رحلة رقم 998/محمود حمدون

=====
ظللت أنظر إلى التذكرة في يدي, أذاكر الرقم المطبوع فيها, أغمض عيني ثوان لأحفظه, فإن أطبقت يدي عليها, أجدني قد نسيت الرقم فأعيد النظر من جديد, حتى أتى القطار, لم يقف كثيرًا إذ كنت مشغولًا بتذكّر رقم العربة والكرسي, لمّا انتبهت كان هو أسرع منّي وبدأ في التحرّك, هرولت خلفه, أنادي ولا أعلم على من؟
في اللحظة الأخيرة أمكنني أن أمسك بمقبض باب أقرب عربة لي, بينما تتسارع عجلات القطار ويجرجرني خلفه بقسوة..
تصطدم قدماي بالرصيف,
بالأحجار المتناثرة,
بقطع حديدية مهملة, لكنها موضوعة بعناية لكي أرتطم بها.
ثم قفزت قفزتي الأخيرة, تلك التي أجيدها وربما لا أعرف غيرها. بنهايتها وجدتني ملقى على أرضية العربة وسط دهشة بعض الركاب, اشمئزاز البعض الآخر. سمعت ضحكة فتاة صغيرة, عندما أدرت لها رأسي في فضول, أحسّت البنت بالحرج أو الخجل فوضعت يدها على فمها, لكنها لم تكتم ضحكتها وظل ترقبني وهي على حالها من السعادة لرؤية مهرج يفترش المسافة بين كراسي الجانبين في العربة.
لا زلت على الأرضية, قبل أن أنهض سألت في لهجة جادة:
-أهذه عربة رقم 7؟
لم يجب أحد, بينما الفتاة تضحك, قد أراحت يدها بجوارها. كما شاركها الضحك صبي أصغر سنًّا, من خلفها عجوز وارت وجهها خلف طرحتها. كما أتاني زفير شيخ تمتد لحيته حتى بدايات كرشه الكبير. لعلي سمعته يقول في ضجر: اف
بينما تجاهلني الباقون.
فتحت يدي, نظرت في التذكرة من جديد, سألت بصوت عالٍ وأعلم أن لا إجابة ستصلني:
-القطار رقم 998 المتجه إلى الجنوب؟
فقط الصبية توقفت عن ضحكها, وقد اتسعت عيناها, قالت:
-ياعمو احنا رايحين القاهرة.
عُدت للنظر في راحة يدي حيث التذكرة قد تشربت كثيرًا من عرقي, إلّا أن بياناتها الرئيسة لا تزال واضحة, راجعتها:
-القطار 998
-العربة السابعة,
-الكرسي رقم 37 ..
حينما اطمأننت إلى دقة البيانات, أسرعت لأبحث عن المقعد .



