جنازة رجل يمشي على قيد الحياة/عبد العزيز الخبشي- المغرب

لم أعد أرى الحياة إلا في شقها الأسود. لم تعد عيني قادرتين على التقاط شيء من الضوء، ولا قلبي قادرا على تصديق أن وراء هذا الخراب متسعا صغيرا يمكن أن يستريح فيه. لقد انطفأت الألوان في داخلي قبل أن تنطفئ في العالم، ثم أخذت العتمة تتسلل ببطء إلى كل شيء، حتى صرت أشعر بأنني لا أعيش في الحياة، بل أعيش في ظلها الثقيل، في تلك المساحة المنسية التي تتراكم فيها الأشياء التي فقدت معناها، والوجوه التي استنفدت قدرتها على الابتسام، والأحلام التي ماتت دون أن يحضر أحد جنازتها.
لا أعرف متى بدأت هذه الحكاية السوداء. لا أستطيع أن أحدد اللحظة التي انكسر فيها شيء ما في أعماقي، ولا اليوم الذي توقفت فيه عن انتظار الأشياء الجميلة. ربما حدث ذلك على مراحل، كما تتآكل الجدران القديمة تحت تأثير الرطوبة، وكما يتسلل العفن إلى الخشب دون أن يثير انتباه أحد. خيبة صغيرة هنا، وفقدان عابر هناك، ووجه ينسحب من حياتي دون تفسير، ويد كنت أظنها ستبقى ممدودة نحوي فإذا بها تتركني أسقط وحدي. ثم تراكمت الخيبات، وتكاثرت الغيابات، حتى لم يعد في داخلي متسع لخيبة أخرى، ومع ذلك استمرت الحياة في إرسال خيباتها إلي، كأنها لم تكتف بعد بما انتزعته مني.
استيقظت ذات صباح، ولم أجد في نفسي رغبة في النهوض. لم يكن الأمر مجرد تعب عابر، ولا كسلا يمكن أن يزول بعد فنجان قهوة أو ساعة من الراحة. كان شيئا أعمق، شيئا يشبه نفاد المعنى من الأشياء. فتحت عيني على سقف الغرفة، وظللت أحدق فيه طويلا، كأنني أنتظر أن يظهر عليه تفسير واحد لكل ما أشعر به. كان السقف صامتا، والجدران باردة، والستائر معلقة في مكانها كأكفان رمادية تنتظر أجسادا لا تأتي. أما الساعة، فكانت تواصل دقاتها بانتظام مستفز، وكأن الزمن يسخر مني، ويذكرني بأن العالم لا يتوقف حين يفقد أحدهم الرغبة في مواصلة الطريق.
حاولت أن أنهض، لكن جسدي بدا كأنه لا ينتمي إلي. شعرت بثقل غريب في أطرافي، وبأن المسافة الفاصلة بين السرير والباب أطول من كل الطرق التي قطعتها في حياتي. ومنذ ذلك الصباح، أخذت غرفتي تتسع حولي بطريقة مخيفة، حتى صارت أشبه بمدينة مهجورة، لا يمر بها أحد، ولا تصلها الأخبار، ولا يعرف سكانها إن كان النهار قد أشرق أم أن الليل قرر أن يستولي على الزمن كله.
كنت أسمع الحياة في الخارج ولا أشاركها شيئا. أصوات السيارات وهي تشق الشوارع، خطوات المارة، أبواب المحلات التي تفتح كل صباح، ضحكات عابرة تتصاعد من بعيد، وأحاديث الناس عن مشاريعهم ومواعيدهم وأحلامهم الصغيرة. كان كل ذلك يصل إلي كما تصل أصوات مدينة بعيدة إلى سجين يقبع في زنزانة لا نوافذ لها. أراقب العالم من وراء الزجاج، وأشعر بأنني غريب عن كل ما يحدث فيه، كأنني متُّ منذ زمن طويل، لكن أحدا لم يخبر جسدي بذلك، فظل يتحرك آليا، يؤدي ما تبقى من وظائفه، بينما انسحبت روحي إلى مكان لا أعرف كيف أصل إليه.
لم أعد أفهم هؤلاء الذين يخرجون كل صباح بوجوه متفائلة، والذين يتحدثون عن الغد كأنه وعد مكتوب بأحرف من ذهب. كيف يستطيعون أن يصدقوا أن الأيام تخبئ لهم شيئا مختلفا؟ كيف يضعون أحلامهم أمام الزمن، ثم ينامون مطمئنين، كأنهم لم يسمعوا قط صوت الأشياء وهي تتحطم؟ كنت أنظر إليهم من نافذتي وأشعر بأنني أراقب مشهدا مسرحيا قديما، يعيد الممثلون أداءه كل يوم دون أن ينتبهوا إلى أن النص فقد معناه، وأن الستار الذي ينتظرونه في النهاية لن يفتح على شيء.
أما أنا، فقد فقدت الثقة في البدايات قبل أن أعيشها، وصرت أرى النهايات كامنة في كل شيء. كل علاقة تبدو لي فراقا مؤجلا، وكل ابتسامة تحمل في أطرافها احتمالا للخديعة، وكل وعد ليس سوى طريقة مهذبة لتأجيل الخيبة. لم أعد أصدق أن الأشياء يمكن أن تستمر، ولا أن القلوب تستطيع الاحتفاظ بصفائها، ولا أن الإنسان يمكن أن ينجو من الزمن دون أن يترك فيه جزءا من روحه. لقد صرت أستقبل الفرح بالريبة، وأتعامل مع السعادة كما لو أنها ضيف جاء إلى بيت خرب، لا يعرف أن صاحب البيت فقد القدرة على استقباله.
حتى حين يحدث شيء جميل، لا أستطيع أن أفرح به كما ينبغي. يأتيني الفرح صغيرا ومرتبكا، فأفتش فيه عن نهايته قبل أن أسمح له بالاقتراب. أراقبه كما يراقب المرء غيمة سوداء في الأفق، متأكدا أنها تحمل المطر الذي سيغرق ما تبقى من أرضه. لا أستطيع أن أترك نفسي للحظة عابرة، لأنني صرت أخاف من اللحظات الجميلة أكثر مما أخاف من الحزن؛ فالحزن أعرفه، وأعرف كيف يستقر في صدري، أما الفرح فيوقظ في داخلي ذكرى ما فقدت، ويذكرني بأنني كنت، في زمن بعيد، قادرا على الشعور بشيء يشبه الحياة.
وهكذا صرت أخسر الأشياء مرتين: مرة حين تغادرني، ومرة حين أفقد القدرة على تذكرها دون ألم.
لم يعد الماضي ملاذا أهرب إليه. لقد تحولت الذاكرة إلى مقبرة واسعة، تتجاور فيها الوجوه الغائبة والأماكن التي تغيرت والوعود التي لم تجد طريقها إلى التحقق. كلما فتحت بابا من أبوابها، خرج إلي غبار السنوات، واختلطت في رأسي أصوات الذين رحلوا بأصوات الذين بقوا، حتى لم أعد أستطيع التمييز بين ما فقدته حقا وما فقدت القدرة على الاحتفاظ به.
أتذكر نفسي القديمة أحيانا، وأشعر بالشفقة على ذلك الرجل الذي كان يظن أن العمر يتسع لكل شيء، وأن الوقت كاف لإصلاح الأخطاء، وأن الذين يحبهم سيظلون قريبين بما يكفي ليقول لهم ما لم يقله بعد. كان يمشي بخفة لا أفهمها الآن، ويتحدث عن المستقبل دون أن يخجل من أحلامه، ويؤجل بعض الأشياء مطمئنا إلى أن الأيام ستمنحه فرصا أخرى.
كم كان ساذجا!
لم يكن يعرف أن بعض الفرص لا تعود، وأن بعض الكلمات حين تتأخر تصبح بلا فائدة، وأن الإنسان قد يظل سنوات يظن أن لديه متسعا من الوقت، ثم يلتفت فجأة ليكتشف أن الزمن عبر من جانبه دون أن ينتظره، وأن الأشياء التي تركها إلى الغد أصبحت جزءا من ماض لا يستطيع العودة إليه.
أحاول أحيانا أن أستعيد ملامح ذلك الرجل، أن أتذكر كيف كان ينظر إلى نفسه في المرآة، وكيف كان يخطط لأيامه، وكيف كان يفسح في قلبه مكانا لأشخاص لم يكونوا يستحقون كل ذلك المكان. لكنني لا أستطيع استعادته كاملا. أراه كصورة قديمة أصابها البلل، تآكلت أطرافها، واختلطت ملامحها حتى لم يعد ممكنا معرفة أين ينتهي الوجه وأين يبدأ الفراغ.
وأشعر، كلما تأملته، أنني لا أحزن على ما حدث له فقط، بل أحزن لأنه لم يكن يعرف أن حياته، التي كان يظنها مفتوحة على احتمالات كثيرة، ستنتهي به إلى هذه الغرفة، وهذا الصمت، وهذا الشعور الثقيل بأنه لم يعد يملك من نفسه سوى ذكريات تؤلمه، ووقت يمضي دون أن يمنحه سببا واحدا للانتظار.
أما المستقبل، فقد أصبح في عيني ممرا طويلا إلى المجهول، لا يحمل أي وعد بالنجاة. لا أرى فيه بداية جديدة، ولا فرصة للتعويض، ولا احتمالا يستحق أن أعلق عليه ما تبقى من قلبي. أراه مجرد استمرار بارد لهذا الحاضر، مع مزيد من الغياب والتعب، ومزيد من الوجوه التي ستتغير، والأشياء التي ستفقد بريقها، والذكريات التي ستصبح أثقل كلما ابتعدت عنها.
لم أعد أسأل نفسي ماذا سأفعل غدا، بل كم من التعب سأحمل معي إليه. لم أعد أبحث عن شيء أنتظره، بل عن طريقة أقنع بها نفسي بأن تكرار الأيام ليس عقوبة شخصية اختيرت لي وحدي. ومع ذلك، لا أجد جوابا. كل ما أراه هو طريق يمتد أمامي في ضباب كثيف، وكلما حاولت النظر إلى نهايته، بدا لي أنه لا ينتهي، بل يلتف حول نفسه، ويعيدني إلى النقطة ذاتها، كأن حياتي كلها دائرة مغلقة لا تملك شجاعة الانفتاح على أي اتجاه آخر.
ثم جاء المرض ليضيف إلى عتمتي عتمة أخرى.
حين أقعدني الألم وألزمني البيت أياما متتالية، اكتشفت أن الجسد يستطيع أن يتحول إلى سجن، وأن أبسط الحركات قد تصبح امتحانا قاسيا للقدرة على الاحتمال. لم أعد أتحرك كما أريد، ولم تعد المسافة القصيرة بين سريري والنافذة أمرا عابرا. صار الألم يرافقني في كل خطوة، ويذكرني بأنني لم أعد أملك حتى حرية التنقل داخل عالمي الصغير.
كنت أستيقظ على وجع لا يحتاج إلى سبب جديد كي يستمر، وأقضي ساعات طويلة في محاولة العثور على وضعية أقل قسوة. كان الليل يطول، والوقت يتثاقل، والأفكار تتكاثر في رأسي حتى صرت أشعر بأنني محاصر بين جسد يرفض طاعتي وعقل لا يعرف كيف يصمت. لم يكن المرض وحده هو ما يؤلمني، بل ذلك الشعور بالإهانة الصامتة حين يصبح الإنسان عاجزا عن القيام بأشياء كان يؤديها دون تفكير، وحين يكتشف أن استقلاله الذي كان يعده أمرا بديهيا يمكن أن يتقلص فجأة إلى بضعة أمتار بين السرير والباب.
كنت أسمع حركة العالم خارج البيت، فأشعر بأن الحياة تواصل احتفالها البارد دون أن تلتفت إلى غيابي. لا أحد يوقف ساعته لأنني أتألم، ولا شارع يفرغ من المارة لأنني عاجز عن الخروج، ولا شمس تتأخر في الشروق كي تمنحني فرصة لاستعادة أنفاسي. العالم لا يعرف أنني هنا، ولا يعنيه أنني أعد الساعات في غرفة مغلقة، وأن كل دقيقة تمر تترك في داخلي شيئا من المرارة.
وللمرض قسوته الخاصة؛ إنه لا يكتفي بإيلام الجسد، بل يجبرك على الجلوس وجها لوجه أمام نفسك. لا يسمح لك بالهرب إلى العمل، ولا بإغراق رأسك في ضجيج الخارج، ولا بالادعاء أنك مشغول إلى الحد الذي يمنعك من التفكير. يتركك وحدك، عاريا من المبررات، ويضع أمامك كل ما حاولت تأجيله: خساراتك، ومخاوفك، وأسئلتك التي لم تجد إجابة، وذلك الفراغ الذي كنت تظن أنك تستطيع إخفاءه بالانشغال.
في تلك الأيام، لم أعد أحتمل حتى الصمت، ومع ذلك كنت أهرب من الأصوات. لم أعد أطيق الجلوس وحيدا، لكنني لم أكن أملك رغبة في رؤية أحد. كنت أريد أن يزورني العالم، بشرط ألا يكلمني، وأن يشعر أحد بوجودي، دون أن يضطر إلى سؤالي عما أشعر به. كنت أريد شيئا مستحيلا: أن أكون حاضرا في حياة الآخرين دون أن أشرح لهم غيابي عن نفسي.
ولم يكن في وسعي أن أقول لهم إن الألم الذي أشعر به أكبر من موضعه في جسدي، وإنني لا أتألم من المرض وحده، بل من تراكم السنوات التي جعلتني أستقبل كل وجع جديد باعتباره دليلا إضافيا على أن الحياة لا تتوقف عن انتزاع ما تبقى لي من القدرة على الاحتمال.
كنت أقول لنفسي إن الأيام ستمر، كما مرت أيام كثيرة من قبل، لكن هذه العبارة لم تكن تمنحني أي عزاء. فمرور الأيام لم يعد يعني شيئا جيدا بالضرورة. الأيام تمر، نعم، لكنها تأخذ معها ما لا يعود، وتترك وراءها أجسادا أكثر تعبا، ووجوها أكثر إرهاقا، وقلوبا تعلمت أن تخفض سقف توقعاتها حتى لا تتعرض لمزيد من الانكسار.
وهكذا، حتى فكرة التعافي فقدت شيئا من بريقها. لم أعد أرى وراءها سوى العودة إلى العالم نفسه، والضجيج نفسه، والخيبات نفسها. كنت أريد أن يخف الألم، لكنني لم أكن أعرف ماذا سأفعل بنفسي إذا خف، ولا بأي معنى سأملأ الفراغ الذي سيتركه وراءه. لقد أصبح الألم، على قسوته، جزءا من النظام الذي اعتدت عليه، وصرت أخشى أن أتعافى من وجع الجسد لأكتشف أن وجع الروح لا يزال ينتظرني في المكان نفسه.
أكثر ما يرعبني الآن ليس أنني أصبحت حزينا، بل أنني لم أعد أندهش من حزني. لم يعد في الأمر ما يستدعي الدهشة أو السؤال. أستيقظ متعبا، وأقضي النهار مثقلا، ويأتي المساء ليضيف طبقة جديدة إلى هذا التعب، ثم أنام أو أحاول النوم، لأبدأ الدورة ذاتها في اليوم التالي. لا شيء يتغير حقا، وكل ما يحدث أنني أتعلم، يوما بعد يوم، كيف أتعايش مع ما لا أستطيع إصلاحه.
لقد صار الحزن مناخي الداخلي، وصارت الكآبة أثاث غرفتي، وصار التشاؤم اللغة التي أفسر بها كل شيء. لا أحتاج إلى حدث سيئ كي أشعر بالسوء؛ يكفي أن أفتح عيني على العالم. لا أحتاج إلى خبر محزن كي أفقد الأمل؛ يكفي أن أفكر في المستقبل. ولا أحتاج إلى أن يخذلني أحد كي أشعر بالخذلان؛ يكفي أن أتذكر كم مرة وثقت، وكم مرة انتظرت، وكم مرة عدت إلى نفسي خالي الوفاض.
أصبحت أرى السواد حتى في التفاصيل التي لا علاقة لها بالحزن. فنجان القهوة على الطاولة يبدو لي أثرا من حياة فقدت حيويتها. الكتاب المفتوح أمامي يبدو شاهدا على عجز الكلمات. الهاتف الصامت يذكرني بأن العالم يستطيع أن يمضي طويلا دون أن يحتاج إلي. والمرآة، تلك القطعة الصغيرة من الزجاج، صارت أكثر الأشياء قسوة في البيت؛ لأنها لا تجاملني، ولا تمنحني فرصة للاختباء خلف الأعذار.
أقف أمامها أحيانا، وأتأمل وجهي طويلا. أرى ملامح أعرفها ولا أشعر بأنها تخصني تماما. أبحث في العينين عن شيء من الفضول القديم، عن شرارة صغيرة تقول إن هذا الرجل لا يزال قادرا على الدهشة، لكنني لا أجد سوى نظرة مرهقة، كأنها شاهدت أكثر مما ينبغي، وفقدت الرغبة في متابعة المشهد.
أحاول أن أتذكر آخر مرة ضحكت فيها من أعماقي، فلا أستطيع أن أستعيدها بوضوح. أتذكر وجوها تبتسم، ومواقف مرّت، وأصواتا ارتفعت، لكنني لا أستطيع أن أستعيد ذلك الشعور الخفيف الذي يجعل الضحك يأتي دون تفكير. كأن السعادة لم تغادر حياتي فحسب، بل أخذت معها القدرة على تذكر طعمها.
وحتى البكاء، الذي كنت أظنه ملاذا أخيرا، لم يعد يأتيني كما ينبغي. أحيانا أشعر بأن في صدري شيئا يريد أن ينهار، لكن الدموع لا تتحرك. أبقى جالسا، جامدا، وأحس بأن الحزن تجاوز المرحلة التي يستطيع فيها أن يخرج على هيئة دموع. لقد استقر عميقا، في مكان لا تصل إليه الكلمات ولا الدموع، وصار كتلة ثقيلة أحملها معي أينما ذهبت.
هناك حزن يجعل الإنسان يبكي، وحزن يجعله يصرخ، ثم هناك حزن آخر، أكثر قسوة وبرودة، يسلبه حتى القدرة على التعبير. حزن لا يحتاج إلى صوت، ولا إلى شهود، ولا إلى اعتراف. يكفي أن يجلس الإنسان في مكانه، وينظر إلى الأشياء من حوله، ليعرف أن شيئا ما انتهى فيه، وأنه لا يملك اسما دقيقا لما انتهى، ولا يعرف كيف يستعيده.
هذا هو الحزن الذي أعرفه الآن.
أما الناس، فقد أصبحت أراهم من وراء جدار سميك. لا أكرههم، ولا أرغب في لومهم، لكنني لم أعد أملك القدرة على الاقتراب منهم كما كنت أفعل. كل علاقة تتطلب مني شيئا لم يعد متوفرا لدي: أن أصدق، وأن أنتظر، وأن أسمح لنفسي بأن أكون عرضة للخيبة من جديد. وقد تعبت من دفع هذا الثمن.
أصبحت أفضل المسافات، لا لأنها تمنحني الراحة، بل لأنها تعفيني من ضرورة التفسير. في المسافة لا أحد يسألني لماذا تغيرت، ولا يطالبني بأن أكون الرجل الذي عرفه من قبل، ولا ينتظر مني أن أبتسم حين لا أجد في داخلي ما يستحق الابتسام. أستطيع أن أكون صامتا دون أن أبرر صمتي، وأن أنسحب دون أن أشرح أسبابي، وأن أترك الأيام تمر دون أن أضطر إلى إقناع أحد بأنني بخير.
لكن المسافة، بدورها، لا تنقذني. إنها تمنحني هدنة قصيرة من الناس، ثم تعيدني إلى نفسي، حيث لا توجد مسافة يمكن قطعها، ولا باب يمكن إغلاقه، ولا مدينة بعيدة أستطيع أن أهرب إليها. أجدني في النهاية أمام ذلك الرجل الذي أحاول تجنبه، الرجل الذي يحمل كل ما حدث، وكل ما لم يحدث، وكل ما كان يمكن أن يحدث ولم يحدث.
وأدرك أنني لا أستطيع أن أبتعد عن نفسي مهما ابتعدت عن العالم.
لذلك صرت أعيش عزلة مزدوجة: عزلة عن الآخرين، وعزلة عن الرجل الذي كنت عليه. لا أنتمي تماما إلى الذين بقوا حولي، ولا أستطيع العودة إلى الذين كنتهم في الماضي. أقف في مساحة ضيقة بين عالمين، لا أجد في أحدهما ما يكفي لأشعر بأنني في مكاني.
حتى الكلام صار عبئا. حين يسألني أحدهم كيف حالك، أقول: بخير. أقولها بآلية، دون أن أفكر في معناها، كأنني أكرر كلمة محفوظة لا علاقة لها بما يحدث في داخلي. لا أريد أن أفتح الأبواب، ولا أن أضع حزني أمام الآخرين، ولا أن أضطر إلى مشاهدة الحيرة في عيونهم وهم يبحثون عن كلمات مناسبة لمواساة رجل لا يعرف كيف يشرح ما يؤلمه.
فكيف أشرح لهم أنني لم أعد أرى الحياة كما يرونها؟ كيف أقول إنني فقدت ثقتي في الأشياء دون أن أتهمهم بالمبالغة؟ كيف أشرح أنني لا أحزن على حادثة بعينها، بل على شعور عام بأن المعنى نفسه يتسرب من العالم، وأنني، مهما حاولت، لم أعد أستطيع استعادته؟
ليس لدي جواب.
أكتفي بالصمت، وأتركهم يظنون أن الأمر عابر، وأن الأيام ستعيدني إلى طبيعتي. لا يعرفون أنني صرت أخاف من كلمة «طبيعتي» نفسها، لأنني لم أعد متأكدا من أن تلك الطبيعة القديمة ما زالت موجودة في مكان ما داخلي، تنتظر أن أعود إليها.
وفي المساء، حين ينحسر ضجيج المدينة، يبدأ الليل الحقيقي.
ليس الليل الذي يأتي بعد غروب الشمس، بل ذلك الليل الذي ينهض في أعماقي كلما هدأت الأشياء من حولي. عندها تتضخم الغرفة، ويصبح السرير جزيرة صغيرة في بحر من الصمت، وتبدو الساعة كأنها آلة لعد الخسارات. أجلس قرب النافذة، وأراقب الأضواء البعيدة، فأراها مثل عيون متعبة تحاول مقاومة ظلام تعرف أنه سينتصر في النهاية.
أفكر في السنوات التي مرت، وفي الذين عبروا حياتي، وفي كل ما ظننته يوما ثابتا فإذا به يتغير أو يختفي. أفكر في الوقت الذي أنفقته في الانتظار، وفي الكلمات التي لم أقلها، وفي الفرص التي تأخرت عنها، وفي الأشياء التي اعتقدت أنها ستبقى حتى اكتشفت أنها لم تكن سوى زيارات عابرة.
ثم أفكر في الموت، لا بوصفه حدثا أستدعيه أو أتمناه، بل بوصفه حقيقة صامتة تقف في نهاية كل الطرق، وتذكرني بأن الزمن لا يعقد اتفاقا مع أحد. أرى كيف تنتهي الحكايات، وكيف يترك الراحلون أماكن فارغة، وكيف يستمر العالم في الحركة بعدهم، كأن غياب الإنسان، مهما كان عزيزا على نفسه، لا يترك في هذا الكون سوى فراغ محدود سرعان ما تتراكم حوله الحياة من جديد.
وهذه الفكرة لا تمنحني حكمة، بل تزيدني شعورا بالعبث. فما جدوى كل هذا الركض إذا كانت الأشياء التي نبنيها ستتغير، والوجوه التي نحبها ستغيب، والذاكرة نفسها ستضعف، والأسماء التي نظنها راسخة ستصبح، مع مرور الزمن، أصواتا بعيدة لا يتذكر أحد أصحابها؟
ما جدوى أن نحلم، إذا كانت الأحلام تمنحنا في البداية أجنحة ثم تتركنا نتعلم السقوط؟ ما جدوى أن نحب، إذا كان الحب لا يملك سلطة على الزمن؟ وما جدوى أن نتمسك بالأشياء، إذا كان الزمن ينتزعها منا دون أن يطلب الإذن؟
أعرف أن هذه الأسئلة لا تقدم جوابا، وأنها قد تكون مجرد دوائر يدور فيها عقلي المرهق. لكنني لم أعد أملك القدرة على إيقافها. إنها تعود كل ليلة، تتغير صياغتها ويبقى معناها واحدا، حتى أشعر أحيانا بأن رأسي غرفة أخرى مغلقة، وأن أفكاري أصوات سجناء يتناوبون على طرق جدرانها دون أن يأتي أحد ليفتح الباب.
أطفئ المصباح، ثم أعود فأشعله. لا أحتمل الضوء، ولا أحتمل الظلام. أفتح النافذة قليلا، ثم أغلقها. لا أحتمل هواء الخارج، ولا أحتمل هواء الغرفة. أبحث عن وضعية أستريح فيها، عن فكرة أطمئن إليها، عن شيء صغير يخفف وطأة هذا الوجود، فلا أجد سوى حركة متكررة بين احتمالات متشابهة، كأنني أبحث عن مخرج في بيت لا أبواب له.
وفي النهاية، أعود إلى السرير، وأحدق في السقف نفسه، كأن شيئا لم يحدث، وكأن الليل كله لم يكن سوى محاولة أخرى فاشلة لتغيير ما لا يتغير.
لقد أصبحت أرى الحياة من شقها الأسود، لا لأن العالم يخلو بالضرورة من كل ما هو جميل، بل لأنني فقدت القدرة على تصديق جماله. وهذا، ربما، أشد أشكال البؤس قسوة: أن تمر الأشياء الجميلة أمامك، فلا تنكر وجودها، لكنك لا تستطيع الوصول إليها. أن ترى الشمس تشرق، ولا تشعر بأنها تعنيك. أن تسمع ضحكة صادقة، وتدرك أنها جميلة، لكن جمالها لا يصل إلى المكان الذي تقيم فيه. أن تعرف، بعقلك، أن الحياة تستمر، بينما تشعر في أعماقك بأن شيئا ما قد توقف إلى الأبد.
لم يعد السواد مجرد لون أراه في الأشياء، بل أصبح الطريقة التي أفهم بها العالم. أفسر الصمت باعتباره تخليا، والغياب باعتباره حكما نهائيا، والتأخر باعتباره بداية خسارة، والفرح باعتباره استراحة قصيرة تسبق وجعا جديدا. صرت أحمل التشاؤم معي أينما ذهبت، كمعطف ثقيل لا أستطيع خلعه، وأحتمي به أحيانا من المفاجآت، ثم أكتشف أنه يحجب عني الهواء أيضا.
وكلما حاولت أن أقنع نفسي بأن الأمور يمكن أن تكون مختلفة، عاد صوت داخلي بارد ليذكرني بكل ما خاب من قبل. لا يصرخ، ولا يهدد، ولا يحتاج إلى أدلة كثيرة. يكفيه أن يضع أمامي بعض الذكريات، وبعض الوجوه الغائبة، وبعض الوعود القديمة، لأتراجع عن كل احتمال جديد، وأعود إلى موقعي المألوف، حيث لا أطلب شيئا، ولا أنتظر شيئا، ولا أسمح لنفسي بأن أصدق أن العالم يمكن أن يفاجئني بما هو أفضل.
لقد صرت أتعامل مع الحياة كما يتعامل المرء مع بيت احترق معظم أثاثه: لا يفكر في تجديده، ولا يملك طاقة لإعادة ترتيب ما بقي فيه، بل يمر بين الأنقاض بحذر، متجنبا أن يجرح قدميه بما تناثر على الأرض. لم أعد أبحث عن السعادة، ولا عن معنى كبير يفسر كل شيء، ولا عن نهاية عادلة لحكاية طويلة. صرت أكتفي بمراقبة ما تبقى، وأتساءل كم من الوقت يستطيع الإنسان أن يمضي في العيش وهو يشعر بأن حياته تحدث في مكان آخر، وأنه لم يعد سوى شاهد متعب على أيام لا تخصه تماما.
وما يزيد الأمر قسوة أن العالم لا يتوقف عن مطالبتي بأن أكون طبيعيا. أن أشارك، وأن أبتسم، وأن أستجيب، وأن أبدو متماسكا، وأن أتعامل مع الحياة كما لو أنها لم تترك في داخلي كل هذه الشقوق. كأن الحزن عيب ينبغي إخفاؤه، وكأن التعب الطويل لا يحق له أن يظهر على الوجه، وكأن الإنسان مطالب بأن يقدم للآخرين نسخة مقبولة من ألمه، حتى لا يزعجهم بحقيقته.
لكنني تعبت من التمثيل.
تعبت من ارتداء وجه لا يشبهني، ومن الإجابة بأنني بخير، ومن إخفاء الخراب خلف كلمات عادية. تعبت من محاولة إقناع نفسي بأن ما أشعر به مجرد مرحلة عابرة، وأن الغد سيأتي بما يغير كل شيء. لقد قلت هذه الكلمات كثيرا، حتى فقدت قدرتها على المواساة، وصارت تبدو لي مثل عبارات مكتوبة على جدران بناية مهجورة، لا يقرؤها أحد، ولا تؤدي إلى أي مكان.
أنا لا أبحث عن عزاء جاهز، ولا أريد من أحد أن يخبرني بأن الحياة جميلة، أو أن لكل شيء حلا، أو أن الأيام كفيلة بإصلاح ما أفسدته. لقد سمعت ما يكفي من هذه العبارات، وأصبحت أراها عاجزة عن لمس ذلك الجزء العميق من الحزن الذي لا يستجيب للكلام السهل. ما أريده، ربما، هو أن أستطيع النظر إلى العالم دون أن أشعر بأنني أقف على حافته، وأن أرى في الأشياء أكثر من نهاياتها، وأن أستعيد شيئا من قدرتي على الشعور دون أن أخاف من الشعور نفسه.
لكنني لا أعرف كيف يحدث ذلك، ولا متى، ولا إن كنت سأصل إليه.
كل ما أعرفه أنني الآن رجل يحدق في العتمة طويلا، حتى صارت العتمة تحدق فيه أيضا.
في إحدى الليالي، جلست أمام المرآة، وأبقيت المصباح مضاء. لم أكن أبحث عن تجاعيد جديدة، ولا عن علامات العمر التي تتكاثر بصمت. كنت أحاول أن أفهم متى غادرتني نفسي، ومتى أصبح هذا الوجه الذي أراه هو الوجه الوحيد المتبقي لي.
تأملت عيني طويلا، ثم خفضت رأسي. لم أشعر برغبة في البكاء، ولا في الصراخ، ولا حتى في الاعتراض. شعرت فقط بتعب عميق، تعب لا يطلب الراحة بقدر ما يطلب أن يفهم أحد ما حدث له. كان في داخلي شيء يشبه غرفة أغلقت منذ سنوات، وتراكم الغبار على أثاثها، ونسيت اليد التي أغلقت بابها أين وضعت المفتاح.
أدركت، في تلك اللحظة، أنني قضيت وقتا طويلا في مراقبة ما أخذته الحياة مني، حتى نسيت أن أنظر إلى ما بقي. لم يكن هذا اكتشافا سعيدا، ولم يبدد عتمتي، ولم يمنحني سببا جديدا للتفاؤل. لكنه جعلني أرى شيئا واحدا بوضوح: أنني، وسط كل هذا السواد، ما زلت أبحث عن كلمات تصف ما أشعر به، وما زلت أحاول أن أفهم نفسي، حتى حين أعتقد أن الفهم لن يغير شيئا.
عدت إلى مكتبي، وفتحت دفترا قديما. قلبت صفحاته، فوجدت خطي القديم، وبعض الجمل التي كتبتها في أيام كنت أظن فيها أن الكتابة قادرة على ترتيب الفوضى. بدت لي تلك الصفحات كأنها رسائل تركها شخص غريب في غرفة مهجورة. قرأتها ببطء، وشعرت بغصة لم أستطع تفسيرها. لم تكن الكلمات جميلة أو عميقة بالضرورة، لكنها كانت تحمل أثر رجل لم يكن قد فقد ثقته في العالم تماما.
أغلقت الدفتر، ووضعته جانبا.
لم أستعد ذلك الرجل، ولم أخرج من عتمتي، ولم تتبدل نظرتي إلى الحياة. بقي كل شيء على حاله تقريبا. غير أنني، للمرة الأولى منذ زمن طويل، لم أشعر بالحاجة إلى إصدار حكم نهائي على نفسي، ولا إلى إقناعها بأن كل شيء انتهى.
تركت الأسئلة معلقة، وتركت الليل يمضي، دون أن أطلب منه أن يحمل لي جوابا.
أنا بطل هذه الحكاية، وشاهدها الوحيد، وربما أكثر من يعرف قسوتها. لا أستطيع أن أقول إنني انتصرت على شيء، ولا أنني وجدت في نهاية الطريق بابا ينتظرني. لا أملك خاتمة جميلة أضعها في آخر هذه الصفحات، ولا حكمة أستخرجها من الألم كي أبرر كل ما حدث. بعض الخسارات لا تتحول إلى دروس، وبعض الآلام لا تمنح أصحابها قوة إضافية، وبعض التجارب لا تترك خلفها سوى التعب.
لقد جعلتني الحياة أكثر حذرا، لكنها جعلتني أيضا أكثر خوفا. منحتني معرفة واسعة بالخيبة، لكنها لم تمنحني القدرة على تجاوزها. علمتني أن الأشياء قابلة للزوال، لكنها لم تعلمني كيف أعيش دون أن أخاف من فقدانها. وربما لهذا السبب أصبحت أنظر إلى كل شيء من زاوية النهاية، وأرى في كل بداية ظلا لما سيأتي بعدها.
ومع ذلك، لا أعرف إن كانت هذه النظرة حقيقة العالم أم حقيقة تعبي. لا أعرف إن كان كل شيء أسود بالفعل، أم أنني صرت أنظر إليه من نافذة غطتها سنوات الحزن بالغبار. لا أملك اليقين الكافي لأفصل بين الأمرين. كل ما أعرفه أنني، في هذه اللحظة، لا أرى الألوان كما كنت أراها، وأن الكلمات التي كانت تمنحني شيئا من الطمأنينة لم تعد قادرة على تهدئتي، وأن الحياة تبدو لي أحيانا كأنها مسافة طويلة من الانتظار، لا يعرف المرء ماذا ينتظر في نهايتها.
أجلس الآن في غرفتي، والليل يضغط على النوافذ، والمدينة تواصل حياتها بعيدا عني. على الطاولة فنجان قهوة بارد، وفي الدفتر صفحات لم تكتمل، وعلى الجدار ساعة تواصل عد الوقت دون أن تسألني إن كنت أريد أن يمر.
أراقب عقاربها، وأشعر بأنني أراقب عمري وهو ينسحب بصمت.
لا أبحث عن ضوء كبير، ولا عن معجزة تغير العالم، ولا عن وعد يضمن لي أن الغد سيكون أفضل. لقد تعبت من الوعود، ومن الانتظار، ومن تلك المسافة بين ما نتمناه وما تمنحنا إياه الأيام. كل ما أريده في هذه اللحظة هو أن تهدأ الضوضاء داخل رأسي، وأن أستطيع الجلوس مع نفسي دون أن تتحول كل ذكرى إلى محاكمة، وكل فكرة إلى باب يفتح على حزن آخر.
لكنني لا أعرف كيف أطلب ذلك من الحياة، ولا إن كانت الحياة تسمع أصلا.
أطفئ المصباح، وأترك النافذة نصف مفتوحة. يتسلل الهواء البارد إلى الغرفة، ويحرك طرف الستارة، ثم يعود كل شيء إلى سكونه. أمد يدي إلى الدفتر، وأكتب الجملة الأخيرة، ثم أتوقف طويلا أمامها.
أشعر بأنني لم أقل كل شيء، وأن في داخلي كلاما أكثر سوادا مما تستطيع الصفحات حمله، وحزنا لا يعرف كيف يتحول إلى حكاية مكتملة. ومع ذلك، أضع القلم جانبا، لأنني لم أعد أملك القدرة على الاستمرار في وصف هذا الخراب.
لم أعد أعرف إن كنت أعيش حياة حزينة، أم أن الحزن استولى على عينيّ حتى صرت أرى الحياة كلها من خلاله. كل ما أعرفه أنني، منذ زمن، لم أعد أجد نفسي في الأشياء التي أحببتها، ولا أجد في الأيام ما يجعلني أطمئن إلى الغد. لقد أصبحت غريبا عن العالم، وغريبا عن ماضيّ، وغريبا عن ذلك الرجل الذي كنت عليه. وأقسى ما في الأمر أنني لا أستطيع أن أعود إلى الوراء لأستعيده، ولا أستطيع أن أتقدم إلى الأمام وأنا أحمل كل هذا الثقل. أقف في منتصف المسافة، متعبا من الالتفات، وخائفا من الطريق، وأراقب الحياة وهي تمضي دون أن تلتفت إليّ.
وفي الخارج، يواصل الصباح استعداده للمجيء، غير مدرك أن هناك رجلا أنهكه الليل، ولم يعد يعرف بأي عينين سيستقبل الضوء.
– فاس في ٢٩ أكتوبر ٢٠٢٦.



