لماذا نقرأ الأدب؟محمد عالي الحيرش، باحث في الأدب المغاربي

لطالما تردد منذ القدم سؤال يبدو، في ظاهره، منطقيا: ما الفائدة من قراءة الروايات والقصص، وهي لا تسهم في إضافة اكتشافات علمية إلى رصيد البشرية، ولا تكشف للإنسان أسرارا جديدة عن الكون؟
بيد أن هذا السؤال، على وجاهته الظاهرة، يقوم على تصور قاصر للمعرفة، إذ يحصرها فيما يخضع للقياس والبرهان، وكأن ما لا يدخل المختبر ليس حريا أن يسمى معرفة. والحقيقة أن أعظم ما يختبره الإنسان في حياته لا يمكن وزنه بميزان، ولا إخضاعه لمعادلة؛ فالحب، والخوف، والحنين، والفقد، والرجاء، كلها حقائق وجودية لا تقل يقينا عن الحقائق العلمية، وإن استعصت على أدوات العلم.
وقد تنبه الفيلسوف والمؤرخ الألماني فيلهلم دلتاي (1833–1911)، أحد أبرز مؤسسي فلسفة العلوم الإنسانية الحديثة، إلى هذا الفرق، ولا سيما في كتابه «مقدمة في العلوم الإنسانية»، حين ميز بين علوم الطبيعة، التي تقوم على التفسير، وعلوم الإنسان، التي تقوم على الفهم؛ فالظواهر الإنسانية لا تستوعب من الخارج فقط، بل تحتاج إلى النفاذ إلى معناها الداخلي، وهو ما يضطلع به الأدب بامتياز.
فإذا كان العلم يفسر العالم الخارجي، فإن الأدب يميط اللثام عن العالم الباطن، ويكشف تضاريس النفس الإنسانية بما تنطوي عليه من تناقضات وأسرار. صحيح أن علم النفس يخبرنا، مثلا، أن الخوف استجابة فسيولوجية، لكن الرواية العظيمة تجعلنا نرتجف مع الخائف، ونعيش قلقه، ونرى العالم بعينيه، حتى يصبح الخوف تجربة معاشة لا تعريفا محفوظا. ومن ثم، فالأدب لا ينافس العلم، وإنما يكمل رسالته؛ إذ يفسر العلم الظواهر، بينما يمنحها الأدب معناها الإنساني.
وهذا ما أدركه الفيلسوف اليوناني أرسطو (384–322 ق.م.) في كتابه «فن الشعر»، الذي يعد أول مؤلف فلسفي متكامل وصلنا في نظرية الأدب والنقد، إذ رأى أن الشعر أكثر اتصالا بالحقيقة الفلسفية من التاريخ؛ فالتاريخ يخبرنا بما حدث، أما الأدب فيكشف ما يمكن أن يحدث وفق طبيعة الإنسان، ولذلك فإنه يتجاوز الواقعة الجزئية ليصل إلى القوانين العميقة التي تحكم التجربة البشرية.
ولعل أعظم ما يهبه الأدب لقارئه أنه يحرره من سجن التجربة الواحدة. فنحن لا نملك سوى عمر واحد، وذاكرة واحدة، وسلسلة محدودة من التجارب، لكن الرواية تفتح أمامنا أبواب حيوات لا حصر لها. بها نرى العالم بعيني يتيم، ثم بعيني ملك، ونعيش مع لاجئ اقتلعته الحروب من أرضه، أو مع شيخ أثقلته السنون، أو مع امرأة تنتظر أبناءها على أعتاب الغياب. وهكذا تتسع حدود وعينا، وندرك أن الإنسان أعقد من أن يختزل في موقف عابر أو حكم متسرع، وأن الخير والشر ليسا دائمًا ضفتين متقابلتين، بل كثيرا ما يتجاوران في القلب الواحد.
مما لا شك فيه أن قيمة الأدب تتضاعف حين يُقرأ بلغته الأصلية؛ فاللغة ليست معجما للألفاظ، ولا مجموعة من القواعد، بل هي وعاء الذاكرة الجماعية، ومستودع الخيال، والمرآة التي تنعكس عليها رؤية أمة بأكملها للعالم. ومن يقرأ الأدب الفرنسي، أو الإنجليزي، أو الروسي، لا يتعلم لغة أخرى فحسب، بل يكتسب قدرة على النظر إلى الوجود من أفق ثقافي مختلف، ويكتشف كيف تتشكل الأفكار داخل الكلمات، وكيف تحمل التراكيب والإيقاعات ما لا تستطيع المعاجم شرحه.
أما المتعة التي يمنحها الأدب، فليست قيمة ثانوية، بل هي الجسر الذي تعبر عليه الحكمة إلى القلب. فالإنسان قد يعرض عن الحقيقة إذا جاءت في ثوب الوعظ، لكنه يقبل عليها إذا تجسدت في حكاية تهز وجدانه، وتوقظ خياله. ولهذا أدرك النقاد منذ القديم أن الأدب يجمع بين الإمتاع والمنفعة، فيخاطب العقل دون أن يغفل الوجدان.
ومع ذلك، فليس كل ما يكتب جديرا بأن يسمى أدبا عظيما. فهناك كتب تقرأ ثم تنسى، وأخرى تظل تقيم في الذاكرة سنوات طويلة؛ لأنها لا تزيد القارئ علمًا فحسب، بل تعيد تشكيل نظرته إلى نفسه وإلى العالم. فالكتاب العظيم لا يلقن قارئه أجوبة جاهزة، وإنما يوقظ فيه أسئلة جديدة ويمنحه بصيرة أعمق.
ولهذا رأى الروائي التشيكي الفرنسي ميلان كونديرا (1929–2023)، في كتابه «فن الرواية»، أن الرواية ليست مجالا لإثبات الحقائق الجاهزة، بل فضاء لاكتشاف ما يظل مجهولا عن الإنسان؛ فهي لا تقدم لنا يقينا مغلقا، وإنما تكشف تعقيد الوجود وتدفعنا إلى النظر إليه بعيون أكثر اتساعا. وقد كان كونديرا يرى أن الرواية الأوروبية الكبرى، منذ سرفانتس، ليست مجرد حكاية، بل وسيلة لاكتشاف الإنسان في أبعاده التي يعجز الفكر المجرد عن الإحاطة بها.
و هذا ما يفسر بقاء الأعمال الأدبية الكبرى حية عبر القرون؛ فهي لا تعيش لأنها تقدم أجوبة نهائية، بل لأنها تواصل مساءلة الإنسان في كل عصر، وتكشف في كل قراءة معنى جديدًا لم يكن ظاهرا من قبل.
وهكذا فخير ما يلخص منزلة القراءة قول الكاتب الأرجنتيني خورخي لويس بورخيس (1899–1986)، أحد أعلام الأدب العالمي في القرن العشرين، وصاحب مجموعتي «الألف» و«خيالات»، إذ قال: «إنني أفخر بما قرأت أكثر مما أفخر بما كتبت». ففي هذه العبارة اعتراف بأن القراءة ليست مرحلة تسبق الكتابة، بل هي التي تصوغ الوجدان، وتهذب الذائقة، وتوسع الخيال، وتعلم الإنسان أن يرى ما يمر به الآخرون دون أن يلتفتوا إليه.
ولذلك فإن السؤال الأجدر بنا طرحه ليس: لماذا نقرأ الأدب؟ بل: ماذا يبقى فينا بعد أن نغلق الكتاب؟ فإن أغلقناه ولم نغادره إلا كما دخلناه، فما ترك في أرواحنا أثرا يذكر. أما إذا خرجنا أكثر تعمقا في فهم كنه الإنسان، وأرهف حسا بالجمال، وأشد تواضعا أمام تعقيد الحياة، فقد أدى الأدب رسالته على أكمل وجه.
فالأدب العظيم لا يغير العالم مباشرة، لكنه يغير الإنسان؛ وما دام الإنسان هو صانع التاريخ، فإن كل تغيير عميق يبدأ من داخله.





