📰 آخر الأخبار
حين بكف الإلهام/عبد الرزاق الصغيردستور … يا سيدة/يوسف إدريسالعملية الكبرى/يوسف إدريسالنقطة/يوسف إدريسمعجزة العصر/يوسف إدريسالمرتَبة المقعَّرة/يوسف إدريسما خَفِيَ أعظم/ يوسف إدريسمسحوق الهمس/يوسف إدريسجَـلَّ عِطْـرُ النَهْرِ/ جواني عبدالFlex and Flexible / Dr Haroon Rashidمعاناة الفرد المقهور بين علاء الأسواني وفاسيلي غروسمان/إبراهيم أبو عواد / الأردنالاغتيالات السياسية في الإسلام/حميد المصباحيما لا تقوله المواعيد / بسمة القائد/ اليمن الصحافة المغربية بين العجز الوجيز وتزييف المفهوم: حين تُقاد "السلطة الرابعة" بضمير غائب/حسن كرياطما وراء الحب... عندما تكون الغاية شيئاً آخر/د. حسام الدين فياض/ باحث وأكاديمي سوريالموت .. قصائد يابانية / ترجمة : بنيامين يوخنا دانيالروح نيكولاس سنايدرز أو بخيل زاندام/جيروم كيه جيروم-ترجمة نيڤين حلمي عبد الرؤوفمُزحة الفيلسوف/ جيروم كيه جيروم-ترجمة نيڤين حلمي عبد الرؤوف إعلام الجماعة من التهليل إلى التضليل/الدكتور بليغ حمدي إسماعيللا أخاف / تغريد نديم عمران - سوريا"علَّمني حرفًا" يوثق للعلاقة خارج نمطية العصا والفلقة/د. نضير الخزرجيFree as the winds /Djina Dundova-Pancheva/Bulgaria الحرباء/آمال الزهاوي-العراقفرسٌ دمشقيّة/نور الموصلي-سوريا الأخطل الصغير/القس جوزيف إيليا
حين بكف الإلهام/عبد الرزاق الصغيردستور … يا سيدة/يوسف إدريسالعملية الكبرى/يوسف إدريسالنقطة/يوسف إدريسمعجزة العصر/يوسف إدريسالمرتَبة المقعَّرة/يوسف إدريسما خَفِيَ أعظم/ يوسف إدريسمسحوق الهمس/يوسف إدريسجَـلَّ عِطْـرُ النَهْرِ/ جواني عبدالFlex and Flexible / Dr Haroon Rashidمعاناة الفرد المقهور بين علاء الأسواني وفاسيلي غروسمان/إبراهيم أبو عواد / الأردنالاغتيالات السياسية في الإسلام/حميد المصباحيما لا تقوله المواعيد / بسمة القائد/ اليمن الصحافة المغربية بين العجز الوجيز وتزييف المفهوم: حين تُقاد "السلطة الرابعة" بضمير غائب/حسن كرياطما وراء الحب... عندما تكون الغاية شيئاً آخر/د. حسام الدين فياض/ باحث وأكاديمي سوريالموت .. قصائد يابانية / ترجمة : بنيامين يوخنا دانيالروح نيكولاس سنايدرز أو بخيل زاندام/جيروم كيه جيروم-ترجمة نيڤين حلمي عبد الرؤوفمُزحة الفيلسوف/ جيروم كيه جيروم-ترجمة نيڤين حلمي عبد الرؤوف إعلام الجماعة من التهليل إلى التضليل/الدكتور بليغ حمدي إسماعيللا أخاف / تغريد نديم عمران - سوريا"علَّمني حرفًا" يوثق للعلاقة خارج نمطية العصا والفلقة/د. نضير الخزرجيFree as the winds /Djina Dundova-Pancheva/Bulgaria الحرباء/آمال الزهاوي-العراقفرسٌ دمشقيّة/نور الموصلي-سوريا الأخطل الصغير/القس جوزيف إيليا

 مجلة رقمية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
غير مصنف

جَـلَّ عِطْـرُ النَهْرِ/ جواني عبدال

Copilot 20260829 020930

-ممسرحة عن حكاية شعبية-

الشــخصيات:

فهمي: رجل كسول صاحب موقف.

نوران: زوجته وهي امرأة نشـيطة.

خيرو: جار وابن أخ نورا، يتصف بالخفة.

– أعمار الكل في العقد الرابع والخامس –

المكان:

القرية: بيوت بسيطة متفرقة ذات حظائر، تظهر في الخلفية جبال ووديان، ويبدو على الجانب الأيسر منها نبع وصف أشجار خريفية، كما يشاهد مجرى النهر، ويسمع خريره كأنه يسيل من شلال..

بيت ريفي: بمعنى الكلمة.. يظهر فيه أثاث بسيط، على الجدار: ستارة مطرزة مسدلة وأخرى على النافذة، صورة ست البنات، وصور بدائية لحيوانات أليفة، علّاقة ثياب، ملصقات آية الكرسي، وثمة آلة موسيقية -طنبور أو ناي- معلقة بجانب مرآة منكبة على الجدار، خزانة ثياب في جوف الحائط.

وعلى الأرض: في الصدر دكّة من اللِّبْن، كوز ماء فخاري ملبس بالخيش موضوع على رافع صغير، هزازة طفل، وفي الزاوية صندوق العروس لجمع الثياب الجديدة والحلي والأشياء الثمينة، ورف لصف الفراش والبُسط، و”نملية” ذات شبك لحفظ الطعام.. وأشياء أخرى.. فتصور الباقي يا رعاك الله.. إلخ.

.

اللوحة الأولى

 (المكان: خلاء القرية، أمام باب الحوش حظيرة، وقد أتى القطيع للحلب وورود الماء).

(الوقت بعد العصر وقبيل الغروب).

نوران: آه خيرو يا بن أخي، يا جارنا العزيز، أين زوجي؟ فقد أتيتَ بالقطيع دونه، فمن سيساعدني في حلبه؟.

خيرو: ولو يا عمتي.. أنا سأساعدك بكل رحابة صدر، ويسعدني أن…

نوران: أسالكَ أين زوجي.. ولماذا ترك القطيع دونه..؟ هه.

خيرو: بسيطة، يبدو أن نعجة له شردت، وهو يجدّ في أثرها.

نوران: نعجة ضائعة؟. كم مرة كنت أقول له: احرص على قطيعك حين ترعى في الهضبة.. كنت أقول ذلك لكثرة شعابها ووديانها.. إضافة لوجود ثمة وحوش مفترسة كثيرة هناك.

خيرو: لست متأكداً، فبعدما ابتعدنا تهيأ له أن النعجة المحمرة الخطوط غير موجودة، فأخذ الكلب معه لتعقبها.. وتتبع أثرها.

نوران: يا ويلي، أخاف عليه ألاّ يعود هو، أي يتبع أثرها ليردَّها فلا يرد هو، أن يشرد ويتوه في تلك الشعاب والوديان، فتشتم الوحوش رائحته، فتهجم عليه وتلتهمه مع نعجته..

خيرو: حتماً ستمزقه إرْباً.

نوران: لقد انشغل بالي عليه.. فيا ربي: لتأتِ بالعواقب سليمة.. أواه. هل ذهب من زمان ..؟

خيرو: لقد كنا نرعى ونتجول معاً، كنا على مقربة، وحين توجهنا للعودة وهو يحصي نعجاته عرف بالنقص والفقدان.

نوران: ولكنه تأخر بكل تأكيد.. أرجو أن لا يطول بحثه، وآمل أن لا يشرد هو.. فهو ليس بالحاذق تماماً.

خيرو: لا داعي للقلق، سيسير كل شيء على ما يرام.

نوران: اشغلَ بالي وأثار مخاوفي، وهذا تأتَّى مما أعرف عنه.

خيرو: لن يذهب بعيداً، فالنعجة استطابت رقعة فيها أعشاب كثيرة وبركة ماء صغيرة مزنرة بحشيش كثيف فنسيت حالها.. فهي ليست بعيدة موغلة في المكان.

نوران: بودي أن أذهب في أثره للمساعدة والمؤازرة.. أو كنتُ أنده على أحد من إخوتي أو إخوته أن يهب لنجدته لو كانوا هنا ولم يذهبوا باكراً إلى جبل “الزوزا” للرعي..

خيرو: الأمر لا يستأهل كل هذا القلق.. فلا داعي لشيء استثنائي، سيأتي قريباً ومعه نعجته.

نوران: العمى في النعجة وفي غيرها، فليعد سريعا، إن كانت لنا فيها نصيب فلن تضيع، سنلقاها، أو تعود إلى مربضها من تلقاء نفسها.

خيرو: ” تفاءلوا بالخير تجدوه “.

نوران: أرجو وآمل ذلك من كل قلبي..

خيرو: هيا للحلب.. هيا دعينا ننتهي قبل أن يأتي عيالي لحلب أغنامهم.

نوران: هيا.. اجمع النعاج وصُفَّها، فقد تبعثرت على ضفة النهر.. كفاها شرباً..

خيرو: هيا.. ترّ.. هاء هوء.

نوران: اجمع النعجات في صف وآتِ بها إلي.. ولنبدأ من هنا على الدور.

(يبدأان العمل، الجار خيرو منهمك بالجمع والصف، والمرأة نورا منهمكة بالحلب، ولكنها لا تفتأ تنظر إلى الجهة البعيدة تترقب الدرب)

خيرو: آه.. يبدو لي من بعيد أن ثمة خيالاً يسير، وأنا متأكد من قولي بأنه زوجك..

نوران: أين..؟ أهو آت أم ذاهب !

خيرو: هناك، هو آت من ناحية الشعاب المستقيمة.. يبدو أنه يترنم وصدره للأمام.. وأظنّ انه هو بالتأكيد.

نوران: إذن هو فرح، لقد وجد النعجة..

خيرو: عفواً، أراه يسير وحيداً..

نوران: آه.. وحيداً دون شيء.

خيرو: دون شيء.

نوران: هذه النعجة الملعونة.

خيرو: إما أن تقضي الليل بين الضباع والذئاب وتُفترس، أو أن تعود وتلحق بنا.

نوران: هذا من حسن حظها .. وحظنا أيضاً..

خيرو: هذا هو المأمول، أما سمعتِ منذ أيام كيف شردت نعجة ابن قريبي ولم يلقها بعد. هيا.. ترّ.. هوء~هوء..

نوران: في المدد الأخيرة كثرت النعاج الشاردات الضائعات.. بماذا تفسر هذا..؟

خيرو: هناك بعض اللصوص من الأقضية المجاورة، يتربصون بنا في هذا الخريف المغبر بسبب الريح والغيوم والأمطار، بسبب الجوع والفقر المستشري بالجملة.

نوران: هاتِ النعجة التالية، دعنا ننتهي بسرعة فاعمل لك همة. هيا.. هوء~هوء.

خيرو: لم يبقَ إلا القليل.. هاهو صوت زوجكِ يلعلع.. فاسمعيه: ينشد المواويل.

نوران: هات التي بعدها.. إنه يتجه للقرية إلى البيت دوننا، هيا أعطِه علامة على وجودنا هنا، فليأتِ إلينا ويساعدنا.

خيرو: إنه يرانا بكل تأكيد، ماذا عساه أن يفعل ..؟.

نوران: ليأتِ ويخبرنا عن الذي حصل معه، ويحدثنا عن النعجة، فهل اقتفى أثرها ولم يجدها؟. هات التي بعدها.

خيرو: (يلوح بإشارة ويصيح) تعالَ إلى هنا يا عمي فهمي، نحن بانتظارك، ماذا حدث لك؟.

(يأتي فهمي.. فيتقدم خيرو ونورا منه)

فهمي: آتي لماذا، أنا الذي رأيتُ بعيني فبت أعرف كل شيء، فلا داعي للمزيد من القول.

نوران: ماذا رأيتَ ..؟.

خيرو: أين النعجة ..؟.

فهمي: عجيب عُجاب، أنا رأيتُ وأنا أعرف، الأرزاق مقسومة ولا داعي لأي جهد.

نوران: الأرزاق مقسومة من دون شك، أما أي حكمة “عجيب عجاب، أنا رأيت وأنا أعرف”!

فهمي: كله هباء، شيء يضع العقل في الكف، وعن الذي رأيت “عجيب عجاب”!.

خيرو: لقد أعيا ولجم لسانه “عجيب عجاب”.

نوران: ماذا حدث، ماذا رأيت؟ هلا حدثنا عن مشوارك، أو ضعْنا في صورة ما حدث.

فهمي: ماذا أقول، دعني أستجمع بعضي الممزق، رأيت بعيني من أعالي الشعاب كيف تسير النعجة محمومة برضاها كأن يداً تمسك بها، وتسيّرها كأنها مسحورة، إلى كهف الدودَري، ولما تتبعتها وأنا أنزل الجرف إلى سدرة الكهف، رأيت دبكة عرس ووليمة معدة.. فدبكتُ معهم.

خيرو: دبكة عرس ووليمة في كهف الدودَري.. فدبكتَ معهم..!

نوران: والنعجة..؟. لقد بدأتَ تشطح في الكلام.

فهمي: أنا رأيت وأنا أعرف، شيء يطفر العقل من الرأس، النعجة نعجتنا وهبت نفسها لذئبة جائعة وجرائها، ذئبة ولود كانت هناك وحولها أربعة خمسة جِراء صغيرة.

خيرو: كيف هذا ؟. تهب نفسها لذئبة ولود!

فهمي: كما أقول لكِ، سارت برجليها إلى عائلة الذئبة، وأعدَّتْ نفسها وليمة لهم.

نوران: والمعنى ..؟.

خيرو: والمغزى ..؟.

فهمي: مقسومٌ رزقها، أتريدان أن تموت من الجوع هي وجراؤها..؟!

نوران: (مستهزئة) لا، لا يجب أن تموت، ولكن هل موتها وعدمه متعلق برقابنا.. فلتمت ما شاء لها الموت.

فهمي: هذا مقدر من العلي القدير والرزاق البصير.

خيرو: وبعد.

فهمي: لا بعد ولا قبل، هو القولُ بأن أحداً لن يموت من الجوع، فمادام الله قد خلق فماً فسيمده بأكله أيضاً أيان كان.

نوران: وما الجديد في هذا الاكتشاف، هذه بديهية.

خيرو: الفم للأكل من دون شك.

نوران: العمل جوهر الإنسان، ومتبل حياته.

فهمي: ولكني عرفت الآن، وعليه سأدوزن خطوات حياتي، فلا داعي للكدّ والكفاح، للمشقة والعناء، فهو الرزاق.. يبعث الرزق حتى لو كانت لدودة تسكن في حجرة تحت أعماق البحار السحيقة.. فلماذا التكالب عليه ؟.

خيرو: دوزنة خطوات وتكالب..؟!.

نوران: كفى لغواً، العمل جوهر الإنسان.. ومن دونه لا قيمة له، وما حدث حدث مصادفة لا يعول عليها.

فهمي: أنا الذي رأى بعينيه، فبت أعرف كل شيء، أنا رأيتُ وعرفت بعد هذا العمر.

خيرو: لقد انتهينا، إيه يا جماعة إني سأسحب أغنامي وأسير إلى بيتي. هيا.. ترّر.. ترّر .

(يحاول جمع أغنامه) هيا.. ترّر.. هوء~هوء…

نوران: حسناً، سر ونحن سنكمل الباقي ونتبعك إلى البيت.

فهمي: حسناً، أنا أيضاً سأسير للبيت.

نوران: والقطيع ..؟.

فهمي: سيتدبر أمره .

نوران: كيف .؟.

فهمي: لست ملزماً بأن أرد عليك كلمة بكلمة وسؤالً بجواب.. فكُفّي عني, وكفى.

نوران: انتظر يا خيرو قليلاً وأكمل الباقي معي.. عجيب “هذا الذي رأى والذي عرف” !.

فهمي: أنا رأيتُ وأنا أعرف.

نوران: أنت كمثل الذي رأسه في السراب، وهو يسير خلفه لاهثاً عطشأ.. فلن يجني غير السراب.

فهمي: وأنت ..!.

.

اللوحة الثانية

 (الزمان: صباح اليوم التالي،

المكان: في بيت ريفي، الرجل ممدد في الفراش على ظهره، وأحياناً يقوم ويتكئ على مرفقه)

نوران: ارتفعت الشمس، ومازلتَ تغط في نومك الحجري.. ألا أفق.

فهمي: دعيني.. وكُفِّي عني.

نوران: ألا تفيق وتذهب بالقطيع إلى المرعى، هاهي الحيوانات محجوزة في الحظيرة، وهي (تمعي) وتثغو من جوع ومن عطش..

فهمي: افهمي؛ أنا لن أعمل شيئاً، ولن أخرج للرعي.

نوران: أمريض أنت، إذا كنت مريضاً وكان هذا ظرف طارئ فليكن، سأخرجها أنا بدلاً عنك إلى القريب من هنا.

فهمي: لست مريضاً ولا لست تعباً.. افهمي: هذا موقف يا امرأة.

نوران: ما هذا الموقف..؟.

فهمي: أنا رأيت وأنا أعرف، وأنا من اليوم فصاعداً، لن ألهث وأعرق خلف لقمة العيش.

نوران: أنت ارتعبت من يوم أمس، نعم ولأجل ذلك لم تقاوم أو تحاول تخليص نعجتك من براثن الذئبة الولود، ورجعت يداً من أمام ويداً من خلف.

فهمي: لا، هذا كلام فارغ لا يعول عليه.

نوران: ماذا إذن..؟

فهمي: إنما أنا، هو الذي رأى وعرف. آه.. لقد مللت وانهدّ حيلي في سبيل لقمة مقسومة تأتي وحدها، فليس لي طاقة على الاستمرار.. وكفى.

نوران: مللت! دعك من الترهات، إن لم نعمل فسنموت جوعاً، وسنبقى نحتاج إلى كل شيء.

فهمي: هناك العلّي القدير، وهو يبعث المقسوم ولن يدع أحداً جائعاً، أو محتاجاً.

نوران: والحل.. (مستهزئة) الذئبة.!

فهمي: لا أعرف، فابْني على قراري ما ترينه الصواب.

نوران: يا ويلي وي. راجع نفسك يا رجل، سيعيِّرنا الناس أجمعون. فلو كنت تعباً أو نزقاً فارتح يوماً أو يومين أو بعض أيام، حتى يهدأ بالك وترسو على برّ.

فهمي: هم~هم …

نوران: تعوّذْ من الباطل وراجع نفسك.. المهم؛ الآن سأتصرف وحدي، ولن أخبر أحداً، من أهلك وأقاربك، حتى لا يعرف أحد سرنا.. فأرجو أن تعدّل رأيك خلال ذلك.

فهمي: هم~هام …

نوران: لم يخرج جارنا بعد بأغنامه، سأذهب إليه وأدعوه ليأخذ نعجاتنا معه للرعي، بحجة تلكؤك، وتوعكك المفاجئ. 

فهمي: لا داعي لذلك، اصرفي النعجات، فالرزق على رب العباد.

نوران: وبعد, كيف سيكون وضعك.. وإلى متى ستبقى هكذا، أي كلام فارغ ينسغ من رأس فارغ.. أنموت من الجوع بعد الحسرة الطويلة معك. (فهمي يهمهم) وأنت في عز شبابك ولم تهرم أو تعجز بعد.. تقول هذا، ففي الغد ماذا ستقول؟ (صمت) أتبقى ممدداً كتنابلة الآغا، محجوزاً في الدار كذباب الخريف ملتصقاً بالجدار، لا “شغلة ولا عملة” تتحرى قَرص الهوام ومسح الأجنحة.

فهمي: افهمي. بتّ أعرف كل شيء، الكل باطل، فمادام كل شيء مقسوماً ومكتوباً، فلا داعي للتكالب على ما هو مقدّر.

نوران: إنَّ ما رأيت كان مصادفة عمياء، ولا يعول عليها في تقييم الأمور، كانت ذئبة عمياء ولود بعدد من الجراء موجودة في الكهف، شاءت صدفةٌ أن تشرد نعجة وتتجه إلى جهة ضائعة.. بالله كيف تبني على ذلك أقدارنا.. ؟

فهمي: إن هذا مقدر مسير..

نوران: إن هذا مقدر عشوائي.. لا أساس له من الصحة ولا يعتد به، إن المتابع لسيرة الناس، سيرى كم يشقى المرء ويكافح من أجل لقمة حلال، وهو يستلذ بذلك الكد والجهد ويتباهى بأن الله يباركه ويهنئه.. وأنا أقول أيضاً: هنيئاً للذي يأكل من كده، ويفاخر بأن أكله من عرق جبينه.

فهمي: كفى ولا تمططي في الحديث، أنا سرت بقدميَّ ورأيت بعينيَّ، واقتنعت ولم يقل لي أحد كاني ماني.

نوران: حسناً، وأمري إلى الله، لنرَ كيف ستكون العاقبة المهترئة, صبراً وبه المستعان.. إن ما تفعله هو حجة تتذرع بها، حتى تتكاسل عن أداء واجبك، تجاه زوجتك وطفلتك الصغيرة، والآخر الذي في بطني وأنا حامل به من شهور..

(جانباً تناجي نفسها) أي حظ نحس لي، وأنا التي كانت لي آمال عريضة أشبكها معه، أن نعلو بهمتنا إلى الأعلى اجتماعياً بين أهلينا وأقربائنا، وبين أهل القرية أجمع، كم وكم بنيت من أحلام وردية، وإذا بي مع لوح معتوه فاقد الشعور والإحساس، عديم المسؤولية..

هاهو بجفاء وغلظة يرمي الكل عن كاهله، ويتذرع بكيت وكات، ويتبع الأوهام ويسير خلف السراب، وهو مدلى اللسان يلهث من أضغاث مبرقعة، ممدداً دون شعور وإحساس بالمسؤولية في زاوية محشورة في القن.

(متوجهة إليه) صدقاً إن الحياة حلوة مع العمل والإنتاج، وليس مع الراحة والكسل والتنبلة، إن الأعضاء التي لا تعمل تضمر، أكانت عضلة أم كانت عصباً أم مخاً.

فهمي: كل شيء عديم الجدوى وقبض ريح، فكل شيء مسيره من الأعلى، ومكتوب على الجبين. إن لم يكن مقدراً غيره..

نوران: حسناً، حسناً افعل الذي في رأسك اليابس.. وسترى إلى أين يأخذ بنا ؟.

فهمي: إلى أين سيأخذ بنا..؟.

نوران: إلى الجحيم..!

فهمي: بل إلى الجنة وسترين ادعائي.

نوران: الحديث معك أصبح غير ذي جدوى، والآن ..؟

فهمي: والآن، ضعي لنا إفطاراً لذيذاً من فضلك، وفصلاً من لذة لا تطول إلا دقيقتين بحركة وحركتين يتم دفق لذة متلونة من مفرق الظَّهر إلى أخمص القدمين.

 نوران: كفى.. ليس على بالك إلا هذا، وأنت ماهر فيه تحمحم كالفيل وترغو كالجمل.

فهمي: وما العيب فيه إنه لذة إلهية للتكاثر.. رغم دورها الآتي إلينا من الأولين.

نوران: كفى، الآن سأضع لك إفطاراً من الحليب ومشتقاته زبدة ولبناً، وأسلق لك بيضاً من فضل دجاجاتنا، وعسلاً من كواراتنا، وليكن في علمك سينتهي هذا وسينفد كل ذلك إن لم يزد فيه.

فهمي: حسناً أعرف ذلك، وإلى أن يحين ذلك الوقت سيفرجها الله..

نوران: (مستهزئة) أنا الذي رأى وأنا الذي سمع.. هه!

فهمي: (لنفسه) كم هو يابس رأسها لا يستوعب فكرة، إنها عنيدة.. هي لا تشاطرني رأياً ولا تدعم موقفي بجملة.

نوران: (لنفسها) أعرف هي نزوة وستزول قريباً, رجل لا يعمل هو الموت بحاله.. ورغماً عني أصبّر نفسي وأقول: شدة وستزول.

(تنهمك المرأة بإعداد الفطور،وتكلم مع نفسها)

كما في كل يوم، أفقت قبل بزوغ الشمس، عجنت، وقبل أن يختمر، ذهبت في الصباح الباكر واحتطبت من مشارف القرية وأتيت، وحضرته لم يزل نائماً في العسل، وأخذت اللبن إلى محلة القرية وبعته، ثم رجعت وخبزت، وقبل أن أعدّ الفطور، جمعت البيض من خُمِّ الدجاج وأطعمتها، حلبت البقرة وعلفتها، وإلى أن اعتلت الشمس قامة المرء صحت عليه أن يذهب إلى الرعي، أن يذهب إلى عمله فلم يفعل.. وكل هذا الخير يتأتى من حيواناتنا.. من اعتنائنا بها.

كل هذا والطفلة مشدودة على ظهري, تبكي حيناً فأطعمها، وتهدأ حيناً فأنومها، آه، وفوق ذلك لا أعرف أن أقول الآه، كأن الحياة لا تسلك غير هذا المنحى، والتعب وعدم الراحة تستجر الأخرى دون هوادة ولا أعرف لها آهاً وراحة.

فهمي: يعطيك العافية والصحة، لتمارسي واجبك على أكمل وجه.

نوران: والآن.. تعال وكلْ.

فهمي: ائتني به إلى هنا.

نوران: هنا.. إلى أين..؟.

فهمي: هنا إلى الفراش.

نوران: أيها الكسول التنبل، ستوسخ المكان.

فهمي: هاتي وكفى عناداً، يا بنت الـ…

نوران: هيه، حسناً وقَفَتْ على هذه.. كما تريد خذ هذه أيضاً. (تأخذ السفرة إليه)

فهمي: وبعد، كم أنت مطيعة ودودة وأنا أحبك من كل قلبي، لست أدري من دونك ماذا كنت سأفعل، بالتأكيد كنت سأنفق كحيوان.

نوران: والآن يا حبيبي ويا عمري.. لكلمة ..

فهمي: (مقاطعاً) نعم أكثري من هذا.

نوران: اسمع، لكلمة أخيرة قم إلى ماشيتك، وخذها إلى المرعى، وعد إلى سيرتك، ودعك من أفكارك الغريبة وكسلك الأعمى.

فهمي: لا شيء جديد، وقراري نافذ أبداً..

نوران: (لنفسها) حسناً كما تشاء وأمري لله.. ابقَ في البيت ممدداً، وأنا سأذهب بعد قليل إلى فلاحة الأرض بين أشجار الكرمة، وأنهي تعزيل الممرات وتنظيفها من الحجارة ومن الأعشاب والأشواك، تهيئاً لأمطار الشتاء الخير..

(متوجهة له) أسمعتَ.. وليكن في علمكَ، سأدع النعجات في عهدة ابن أخي -خيرو- بحجة توعكك، ليأخذها إلى المرعى، وما يريد من أجرة فسنعطيه، وسأذهب من بعد إلى الحقل للفلاحة، فكن في البيت وحيداً، ارتح جيداً وتغط بكسلك، تأمل الذباب وقفزات طيرانه وراقب الظل كيف يطول وكيف يقصر، أو سيكون شيئاً مفيداً لو نظفت البيت وغسلت ما يلزم من صحون أو أقماط الطفلة الصغيرة حتى أرجع.

فهمي: فشرتِ ..!.

نوران: أقول ذلك حتى تتسلى ولا يخنقك الملل، إذن اعدد عيدان السقف وبثراته، أو لملم القملات وأطعمها، أو اجمع واطرح شجرة عائلتك، من مات ورجع، ومن مات ولم يرجع..

فهمي: كفى تعييراً..

نوران: أعرف حظي السيئ، أنا لم أرَ يوماً حلواً معك، كله نكد وشقاء، أنت لا تسأل عني، همك بطنك وما تحت بطنك، لا تسأل الدنيا من أين تأتي ومن أين تروح.. لا يهمك، انظر إلى الناس والرجال الحقيقيين من حولك وتعلَّم منهم يا أخي، كيف يعملون بهمة ونشاط ويدبرون أمورهم، يذهبون إلى رعي مواشيهم وفلاحة أرضهم, أو يعملون في الجني والقطاف لدى الغير، ثم يعودون إلى البيت آخر النهار فرحين بشوشي الوجه، إنهم يمارسون حياتهم بكل طيبة.

فهمي: (مقاطعاً) كفى لغواً، إنكِ حفظتِ كل شيء عني مغلوطاً.

نوران: مغلوطاً، كلّ شيء “مغلوطاً”. (تستهزئ بكلامه)

فهمي: أرى الغلط يأخذ عطره منك.. فأنتِ حفظتِ كل سيَّئ عني.

نوران: أرى أنك مثال ذلك الرجل الذي أراد زيارة المعبد، ومن طقوسها الطواف حوله ثلاث مرات، فسأل: أضروري هذا؟، فلما أجيب بنعم. تناول من عبه مشروب الخمر، وكرعه نزقاً، فبدأ المعبد يدور حوله.. وتم المراد. ولا شيء آخر.!

فهمي: أحسنتِ.

.

اللوحة الثالثة

 (الزمان: عصر النهار ذاته، المكان السابق في البيت، الرجل وحيد ممدد على الفراش، وأحيانا متكئ على مرفقه أو يقوم جالساً.. ويناجي نفسه بالتالي)

فهمي: عجيب أمر الدنيا، تلف وتدور على نفسها، فالبداية كالنهاية، بحيث لا يظهر لها رأس أو ذيل لقد تشابكت خطوطها، فالألوان كلها بعضها مع بعض تعطي مع طغيانها لونين فقط هما الأبيض والأسود في اتحاد متناسق، كالليل والنهار، نور وظلام، ظل وصخب. هَم.. عدّ للعشرة يا هذا !.

فالبارحة والحاضر والغد، كأنها نقاط تدور على محورها فلا تقرّب بعيداً ولا تبعد قريباً، وأتساءل: ما المعنى وما المصير، ولماذا كل هذا؟ كل ما فيها من هذه الموجودات من الأم.. وهي الطبيعة.. (فترة صمت) واحد اثنان..

لقد عددت أعمدة السقف بالعرض وكانت ثلاثة وعشرين جسراً من قطع أشجار الحور.. أي موضوعة على فرق أو بُعد شبر بين الواحدة والأخرى، وفوقها بالطول فُرشت عيدان رفيعة لتحمل القش، وهي قطع متصلة ويبلغ عددها مئة وسبع عشرة قطعة.

نعم.. ولكن في ذلك اليوم بالذات لفت انتباهي وبت أفكر بعمق: كيف تأكل الحيوانات أشواك العليق ولا تنغرز في شفتيها، وكيف تهضمها معدتها هو تآلف وتعود على المر حتى يصبح المر حلواً، ثم لماذا هذه الهوام، هذا الذباب والبرغش والقمل إلخ. هُهم لماذا؟

آه، حقيقة منْ أنا؟ وما صلة الآخرين بي، من أهل وأقارب وجيران، أو زوجة وأطفال؟ فأنا نسيج ذاتي، أنا كلي كيان منفصل، تربطنا معاً روابط الموجود والاتصال والتكامل، أنا أتكامل وأتواصل معهم، ماعدا الأطفال فهم شيء آخر.

آه، الأصوات تزعجني، لقد نمتُ وأفقت خلال هذا النهار عشرات المرات بسبب الضجيج والصخب، وهذه الحيوانات تجعر وتفتح بلعومها المليء بالهواء والإبر والحجارة كل آونة، الأصوات لدى الإنسان للتفاهم والتواصل، أما عندهم فهي لماذا غير الإزعاج؟. هم~هم. عدّ إلى العشرة.. واحد..

بنت جارتنا فلانة حلوة، اسمها “فلانة”.. تودُّني، سلَّمتْ عليَّ فغمزتها، إيه رائع، أما زوجة قريبنا، العمى إني أهجس بعرض الناس وهذا معيب، عشرة سبعة خمسة اثنان صفر.

أما كيف يتم التناسخ والتكاثر، فذوات اللحم دون الشعر، لهم طريقة مثلى معروفة من خلال جهازي الذكر والأنثى وتطابقهما، أما ذوات البيوض فكيف تتم؟ بنفخة هواء وفسوة، أما النباتات فكيف تتكاثر؟، معروف بالبذار ولكن البذر ماذا فيه. عدّ للعشرة يا هذا، صفر واحد ثلاثة خمسة سبعة عشرة.

أمور عجيبة غريبة تحدث في هذه الدنيا، فبعد كل هذا العمر وكل هؤلاء البشر، لم يفسر أحد شيئاً غير تفسير الماء بعد الجهد بالماء ؟!.

لقد تحوّلت ذاكرتي إلى مرتع خصب للإشنيات تنمو فيها اجترار الأوهام وأضغاثها.

أنا أعرف الذي رأيت بجدارة، رأيت بأم عيني، آه.. الهدوء ولا شيء غيره. هم~هم..

نوران: (تدخل ملهوفة وتتجه إليه) بشرى بشرى.. ثروة، تعالَ يا رجل واركض معي، هيا تهيأ بسرعة.

فهمي: إلى أين؟ أجننت يا نورا ..! أما زلت تفكرين كالماضي، أنا لن أتزحزح من مكاني..

نوران: سأحكي لك.. لنذهب إلى الحقل.

فهمي: لا تحكِ لي ولا أحكي لكِ، فدعيني فيما أنا فيه.. قالت بشرى بشرى.!

نوران: أنت عظيم حقاً، لقد صدقت نبوءتك، وتحققت رؤاك، فالمقسوم لن يكون إلا لصاحبه.

فهمي: أي تبدل هذا، أي مديح مجاني هذا.

نوران: هي ثروة كاملة، أنت كنت على حق، إن كان للمرء قسمة فلن يتوانى عن نيلها ولو كانت في عمق أعماق الأرض.

فهمي: إيه.. ما هذا الذي تقولين، وأي خبر تنقلين؟، هل أنتِ بكامل وعيك أم تسخرين وت ؟.

نوران: أنتَ فلتة، أنت عبقري، لقد كان حدسك صائباً، وكنت تدرك ما لك، وبفعلتك هذه استعجلت اليوم حدوثه من صمت غيابه.

فهمي: (يتقلب في فراشه) إيه وبعد.. لقد أوجعت لي رأسي، أنت تدوخينني، فكفى لغواً.

نوران: (بدلال) إيه.. يا رجل تحقق مرادك وستناله، فأنت محظوظ ومبارك..

فهمي: أعرف أن هذا ليس بصحيح، فأنا أعرف نفسي: أنا منحوس بامتياز.

نوران: لا إنه غير صحيح.. اسمع اسمع: كنتُ اليوم في الحقل أفلح وأنكش الأرض وأحفر الرتم، كرمتنا -كما تعرف- تقع في محجر مائل في عقب الجبل، كنت أرعى وأطمر شتل العنب والتين في خطوط، حين علق فأسي ببلاطة حجر موضوعة فوق طاقة مقعرة في الجدار، ولما حفرت تحتها انزلقت فبانت الحفرة وإذا فيها..؟ احزر ماذا فيها ؟..

فهمي: وما أدراني..

نوران: احزر..؟!

فهمي: فيها أفاعٍ وحيِّات.

نوران: فيها -بسم الله- كوزٌ فخاري جميل، وبعض تماثيل وعظام و…

فهمي: وأي شيء في هذا.. حفرة تبدو كشكل جرن فيها عاديات ومخلفات عظام، عظام قبور ليس إلا، فالأرض سطحها وعمقها أجداث.

نوران: لا.. اسمع. فيها كوز من ذهب، كوز مليء بقطع الذهب.. ليرات مدورة.

فهمي: كوز مليء بقطع الذهب، (بسخرية) أترين التهيؤات أم بدأت تخرفين ؟.

نوران: صدقني لقد رأيت بعيني، ثروة كاملة، فرجاءً بعد قليل ستعتم الدنيا، فحضّر نفسك للذهاب والإتيان به دون أن يعلم أحد من الجيران أو من أهل القرية.

فهمي: رأيتِ بعينك وأنت تعرفين.!.

نوران: (ضاحكة) أنا رأيت وأنا أعرف.

فهمي: أتقلدينني! حسناً تهزلين، الأفضل أن تكملي طمر شتل العنب والتين.. وقطع اللوز والأجا…

نوران: (مقاطعة) أنا لا أمزح.

فهمي: وأنا أيضاً لا أمزح، أنا لن أتزحزح من مكاني، أنا لا أريد شيئاً، أنا فقط أود لقمة هنية آكلها بهدوء في هذا الصخب ولا أكثر.

نوران: وهذه القسمة، وهذا النصيب المعد لك.. لقد فُرجت أخيراً يا رجل، فُرِجَت.

فهمي: هذه فوق أفقي ومرادي، فإن كانت لي فستأتي ولو كانت في بروج مشيدة.

نوران: رجعتَ لعنادك.. وغبائك.

فهمي: إيه.

نوران: إيه ماذا، هذا رزقك أتى إلى مقبض يدك، فقم وتحرك، وكفى تواكلاً.

فهمي: بتنا نسمع ما لا يحب.

نوران: اسمع نحن متزوجان من ما يقارب الخمسة عشر عاماً، وقضينا الأعوام تلك محرومين من الخلف، سنوات عشر عجاف مرت بإجهاض دون ولد، ومن بعد رزقنا بطفلة هي الآن في الثالثة من عمرها، والآن أنا حامل بآخر، وقد بلغنا الأربعين حولاً، وليس لنا معين غيرنا، وهاهي كوة الفرج تفتح لنا بسبب عنادك، ورأف بنا الخالق.. فلا ترفس النعمة.

فهمي: ستحكين قصة حياتنا.

نوران: نعم، وما في ذلك من عيب، لقد تعبنا وشقينا معاً، وكنا نأكل لقمتنا بعرق جبيننا، من هنا أرضنا وكرمتنا، من هناك قطيعنا من الأغنام والماعز التي تربو على العشرين عدداً، والبقرة المركونة في الزريبة، والدجاج الذي يسرح خلف المكان.. نعيش من خيرهم مبتعدين عن شر سوء الأيام.

فهمي: حسناً، لقد مللت، لذا أقول كفى جرياً ونبحاً وتكالباً، فالمقسوم مقسوم ولا داعي للمزيد., فلدينا ما يكفينا.

نوران: آه.. لقد مرمرتني وأمرضتني، وفوق ذلك أتى ما كنت تقول عنه وكنت بانتظاره..

فهمي: “زكاتك”، ناوليني طاسة الماء لشربة عطشى، منذ فترة الصباح وأنا ظمآن.

نوران: لا تقدر على إرواء ظمأك، حسناً (تناوله طاسة الماء) إذن الحل، وبعد ما العمل ؟!

فهمي: المقسوم مقسوم.. ولا داعي للمزيد.

نوران: لست معك في هذا. (يسمع صوت ورود الماشية،

ثم صوت الجار الراعي خيرو يصدح ترّر.. هوء~هوء.)

خيرو: العمى.. ياهو الذي هنا، لقد أتيت بنعجاتكم، فتهيئوا للحلب. هيا.. ترّر هوء~هوء.

نوران: حسناً، تفضل لبرهة.

خيرو: (صوت) نعم.. سأفعل ذلك من كل بد، وسأسال عن صحة جارنا زوج عمتي نورا الذي توعك هذا الصباح، ولم يخرج إلى مرعانا، فكم كنت أفتقده اليوم، وقد مللت دونه، واشتقت إلى ممازحاته وقفلاته. (يدخل) أسعد الله أوقاتك يا عمي، كيف هي صحتك ووضع بنانك؟.

فهمي: جيدة .

خيرو: آمل ذلك، شدة وستزول، لقد أخذتَ نسمة برد من صباح الخريف، فلا داعي للقلق.

فهمي: حسناً يا خيرو، لقد كنت أسعل هذا الصباح وإذا بضفادع تخرج من فمي مع كل سعلة تقفز على الأرض، وتطير خفافيش وتلتصق على الجدران.. هلا انظر ألا ترى بعضها ما يزال موجوداً.

خيرو: هه ماذا قلت؟! أنا لا أرى شيئاً (يسأل نورا جانباً) أما يزال يقول: أنا رأيتُ وأنا أعرف.؟

فهمي: سأخرج لقضاء حاجة من حوائج الطبيعة.

(يقوم من الفراش ويخرج)

نوران: يا بن أخي، أريدك في موضوع مهم، فكما تعرف نحن عائلة واحدة، وليس بيننا ما حرم الله .

خيرو: نعم ياعمتي؛ يبعد عنا ما حرم الله، وليس في هذا شك.

نوران: اسمع، بعد أن ننتهي من حلب النعاج وتأمينها في الحظيرة، وقبل أن تسدل العتمة سدولها، سنذهب أنا وأنت دون زوجي فهمي في مشوار إلى كرمتنا للحقل

1 2الصفحة التالية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
النسخة العربية English Edition

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة