29. هل نودّع رمضان أم نحمله معنا؟ هشام فرجي

ها نحن نصل إلى المحطة الأخيرة من رحلتنا الرمضانية، بعد أن طافت بنا هذه السلسلة بين تأملات روحية، ومواقف وجدانية، وقيم أصيلة حملها لنا رمضان. كل مقالة كانت نافذة فتحناها على معاني هذا الشهر الكريم، نتأمل من خلالها نوره، ونتلمّس أثره في حياتنا. والآن، وقد أوشك الشهر على الرحيل، نقف وقفة أخيرة، نتساءل فيها: ماذا بقي لنا من كل ما كتبنا وما تأملنا؟ هل كانت هذه الشذرات فقط عبارة عن كلمات تُقرأ ثم تُنسى؟ أم أنها بذور زرعناها في أرواحنا لنراها تزهر في قادم الأيام؟
يتعدى رمضان كونه ثلاثين يومًا من العبادة، إلى كونه مدرسة متخصصة في التغيير. في كل لحظة من لياليه كنا نتعلم دروسًا عميقة: في الصبر، في العطاء، في تهذيب النفس، في الصدق مع الله ومع أنفسنا. لكن التحدي الحقيقي يبدأ بعد انقضائه، حين نعود إلى روتين الأيام العادية، فإما أن نحمل معنا روحه، وإما أن نطوي صفحته كما نطوي شهرا من الشهور الأخرى.
لقد عشنا خلال هذه السلسلة قيم الصدق،والإخلاص، والصبر، وغصنا في معاني مناجاة المولى عز وجل في ليالي رمضان المباركة عموما وفي ليلة القدر خصوصا، ولامسنا معاني التضامن، والتأمل في النفس والعمر… والآن، وقد وصلنا إلى المقالة الأخيرة، نهمس لأنفسنا جميعًا: “لا تجعلوا رمضان زائرًا عابرًا، بل اجعلوه ضيفًا مقيمًا في أعماقكم.”
ورمضان لا تغادرنا روحه فعلا إلا أن اردنا، بل يبقى في الزوايا التي صلّينا فيها، في الأيادي التي مددناها للخير، في القلوب التي صافحناها بالمغفرة.إذا نحن من نقرر إن كنا سنحمله في أرواحنا أم سنودّعه إلى أجل غير معلوم.
رمضانُ، هل أنتَ في القلبِ مقيمُ؟
أم أنّكَ حلمٌ، إذا ما انقضى يزولُ؟
علّمتَني أنّ النورَ في الروحِ باقيٌ
فكيفَ أُطفئُ وهجَكَ، والضوءُ لا يزولُ؟
هذه الشذرات إذا هي نوافذ فتحناها على معاني رمضان، ومرايا عكست لحظات صدق مع النفس. فليس المهم أن نكون قد قرأناها، بل أن نسمح لها بأن تعيش فينا. كل فكرة، كل تأمل، كل حكمة وردت فيها، هي أشبه ببذور ألقتها هذه السلسلة في أرواحنا. البعض قد يتركها على سطح الذاكرة، فتذروها رياح النسيان سريعًا، والبعض الآخر قد يغرسها في تربة وعيه، ويسقيها بالتفكر والعمل، حتى تنمو وتثمر أثرًا في حياته.
والسؤال الحقيقي ليس: هل قرأت هذه الشذرات؟ بل: ماذا فعلت بها؟ هل كنت مجرد متصفح، أم أنك التقطت منها قبسًا يُنير لك طريقك بعد رمضان؟ إنما الشذرات قيم حيّة، تموت إن تركناها كلمات، وتحيا إن جعلناها سلوكًا.
ختامًا، لقد كانت هذه المقالات رحلة روحانية بامتياز، كانت هناك بين سطورها دعوة مفتوحة لكل منا لأن يكتشف رمضان بروحه، وليس بعاداته فقط. والآن، ونحن نضع نقطة النهاية، أملنا أن يبقى لهذه الشذرات أثر جميل فينا وفي حياتنا. فرمضان لا يُودَّع، بل يُعاش، وإن غادرنا ، فلنجعله حيًّا في القيم التي نحملها. وإلى لقاء جديد في أزمنة أخرى من التأمل والتفكر والتدبر!.





