇹 إيطاليا 🇪🇸 إسبانيا 🇩🇪 ألمانيا 🇷🇺 روسيا 🇹🇷 تركيا 🇨🇳 الصين 🇬🇷 اليونان 🇮🇳 الهند 🇰🇷 كوريا الجنوبية