مجلة رقمية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
كتابات حرة

عمى الأدب – غسان عزيز

رجل يرتدي بدلة رمادية مع ربطة عنق داكنة، يبدو عليه التفكير والتأمل.

إن الغموض والإبهام وبعض السوداوية.. الذين يسودون الآداب المعاصرة في الرواية والشعر والقصة أمر مخيف بالنسبة للحاضر والمستقبل، إنه ضرب من الشذوذ وقد أصبح قاعدة، بل فلسفة يروج لها النقاد في مختلف انحاء العالم ويعدونها معيار الحداثة والإبداع، فإذا كانت الحياة المعقدة في الغرب، والخواء الروحي، وتضخم المادية، والنمط الميكانيكي للعلاقات اليومية، والتفكك الأسري، وطغيان الفردية، والفوضى الفكرية والسلوكية تحت شعار (الحرية) ، والأمراض النفسية الفتاكة، إذا كان هـذا كله قد أفرز في الغرب آدابا وفنونا معتلّة غامضة مريضة.. ، فما معنى أن نختط لحياتنا في الشرق تصورا شبيها لما يجري في هـذا الغرب ؟؟ أيمكن القول: إن السلطات السياسية القمعية القاهرة، الجائرة قد خلقت جوا مناسبا شبيها لما يجري في الغرب؛ سبب انشطارات مبهمة..! لقد أشرنا آنفا إلى فئة من الأدباء نحت ذلك المنحى، وتوفرت لديها مبررات منطقية وغير منطقية للإسراف في الغموض، لكن البناء النفسي للشعوب العربية، وطبيعة تكوينها ومثلها العقائدية والاجتماعية يمكن أن تقيها شر هـذا الفساد، ولا بد أن نجهز على الفكرة القائلة بأن الإبداع هـو الغموض التام، والصور الفنية المبهمة الخرساء التي تتدفق من تيار الوعي واللاوعي، فمسؤولية الكلمة – إن كنا نؤمن بها – تقتضي الوضوح دون تجاوز القيم الفنية الجمالية… ولنتوقف عند هـذه النقطة الجوهرية، فالكتاب العظيم – قمة البيان – وصورة الخطاب الخالد الواضح الميسر ( ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر ) (القمر:17) لقد نادت الحداثة بالعقلانية وحرية الإنسان والعلمانية، وبترتيب الحياة ترتيباً زمنياً عبر المعيارية التي يستمدها الإنسان من ذاته ومن الطبيعة، وعدّت الإنسان جوهر كل شيء، وفي عصر العلم تضاعف وميض الحداثة وبريقها في نظريات كانط السلوكية وأعماله الفكرية. أما ما بعد الحداثة فأقامت سياستها على التشكيك والرفض القاطع للمقولات الثابتة في الارث التي تعارف عليها الفكر الغربي، وظهرت أفكار جديدة لم تكن مطروحة من قبل، مثل تفتيت التاريخ والجنوسة والنظريات النسوية والجندرة، والنقد الذاتي وما بعد التاريخ وما بعد الاستعمار، دعوة الى تذويب ومنح جنسنة شاملة لجميع الكائنات البشرية (النساء، الرجال، اللقطاء، الشواذ جنسيا)، فهو عالم ما بعد نسيان التاريخ، وما بعد الإنسانية، وما وراء الاستشراق. لكن في الواقع، ما بعد الحداثة لا تلغي عطاءات الحداثة ، بل تعيد إنتاجها بصورة تتساقط معها مختلف التناقضات، وقد رفضت النظريات الشاملة كالتي جاءت بها الماركسية، وركزت على التاريخ المجهري في حياة الناس. ليس إلا…

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading