اشباح المشافي / جواني عبدال
منذ ثلاثة أيام جئنا من البلدة لحالة ولادة طارئة لزوجة أخي، وقد أصر أخي أن يأخذها الى مشفى خاص يعتني بها في المدينة الكبيرة، إنها مولوده الأول.. في يوم الأول كانت تحاليل وتصاوير ايكو ومشاهدات.. وفي اليوم الثاني كان انتظار.. وأنا الأخت /خميلة/ قررت مرافقتهما، مرافقة ولادة كنتنا، أنا التي في أواخر عقدها الرابع، ومطلقة ولي أطفال..
كان الجناح فارغا ليس فيه إلا أنا وزوجة أخي /ميرافة/، المنتظرة ولادتها الأولى من يومين، كان الوقت بعد منتصف الليل، اتهيب الموقف، زوجه أخي نائمة والنوم مجافي عيوني، مستيقظة، تعبة، خائرة، الوقت شتاءً، والجو في الخارج ماطر، والشبابيك الكبيرة يظهر عليها آثار المطر، كنت جالسة أتامل.. فقمت وتقدمت من الشباك لأتمعن في زخات المطر التي تهطل في ارضية الشارع هناك بعيدا، بغتة لفت نظري أن ثمة شخص يمشي عبر الغرف في الممر، ظننتها نزيلة جديدة، ولكن استغربت، متى أتت ؟ كيف جاءت من دون حركة وجلبة وليس معها أحد من أهلها.. تطلعت في الممر وركزت نظري، لقيت انه ليس ثمة أحد، قلت يمكن دخلت غرفتها.. وغابت.
رجعت جلست، تناولت الموبايل وبتُّ اصور شكل المطر، كيف يتساقط على البلور، واصور نفسي والشارع البعيد، وهكذا.. وفي لحظة، احسست اإنها ورائي، لأني راأيتها بالبلور قريبة مني جدا جامدة تبحلق فيّ، ركزت الكاميرا وصورت، ولكن لم تظهر صورتها معي، فقط كنت اصور نفسي وما حولي، التفت وإذ لا أحد هنا، أو هناك.
تعوذت الشيطان، ذهبت إلى باب الغرفة واحكمت اغلاقه، لست ادري، تملكني خوف ، وشغل بالي وتفكيري، فلم استطع النوم.. وحيدة في ملحق السرير الطارئ المركون جانبا لمرافقي المرضى، ولا استطيع أيضا النوم بسرير زوجة اخي.. بجانبها، لانه معلق بأجهزة وسيروم وضمادات، الخ..
جلست مرعوبة على طرف الكنبة مترقبة لأي نأمة أو لأي همسة اقرأ المعوذتين، وبعضا من آية الكرسي..
ثمة إضاءة الجناح خافتة، في الممرات، في الغرف، في ما وراء الشباك الكبيرة، لا تفسر العين مداها الرؤيوي جيدا، تنغبش المسافات وتتشوه الأشياء بمكنونها، قزحية العين تكبر تصغرـ تقرب تبعد،، لا رؤية صافية، وبموازاة القلق والخوف تنعدم الرؤية أكثر وأكثر ..
كان المشفى الخاص، والمُعتنى به، موحشا، واأنا وحيدة في أجواء غريبة، كل الأمكنة هكذا، ولكن المكان يعطي األفة ويهب أمانا بمرور الوقت، فيتوالف المرء ببطء مع المكان المستجد إلى أن تتجانس الذات مع الموجود ويرتكز على بعض الثيميات هنا وهناك.. مع الخارج خلف الشباك، والداخل عبر الموجودات من أسرة ومرايا وصور، كأي غرفة خاصة عائلية، ولكن هنا، الجو مغاير تماما.. ابنية فخمة، وأسرة غير معهودة، وكراسي وتدفئة حائط.. شوفاج.. الخ.
اردت بعض الحميمية، قربت الكرسي إلى جوار زوجة أخي /ميرافة/ الممددة على السرير، وامسكت يدها، لتنقل حرارتها بعض الأمان لي، أي اأها بجانبي ولست وحدي، في هكذا أجواء يتعلق المرء بأي شيء، بفكرة، أو بمسك شيء ملموس، صَحَـت متفاجئة، وقالت متسائلة: ماذا.. ماذا حدث؟ ماذا بكِ؟، لقد أحست باضطرابي، وعدم توازني، أجبتُ متلعثمة متصنطعة ابتسامة: لا شي، فقط أردت اطلالة عليك، منذ متى وانتِ نائمة (اقصد لقد نمتِ كثيرا)، ابتسمت بوهن، كانت تحت تأثير الألم، وتحت تأثير الادوية المسكنة والمخدرة، وبعد لحظة خفق جفنيها كرفيف اجنحة الفراشات، رجعت غافية نائمة.. هههه.
حينها رجع بعض الهدوء لي، ورويداً رويداً تلاشى وعادت الحالة السابقة، ثمة صوت فيه وحشة، للصمت أحيانا صوت مفزع، تستثير المشاعر فتحلل الذبذبات الصامتة إلى أصوات مغمغمة، فاقعة الألوان، كأنه يحمل فحيحا، كأنه يعني هديرا، للصمت صوت صاخب، لأي نأمة تبدو كأنها مفرقة..
بتّ أحس بقلبي كأنه جليدي المعنى ثلجي المدارك، على حين غرة واثناء تساؤلاتي وحيرتي، رأيت عيونا تنظر إلي بعيون مشقوقة، أراها تنظر رافعة الرأس منخفضة، وجوه على روؤس دائرية مترنحة. متمايلة.. وهي في رواح وجيء مع دبيب اقدام وهسيس ثياب. بيضاء رمادية.. سوداء الطوية.
وحين غابت عن نظري، هرعت بدون وعي أدقُ جرس انذار الممرضات استنجادا، أتت احدى الممرضات وكانت فالبينية، وحين استفسرت مني عن الجرس، أشرت لها إلى سرير زوجة أخي للاطمئنان عليها.. باليد والاشارة.. لم استطع التفوه بشيء.. تفاجأاً من اللغة والهيئة، القت نظرة على زوجه أخي هزت رأسها علامة السلامة والسكينة، حاولتُ أن تبقى جالسة معي، لكنها راحت.. وغابت خلف الباب.
بعد فترة.. ظهرت الشبح مرة أخرى تتمشى، مقبلة مهتزة الرأس، وفجأة غابت، وأنا من فرط خوفي ومن فضولي استجمعت جأشي، فقمت وصرت اتمشى على طول الممر، الأرضية مبلطة، والجدران نظيفة بلون اأبيض مخضر، والأبوب مسدلة على نفسها اسرارها.. ولا أحد هناك.
ومر الوقت رويدا وبطيئا، كانت الساعة تشير تقريبا إلى الثانية حسبما قرأت قبل قليل على ساعة الحائط المعلقة هناك، اثنتين ونص أقل أو أكثر لست ادري.. كانت عقارب الساعة مختلطة ببعضها كما بدأت لناظري.
كان أحد أبواب الغرف مفتوحا قليلا، فقمت بسبب من فضولي لرؤية انسيّا ما، استمد منه بعضا من رباطة الجأش، دفعت الباب بيدي، كأنما احسست بذبذبات الخوف تسوقني ألى هذا الباب، انفتح الباب بسرعة كانه زنبرك، وذا بها جالسة على السرير، وبرق وميض هناك في الخارج، تحت المطر، وإذ بها تختفي من فوق السرير، ومن الأرضية ومن الجدار. ولا أحد.
تركت مقبض الباب، ورجعت إلى غرفتي، وحين أدرت برأسي وإذ بها بوجهي، تلفحني بأنفاس باردة، لزجة، فصرخت ذاك الصوت، رعبا، زجرا، وجودا.. وإذا بها مختفية، متلاشية.
وركضتُ.. آه، كنت اصرخ وأولول، بصوت هستيري، متواصل النغمات… آآآآآ.
وعلى موجة تلك الصرخة، هرعت جملة من الممرضات والعاملين إلي، تترادف خلفي، متفاجئة، مستفسرة، فهربت لا اعرف كيف وصلت إلى غرفتي، وكانت زوجة أخي أيضا قد استفاقت مرعوبة مبهوتة.. وحين سألنني عما حدث، وعما صرخت.. في تلك اللحظة جاءني طارئ، فخفت أن يقولوا إني مجنونة أو شخص خويفة، فأجبت زائغة العينين مشوشة الفكر: صرصور..
تناظروا لبعض، ثم هدأوا قليلا، فأمرتْ احدى الممرضات اأو الخادمات الفلبيبنة إلى مسح الغرفة والممر، وتنظيفه وتشطيفه.. وكان قبلا.. المشفى يلمع من النظافة والبرودة والسكون. فثمة عاملة فلبينية، عوقبت بهذا التنظيف في متأخر هذا الوقت، حيث لا صراصيرولا زمهرير.
اجلستني زوجة أخي بجانبها وامسكت بيدي..
بدأت العاملة بالتنظيف والمسح، تقدمت مني، وقالت:
- مدام, لا يوجد صرصور، توجد حــُرمة تظهر هنا. كطيف جني لا ينام، شبح الولادات المجالية، وهي روح الظلام والموات.
تملكتني قشعريرة وصرخت مره ثانية وامسكت حضن البنت مرتجفة، ثم فقدت حواسي..
.. يبدو اغمي عليّ..
آه.. يا قليي. لقد كانت ليلة ليلاء تمت بولادة زوجة أخي بولد اسموه: خـَـلف.



