غيمة في سروال / فلاديمير ماياكوفسكي- ترجمة: مالك صقور

تعد قصيدة “غيمة في سروال” من أهم قصائد ماياكوفسكي وأنضجها، في مرحلة ما قبل ثورة أكتوبر. بدأها الشاعر قبل نهاية عام 1914 وانتهى منها في تموز عام 1915. كان عمره اثنتين وعشرين سنة.
كان عنوان القصيدة في البداية “الحواري الثالث عشر”. لكن الرقابة لم توافق على هذا العنوان، فاضطر إلى تغييره إلى “غيمة في سروال”. قاصداً من ذلك التهكم على الرقابة والسخرية منها، من ناحية، ومن الناس الرخوين من ناحية ثانية. وعندما أعاد طباعة القصيدة عام 1918 حدد ماياكوفسكي نفسه مغزى القصيدة، ومضمونها فكتب: “فليسقط حبكم”. “فليسقط فنّكم”. “فليسقط نظامكم”. “فلتسقط ديانتكم”- أربع صرخات لأربعة مقاطع.
(ترجمتُ هذه القصيدة عن اللغة الروسية عام 1981 في مدينة سكار جيسكو كامينا في بولونيا، ونشرت مقاطع منها في مجلة /هنا دمشق/ العدد /199/ -16/10/1984. وهي ترجمة مزيدة ومنقحة لأول مرة عن الروسية مباشرةً.)
***
مقدمة
أفكاركم
الحالمة في مخ رخو
كالخادم المترهل على أريكة قذرة
سأوقظها بنتف قلبي المدمى
ساخراً بصفاقة.
وفي روحي لا توجد شعرة شائبة واحدة.
ولا رقة الشيخوخة
صوتي يرعد مجلجلاً في هذا العالم
وأمضي جميلاً -
في الثانية والعشرين
يا أيها اللطفاء!
أنتم ترمون الحب على القيثارة
ويلقيه الأجلاف على الطبول
لن تستطيعوا أن تقبلوا ما في جوّاي
وغير الشفاه لن يبقى
تعالوا تعلموا
على المضيفة
وعلى رابطة الموظفات الإنكليزية الوقورة
التي تتصفح فيها الشفاه بهدوء
كما الطاهية تقلب كتب الطبخ
أتريدون-
سأغدو كالمصاب بداء الكلب
وسأغدو كالسماء تبدل نغمتها
أتريدون-
سأغدو ناعماً طرياً لا لوم ولا عتب
لست رجلاً، بل – غيمة في سروال!
ومرة أخرى – يمجدني
الرجال الكاسدون كالمشفى
والنساء المطروقات كالأمثال.
-1-
أتظنون، أن هذا هذيان الملاريا؟
هذا كان
كان في أوديسا
“سآتي في الرابعة” – قالت ماريا
الثامنة
التاسعة
العاشرة
وتهاوى المساء
ليطرده الليل
من النوافذ
عابساً
كانونياً
وتضحك الشمعدانات ساخرة
من ظهري الفاني المحدودب
ما كان بوسعهم أن يعرفوني الآن:
هائلاً معروقاً
يزحر ألماً
ويتشنج
وماذا يمكن أن تريد هذه الصخرة؟
والصخرة تريد الكثير؟
أما لنفسي فلا يهم
أما ما يتعلق بالبرونزي
بالقلب – الحديد البارد
ففي الليل، أريد
أن أخبئ ناقوسي في شيءٍ لين
في شيءٍ نسائي
وها أنذا الهائل
أحدودِب في النافذة
وأواجه بجبيني زجاجها
سيكون حباً أم لا؟
وأي حب-
حب كبير أم ضئيل؟
ومن أين الحب الكبير لجثة كهذه؟
يجب أن يكون صغيراً
وديعاً زغلولاً
يجفل من ضجيج السيارات
ويحب الأجراس الناعمة
ما زلت انتظر
وما زلت أخفي وجهي
بوجه المطر المجدور
أنتظر
مرشوشاً برعد اضطراب المدينة
انفرد منتصف الليل بالسكين
أطبق
طعن النهار
وها هو ذا قد احتضر
وسقطت الساعة الثانية عشرة
كما يسقط رأس المعدوم من على المقصلة
وتسقط الأمطار رمادية على الزجاج
تولول،
مصعّرة خدها
كأنها تحارب الآمال الخيالية الكاذبة
لكاتدرائية نوتردام
يا أيتها اللعينة!!
أهذا الذي ينقصنا؟
سينمزق الفم من الزعيق قريباً.
أصيخُ السمع:
هدوء موحش،
كالمريض في السرير
متوثب الأعصاب
وهكذا-
في البداية مشى، بصعوبة
وبصعوبة
ركض فيما بعد،
مهتاجاً
جلياً
والآن هو واثنان آخران
يرقصون يأساً من الألم
وفي الطابق السفلي سقطت قشرة الجدار
والأعصاب
الكبيرة،
الصغيرة،
الكثيرة،
وثبت مسعورة بداء الكَلبْ
وترنحت أرجل الأعصاب
والليل في الغرفة يظلم ويوحل
وفي العتمة الوحلية لا تمتد العين.
وانفتح الباب فجأة
كما في الفندق
ودخلتِ أنتِ
حادة كوميض الصاعقة!
تهصرين قفازي فرو
وقلت:
أتدري؟
“سأتزوج”
ماذا يهم! تزوجي
لابأس
سأصمد
أترين – كم أنا هادئ؟!
كنبض
الميت
أتتذكرين؟
حين قلتِ أنتِ:
“جاك لندن
مال،
حب،
شهوة”
أما أنا، فإني أرى
شيئاً واحداً
أنت – الجوكندا
التي يجب سرقتها
ولقد سرقوها.
ومرة أخرى، أخرج إلى اللعبة عاشقاً،
والنار تضيء حاجبي المحنيين
وماذا بعد؟
ففي البيت الذي احترق
يعيش، أحياناً، متشردون لا بيوت لهم.
وتشاكسيني
“مشاكسة القرش للشحاذ،
ولديك من الزمرد ما يسلب العقل”.
أتذكرين!
لقد هلكت بومبي،
عندما انفجر بركان “فيزوف”!
إيه!
أيها السادة!
العشاق
الكفرة،
الجرائم،
المجازر الدموية،
أرأيتم
وجهي الأكثر رعباً
عندما
كنت
هادئاً
تماماً؟
إني أُحِسُّ، بأن هذه
“الأنا”
ليست على قدي
وأن أحداً ما، سيولد مني عنيداً
آلو!
من يتكلم؟
ماما؟
ماما!
ابنك مريض مرضاً رائعاً!
ماما!
أصيب بحريق القلب
قولي لأختي: لودا وأوّلا-
لقد سد في وجهه الدرب
وكل كلمة
حتى المزحة
التي ينطق بها
من فم محروق
تنطلق كالعاهرة العارية
من بيت الدعارة المحترق
ويشم الناس
رائحة الحريق الفائحة
وجاؤوا
متألقين!
وعلى رؤوسهم خوذات!
قولوا لرجل الإطفاء:
على القلب الملتهب يتعربشون بغنج ودلال
أنا ذاتي
والعيون استنفدت براميل الدموع
أعطوني، كي أستند على ضلع من الضلوع
اقفز! اقفز! اقفز! اقفز!
لقد سقطوا
ولا تهربين من القلب!
وعلى الوجه المحروق
من شق الشفتين
تنطلق قبلة صغيرة
ماما!
لن أقوى على الغناء!
والقلب كجوقة في الكنيسة!
الكلمات المتفحمة من كل نوع وحجم
تقفز
من الجمجمة
كالأطفال من بيت يحترق
كالرعب
يحتل السماء
بأيدي “لوزيتانيا” المشتعلة
ويرتعش الناس
في هدأة منازلهم
ومئات العيون المتقدة تتجه إلى الميناء
وها هي ذي
صرختي الأخيرة:
“إنني أحترق..
تنطلق للقرون القادمة



