الدولة والشعب / حميد المصباحي

إذا كانت الدول تتطور، ولها تاريخ، تمضي فيه وفق مراحل، تنتظم في بنائها ومؤسساتها التي تزداد عقلانية، وفعالية في تأطير المجتمع وجعله يقتنع بأهميتها وضرورتها، إذ يصير مدافعا عنها كما يدافع هو عن وجوده، فالشعب أيضا يتطور، غير أن وتيرة تقدمه تكون مختلفة عن وتيرة الدولة، كما أن طرق رصد تطور الشعوب تكون أكثر صعوبة، فهناك نواحي مختلفة ومتنوعة، فيها الثقافي العام ومظاهره التي قد تخدع جامع المعطيات إن نقصته رزانة الباحث المشارك والمسائل لما تطاله يداه أثناء ممارسته لعمله في مقاربة التحولات الذهنية والمعرفية وحتى العقدية التي تعكس هي الأخرى درجة الوعي بالمتطلبات الدينية ومدى تعبيرها عن الحاجات اليومية للمؤمن بها وكيفيات دفاعه عنها تجاه غير المعتقدين بها أو المخالفين لها.
1معنى التطور:
هي فكرة ظهرت في القرن التاسع عشر وخصوصا مع فكرة الجدل الهيجلي وإن كانت لها جذور في الفكر اليوناني، الذي أدرك مبكرا فكرة التقدم والحركة، مما حدا بماركس إلى البحث في الفلسفة اليونانية، التي قادته إلى هرقليطس، الذي حول أنظار العالم إلى ما هو متحرك فيه بدل التركيز على الثابت والجامد، الذي قدس واعتبر دليلا على ما هو حقيقي، لدرجة أن الإله اعتبر في نظر أرسطو المحرك الذي لا يتحرك، لأن الحركة تجعل المعرفة غير متحصلة، ولا يمكن للمتحرك أن يلم بها جميعا، لكن قبل هيجل كان علم الفلك قد أثبت من خلال جاليلو حركية الأرض ودورانها حول نفسها والشمس، وأنها ليست مركز الكون كما أراد كهنة الكنيسة لها ان تكون، مما مهد لفكرة داروين وأساسها النظري، أي أن وجود الإنسان نفسه لم يكن على الشكل الذي هو عليه حاليا، كما هو حال كل الموجودات الأخرى، فقد كانت فكرة التغير مغرية وامتدت بفعل تماسكها المنطقي إلى أبعد الحدود، في العلم والمعرفة البشرية، من علم تاريخ وسوسيولوجيا وعلم نفس وحتى العلوم الدينية نفسها لم تنج من هذه التحولات، والتي اعتبرها فوكو ناتجة عن تغيرات تمس جوهر التفكير الإنساني نفسه أو ما أسماه بالإبستيمي، 2الدولة:
هي نفسها خضعت لتقلبات وصراعات كثيرة، وانتقلت باختصار من فكرة الجهاز، الأداة القامعة والمراقبة، إلى فكرة المؤسسات، التي تستند إلى قوانين منظمة لسلوكات الحاكمين، والمحاسبين على ما يقترفونه من اختلالات بالقانون ومس بمصالح الناس، الذين لم يعودوا رعايا ،بل مواطنين، لهم حقوق وعليهم واجبات تجاه بعضهم البعض وتجاه السلطة نفسها، ومازالت الحضارة البشرية تطور نموذج الدولة، حتى وصلت به إلى مرحلة الديمقراطية وحكم الشعب لنفسه وفق ما يختاره هو، وقد يكون مخالفا لإرادة الحكام أنفسهم، فيمتثلون ويقبلون، أو ينسحبون من سلطة الحكم، بدون أية رغبة في احتكار السلطة أو السطو عليها كما كان يحدث أيام الانقلابات العسكرية أو حتى العائلية باعتماد الكثرة في العدد أو العدة، فالدولة كفكرة تتطور وتتقدم، هي نفسها بوتيرة مختلفة، إذ العالم منقسم راهنا، بين نمطين، واحدة حديثة ديمقراطية، وأخرى عتيقة، تقاوم التاريخ، رغم تآكلها إيديولوجيا، لكن بينهما نمط غريب تاريخيا، يحاول الجمع بين الاثنين، فهناك شكليات الانتخابات، وهناك تحكمية عتيقة تمتح من الديني، والمقدس وترفض العلمانية كموروث غربي، يخالف التراث الإسلامي، رغم أن سلطة الدولة لم يفكر فيها إسلاميا، رغم وجود مصطلحات الخلافة والإمامة، هي سلطات دينية، امتدت للدنيوي لتحاصره وتمنعه من التطور والرقي إلى نظام سياسي حديث، بمرجعياته المعروفة المناقضة لما هو لاهوتي عتيق.
3 الشعب:
مقولة مشحونة بفكرة الكثرة أحيانا، وفي مرات أخرى تحيل على مجموع البسطاء الذين لم يطلهم من ثروات الوطن شيء، وقد يكون مرادفا للأمة، كمحاولة للجمع بين من يملكون ومن لا يملكون شيئا، وقد يمتد المعنى تمطيطا، باستحضار العقدي ليمتد لجماعات أخرى خارج الوطن، مشاركة للمعنيين في العقيدة واللغة وحتى التاريخ الجمعي التراثي القديم.
الشعب دلالة عامة قابلة للتعدد حسب درجة اللحمة المراد تحقيقها وضد من ترفع شعارا سياسيا، في بعده الطبقي الاجتماعي أو السياسي العام، باختصار هو كتلة محكومة وقابلة بمشروعية الحاكمين لخدمتها وقيادتها.
لم يعد حاضرا كمعنى إلا في التوترات الاجتماعية والسياسية، ليحل محله المواطن أو المواطنون، إغناء للمعنى بتعاريف حقوقية ومدنية، ترسخت مع التجارب الديمقراطية في الحكم، وفرضت نفسها كتعبير عن المشاركين في صياغة السياسات العمومية، مهما اختلفت انتماءاتهم الاجتماعية والإيديولوجية، وتعارضت مصالحهم الفردية وحتى طموحاتهم.
لكن كلمة الشعب كما الأمة يتم استحضارها في صراعات الدول فيما بينها، شدا للحمة الجموع وتذويبا لاختلافات سياسية أو عرقية أو حتى دينية.
فهناك قواسم مشتركة بين الدولة والشعب، لا يمكن تجاهلها، فهي حاضرة في تطور إحداها ورغبة الثانية في اللحاق بها، ولذلك قيل، لا يكون الشعب إلا ما صنعت به حكومته، أي دولته كسلطة صانعة لما يوافقها ويدرك حقيقتها وغاياتها، لكن هذه الدولة نفسها، تتأثر بشعبها وتسير حيث يريد هو لها أن تسير به ديمقراطيا، بعيدا عن الأنماط التحكمية للدولة والتسلطية، التي لم تعد نموذجا مقبولا في الحضارة البشرية المعاصرة.



