الحب والكراهية: نموذجا/ محمد الجلايدي
يقول ابن حزم الأندلسي عن ماهية الحب في كتابه التراثي الشهير: «الحب أوله هزل وآخره جد.. الحب معنى خفيّ تعجز العبارة عن الإحاطة به.. لا تُدرك حقيقة الحب إلا بالمعاناة» (١). وخلاصة ماهية الحب عند ابن حزم: أنه تجربة وجدانية عميقة، تبدأ ميلًا وانجذابًا، ثم تستولي على النفس وتتحول إلى تعلق، ولا تُدرك حقيقتها كاملة إلا بالمعايشة والمعاناة.
ولقد تناولت هذه العاطفة أيضًا الكثير من الأقوال المأثورة، في شكل تنظيري، في بعضها تلاقٍ، وفي الكثير منها اختلاف مردّه إلى زاوية النظر؛ فالقول مثلًا بأن (الحب أعمى)، يفسره الشارحون بأن الحبيب لا يرى في محبوبه إلا المزايا الجميلة، أما عيوبه فلا يراها. والقول أيضًا بأن (الحب جنون)، لا يكتسب شرعية الإطلاق، فهو ليس كذلك دائمًا وأبدًا وفي جميع التجارب، وقد يكون كذلك في تجارب أخرى، كما هي الحال بالنسبة إلى الحب المحاصر قهريًا من أطراف خارجية. ودفاتر التاريخ العربي تؤكد هذه الحقيقة؛ ففي تجارب قيس وليلى، وجميل وبثينة، وكثير وعزة،وعبلة وعنترة وغيرهم، لم يكن الحب مجرد حالة وجدانية منعزلة، وإنما كان يتقاطع مع المنع والحرمان والقبول والرفض والأعراف والظروف الاجتماعية، فتتعدد بذلك أشكال التجربة العاطفية وتختلف مآلاتها.
لكن مقاربتنا للموضوعة لا تتعلق لا بالماهية ولا بالأحكام العامة المختلفة حول الحب؛ فما يهمنا في هذا التعاطي هو سؤال آخر:-كيف نحب؟-كيف يتشكل الحب، باعتباره عاطفة إنسانية، بناءً على التركيب الثلاثي للأنا كذات؟ فإذا أخذنا الأنا بوصفه ذاتًا مركبة من: أنا عضوي، وأنا وجداني، وأنا عقلي، فإن عاطفة الحب لا تصدر عن أحد هذه المكونات منفردًا، بل تتكوّن من تفاعلها جميعًا، مع إمكان أن يبرز أحدها في لحظة معينة بحسب طبيعة التجربة وملابساتها.
فالجسد يستقبل حضور الآخر ويستجيب له، والوجدان يمنح هذا الحضور قيمته العاطفية ويحوّله إلى أنس وتعلق واشتياق، بينما يتولى العقل إدراك العلاقة وتقديرها وتوقع مآلاتها وتوجيه السلوك إزاءها. ومن ثم فإن الحب، مثل سائر المشاعر الإنسانية، لا يظهر في الذات بوصفه فعلًا صادرًا عن مكوّن واحد، وإنما يتشكل من تفاعل مستوياتها المختلفة، متأثرًا بما تختزنه من خبرات وتمثلات واستعدادات، واعية ولاواعية.
وعليه، فإن السؤال الذي سنحاول مقاربته ليس: ما الحب؟ ولا: هل الحب أعمى أم جنون؟ وإنما: كيف تعمل الأنا، بمكوناتها العضوية والوجدانية والعقلية، حين نحب؟
(…)
إذ يمكن ترتيب الحب، داخل هذا التصور، في المسار الآتي: المؤثر الخارجي- الأنا العضوي- الأنا الوجداني- الأنا العقلي- تكامل الأنا- الفعل الذي يترجم عادة في (التعبير والسلوك). وهذا الترتيب ليس خطيًا؛ فالمكونات الثلاثة تتفاعل في وقت واحد، ويؤثر كل منها في الآخر.
١. الأنا العضوي: «من الإحساس إلى الشعور بوجود الآخر»: رؤية الآخر، سماع صوته، الاقتراب منه، ملاحظة حركاته وحضوره. هنا لا يكون الحب بعدُ حكمًا عقليًا ولا عاطفة مكتملة، وإنما توجد استجابة عضوية-حسية تستقبل المؤثر وتمنحه حضورًا في الذات. إذن، الأنا العضوي يجيب عن سؤال:- كيف يصل الآخر إلى الأنا جسديًا وحسيًا؟
٢. الأنا الوجداني: «الميل إلى الآخر والتعلق به»- فما يستقبله الأنا العضوي لا يبقى مجرد إحساس حسي؛ إذ قد يتحول إلى استثارة وجدانية: ارتياح، ألفة، انجذاب، فرح بالحضور، اشتياق عند الغياب، حنان، تعاطف، تعلق.. وهنا يبدأ الحب بوصفه عاطفة. والأنا الوجداني يجيب عن سؤال:- ماذا يحدث لي وجدانيًا عندما يكون الآخر حاضرًا في عالمي؟ ومن هنا يمكن أن يصبح الآخر موضوعًا للرغبة في القرب، والاهتمام، والرعاية، والمشاركة.
٣. الأنا العقلي: «أدرك من أحب ولماذا أحبه»: مع الأنا العقلي الحب لا يبقى انفعالًا وجدانيًا خالصًا. يدخل الأنا العقلي ليقوم بعمليات مثل:- إدراك الآخر وفهمه- تفسير سلوكه وكلامه- تقدير بعض صفاته أو كلها- تقدير بعض قيمه أو كلها- بناء صورة ذهنية عنه- الحكم على طبيعة العلاقة- توقع إمكانية الاستمرار فيها أو إمكان تطويرها-تذكر التجارب المشتركة معه- التمييز بين ما هو حقيقي فيه وما هو متخيل من الأنا عنه. وهنا يصبح الحب علاقة لها معنى، لا مجرد استثارة عاطفية. والأنا العقلي يجيب عن سؤال:- من هو الآخر بالنسبة إليّ؟ وما معنى علاقته بي؟
٤. ثم يحدث التكامل الثلاثي: الأنا العضوي يستقبل الآخر، والأنا الوجداني يتأثر به، والأنا العقلي يدركه ويفهمه ويمنحه معنى، ثم تتكامل هذه المستويات في الذات لتنشأ تجربة الحب. والأهم فلسفيًا يمكن القول إن الحب ليس إحساسًا واحدًا، بل عملية تفاعلية مركبة: الإحساس يتيح الحضور، والوجدان يصنع الانفعال، والعقل يصنع الإدراك والمعنى، وتوحّد الأنا هذه المستويات في تجربة واحدة هي: «الحب». وهذا يقود إلى نتيجة مهمة في هذه المقاربة: الحب يبدأ من قابلية الأنا للتأثر، لكنه لا يكتمل إلا حين يتحول التأثر إلى انفعال، والانفعال إلى معنى، والمعنى إلى علاقة وسلوك. وإذا أردنا، أن نبني خريطة تفصيلية لعاطفة الحب يمكن القول إجرائيا : من الإحساس ننتقل إلى الانفعال ومنه إلى الإدراك ثم التعلق فالرغبة ثم القرار الذي يترجم إلى السلوك وفق الأنا الثلاثي. فكيف يحصل ذلك؟
إن الحب بوصفه عاطفة عند نقله إلى الحب بوصفه سلوكًا موجّهًا نحو غاية. وفق التصور الثلاثي للأنا، يمكن صياغة العملية بدقة على النحو الآتي:
الرغبة في المحبوب- نية استمالته- الذكاء العقلي + الذكاء الوجداني- التخطيط – الإنجاز السلوكي- الملاحظة والتقويم- التعديل (في شكل فيدباك)
والأهم أن الذكاء العقلي والذكاء الوجداني لا يعملان بالطريقة نفسها: الذكاء العقلي يحدد: ماذا أفعل؟ كيف أفعل؟ متى أفعل؟ وما الوسيلة الأنسب؟ الذكاء الوجداني يحدد: كيف يشعر الآخر؟ ماذا يثير اهتمامه أو نفوره؟ كيف أقترب منه دون أن أنفره؟ وكيف أقرأ استجابته؟ ثم يدخل الأنا العضوي في مرحلة الإنجاز: الصوت، النظرة، الحركة، القرب، الابتعاد، تعبير الوجه، وكل ما يتجسد به السلوك.
والسلوك العاطفي ليس نتيجة مباشرة للعاطفة، بل هو سلوك موجَّه بالذكاء. فالرغبة وحدها لا تحدد كيفية الاستمالة. لذلك تتدخل القدرة العقلية في بناء الخطة، وتتدخل القدرة الوجدانية في قراءة المجال العاطفي للعلاقة، ثم يتحول التخطيط إلى فعل، وتعود نتائج الفعل إلى الذات في صورة معلومات جديدة تسمح بالتقويم أو التعديل.
وبذلك تصبح العملية دائرية لا خطية: رغبة- تخطيط- إنجاز- استجابة- تقويم- تعديل – إنجاز جديد..
وهذه الدائرة هي التي تجعل الذكاء الوجداني والعقلي أداتين لتدبير الرغبة، لا مجرد وظيفتين منفصلتين. أما الأنا العضوي فهو مجال التجسيد والتنفيذ، وفي الوقت نفسه قناة استقبال ردود الفعل الحسية والجسدية التي تغذي عملية التقويم. ويمكن اختزال البناء كله في صيغة مكثفة: الأنا الوجداني يريد، الأنا العقلي يخطط، الأنا العضوي ينفذ، والذكاء العقلي والوجداني معًا يراقبان النتيجة ويقوّمانها ويعدّلان السلوك.
——
(١) طوق الحمامة في الألفة والأُلاّف- علي بن حزم الأندلسي- مؤسسة هنداوي- المملكة المتحدة- 2017- الصفحة 11



