23. القلب… وما أدراك ما القلب (الجزء الثالث) هشام فرجي
في عالمنا المادي، يُعرِّف العلم القلب بأنه عضلة نابضة تضخ الدم في أنحاء الجسد، لكنه في عالم الإيمان، هو وعاء الروح ومستودع الأسرار. إن كان العقل ميزان الإنسان، فالقلب بوصلته، به يحبّ ويكره، يطمئن ويضطرب، ينجو أو يهلك.
وقد جعل الله القلوب مراتب، منها الميت والقاسي، ومنها الراضي والمطمئن، لكن هناك قلوبًا مميزة، اختارها الله لحمل نور خاص، قلوب أهل السحر والفجر، الذين لزموا درب المناجاة، فكانوا من أهل القرب والمحبّة.
فحين ينام الناس، ويعمّ السكون، تُفتح أبواب السماء، ويفوز من أيقظ قلبه قبل عينيه، فأهل السحر قوم اختارهم الله لمناجاته في ظلام الليل، حيث يتركون فراشهم، ويخلون إلى خالقهم، بين ركعات خاشعة ودموع صادقة. قال تعالى: “كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ، وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ” (الذاريات: 17-18).
إنها قلوب تتنفس ذكرًا، وتنبض خشوعًا، فلا عجب أن يملأ الله أرواحهم طمأنينة، ويُبدل وحدتهم أنسًا بنوره، فهم ليسوا كغيرهم، قلوبهم ليست مقيدة بقيود الدنيا، بل أحرار في عالم قرب الله.
ثم يأتي الفجر، ليشهد صفوة أخرى من العباد، أهل الصف الأول، الذين تركوا النوم ولذته لأجل صلاةٍ عظّمها الله، فكان جزاؤهم وعدًا إلاهيًا خاصًا:
“وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا” (الإسراء: 78).
هؤلاء قوم شهد الله صلاتهم، وتباهي بهم ملائكته، فنور وجوههم ليست من ضوء الشمس، بل من وهج الطاعة، ولأجل ذلك كتب الله لهم بركة اليوم، فهم المطمئنون، الراضون، الموفَّقون في حياتهم.
وإن القلوب مثل الأوعية، إن ملأتها بنور السحر، زادت إشراقًا، وإن عمَّرتها بوضوء الفجر، زادتها طهرًا، فليختر كلٌّ منا أين يكون قلبه، هل يكون قلبًا غافلًا، أم قلبًا ذاكرًا، ساجدًا، مخبتًا؟
فحين تخلو بالليل، والقلب بين يديك، لا تسأل اللهَ إلا النور.. فنورُ السحر يمحو أدران الذنوب، ونورُ الفجر يُبشِّر بنهارٍ من التوفيق.. يا قلبُ، إن ضاقت بك الدنيا، فعُد إلى سجدة وسبحة، ففيهما دواءُ العابرين إلى الله!
وأخيرا، ليس كل قلب نابضًا حيًّا، فبعض القلوب تموت وهي تخغق في صدور أصحابها، وبعضها حيٌّ وإن كان الجسد هامدًا. فلتكن قلوبنا بين أهل السحر وأهل الفجر، حيث القرب من الله، حيث السكينة، حيث الرضوان. فاللهم اجعل قلوبنا ممن يحبك فتقربه، ويذكرك فتكرمه، ويسجد لك فتغفر له.






