📰 آخر الأخبار
 كولين ستيوارت جونز ..  نعمة مفاجئة : قصيدة هايبون معاصرة /ترجمة : بنيامين يوخنا دانيالالجمالية التشكيلية في النسيج الجداري الأمازيغي: مقاربة تحليلية في أعمال الحسين حطوطو/حستي محمد Heat 37, Year 37(1937)/Bahtiyar Hidayet- Azerbaijanخافقٌ أربعيني/غدير حميدان الزبون​جماليات التكثيف والمفارقة: مقاربة نقدية في قصة "الوطن" لإسماعيل البويحياوي/إلهام الغدانيحفل شاي على حافة الهاوية - زاهر الأسعد - فلسطينخلَتْ دنياي/ أسامة محمد صالح زاملالسفير السابق والكاتب البحريني حسين الصباغ: مشهد الخمسينيات والستينيات في البحرين كان ثقافة وتسامحاً-حوار – جعفر الديريBecoming One/ Lee Hye - SeonThe Flower Umbrella/Yang Geum-Heeالقَمرُ المحاق/جواني عبدالThe Eternal Vault of Memories/Biljana Petkovićحِينَ يَصْحُو الرَّمَادُ/زيان معيلبي-الجزائر الانتظار و المجتمع  اللبناني/خديجة جعفررؤى معاصرة في إعداد معلم القرن الواحد والعشرين/أد. بليغ حمدي إسماعيلالشعر كفعل وجودي في مقاومة التخدير الجمالي/صلاح الدين راشد -ليبيا بائع متجوّل/فريدا هيوز/ترجمة: سوزان عليوانوبينما كان كل منا يلعن الآخر/آنا أخماتوفا-ترجمة:لينا زياد قلعيهالترجمة أفقا للحوار :قراءة في استرتيجيات النقل اللغوي في الثقافة العربية القديمة/جواد عامر  حين َ يَصِيرُ المَفْقُودُ وَطَنًا: عَتَبَاتٌ سَرْدِيَّةٌ وَسِيمِيَائِيَّةٌ فِي نَصِّ «وَدَاعًا»الدكتور محمود طه/ا.د حمام محمد - الجزائر"ايبيتومرنوك شاعر" عمر رفيق مياس المتوارية خلف الكلمات/بقلم وترجمة، راويار جباريAn Introduction Poem by Kamala Das/ IndiaDo Not Go Gentle Into That Good Night Poem by Dylan Thomasحمامة كنيسة سيدة النجاة تبكي/سالم الياس مدالوالالتزام بقضايا المستضعفين بين نردين أبو نبعة وأرونداتي روي/إبراهيم أبو عواد / الأردن
 كولين ستيوارت جونز ..  نعمة مفاجئة : قصيدة هايبون معاصرة /ترجمة : بنيامين يوخنا دانيالالجمالية التشكيلية في النسيج الجداري الأمازيغي: مقاربة تحليلية في أعمال الحسين حطوطو/حستي محمد Heat 37, Year 37(1937)/Bahtiyar Hidayet- Azerbaijanخافقٌ أربعيني/غدير حميدان الزبون​جماليات التكثيف والمفارقة: مقاربة نقدية في قصة "الوطن" لإسماعيل البويحياوي/إلهام الغدانيحفل شاي على حافة الهاوية - زاهر الأسعد - فلسطينخلَتْ دنياي/ أسامة محمد صالح زاملالسفير السابق والكاتب البحريني حسين الصباغ: مشهد الخمسينيات والستينيات في البحرين كان ثقافة وتسامحاً-حوار – جعفر الديريBecoming One/ Lee Hye - SeonThe Flower Umbrella/Yang Geum-Heeالقَمرُ المحاق/جواني عبدالThe Eternal Vault of Memories/Biljana Petkovićحِينَ يَصْحُو الرَّمَادُ/زيان معيلبي-الجزائر الانتظار و المجتمع  اللبناني/خديجة جعفررؤى معاصرة في إعداد معلم القرن الواحد والعشرين/أد. بليغ حمدي إسماعيلالشعر كفعل وجودي في مقاومة التخدير الجمالي/صلاح الدين راشد -ليبيا بائع متجوّل/فريدا هيوز/ترجمة: سوزان عليوانوبينما كان كل منا يلعن الآخر/آنا أخماتوفا-ترجمة:لينا زياد قلعيهالترجمة أفقا للحوار :قراءة في استرتيجيات النقل اللغوي في الثقافة العربية القديمة/جواد عامر  حين َ يَصِيرُ المَفْقُودُ وَطَنًا: عَتَبَاتٌ سَرْدِيَّةٌ وَسِيمِيَائِيَّةٌ فِي نَصِّ «وَدَاعًا»الدكتور محمود طه/ا.د حمام محمد - الجزائر"ايبيتومرنوك شاعر" عمر رفيق مياس المتوارية خلف الكلمات/بقلم وترجمة، راويار جباريAn Introduction Poem by Kamala Das/ IndiaDo Not Go Gentle Into That Good Night Poem by Dylan Thomasحمامة كنيسة سيدة النجاة تبكي/سالم الياس مدالوالالتزام بقضايا المستضعفين بين نردين أبو نبعة وأرونداتي روي/إبراهيم أبو عواد / الأردن
مقالات نقدية

قراءة نقدية لكتاب (حَدَّثَنِي الْبُرْتُقَالُ، فَقَالَ:) لاحمد الصيفي/ غَدِيرِ حُمَيْدَانَ الزَّبُونِ

UmElFahm 1111 20251126173649

وَلَمَّا عَجَزَتِ الْأَرْضُ عَنْ أَنْ تَرْوِيَ كُلَّ مَا حَدَثَ لَهَا أَسْنَدَتْ سِرَّهَا إِلَى ثَمَرَةٍ فَتَكَلَّمَ الْبُرْتُقَالُ فقالَ:

بِاسْمِ اللهِ أَبْدَأُ…وَبِاسْمِ فِلَسْطِينَ أَفْتَحُ لِلْكَلِمَةِ نَافِذَةً، لِأَنَّنِي تَعَلَّمْتُ مِنْ تُرَابِهَا أَنَّ الثَّبَاتَ صَلَاةٌ تُؤَدَّى بِالْجُذُورِ، وَمِنْ زَيْتُونِهَا تَعَلَّمْتُ أَنَّ الْأَشْجَارَ الَّتِي تَعْرِفُ أَصْلَهَا لَا تَخَافُ الرِّيحَ، وَمِنْ ذَاكِرَتِهَا أَدْرَكْتُ أَنَّ الْحِكَايَةَ عِندمَا تُقَالُ بِصِدْقٍ تَتَّسِعُ حَتَّى تُصْبِحَ وَطَنًا، وَحَتَّى يَغْدُوَ لَهَا شَمْسٌ لَا تَغِيبُ.

وَبِاسْمِ الْقُدْسِ أُحَيِّي الْحَرْفَ الَّذِي يَسْكُنُهَا قَبْلَ أَنْ يَسْكُنَ الْحَجَرَ، وَالْمَعْنَى الَّذِي يُضِيءُ فِي رُوحِهَا قَبْلَ أَنْ تُضِيءَ مَنَارَاتُهَا، وَأَجْرَاسُهَا، وَقَنَادِيلُهَا.

وَبِاسْمِ كُلِّ مُبْدِعٍ فِي هَذَا الْوَطَنِ، أُحَيِّي الْكَلِمَةَ وَالصُّورَةَ وَاللَّوْنَ وَاللَّحْنَ، فَهِيَ ذَاكِرَةُ الْحياةِ الَّتِي تُقَاوِمُ النِّسْيَانَ، وَصَوْتُهَا الَّذِي يَقُولُ لِلْعَالَمِ: هُنَا وَطَنٌ مَا زَالَ يَكْتُبُ نَفْسَهُ.

وَبِاسْمِ بَيْتَ لَحْم مَسقطِ رأسِي ومَربعِ طفولتي، الْمَدِينَةِ الَّتِي لَمْ تَكْتَفِ أَنْ تَحْمِلَ الْمِيلَادَ فِي ذَاكِرَتِهَا، فقدْ تَجْعَلُ مِنَ الْمِيلَادِ عَادَةً يَوْمِيَّةً، فَتُنْجِبُ الْجَمَالَ كُلَّ صَبَاحٍ، وَتَفْتَحُ لِلثَّقَافَةِ نَافِذَةً كُلَّمَا أُغْلِقَتْ فِي وَجْهِهَا أَبْوَابٌ.

بَيْتَ لَحْمٍ تَسْتَحِقُّ أَنْ نَقُولَ لَهَا كُلَّ يَوْمٍ شَيْئًا مِنَ الْجَمَالِ؛ لِأَنَّهَا كُلَّمَا أَضَاءَتْ قِنْدِيلًا لِلثَّقَافَةِ أَطْفَأَتْ عَتْمَةً فِي مَكَانٍ مَا مِنَ الْعَالَمِ، وَكُلَّمَا ارْتَفَعَ فِيهَا صَوْتُ شَاعِرٍ، أَوْ لَمَعَتْ رِيشَةُ فَنَّانٍ، أَوْ تَرَدَّدَتْ نَغْمَةُ مُوسِيقِيٍّ اتَّسَعَ الْوَطَنُ فِي الْقُلُوبِ، وَصَارَ أَقْرَبَ إِلَى الْحُضُورِ مِنْ أَيِّ حَدٍّ.

أَيُّهَا الْقَارِئُ الْكَرِيمُ، لَسْتُ أَدْعُوكَ الْيَوْمَ إِلَى قِرَاءَةِ نَصٍّ فَقَطْ، وَلَا إِلَى مُتَابَعَةِ كَلِمَاتٍ تَتَعَاقَبُ عَلَى صَفْحَةٍ، إِنَّمَا أَدْعُوكَ إِلَى رِحْلَةٍ قَصِيرَةٍ فِي مَكَانٍ طَوِيلِ الْحُضُورِ، إِلَى ذَاكِرَةٍ قَدْ تَكُونُ ذَاكِرَتِي، وَلَكِنَّهَا رُبَّمَا تُشْبِهُ ذَاكِرَتَكَ أَيْضًا.

فَكَمْ مِنْ مَكَانٍ مَرَرْنَا بِهِ فَظَنَنَّاهُ حَجَرًا، ثُمَّ اكْتَشَفْنَا بَعْدَ سِنِينَ أَنَّهُ كَانَ يَحْفَظُ أَسْمَاءَنَا!

وَكَمْ مِنْ وَجْهٍ عَابِرٍ فِي أَيَّامِنَا تَبَيَّنَ لَنَا فِيمَا بَعْدُ أَنَّهُ كَانَ جُزْءًا مِنْ حِكَايَتِنَا!

وَكَمْ مِنْ تَفْصِيلٍ صَغِيرٍ لَمْ نَلْتَفِتْ إِلَيْهِ وَنَحْنُ نَعِيشُهُ، ثُمَّ عَادَ إِلَيْنَا بَعْدَ سَنَوَاتٍ كَأَنَّهُ أَغْلَى مَا تَرَكْنَا الزَّمَنَ يَأْخُذُهُ مِنَّا.

لِذَلِكَ اسْمَحُوا لِي أيُّهَا القُرّاءُ أَنْ أَضَعَ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ حِكَايَةً قَصِيرَةً…حِكَايَةً لَا أَعِدُكُمْ فِيهَا بِأَحْدَاثٍ كَبِيرَةٍ، فَرُبَّمَا كَانَتْ أَبْسَطُ الْأَشْيَاءِ هِيَ الَّتِي تَحْمِلُ أَعْظَمَ الْمَعَانِي، هي حِكَايَة عَنْ مَكَانٍ، وَذَاكِرَةٍ، وَإِنْسَانٍ، وَعَنْ أَشْيَاءَ صَغِيرَةٍ كُنَّا نَظُنُّهَا تَمُرُّ، فَإِذَا بِهَا تَبْقَى.

فَاقْرَؤُوا مَعِي بِقَلْبِ مَنْ يَبْحَثُ عَنْ نَفْسِهِ فِي سُطُورِ الْآخَرِينَ، وَاتْرُكُوا لِلذَّاكِرَةِ أَنْ تَفْتَحَ أَبْوَابَهَا…فَرُبَّمَا وَأَنَا أَحْكِي لَكُمْ حِكَايَتِي تَسْتَيْقِظُ فِي دَاخِلِ أَحَدِكُمْ حِكَايَةٌ كَانَ يَظُنُّ أَنَّهُ نَسِيَهَا.

تَخَيَّلُوا أَنَّكُمْ تَسِيرُونَ وَحْدَكُمْ فِي شَارِعٍ فِلَسْطِينِيٍّ عِنْدَ هَدْأَةِ اللَّيْلِ، فَإِذَا بِجِدَارٍ قَدِيمٍ يَهْمِسُ لَكُمْ بِحِكَايَةٍ، فَلَا تَفْزَعُوا… وَلَا تَظُنُّوا أَنَّ الْخَيَالَ قَدْ غَلَبَ الْوَاقِعَ.

وَتَخَيَّلُوا أَنَّكُمْ جَلَسْتُمْ تَحْتَ صَحْنِ السَّمَاءِ، فَأَبْطَأَتْ نَجْمَةٌ فِي سَيْرِهَا، وَاقْتَرَبَتْ لِتَرْوِيَ لَكُمْ سِرًّا مِنْ أَسْرَارِ الْأَرْضِ، فَلَا تَتَعَجَّبُوا… فَفِي فِلَسْطِينَ حَتَّى النُّجُومُ تَعْرِفُ أَسْمَاءَ الْقُرَى.

وَإِذَا مَرَرْتُمْ بِقِنْدِيلٍ يَتَدَلَّى عَلَى بَابِ بَيْتٍ عَتِيقٍ، فَسَمِعْتُمُوهُ يُضِيءُ أَكْثَرَ مِمَّا يُنِيرُ، وَيَقُصُّ عَلَيْكُمْ سِيرَةَ مَنْ مَرُّوا مِنْ هُنَا، فَلَا تَبْحَثُوا عَنْ تَفْسِيرٍ لِذَلِكَ؛ لِأَنَّ فِي فِلَسْطِينَ الْأَشْيَاءَ تَعِيشُ مَعَنَا، وَتَحْفَظُنَا، وَتَرْوِي حِكَايَتَنَا، وَتَخَافُ عَلَيْنَا مِنَ النِّسْيَانِ.

وَإِذَا وَقَفْتُمْ يَوْمًا فِي بُسْتَانٍ، وَأَحْسَسْتُمْ أَنَّ بُرْتُقَالَةً تُنَادِيكُمْ، وَتَطْلُبُ مِنْكُمْ أَنْ تُنْصِتُوا إِلَيْهَا، فَلَا تَقُولُوا: لَقَدْ أَوْهَمَتْنَا الْقِرَاءَةُ، وَلَا تَقُولُوا: لَقَدْ جَنَحَ بِنَا الْخَيَالُ، فَأَنْتُمْ سَتَكُونُونَ قَدْ دَخَلْتُمْ فَضَاءَ الْأَدَبِ، إِذْ تَسْتَعِيدُ الْأَشْيَاءُ أَصْوَاتَهَا، وَتُصْبِحُ الذَّاكِرَةُ لُغَةً، وَيَغْدُو الصَّمْتُ كَلَامًا.

نَحْنُ الْيَوْمَ مَدْعُوُّونَ إِلَى أَنْ نُصْغِيَ إِلَى بُرْتُقَالَةٍ اخْتَارَتْ أَنْ تَكُونَ رَاوِيًا، وَإِلَى ذَاكِرَةٍ اخْتَارَتْ أَنْ تَتَجَسَّدَ فِي ثَمَرَةٍ، وَإِلَى وَطَنٍ قَرَّرَ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِلُغَةِ الْعِطْرِ وَاللَّوْنِ وَالْحَنِينِ.

وَلَيْسَ مِنَ السَّهْلِ أَنْ أَقِفَ الْيَوْمَ أَمَامَ كِتَابٍ يَحْمِلُ عُنْوَانًا يَبْدُو لِلْوَهْلَةِ الْأُولَى بَسِيطًا: «حَدَّثَنِي الْبُرْتُقَالُ، فَقَالَ»؛ لِأَنَّ الْعَنَاوِينَ الْعَظِيمَةَ هِيَ تِلْكَ الَّتِي تُرْبِكُ يَقِينَنَا قَبْلَ أَنْ نَفْتَحَ الصَّفْحَةَ الْأُولَى.

وَهَذَا الْعُنْوَانُ وَاحِدٌ مِنْ تِلْكَ الْعَنَاوِينِ الَّتِي تُقَدِّمُ نَفْسَهَا سُؤَالًا وُجُودِيًّا يَخْتَبِرُ عَلَاقَتَنَا بِالْأَشْيَاءِ، وَبِاللُّغَةِ، وَبِالْوَطَنِ.

فَكَيْفَ يُمْكِنُ لِلْبُرْتُقَالِ أَنْ يَتَحَدَّثَ؟

سَأُجِيبُكُمْ بِوَقْفَةٍ تَأَمُّلِيَّةٍ تُفَرِّقُ بَيْنَ الْإِنْسَانِ الْعَادِيِّ وَالْمُبْدِعِ.

اعْلَمُوا أَيُّهَا الْأَصْدِقَاءُ أَنَّ الْمُبْدِعَ لَا يَعْبُرُ الْأَشْيَاءَ كَمَا يَعْبُرُهَا النَّاسُ، فَهِيَ تَعْبُرُ إِلَيْهِ بِمَعَانٍ لَا يَرَاهَا سِوَاهُ، هِيَ جَوْهَرُ الْفَرْقِ بَيْنَ الْبَصَرِ وَالْبَصِيرَةِ.

فَالْإِنْسَانُ الْعَادِيُّ يَمُرُّ كُلَّ يَوْمٍ بِجَبَلٍ يَتَوَسَّطُ قَرْيَتَهُ، فَلَا يَرَى فِيهِ إِلَّا كُتْلَةً مِنْ صَخْرٍ وَتُرَابٍ، أَمَّا الْمُبْدِعُ فَيَرَى رَجُلًا وَاقِفًا عَلَى حِرَاسَةِ الزَّمَنِ، يَرْفَعُ هَامَتَهُ فِي وَجْهِ الرِّيَاحِ، وَيُعَلِّمُ الْأَرْضَ كَيْفَ يَكُونُ الثَّبَاتُ.

وَيُمْكِنُ الْقِيَاسُ عَلَى ذَلِكَ بِأَمْثِلَةٍ مُتَعَدِّدَةٍ تَزِيدُ الْفِكْرَةَ رُسُوخًا:

فَالْعَادِيُّ يَرَى شَجَرَةً… وَالْمُبْدِعُ يَرَى أُمًّا تَبْسُطُ أَغْصَانَهَا لِتُظَلِّلَ الْمَارَّةَ بِحَنَانِهَا.

وَالْعَادِيُّ يَسْمَعُ الْمَطَرَ… وَالْمُبْدِعُ يَسْمَعُهُ رَسَائِلَ السَّمَاءِ وَهِيَ تَعْتَذِرُ لِلْأَرْضِ عَنْ طُولِ الْغِيَابِ.

وَالْعَادِيُّ يَرَى نَافِذَةً… وَالْمُبْدِعُ يَرَاهَا عَيْنًا يَتَنَفَّسُ مِنْهَا الْبَيْتُ ضَوْءًا وَأَمَلًا.

وَالْعَادِيُّ يَرَى نَهْرًا… وَالْمُبْدِعُ يَرَاهُ قَصِيدَةً تَمْشِي عَلَى قَدَمَيِ الْمَاءِ.

وَالْعَادِيُّ يَرَى غُرُوبًا… وَالْمُبْدِعُ يَرَاهُ الشَّمْسَ وَهِيَ تَخْلَعُ تَاجَهَا الذَّهَبِيَّ لِتُفْسِحَ الْمَجَالَ لِنُجُومِ اللَّيْلِ.

وَالْعَادِيُّ يَرَى بُرْتُقَالَةً… وَالْمُبْدِعُ يَرَى شَمْسًا صَغِيرَةً اخْتَزَلَتْ دِفْءَ الْوَطَنِ وَعِطْرَ الذَّاكِرَةِ فِي قِشْرَةٍ وَاحِدَةٍ.

وَالْعَادِيُّ يَرَى الْقُدْسَ مَدِينَةً… وَالْمُبْدِعُ يَرَاهَا قَصِيدَةً مِنْ حَجَرٍ، وَمِئْذَنَةً تَكْتُبُ الدُّعَاءَ، وَجَرَسًا يُوقِظُ التَّارِيخَ مِنْ سُبَاتِهِ.

وَالْعَادِيُّ يَرَى الْبَابَ الْقَدِيمَ… وَالْمُبْدِعُ يَرَاهُ شَيْخًا يُخَبِّئُ خَلْفَ تَجَاعِيدِهِ أَلْفَ حِكَايَةٍ وَأَلْفَ عَائِدٍ لَمْ يَنْسَ الطَّرِيقَ.

وَلِهَذَا قِيلَ: إِنَّ الْمُبْدِعَ لَا يَصِفُ الْعَالَمَ كَمَا يَرَاهُ النَّاسُ، إِنَّمَا يُعِيدُ خَلْقَهُ بِالْكَلِمَةِ حَتَّى تُصْبِحَ الْأَشْيَاءُ أَكْثَرَ صِدْقًا فِي الْخَيَالِ مِنْهَا فِي الْوَاقِعِ.

وَأَنَا الْآنَ أَعْتَرِفُ لَكُمْ أَنَّنِي وَمُنْذُ اللَّحْظَةِ الْأُولَى الَّتِي أَمْسَكْتُ فِيهَا الْكِتَابَ شَعَرْتُ أَنَّنِي أَمَامَ مَشْرُوعٍ جَمَالِيٍّ يَسْعَى إِلَى إِعَادَةِ تَعْرِيفِ الْعَلَاقَةِ بَيْنَ الْإِنْسَانِ وَالْمَكَانِ، فَالْكَاتِبُ يَجْعَلُ الْوَطَنَ يَتَحَدَّثُ إِلَى الْإِنْسَانِ، وَهَذِهِ رُؤْيَةٌ فِكْرِيَّةٌ عَمِيقَةٌ تَنْقُلُنَا مِنْ تَمْثِيلِ الْمَكَانِ إِلَى الْإِصْغَاءِ إِلَيْهِ، وَمِنْ وَصْفِهِ إِلَى مُحَاوَرَتِهِ.

وَهُنَا يَبْدَأُ النَّصُّ فِي كَسْرِ الْعَادَةِ؛ لِأَنَّهُ صُنِعَ بِيَدِ مُبْدِعٍ لَا بِيَدِ إِنْسَانٍ عَادِيٍّ، فَمُنْذُ قُرُونٍ اعْتَادَتِ الْكِتَابَةُ الْعَرَبِيَّةُ أَنْ تَمْنَحَ الْإِنْسَانَ سُلْطَةَ الْكَلَامِ، وَتَجْعَلَ الطَّبِيعَةَ إِطَارًا صَامِتًا لِلْأَحْدَاثِ.

أَمَّا الصَّيْفِيُّ، فَيَقْلِبُ هَذِهِ الْمُعَادَلَةَ، إِنَّهُ يَنْقُلُ مَرْكَزَ الْخِطَابِ مِنَ الْإِنْسَانِ إِلَى الْأَرْضِ، وَمِنَ الذَّاتِ إِلَى الرَّمْزِ، وَمِنَ الرَّاوِي إِلَى الشَّاهِدِ، فَالْكَاتِبُ يَقُولُ لَنَا: لَقَدْ تَكَلَّمَ الْجَمِيعُ بِاسْمِ فِلَسْطِينَ: السِّيَاسِيُّ، وَالْمُؤَرِّخُ، وَالْخَطِيبُ، وَالشَّاعِرُ… أَمَا آنَ لِلْبُرْتُقَالِ أَنْ يَرْوِيَ حِكَايَتَهُ؟

هَذَا السُّؤَالُ هُوَ فِي تَقْدِيرِي الْمِفْتَاحُ الْحَقِيقِيُّ لِقِرَاءَةِ الْكِتَابِ.

وَيَطْرُقُ جُدْرَانَ ذَاكِرَتِي هُنَا نَصٌّ مِنْ كِتَابِهِ بِعُنْوَانِ: «أَحْلَامٌ خَضْرَاءُ»، وَفِيهِ يَقُولُ: «فِي الذَّاكِرَةِ ضِيَاءٌ لَا يَفْنَى أَوْ يَبِيدُ، وَلَوْ كَانَ الْجَسَدُ عَنِ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ مُهَجَّرًا وَبَعِيدًا.. لِكُلِّ وَقْتٍ سَنَابِلُ، وَلِكُلِّ دَرْبٍ قَوَافِلُ.. شَجَرُ الْحُبِّ يَنْمُو فِي الْأَكُفِّ، فِي أَحْشَاءِ السُّهُولِ، وَالرَّبِيعُ لَا يَجِفُّ فِي ذَاكِرَةِ الْحُقُولِ.. تَارِيخٌ وَبُلْدَانٌ، وَفِينَا أَحْلَامٌ خَضْرَاءُ تَسْكُنُ الشِّرْيَانَ».

أَيُّهَا الْحُضُورُ، أَتُصْغُونَ؟ إِنَّ الْمَسَاءَ يَحْمِلُ قِصَّةً… تُفِيضُ عَلَى الْأَرْوَاحِ سِحْرًا مُعَطَّرًا.

تَعَالَوْا نُفَتِّشْ فِي الْمَسَاءِ حِكَايَةً… تُعِيدُ إِلَيْنَا الْعُمْرَ غُصْنًا مُزَهِّرًا.

أَتَدْرُونَ كَمْ أَخْفَى الزَّمَانُ حَنِينَنَا؟ … وَكَمْ أَوْرَثَتْنَا الذِّكْرَيَاتُ تَحَيُّرًا؟

أَتُرَى إِذَا نَادَيْتُ يَافَا مَرَّةً… سَيُزْهِرُ فِي أَكُفِّنَا الْبُرْتُقَالُ مُبَكِّرًا؟

وَإِنْ قُلْتُ: مَنْ يُحْيِي الْحِكَايَةَ بَعْدَمَا… تَوَارَتْ؟ أَجَابَ الْبُرْتُقَالُ مُفَسِّرًا:

يُحْيِيهَا كِتَابُ «حَدِّثْنِي الْبُرْتُقَالُ، فَقَالَ».

إِذَا كَانَتِ الْقِرَاءَةُ النَّقْدِيَّةُ تَبْدَأُ عَادَةً مِنَ الْمَتْنِ، فَإِنَّ هَذَا الْكِتَابَ يَفْرِضُ عَلَيْنَا أَنْ نَبْدَأَ مِنَ الْعَتَبَةِ الْأُولَى؛ لِأَنَّ الْعُنْوَانَ هُوَ النَّصُّ الْأَوَّلُ فِي الْكِتَابِ، وَأَوَّلُ عَقْدٍ تَأْوِيلِيٍّ يَعْقِدُهُ الْكَاتِبُ مَعَ قَارِئِهِ.

لِلْوَهْلَةِ الْأُولَى قَدْ يَظُنُّ الْقَارِئُ أَنَّ الْكَاتِبَ يَسْتَعِيرُ أُسْلُوبًا بَلَاغِيًّا مَأْلُوفًا يَقُومُ عَلَى التَّشْخِيصِ، أَيْ إِضْفَاءِ صِفَاتِ الْإِنْسَانِ عَلَى الْجَمَادِ، وَهُوَ أُسْلُوبٌ عَرَفَهُ الشِّعْرُ الْعَرَبِيُّ مُنْذُ الْقَدِيمِ، غَيْرَ أَنَّ التَّوَقُّفَ قَلِيلًا أَمَامَ تَرْكِيبِ الْعُنْوَانِ يَكْشِفُ أَنَّ الْأَمْرَ أَبْعَدُ مِنْ ذَلِكَ بِكَثِيرٍ.

فَالْكَاتِبُ لَمْ يَقُلْ: «تَحَدَّثَ الْبُرْتُقَالُ»، وَلَمْ يَقُلْ: «قَالَ الْبُرْتُقَالُ»، إِنَّمَا اخْتَارَ صِيغَةَ الْحِوَارِ:

«حَدَّثَنِي الْبُرْتُقَالُ… فَقَالَ»، وَهَذِهِ الصِّيغَةُ تُؤَسِّسُ مُنْذُ الْبِدَايَةِ لِعَلَاقَةٍ تَقُومُ عَلَى الْإِصْغَاءِ قَبْلَ الْكَلَامِ، لِيَجْلِسَ الْكَاتِبُ فِي مَوْقِعِ الْمُسْتَمِعِ.

لَقَدْ تَنَازَلَ الْمُؤَلِّفُ عَنْ سُلْطَةِ الرَّاوِي، وَهَذَا تَنَازُلٌ نَادِرٌ فِي الْأَدَبِ.

فَالْكَاتِبُ فِي الْغَالِبِ يُرِيدُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الَّذِي يُفَسِّرُ الْعَالَمَ، بَيْنَمَا يَفْعَلُ الصَّيْفِيُّ الْعَكْسَ؛ إِنَّهُ يَمْنَحُ الْعَالَمَ فُرْصَةً لِيُفَسِّرَ الْإِنْسَانَ فِي مَوْقِفٍ مَعْرِفِيٍّ كَامِلٍ.

إِنَّهُ إِعْلَانٌ ضِمْنِيٌّ بِأَنَّ الْأَرْضَ تَعْرِفُ عَنْ نَفْسِهَا أَكْثَرَ مِمَّا نَعْرِفُ نَحْنُ عَنْهَا.

وَمِنْ هُنَا يَتَغَيَّرُ سُؤَالُ الْقِرَاءَةِ، فَنَحْنُ لَا نَسْأَلُ: مَاذَا أَرَادَ الْكَاتِبُ أَنْ يَقُولَ؟

إِنَّنَا سَنَسْأَلُ: لِمَاذَا اخْتَارَ أَنْ يَصْمُتَ قَلِيلًا حَتَّى يَتَكَلَّمَ الْبُرْتُقَالُ؟

إِنَّ هَذَا الصَّمْتَ هُوَ أَعْلَى دَرَجَاتِ الْحُضُورِ؛ لِأَنَّ الْكَاتِبَ يُدْرِكُ أَنَّ النَّصَّ الْعَظِيمَ لَا يَحْتَلُّ كُلَّ الْمَسَاحَاتِ، وَإِنَّمَا يَتْرُكُ فَرَاغَاتٍ يَتَسَلَّلُ مِنْهَا الْقَارِئُ.

وَلِهَذَا فَإِنَّ الْقَارِئَ فِي هَذَا الْكِتَابِ يَشْعُرُ بِأَنَّهُ يُشَارِكُ فِي بِنَائِهِ.

إِنَّهُ يَدْخُلُ فِي حِوَارٍ مَعَ الْبُرْتُقَالِ، وَمَعَ الْكَاتِبِ، وَمَعَ ذَاكِرَتِهِ الشَّخْصِيَّةِ فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ.

وَهُنَا تَتَحَقَّقُ إِحْدَى أَهَمِّ وَظَائِفِ الْأَدَبِ بِأَنْ يَجْعَلَ الْقَارِئَ شَرِيكًا فِي إِنْتَاجِ الْمَعْنَى، لَا مُسْتَهْلِكًا لَهُ.

وَلَعَلَّ السُّؤَالَ الَّذِي يَفْرِضُ نَفْسَهُ بَعْدَ ذَلِكَ هُوَ: لِمَاذَا الْبُرْتُقَالُ؟

وَلِمَاذَا لَمْ يَخْتَرِ الْكَاتِبُ الزَّيْتُونَ، وَهُوَ الرَّمْزُ الْأَكْثَرُ حُضُورًا فِي الْأَدَبِ الْفِلَسْطِينِيِّ؟

إِنَّنِي أَعْتَقِدُ أَنَّ الْإِجَابَةَ تَكْمُنُ فِي طَبِيعَةِ الدَّلَالَةِ.

فَالزَّيْتُونُ رَمْزٌ لِلصُّمُودِ، أَمَّا الْبُرْتُقَالُ فَهُوَ رَمْزٌ لِلْحَيَاةِ.

وَالزَّيْتُونُ شَجَرَةٌ تُقَاوِمُ، أَمَّا الْبُرْتُقَالُ فَهُوَ شَجَرَةٌ تُغْرِي بِالْحَيَاةِ، فَرَائِحَتُهُ ذَاكِرَةٌ.

وَلَوْنُهُ شَمْسٌ صَغِيرَةٌ مُعَلَّقَةٌ عَلَى الْأَغْصَانِ.

وَثَمَرَتُهُ تَارِيخٌ اقْتِصَادِيٌّ وَثَقَافِيٌّ وَاجْتِمَاعِيٌّ ارْتَبَطَ بِفِلَسْطِينِ مُنْذُ قُرُونٍ، وَلِهَذَا فَإِنَّ الْبُرْتُقَالَ يَحْمِلُ طَبَقَاتٍ مِنَ الدَّلَالَةِ لَا تَقِلُّ عُمْقًا عَنِ الزَّيْتُونِ، لَكِنَّهَا أَقَلُّ اسْتِهْلَاكًا فِي الْخِطَابِ الْأَدَبِيِّ، وَهُوَ مَا مَنَحَ الْكَاتِبَ فُرْصَةً لِيُعِيدَ اكْتِشَافَ الرَّمْزِ دُونَ أَنْ يُكَرِّرَ اسْتِعْمَالَهُ.

وَنَقْرَأُ لَهُ نَصَّ «أَحْمَدُ يُغَنِّي»، إِذْ يَقُولُ:

«أَحْمَدُ يُغَنِّي لِلْحَيَاةِ، لِلْأَحْلَامِ الضَّائِعَاتِ، لِوُجُوهِ الْقَصَائِدِ اللَّذِيذَاتِ، لِأَرْغِفَةِ الْفُقَرَاءِ الْيَابِسَاتِ، لِلْأَمْسِيَاتِ الصَّادِحَاتِ بِالْأُمْنِيَّاتِ.. أَحْمَدُ يَخْتَبِئُ بَيْنَ حُرُوفِهِ بَرْقٌ وَأَمْطَارٌ، تَخْتَبِئُ تَرَاتِيلُ تَضِجُّ بِالْأَشْعَارِ وَالْأَنْوَارِ.. تَتَدَلَّى فِي وَجْهِ الْحُرُوفِ يَمَامَاتٌ، سَنَابِلُ وَأَثْمَارٌ».

أَيُّهَا الْحُضُورُ الْكَرِيمُ، عِنْدَمَا يُذْكَرُ الْبُرْتُقَالُ فِي الْأَدَبِ الْفِلَسْطِينِيِّ لَا يُمْكِنُ لِذَاكِرَتِنَا الثَّقَافِيَّةِ أَنْ تَتَجَاوَزَ غَسَّانَ كَنَفَانِي.

فَمُنْذُ نَشْرِ مَجْمُوعَتِهِ الْخَالِدَةِ «أَرْضُ الْبُرْتُقَالِ الْحَزِينِ» أَصْبَحَ الْبُرْتُقَالُ عَلَامَةً ثَقَافِيَّةً تَخْتَزِنُ مَعْنَى الْفَقْدِ، وَبَاتَ رَمْزًا لِلْبَيْتِ الَّذِي أُغْلِقَ بَابُهُ عَلَى أَهْلِهِ، وَلِلْحُقُولِ الَّتِي بَقِيَتْ تَنْتَظِرُ أَصْحَابَهَا.

كَانَ الْبُرْتُقَالُ عِنْدَ كَنَفَانِي ثَمَرَةً يَقْطُرُ مِنْهَا الْحَنِينُ، وَكَانَتْ رَائِحَتُهُ مُرَادِفًا لِمَرَارَةِ الْمَنْفَى، حَتَّى بَكَتِ الْبَيَّارَاتُ الْفِلَسْطِينِيَّةُ أَبْنَاءَهَا.

غَيْرَ أَنَّ السُّؤَالَ الَّذِي يَفْرِضُ نَفْسَهُ الْيَوْمَ هُوَ: هَلْ بَقِيَ الْبُرْتُقَالُ الْفِلَسْطِينِيُّ أَسِيرَ تِلْكَ الدَّلَالَةِ الْوَاحِدَةِ؟

إِنَّ قِرَاءَةَ الصَّيْفِيِّ تُجِيبُ بِالنَّفْيِ، فَالْكَاتِبُ لَا يُكَرِّرُ الرَّمْزَ، وَلَا يَسْتَعِيرُ مَكَانَتَهُ التَّارِيخِيَّةَ فِي الْأَدَبِ الْفِلَسْطِينِيِّ، إِنَّمَا يُعِيدُ تَشْكِيلَهُ مِنَ الدَّاخِلِ.

إِنَّهُ حَتْمًا لَا يَنْفِي الْحُزْنَ، لَكِنَّهُ يَرْفُضُ أَنْ يَكُونَ الْحُزْنُ آخِرَ مَا يَقُولُهُ الْبُرْتُقَالُ.

وَهُنَا تَكْمُنُ أَجْمَلُ سِمَاتِ هَذَا الْعَمَلِ؛ إِذْ يَنْتَقِلُ الرَّمْزُ مِنْ جَعْلِهِ أَثَرًا لِلنَّكْبَةِ وَالْفَقْدِ إِلَى اعْتِمَادِهِ أَدَاةً لِاسْتِعَادَةِ الذَّاكِرَةِ وَالْأَمَلِ.

إِنَّنَا لَا نُغَادِرُ غَسَّانَ كَنَفَانِي، لَكِنَّنَا نَتَحَاوَرُ مَعَهُ، فَكِتَابُ الصَّيْفِيِّ لَا يَقِفُ فِي مُوَاجَهَةِ «أَرْضِ الْبُرْتُقَالِ الْحَزِينِ»، وَإِنَّمَا يُوَاصِلُ رِحْلَتَهَا مِنْ زَاوِيَةٍ أُخْرَى.

وَإِذَا كَانَ كَنَفَانِي قَدْ كَتَبَ الْبُرْتُقَالَ وَهُوَ يُغَادِرُ الْوَطَنَ، فَإِنَّ الصَّيْفِيَّ يَكْتُبُ الْبُرْتُقَالَ وَهُوَ يُعِيدُ الْوَطَنَ إِلَى اللُّغَةِ.

لِذَلِكَ شَعَرْتُ وَأَنَا أَقْرَأُ هَذَا الْعَمَلَ أَنَّ الْبُرْتُقَالَ الَّذِي بَكَى فِي نُصُوصِ كَنَفَانِي قَدْ طَالَ صَمْتُهُ حَتَّى جَاءَ هَذَا الْكِتَابُ لِيَمْنَحَهُ أَخِيرًا حَقَّ الْكَلَامِ.

وَأَسْتَحْضِرُ هُنَا مَا كَتَبَهُ الصَّيْفِيُّ فِي نَصِّهِ «تَقُولُ يَافَا»، إِذْ قَالَ: «عَبَثًا تُحَاوِلُ عِتَابَ الْأَيَّامِ بِالْكَلِمَةِ بِالْأَنْغَامِ، كَمْ بَعْثَرْنَا مِنَ الْأَحْلَامِ، وَكُنَّا مِنَ الصَّابِرِينَ الصُّوَّامِ، لَيْلٌ بِلَوْنِ الْعَذَابِ، وَشَبَابٌ مَسْكُونٌ بِالْعَنَاكِبِ وَالسَّرَابِ، خَرِيفٌ قَدْ أَتَى مَذْعُورًا، فِي الْقَاعِ تَئِنُّ الْجُذُورُ.. تَقُولُ يَافَا: لَا بُدَّ مِنْ فَرَحٍ يَدُقُّ الْأَبْوَابَ، أَوْ قَمَرٍ يُوَافِي بَعْدَ طُولِ اغْتِرَابٍ».

إِنَّ الصَّيْفِيَّ يَكْتُبُ لِأَنَّهُ ابْنُ ِبِيئَةٍ تَعْرِفُ قِيمَةَ الْأَرْضِ، وَتُؤْمِنُ بِأَنَّ الثَّقَافَةَ شَكْلٌ مِنْ أَشْكَالِ الْبَقَاءِ، وَهَذِهِ السِّمَةُ تَظْهَرُ بِوُضُوحٍ فِي كِتَابِهِ، فَهُوَ لَا يَسْتَعْرِضُ ثَقَافَتَهُ، وَلَا يُثْقِلُ النَّصَّ بِالْإِحَالَاتِ، لَكِنَّهُ يَجْعَلُ الثَّقَافَةَ تَتَسَلَّلُ فِي هُدُوءٍ إِلَى بِنْيَةِ الصُّورَةِ وَإِيقَاعِ الْجُمْلَةِ وَاخْتِيَارِ الرَّمْزِ.

وَهَذَا مَا يُفَسِّرُ غَلَبَةَ النَّزْعَةِ الْحِوَارِيَّةِ فِي نُصُوصِهِ؛ فَهُوَ لَا يُخَاطِبُ الْقَارِئَ مِنْ عَلٍ، وَلَا يَفْرِضُ عَلَيْهِ نَتَائِجَ جَاهِزَةً، بِقَدْرِ مَا يَتْرُكُ لَهُ مَسَاحَةً وَاسِعَةً لِلْمُشَارَكَةِ فِي إِنْتَاجِ الْمَعْنَى. فَكُلُّ صُورَةٍ تَطْرَحُ سُؤَالًا، وَكُلُّ رَمْزٍ يَفْتَحُ بَابًا لِلتَّأْوِيلِ، وَكُلُّ نَصٍّ يَدْعُونَا إِلَى إِكْمَالِهِ مِنْ دَاخِلِ ذَاكِرَتِنَا نَحْنُ.

مِنْ هُنَا، فَإِنَّنِي لَا أَرَى هَذَا الْكِتَابَ كِتَابَ خَوَاطِرَ كَمَا قَدْ يَتَبَادَرُ إِلَى الذِّهْنِ عِنْدَ النَّظْرَةِ الْأُولَى؛ لِأَنَّ الْخَاطِرَةَ غَالِبًا مَا تَكُونُ ابْنَةَ اللَّحْظَةِ، بَيْنَمَا هَذَا الْعَمَلُ ابْنُ مَشْرُوعٍ وِجْدَانِيٍّ مُتَكَامِلٍ.

إِنَّهُ يَنْسُجُ عَالَمًا تَتَجَاوَرُ فِيهِ الشَّذْرَةُ الشِّعْرِيَّةُ مَعَ التَّأَمُّلِ الْفَلْسَفِيِّ، وَتَتَآخَى فِيهِ اللُّغَةُ الْوِجْدَانِيَّةُ مَعَ الْوَعْيِ الثَّقَافِيِّ حَتَّى يُصْبِحَ الْكِتَابُ أَقْرَبَ إِلَى سِيرَةٍ رَمْزِيَّةٍ لِفِلَسْطِينَ تَكْتُبُهَا الْأَشْيَاءُ الَّتِي بَقِيَتْ تَحْفَظُ أَسْمَاءَ أَصْحَابِهَا.

وَلَعَلَّ هَذَا مَا يَجْعَلُ «حَدَّثَنِي الْبُرْتُقَالُ، فَقَالَ» كِتَابًا يَطْلُبُ مِنْ قَارِئِهِ أَكْثَرَ مِمَّا يَمْنَحُهُ، فَهُوَ يُطَالِبُ قَارِئَهُ بِأَنْ يُصْغِيَ، وَأَنْ يُعِيدَ النَّظَرَ فِي عَلَاقَتِهِ بِالْمَكَانِ، وَبِالرَّمْزِ، وَبِالْكَلِمَةِ.

إِنَّهُ كِتَابٌ يَفْتَحُ أَسْئِلَةً مُؤَجَّلَةً عَنْ مَعْنَى الْوَطَنِ، وَعَنْ قُدْرَةِ الْأَدَبِ عَلَى أَنْ يَمْنَحَ الْأَشْيَاءَ صَوْتًا عِنْدَمَا تَعْجِزُ الْأَصْوَاتُ الْبَشَرِيَّةُ عَنْ حَمْلِ الذَّاكِرَةِ.

وَيَحْضُرُ هُنَا نَصُّ «أَرَانِي أُقَبِّلُ»، فَيَقُولُ: «حُلْمِي بِلَا حُدُودٍ، حُلْمِي أَنْ أَعُودَ، ظِلِّي قَائِمٌ، وَجَذْرِي حَيٌّ مَوْجُودٌ.. أَحْمِلُ عَلَى ظَهْرِي قَصَائِدِي الْخَائِفَةَ، أَصْوَاتَ أَنَاشِيدِي الرَّاجِفَةَ.. تَعْرِفُنِي تِلْكَ السُّهُولُ وَالْغَابَاتُ، تَبْتَسِمُ لِي تِلْكَ النَّجَمَاتُ، أَنْثُرُ أَشْوَاقِي فِي كُلِّ الْمَسَافَاتِ، أَنْقُشُ اسْمِي عَلَى وَجْهِ الصَّبَاحِ، أَرَانِي أُقَبِّلُ الْكَلِمَاتِ الْحَالِمَاتِ».

وَمَنْ يَتَأَمَّلْ نُصُوصَهُ يَلْحَظْ سَرِيعًا أَنَّ لُغَتَهُ تَقُومُ عَلَى الِاقْتِصَادِ الدَّلَالِيِّ، فَهُوَ يَكْتُبُ جُمَلًا تَبْدُو سَهْلَةً، لَكِنَّهَا تَحْمِلُ طَبَقَاتٍ مُتَعَدِّدَةً مِنَ الْمَعْنَى، بِحَيْثُ يَسْتَطِيعُ الْقَارِئُ الْعَادِيُّ أَنْ يَتَذَوَّقَهَا، بَيْنَمَا يَجِدُ الْقَارِئُ الْمُتَخَصِّصُ نَفْسَهُ مَدْعُوًّا إِلَى تَأْوِيلِهَا مِنْ جَدِيدٍ.

وَهَذِهِ الْقُدْرَةُ عَلَى الْجَمْعِ بَيْنَ الْبَسَاطَةِ وَالْعُمْقِ هِيَ مَهَارَةٌ أُسْلُوبِيَّةٌ، وَعَلَامَةٌ مِنْ عَلَامَاتِ النُّضْجِ الْإِبْدَاعِيِّ.

وَيَظْهَرُ هَذَا فِي نَصِّهِ «أَجْمَعُ فَرَاشَاتِ الْحُقُولِ»، فَيَقُولُ: «مَا بَيْنَ الْيَوْمِ وَالْيَوْمِ مَرْفَأٌ وَسَفِينَةٌ، رَحِيلُ ذِكْرَى وَمَدِينَةٍ، تَزْدَادُ أَغَانِينَا جِرَاحًا وَحَنِينًا.. لَنْ أَكْسِرَ غُصْنَ تِلْكَ الشَّجَرَةِ، وَإِنْ تَقَوَّسَ ظَهْرُ تِلْكَ الْفِكْرَةِ.. سَأَبْقَى أَهْتِفُ لِكُلِّ جَمِيلٍ، أُحَلِّقُ فَوْقَ النَّخِيلِ، أَجْمَعُ فَرَاشَاتِ الْحَقْلِ وَنُجُومَ اللَّيْلِ الطَّوِيلِ».

بَعْدَ أَنْ فَرَغْتُ مِنْ قِرَاءَةِ هَذَا الْكِتَابِ، لَمْ يَكُنِ السُّؤَالُ الَّذِي اسْتَقَرَّ فِي ذِهْنِي: هَلْ أَعْجَبَنِي الْكِتَابُ؟ فَذَلِكَ سُؤَالٌ انْطِبَاعِيٌّ، وَالْإِعْجَابُ مَوْقِفٌ شَخْصِيٌّ لَا يَكْفِي لِبِنَاءِ حُكْمٍ نَقْدِيٍّ.

السُّؤَالُ الَّذِي شَغَلَنِي كَانَ أَكْثَرَ عُمْقًا:

هَلِ اسْتَطَاعَ هَذَا الْكِتَابُ أَنْ يُضِيفَ شَيْئًا إِلَى الْأَدَبِ الْفِلَسْطِينِيِّ؟

لِأَنَّ الْكُتُبَ مَهْمَا بَلَغَتْ مِنْ جَمَالِ اللُّغَةِ لَا تَعِيشُ طَوِيلًا إِذَا اكْتَفَتْ بِإِعَادَةِ مَا قِيلَ، أَوْ إِذَا اكْتَفَتْ بِإِتْقَانِ مَا هُوَ مَأْلُوفٌ.

فَالْأَدَبُ الْحَقِيقِيُّ يُقَاسُ بِقُدْرَتِهِ عَلَى أَنْ يَدْخُلَ فِي حِوَارٍ مَعَ التُّرَاثِ، وَأَنْ يُضِيفَ إِلَيْهِ زَاوِيَةَ نَظَرٍ جَدِيدَةً.

وَمِنْ هُنَا، فَإِنَّ الْقِيمَةَ الْمُتَفَرِّدَةَ لِهَذَا الْكِتَابِ لَا تَكْمُنُ فِي مَوْضُوعِهِ، لِأَنَّ فِلَسْطِينَ كُتِبَ عَنْهَا كَثِيرًا، وَلَا فِي رَمْزِهِ، لِأَنَّ الْبُرْتُقَالَ سَبَقَ أَنْ احْتَلَّ مَكَانَتَهُ فِي الْوِجْدَانِ الْفِلَسْطِينِيِّ، وَإِنَّمَا تَكْمُنُ فِي طَرِيقَةِ النَّظَرِ.

لَقَدْ أَعَادَ الصَّيْفِيُّ تَرْتِيبَ الْعَلَاقَةِ بَيْنَ الْإِنْسَانِ وَالْوَطَنِ؛ فَالْوَطَنُ بَاتَ ذَاتًا تَكْتُبُ نَفْسَهَا، كَمَا أَصْبَحَ الْكَاتِبُ مُنْصِتًا إِلَى الْأَرْضِ.

وَهَذَا التَّحَوُّلُ هُوَ تَحَوُّلٌ فِي فَلْسَفَةِ الْكِتَابَةِ إِلَى جَانِبِ التَّحَوُّلِ الْفَنِّيِّ.

لَقَدِ اعْتَدْنَا فِي كَثِيرٍ مِنْ نُصُوصِ الْأَدَبِ الْوَطَنِيِّ أَنْ تَكُونَ اللُّغَةُ مَحْكُومَةً بِرِسَالَةٍ مُسْبَقَةٍ، فَهِيَ تُرِيدُ أَنْ تُدِينَ، أَوْ أَنْ تُحَرِّضَ، أَوْ أَنْ تُقْنِعَ، أَوْ أَنْ تُوَثِّقَ، وَلِذَلِكَ كَثِيرًا مَا تَطْغَى الرِّسَالَةُ عَلَى الْفَنِّ، فَيَتَحَوَّلُ النَّصُّ إِلَى بَيَانٍ مَهْمَا بَلَغَتْ حَرَارَةُ عَاطِفَتِهِ.

أَمَّا الصَّيْفِيُّ، فَقَدِ اخْتَارَ طَرِيقًا أَكْثَرَ صُعُوبَةً…لَقَدْ رَاهَنَ عَلَى الْجَمَالِ.

وَرُبَّمَا لَا يُدْرِكُ كَثِيرُونَ أَنَّ الْجَمَالَ فِي الْأَدَبِ الْفِلَسْطِينِيِّ هُوَ ضَرُورَةٌ وُجُودِيَّةٌ؛ لِأَنَّ مَنْ يُحَاوِلُ اقْتِلَاعَ الْإِنْسَانِ مِنْ أَرْضِهِ، لَا يَكْتَفِي بِاقْتِلَاعِ الْحَجَرِ، إنّما يُحَاوِلُ أَنْ يَمْحُوَ صُورَتَهُ مِنَ الذَّاكِرَةِ، وَصَوْتَهُ مِنَ الْحِكَايَةِ، وَمَعْنَاهُ مِنَ الْوُجُودِ.

وَهُنَا يَأْتِي الْأَدَبُ لِيَقُولَ: لَيْسَ لَنَا أَنْ نَبْقَى فِي مَوَاجَهَةِ الْفَقْدِ بِالْوَجَعِ وَحْدَهُ، فَنَحْنُ نُقَاوِمُ أَيْضًا بِالْجَمَالِ، لِأَنَّ الْجَمَالَ يَحْفَظُ مَا يُرَادُ لَهُ أَنْ يَضِيعَ، وَيَمْنَحُ الْغَائِبَ حُضُورًا، وَيَحُولُ دُونَ أَنْ تَكُونَ الْذَّاكِرَةُ أَرْشِيفًا لِلْمَاضِي فَقَطْ؛ فهوَ يَجْعَلُهَا طَاقَةً لِصِنَاعَةِ الْمُسْتَقْبَلِ.

فَمَا قِيمَةُ أَنْ نَقُولَ إِنَّ لَنَا أَرْضًا إِذَا لَمْ نَقُلْ كَيْفَ كَانَتْ رَائِحَةُ تُرَابِهَا بَعْدَ الْمَطَرِ؟ وَمَا قِيمَةُ أَنْ نَحْفَظَ أَسْمَاءَ الْمُدُنِ إِذَا لَمْ نَحْفَظْ أَصْوَاتَ أَسْوَاقِهَا، وَظِلَالَ أَشْجَارِهَا، وَرَائِحَةَ خُبْزِهَا، وَحَكَايَاتِ أَهْلِهَا؟

إِنَّ الْجَمَالَ فِي هَذَا السِّيَاقِ يُنْقِذُ الْحَقِيقَةَ مِنْ أَنْ تَتَحَوَّلَ إِلَى رَقْمٍ فِي تَارِيخٍ، وَيُعِيدُ إِلَى الْوَطَنِ وَجْهَهُ الْإِنْسَانِيَّ، وَلِذَلِكَ نَكْتُبُ، وَنَشْعُرُ، وَنُغَنِّي، وَنَرْسُمُ لِنَمْنَعَ الْوَاقِعَ مِنْ أَنْ يَسْرِقَ مِنَّا حَقَّنَا فِي أَنْ نَرَاهُ جَمِيلًا، وَأَنْ نَحْلُمَ، وَأَنْ نَقُولَ لِلْعَالَمِ: هَذِهِ أَرْضُنَا، وَهَذِهِ ذَاكِرَتُنَا، وَهَذَا جَمَالُنَا الَّذِي لَمْ تَسْتَطِعِ الْأَيَّامُ أَنْ تَقْتَلِعَهُ.

وَيَتَجَلَّى ذَلِكَ فِي نَصِّهِ «غَنّى الْكَنْعَانِيِّ»، وَالَّذِي يَقُولُ فِيهِ: «قَدِيمًا غَنَّى الْكَنْعَانِيُّ لِلْأَرْضِ وَالْمِنْجَلِ، لِلْمِحْرَاثِ وَالْمِعْوَلِ، لِلْبَحْرِ وَالنَّهْرِ، لِلْحَقْلِ وَالسَّهْلِ، لِلنَّجْمِ وَالْغَيْمِ، لِلْعِشْقِ وَالصِّدْقِ، لِعُنْقُودِ الدَّوَالِي وَبَسْمَةِ أَطْفَالِي، يَرْجِعُ صَدَى تَرْنِيمَةٍ، لِبَيْتِ لَحْمٍ الْقَدِيمَةِ، لِحَارَاتِهَا الْكَلِيمَةِ.. عَصَافِيرُ غَطَّاهَا السُّرُورُ، صَوْتُ عَاشِقٍ قَدِيمٍ، يَدُقُّ أَجْرَاسًا، يَدُقُّ أَجْرَاسًا، وَعِطْرُ الْبُرْتُقَالِ نَشِيدُهُ وَالتَّرَانِيمُ».

أَرَأَيْتُمْ بُرْتُقَالَةً تَرْوِي لَنَا… سِفْرًا مِنَ الْأَوْطَانِ وَالْأَزْمَانِ؟

سَلُوهَا… فَإِنَّ الْحُبَّ يَحْفَظُ سِرَّهُ… وَالْعِطْرُ يَكْتُبُ سِيرَةَ الْإِنْسَانِ.

قُولُوا لَهَا: مَا بَالُ عِطْرِكِ شَاهِدًا؟ … فَتَقُولُ: إِنِّي جَنَّةُ الْأَوْطَانِ.

لَقَدِ اسْتَطَاعَ الْكَاتِبُ أَنْ يُحَرِّرَ الْبُرْتُقَالَ مِنْ حُدُودِهِ الطَّبِيعِيَّةِ، وَأَنْ يَنْقُلَهُ مِنْ كَوْنِهِ ثَمَرَةً إِلَى كَوْنِهِ عَلَامَةً ثَقَافِيَّةً نَابِضَةً بِالْحَيَاةِ، تَحْمِلُ ذَاكِرَةَ الْمَكَانِ، وَتَخْتَزِنُ مَلَامِحَ الْإِنْسَانِ، وَتُؤَنْسِنُ الْأَشْيَاءَ حَتَّى تَغْدُوَ شَرِيكَةً فِي بِنَاءِ الْمَعْنَى، وَيُصْبِحَ الْبُرْتُقَالُ بِنْيَةً دَلَالِيَّةً مَفْتُوحَةً، تَتَوَالَدُ مَعَانِيهَا كُلَّمَا تَغَيَّرَ الْقَارِئُ، وَاتَّسَعَتْ خِبْرَتُهُ، وَتَجَدَّدَتْ قِرَاءَتُهُ.

وَلِذَلِكَ، فَإِنَّنِي لَا أُرِيدُ أَنْ أَخْتِمَ هَذِهِ الْقِرَاءَةَ بِإِجَابَةٍ، لِأَنَّ النُّصُوصَ الْجَمِيلَةَ لَا تُغْلَقُ، وَإِنَّمَا تَظَلُّ مُشْرَعَةً عَلَى احْتِمَالَاتِ التَّأْوِيلِ.

سَأَكْتَفِي بِسُؤَالٍ أَظُنُّهُ سَيَبْقَى يَتَرَدَّدُ فِي وِجْدَانِ كُلِّ مَنْ يَقْرَأُ هَذَا الْكِتَابَ: إِذَا كَانَ الْبُرْتُقَالُ قَدْ تَكَلَّمَ، فَمَا الْأَشْيَاءُ الْأُخْرَى الَّتِي مَا زَالَتْ تَنْتَظِرُ مَنْ يُحْسِنُ الْإِصْغَاءَ إِلَيْهَا؟

فَرُبَّمَا لَمْ يَكُنِ السُّؤَالُ عَنِ الْبُرْتُقَالِ أَصْلًا، رُبَّمَا كَانَ عَنَّا نَحْنُ، عَنْ قُدْرَتِنَا عَلَى أَنْ نَتَوَقَّفَ قَلِيلًا، وَأَنْ نُصْغِيَ إِلَى مَا تَعَوَّدْنَا أَنْ نَمُرَّ بِهِ دُونَ أَنْ نَرَاهُ.

فَكَمْ مِنْ شَجَرَةٍ وَقَفَتْ فِي مَكَانِهَا سِنِينَ، وَكَانَتْ تَعْرِفُ عَنَّا مَا نَسِينَاهُ نَحْنُ؟ وَكَمْ مِنْ بَيْتٍ أَغْلَقْنَا بَابَهُ، وَظَلَّ يَحْفَظُ خُطَى أَهْلِهِ، وَضَحِكَاتِهِمْ، وَأَسْمَاءَهُمْ، وَأَسْرَارَ أَيَّامِهِمْ؟ وَكَمْ مِنْ حَجَرٍ ظَنَنَّاهُ صَامِتًا، وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ أَقْدَمُ شَاهِدٍ عَلَى مَا حَدَثَ؟

وَإِذَا كَانَتِ الْأَشْيَاءُ تَمْتَلِكُ حِكَايَاتٍ، فَلِمَاذَا نَظُنُّ أَنَّ الصَّمْتَ دَلِيلُ الْفَرَاغِ؟ أَلَيْسَ رُبَّ صَمْتٍ يَحْمِلُ مِنَ الْمَعْنَى مَا لَا تَحْمِلُهُ خُطَبٌ طَوِيلَةٌ؟ وَأَلَيْسَتِ الْمهمَّةُ الْأَصْعَبُ فِي أَنْ نَجِدَ مَنْ يُحْسِنُ الْإِصْغَاءَ؟

لَعَلَّ الْبُرْتُقَالَ لَمْ يَكُنْ أَوَّلَ مَنْ تَكَلَّمَ؛ لَعَلَّهُ كَانَ أَوَّلَ مَنْ مَنَحْنَاهُ فُرْصَةً لِيُسْمَعَ.

وَرُبَّمَا كَانَتْ فِلَسْطِينُ كُلُّهَا تَنْتَظِرُ مَنْ يُصْغِي إلى زَيْتُونَة تَحْفَظُ سِيرَةَ الْأَجْدَادِ، وَمِفْتَاح يَحْفَظُ شَكْلَ بَابٍ لَمْ يَعُدْ مَكَانُهُ، وَحَجَر يَحْفَظُ خُطُوَاتِ مَنْ مَرُّوا، وَأُغْنِيَة تَحْمِلُ صَوْتَ مَنْ رَحَلُوا، وَأُمّ مَا زَالَتْ تَحْفَظُ فِي ذَاكِرَتِهَا أَسْمَاءَ أَمَاكِنَ لَمْ تَعُدْ عَلَى الْخَرَائِطِ.

فَإِذَا كَانَ الْبُرْتُقَالُ قَدْ تَكَلَّمَ، فَلَا تُسَارِعُوا إِلَى إِغْلَاقِ الْكِتَابِ، فالسُّؤَالُ الْحَقِيقِيُّ قَدْ بَدَأَ الْآنَ:

مَنْ سَيُصْغِي إِلَى الزَّيْتُونِ؟

مَنْ سَيُصْغِي إِلَى الْحَجَرِ؟

مَنْ سَيُصْغِي إِلَى الْبَيْتِ؟

مَنْ سَيُصْغِي إِلَى الْأُمِّ؟

وَمَنْ سَيُصْغِي إِلَى وَطَنٍ كَامِلٍ مَا زَالَ يَقُولُ: أَنَا هُنَا؟

فَلَيْسَ كُلُّ مَا يَسْكُتُ صَامِتًا، وَلَيْسَ كُلُّ مَا لَا نَسْمَعُهُ خَالِيًا مِنَ الصَّوْتِ، فَبَعْضُ الْأَشْيَاءِ لَا تَتَكَلَّمُ إِلَّا لِمَنْ يُحْسِنُ أَنْ يَسْمَعَ بِقَلْبِهِ قَبْلَ أُذُنَيْهِ.

وَلَعَلَّ الشِّعْرَ، بِمَا يَمْلِكُهُ مِنْ قُدْرَةٍ عَلَى الْتِقَاطِ مَا تَعْجَزُ عَنْهُ اللُّغَةُ الْعَادِيَّةُ هُوَ الْأَجْدَرُ بِأَنْ يُجِيبَ عَنْ هَذَا السُّؤَالِ… فَاسْمَحُوا لِي أَنْ أَتْرُكَ الْكَلِمَةَ لِلشِّعْرِ، فَأَقُولَ:

وَخِتَامُ قَوْلِي بَعْدَ أَنْ أَبْحَرْتُ فِي… سِفْرِ الْمَعَانِي وَالْجَمَالِ الْخَالِدِ

أَنَّ الْكِتَابَ إِذَا تَكَلَّمَ صِدْقُهُ… أَحْيَا الرُّؤَى فِي عَالَمٍ مُتَجَدِّدِ

مَا كَانَ بُرْتُقَالُ يَافَا ثَمَرَةً… تُجْنَى، وَلَكِنْ كَانَ صَوْتَ الْمَوْعِدِ

فَإِذَا الْكِتَابُ تَلَا حُرُوفَ هُوِيَّةٍ… أَضْحَى الضِّيَاءُ لِكُلِّ قَلْبٍ مُهْتَدٍ

وَإِذَا الْقَصِيدُ سَقَى الرُّبَى مِنْ حُبِّنَا… تَحْيَا عَلَى مَرِّ الزَّمَانِ السَّرْمَدِ

هَذَا اخْتِتَامِي… وَالْحَدِيثُ مُعَلَّقٌ… مَا دَامَ فِي الْأَوْطَانِ جِيلٌ يَقْتَدِي.

وَهُنَا، أَيُّهَا الْقَارِئُ، يَأْتِي دَوْرُكَ أَنْتَ.

لَا تَسْأَلْنِي أَيْنَ تَنْتَهِي حِكَايَتِي؛ اِسْأَلْ نَفْسَكَ: أَيْنَ تَبْدَأُ حِكَايَتُكَ؟

أَيْنَ الشَّارِعُ الَّذِي كُنْتَ تَعْرِفُهُ ثُمَّ تَغَيَّرَ؟

أَيْنَ الشَّجَرَةُ الَّتِي كُنْتَ تَسْتَظِلُّ بِهَا؟

أَيْنَ صَوْتُ الْجَدَّةِ التي كَانَتِ الْحِكَايَةُ تَبْدَأُ مِنْهَا وَتَنْتَهِي عِنْدَهَا؟

أَيْنَ أَوَّلُ مَكَانٍ شَعَرْتَ فِيهِ أَنَّكَ تَنْتَمِي؟

وَأَيُّ تَفْصِيلٍ صَغِيرٍ ظَنَنْتَهُ يَوْمًا عَابِرًا، ثُمَّ اكْتَشَفْتَ بَعْدَ فَوَاتِ الْعُمْرِ أَنَّهُ كَانَ جُزْءًا مِنْ مَعْنَى حَيَاتِكَ؟

أَلَيْسَ عَجِيبًا أَنْ نَعِيشَ الْأَشْيَاءَ أَوَّلًا، ثُمَّ لَا نَعْرِفَ قِيمَتَهَا إِلَّا حِينَ تُصْبِحُ ذِكْرَى؟

لِهَذَا لَا أُرِيدُ لِهَذِهِ الْحِكَايَةِ أَنْ تَكُونَ خَاتِمَةً، أُرِيدُهَا سُؤَالًا مُعَلَّقًا فِي وِجْدَانِكُمْ:

إِذَا كَانَ الزَّمَنُ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَأْخُذَ مِنَّا الْبُيُوتَ وَالْوُجُوهَ وَالْأَصْوَاتِ، فَمَاذَا يَبْقَى لَنَا؟

يَبْقَى مَا كَتَبْنَاهُ.

مَا أَحْبَبْنَاهُ.

مَا حَفِظْنَاهُ فِي الذَّاكِرَةِ.

وَمَا نَقَلْنَاهُ إِلَى الَّذِينَ سَيَأْتُونَ بَعْدَنَا.

تَبْقَى الْحِكَايَةُ…لِأَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَغِيبُ، وَالْمَكَانَ قَدْ يَتَغَيَّرُ، وَالسَّنَوَاتِ قَدْ تَمْضِي، لَكِنَّ الْحِكَايَةَ الصَّادِقَةَ تَعْرِفُ كَيْفَ تَنْجُو مِنْ كُلِّ ذَلِكَ.

وَلَعَلَّ أَجْمَلَ مَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَفْعَلَهُ لِوَطَنٍ نُحِبُّهُ أَنْ نَتْرُكَ لَهُ شَيْئًا لَا يَسْتَطِيعُ الزَّمَنُ اقْتِلَاعَهُ، نترك له حِكَايَةً صَادِقَةً يحدّثنا بها البرتقال.

فَاحْفَظُوا حِكَايَاتِكُمْ…لأنّ الْمُسْتَقْبَلَ سَيَحْتَاجُ يَوْمًا إِلَى أَنْ يَعْرِفَ:

مَنْ كُنَّا؟ وَمَاذَا أَحْبَبْنَا؟ وَلِمَاذَا بَقِينَا؟

أَمَّا أَنَا، فَسَأَتْرُكُ قَلَمِي هُنَا…

وَأَتْرُكُ لَكُمْ أَنْتُمُ السَّطْرَ الْأَخِيرَ.

فَمَاذَا سَتَكْتُبُونَ؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
🇮🇶 العراق 🇬🇧 المملكة المتحدة 🇫🇷 فرنسا 🇮🇹 إيطاليا 🇪🇸 إسبانيا 🇩🇪 ألمانيا 🇷🇺 روسيا 🇹🇷 تركيا 🇨🇳 الصين 🇬🇷 اليونان 🇮🇳 الهند 🇰🇷 كوريا الجنوبية