📰 آخر الأخبار
Three poems By Sana Jangeer Hamad مسابح حول الأعناق/ مجيدة محمدي أتتركني للصيف يا مطر؟غدير حميدان الزبونالاعلى والافقي/جواني عبدالالساعات الاخيرة من حياة ستالين/محمود حمدونارتجاف/صليحة نعيجةصناعة الرأي في البيئة الرقمية للدكتور جاسم الشيخ..إصدران جديدان/حامد شهاب / باحث إعلامي سحر البنان : ثلاث باقات من الهايكو النسوي الكندي/ترجمة : بنيامين يوخنا دانيالDancing In The Meadows By Salim Elias Madalo7- التظاهر بالحب / محمد الجلايدي- القنيطرة- المغربترجمات نجيب محفوظ/ روجر ألن- ترجمة: محمد عنانيتوظيف الأساطير القومية بين تسيغاي غابري مدهين وكارلوس فوينتس/إبراهيم أبو عواد / الأردنالدعاية… حين تُسوَّق الحقيقة/ياسين احمد خلف يحيى اوغلوبركان / نبيل حامد-القاهرةقراءة نقدية في ق.ق.ج «خداع الدفء» للقاص حسين بن قرين درمشاكي/ د. محمد عيسى مهناتقوى الله/ملفينا توفيق ابو مراد/لبنانأحاديث/ تغريد نديم عمران - سورياIF NEEDED /Ibrahim Honjoأَنتِ الصَّبَاحُ /أحمد أبوراشدThree Poems By Park Chul Unجناح الضوء / عارف عبد الرحمنأنواع الكوميديا الحديثة/محمد عنانيمنذ أنْ رحلَ ساعي البريد لا توجد رسالة صادقة/غدير حميدان الزبون-فلسطينعرفاء الصف / جواني عبدالThe day you arrive /Elisa Mascia - Italy
Three poems By Sana Jangeer Hamad مسابح حول الأعناق/ مجيدة محمدي أتتركني للصيف يا مطر؟غدير حميدان الزبونالاعلى والافقي/جواني عبدالالساعات الاخيرة من حياة ستالين/محمود حمدونارتجاف/صليحة نعيجةصناعة الرأي في البيئة الرقمية للدكتور جاسم الشيخ..إصدران جديدان/حامد شهاب / باحث إعلامي سحر البنان : ثلاث باقات من الهايكو النسوي الكندي/ترجمة : بنيامين يوخنا دانيالDancing In The Meadows By Salim Elias Madalo7- التظاهر بالحب / محمد الجلايدي- القنيطرة- المغربترجمات نجيب محفوظ/ روجر ألن- ترجمة: محمد عنانيتوظيف الأساطير القومية بين تسيغاي غابري مدهين وكارلوس فوينتس/إبراهيم أبو عواد / الأردنالدعاية… حين تُسوَّق الحقيقة/ياسين احمد خلف يحيى اوغلوبركان / نبيل حامد-القاهرةقراءة نقدية في ق.ق.ج «خداع الدفء» للقاص حسين بن قرين درمشاكي/ د. محمد عيسى مهناتقوى الله/ملفينا توفيق ابو مراد/لبنانأحاديث/ تغريد نديم عمران - سورياIF NEEDED /Ibrahim Honjoأَنتِ الصَّبَاحُ /أحمد أبوراشدThree Poems By Park Chul Unجناح الضوء / عارف عبد الرحمنأنواع الكوميديا الحديثة/محمد عنانيمنذ أنْ رحلَ ساعي البريد لا توجد رسالة صادقة/غدير حميدان الزبون-فلسطينعرفاء الصف / جواني عبدالThe day you arrive /Elisa Mascia - Italy

 مجلة رقمية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
القصة القصيرة

سجن العمر✍️توفيق الحكيم

١١

انتهى العام الدراسي … وجاء الامتحان … ونُقلتُ بقدرة قادر — رغم مشاغلي الفنية — إلى السنة الرابعة النهائية … سنة الليسانس وتركت أمر «خاتم سليمان» في يد زميلي مصطفى … وسافرت إلى الإسكندرية أقضي عطلة الصيف … فما كدتُ أصل وأنظر إلى منزلنا العامر حتى كدت أصعق … ما هذا الذي أراه أمامي؟ … إنه ليس منزلًا … بل هو تركيب عجيب لا أعرف له وجهًا من ظهر … لقد أزيل جدار وأقيم آخر، وخلع سلم وبرزت أحشاء قاعة بغير حائط، وأطيح برأس السطح، وأشياء أخرى غريبة من هذا القبيل … وعرفت السبب: كان قد خطر ببال أهلي أن يُجروا في المنزل إصلاحات وأن يزيدوا فيه طابقًا … كان القطن في ذلك العالم مرتفع السعر، فاجتمع لهم مبلغٌ لا بأس به … لم يرَوا أن يُسدِّدوا به رهن الأطيان أو رهن المنزل … ورأوا أن يُنفقوه في تحسين المنزل … ولستُ أدري مَن صاحب هذه الفكرة النيرة … أهو والدي أم والدتي؟ … كل ما أدري هو أن أول ثغرة فتحَتْها المعاول في جدران هذا البيت لم يستطع كل مال الأرض، لا مرتَّب والدي الكبير وقتئذ، ولا الأموال التي اقترضوها من البنوك والمرابين أن تسدَّ هذه الثغرة … فقد أصبح البناء والهدم في منزلنا هذا شيئًا طبيعيًّا مُستمرًّا كالأكل والشرب … ولا يقف عند شهور ولا أعوام … ذلك أن والدي أراد أن يكون هو نفسه بنفسه المهندس والمُقاول وملاحظ العمل … فأحضر البنائين والنجارين والحدادين … وصار يقول لهم: شقوا هنا دهليزًا أو أزيلوا من هناك جدارًا وسدُّوا هنا شبَّاكًا وافتحوا هناك بابًا، فما إن يفعلوا ما أمر حتى يجد أن الباب بدلًا من أن يَفتح على الردهة قد فتح على المرحاض، وأن الجدار الذي أزيل جعل المطبخ قد أصبح في الصالون … وهكذا وهكذا … فيعود يأمرهم من جديد بسدِّ ما فتحوا وإقامة ما أزالوا، ويتجه بهم إلى جدار آخر يأمرهم بهدمه فيتضح أن عليه يقوم سقف إحدى الحجرات وأنه آخذ في الانهيار، فيُبادرُون إلى بنائه مرة أخرى … كل ذلك وهو مُصرٌّ كل الإصرار على الاعتماد على نفسه وخبرته والامتناع عن إحضار مهندس … وكنت أتأمل ما يجري من هدم وبناء، وأتألَّم من طول نومنا في حجرات منزوعة النوافذ ومُغطَّاة بالبطاطين فأقول له: لماذا لا تُحضر أحد المهندسين يتولى ذلك لنرتاح؟ … فيجيبني ساخرًا: أنت عبيط! … هل يُحضِر المهندسين إلا العبط! ما الذي سيصنعه المهندس أكثر من أن يرسم على ورق أزرق بضعة خطوط منمقة بالمسطرة والبرجل ليقول لنا هنا حجرة وهناك صالة … «ويلطش» كذا جنيه لمثل هذا الكلام الفارغ! … ما سيقوله شيء معروف مقدمًا … ونحن أدرى جيدًا بما نُريد!

وانتهى الأمر بنا بكل بساطة أن صار البناءون والمُبيضون مقيمين لدينا إقامة مستمرة؛ لأن العمل لا يَنتهي ولا يمكن أن ينتهي. فاتخذوا لأنفسهم حجرة دائمة قرب باب الحديقة يَقطنون بها … يبيتون ويَسمرون ويأتي لزيارتهم فيها الأهل والأقرباء والأصدقاء، وكان ينزل إليهم فيها مِن بيتنا القهوة والشاي والغداء والعشاء بانتظام. وأصبح لهم رأي فيما يُطبخ ويُقدَّم إليهم من ألوان يومية. فيقولون: «زهقنا من الملوخية والبامية اطبخوا لنا اليوم «كشري».» وأحيانًا يَقترحون: «خللوا لنا خيار وفلفل!» … ويصفون الطريقة التي يُحبونها للتخليل وصنع الطرشي! … والحديقة حولهم جعَلوا يَزرعون في جانب منها بعض الفجل والكرات والجرجير. كانوا مُتمتِّعين بهذه الحياة الهنيئة الناعمة، وكنتُ كلما سألتهم متى ينتهي العمل في هذا المنزل! … وقد أصبحت الحياة فيه بالنسبة إليَّ وإلى أخي الأصغر لا تُطاق، من الحجرات التي بلا حيطان والنوافذ التي بلا زجاج، وضجة الخبط والهبد فوق رءوسنا في الطابق الجديد قالوا: لن يَنتهي! لأنَّها ساقية جحا … ما نَبنيه الصبح نهدمه العصر! … أوامر البك الكبير! … وفي الحق كأني بوالدي قد أصبح أخيرًا يجد مُتعته وهوايته الكبرى في حكاية البناء هذه ويَظهر أنه اعتقد حقًّا أنه لا ينقصه شيء في شئون الهندسة والمعمار. كان في بعض الأحيان يستشير صديقه المهندس القديم «يوسف» إذا قابله بالمصادفة في القاهرة … لكن هذه المقابلة ما كانت تَحدُث إلا نادرًا. لأن والدي كان قد أقام واستقر في الإسكندرية رئيسًا لمحكمتها. فكان إذا عاد بعد حضور الجلسة، لم يتَّجه إلى الغداء وهو المتعَب المنهَك، بل يتجه مباشرة إلى البنَّائين والنجَّارين ليرى ماذا صنعوا وهل نفذوا تعليماته التي شرحها لهم شرحًا وافيًا في الصباح قبل ذهابه إلى عمله؟ … تلك كانت عادته: يجمع البنائين والنجارين والمبيضين أمامه كل صباح ويَشرح لهم ما هم صانعون في يومهم ويُسمِّي ذلك «الدرس» الذي لا بدَّ من أن يُدخله في رءوسهم، موضحًا لهم ما يُسمِّيه أيضًا «جدول الأعمال» اليومي … وكان لا يتركهم إلا بعد أن يسألهم بكل دقة: هل حفظتم الدرس؟ فيجيبون جميعًا حفظناه … فيؤكد عليهم: وجدول الأعمال مفهوم؟ … فيقولون كلهم: مفهوم. ولا يكتفي بذلك، فقد كان من عادته عند إصدار أي أمر أو أي تعليمات لأي شخص أن يُطالبه بإعادة المطلوب بنصه منعًا للبس أو سوء الفهم. فلما سألهم: أعيدوا عليَّ ماذا قلت؟ وأجابوا: قلت كيت وكيت وكيت، مضى مطمئنًّا. فإذا عاد من عمله قبيل العصر سمعنا منه الصخب والصياح والتعنيف وقوله إن هؤلاء البنَّائين والمبيضين حمير، ولم يَفهموا حرفًا مما شرح، وينزل بيديه على ما بنوه هدمًا وبقدمَيه ركلًا وهو يصيح: هدُّوا حالًا! … كل هذا لا بد من هدمه! … شغل غلط في غلط! … وكان يقيس الحيطان بعصاه التي يحملها دائمًا في يده. ولا يلجأ إلى القياس بالمتر، فإذا عارضه أحد البنائين أو المبيضين أو النجارين وقال له: قس بالمتر يا سعادة البك … المتر موجود! … صاح به: عصاي أضبَطُ من هذا المتر! … لأني أنا ضابطها على المتر الهندسي الأصلي في مصلحة المساحة! … إنها تسعون سنتيمترًا بالتمام! وبلغ به الاهتمام بالهندسة أن صار يمشي معي أحيانًا في الشارع فإذا بي أراه يقف فجأة أمام أحد المنازل ويقول لي: انتظر حتى أقيس واجهة هذا البيت! … ويشرع في القياس بعصاه … فإذا سألته: لم ذلك؟ … هل نحن سنَشتريه؟ قال: أبدًا. مجرَّد معرفة. وأحيانًا نسير في شارع من الشوارع نتحدث في شئون مهمة وقتئذ، فإذا هو يقطع الحديث ويَلتفِت نحوي سائلًا؛ «تظن يطلع كم مترًا عرض هذا الشارع؟» ولا ينتظر مني جوابًا، بل يرفع عصاه ويأخذ في قياس عرض الشارع. وأحمد الله في سري أن الشارع خالٍ من المارة. ثم سألته عن حكمة ذلك؟ … فقال: أنت ولد عبيط! … الحكمة في ذلك هو أنه يجب أن نكون على علمٍ بكلِّ هذه الأشياء، حتى لا يأتي المجلس البلدي يومًا ويدَّعي أن شارعنا من الشوارع التي قرَّر لها عوائد كيت وكيت! … وكان يحمل في جيبه ساعة معدنية رخيصة عتيقة يُؤخِّرها دائمًا عشر دقائق فإذا سئل عن الحكمة في ذلك قال: كي يكون عندي دائمًا عشر دقائق مدَّخرة للطوارئ … كان والدي على الرغم من كل هذه التصرُّفات الغريبة يملك مزية، لم أَرِثها عنه مع الأسف، لست أدري لماذا؟ … ولو أني ورثتها لنفعَتني كثيرًا وخاصة في الفن الروائي. تلك المزية هي حرصه على التغلغل في التفصيلات الدقيقة لكلِّ شئون الحياة، ما يُهمه منها مباشرةً وما لا يهمه. كانت كمية المعلومات التي جمعها عن كل شيء تثير الدهشة حقًّا. فهو يعرف بالضبط كم طوبة تلزم لبناء حجرة كذا متر. وكم كيلة تلزم لزراعة كذا فدان من البرسيم أو القطن أو الذرة. وكم رية تلزم لري كذا. فإذا سألته في القانون وإجراءاته المعقَّدة وفي أخلاق الناس على اختلاف مهمتهم في الحياة وفي الطب والأدوية، وفي اللغة وقواعدها والشعر وبحوره والحدادة والنجارة وحتى العطارة … كل شيء كان يلمُّ فيه بتفصيلات عجيبة دقيقة … في حين لا أستطيع أن ألمَّ إلا بالخطوط العريضة للأشياء، في معانيها الكبرى لا في تفصيلاتها. وأميل إلى التخفُّف من كل ما أستطيع الاستغناء عنه. فأنا لم أحمل ساعة قط، ولا أُحاول اقتناء طرفة من الطُّرَف أو تحفة من التُّحَف، ولا أتناول إلا ما كان ضروريًّا صرفًا، لذلك تُناسبني التمثيلية أداةً للتعبير … لأن مجالها المعاني والجواهر أكثر من الرواية التي مجالها التفصيلات. على أن والدي بمعلوماته الغزيرة في أدق تفاصيل الأشياء ما إن يُقدم على التفكير في مشروع أو القيام بتنفيذه حتى تبدأ الخيبة المُضحِكة … إن العلم عنده شيء والتنفيذ شيء آخر … أو ربما كان العيب في اختيار المشروع … لست أدري في الحقيقة أين تكمن العلَّة؟ … أهي مثلًا في التناقض وعدم التناسق بين النزعة الخيالية والنزعة العملية في شخص واحد … إن والدي ووالدتي عمليان، ولكنهما خياليان في نفس الوقت … يُفكِّران في مشروع عملي بعقلية عملية وإذا بالخيال يتدخل ويجرفهما إلى وضع مضحك! … أهو ذاك؟ … لست أدري على التحقيق … فلأكتفِ إذن بسرد ما حدث بعد ذلك دون تعليق أو تفسير.

كاد ينتهي البناء في المنزل، وتمَّ كل شيء بعد مضيِّ وقت طويل ولكل شيء آخر … وأخذ البناءون والنجارون والمبيضون المقيمون يعدُّون عدتهم للرحيل ويُنهون عهد الاحتلال … احتلالهم للحجرة وما جاورها من الحديقة، وإذا بخاطرٍ يخطر لأهلي: خاطر جديد: لاحَظُوا أن بعض منازل الجيران العالية تكشف حديقتنا من الخلف … فقالوا: نسدُّ عليهم، بأن نبني حائطًا … ثم تطورت عندهم فكرة الحائط إلى شيء آخر وفكرة أخرى: قالوا ما دمنا صرنا إلى بناء حائط — وهكذا يُكلف مالًا — فلماذا لا نتمُّ هذا الحائط بحائط آخر أمامه، ما علينا إلا أن نسقفه فيُنتج ذلك جناحًا قائمًا بذاته يصلح للسكن والتأجير، الفكرة بدت لهم منطقية … ومصيبة أهلي وخاصة والدي أنه يبدأ دائمًا من المنطق، وشرعوا في تنفيذ الفكرة … وعاد البناءون والنجارون والمبيضون إلى حجرتهم من جديد … وتم بناء الجناح بعد لأيٍ، فلمَّا تم على خير … تأمَّلوه مليًّا ثم قالوا حبذا لو وصلناه بالمنزل الأصلي بواسطة جسر أو كوبري بينهما، وكان منظرًا فريدًا عجيبًا في البيوت أن تركب فيها مثل هذه الكباري والجسور! … وتم ذلك … فنظروا وقالوا: لماذا نترك أسفل الجناح مكشوفًا لتراب الحديقة؟ أليس من الضروري أن نُنشئ رصيفًا يفصل بين جداره والرمل والتراب؟ … وتم إنشاء الرصيف، وكان طويلًا بطول جدار الجناح الذي لا يقلُّ عن ثلاثين مترًا … رصفوه كله ببلاط تكلَّف مبالغ … وأصبح منظره وهو مرصوف في طوله وامتداده كأنه — كما قال أحد الزوار — أُعدَّ للعبة الانزلاق «الباتيناج» … وتلك أيضًا كانت من عجائبهما في البناء!

أظنُّ إلى هنا وكان ينبغي أن ينتهي كل شيء، وأن ينهض البناءون والنجارون والمبيضون إلى حزم أمتعتهم ليرحلوا … وهموا بالفعل … وإذا البستاني يظهر ليطلب أسمدة للحديقة؛ زكائب عديدة من سبلة الخيل، ممَّا تُسمَّد به الفاكهة والنجيل — أي الحشائش الخضراء — ويتحدَّث عن ضرورة توريد هذا السماد في أوقات دورية بانتظام لضمان ازدهار الحديقة … وهنا فكر أهلي في الأمر بالعبقرية المعهودة! … وجاءتهم الفكرة النيِّرة: أن يشتروا حصانًا، لاستخدام روثه سمادًا … وبذلك يُوفِّر ثمن الأسمدة المطلوب توريدها … فضلًا عن توفير نفقات المواصلات بالعربة التي سيجرُّها الحصان … معقول … ولكن أين يُقيم الحصان؟ لا بد طبعًا أن يُبنى له إسطبل … وهذا طبيعي … وفي آخر الحديقة مكان يصلح … لكن هل يُبنى الإسطبل كبقية الإسطبلات التي خلقها الله! … كلا لا بد من تصميمٍ مُبتكَر للمهندس العبقري؛ الذي هو أبي! … وفعلًا أمر ببناء إسطبل عجيب الشكل يتكوَّن من ثلاثة طوابق: الطابق الأعلى لسكن الحوذي، لأنه لا بد من أن يكون له محلُّ سكن، والطابق الأوسط لسكن الحصان، والطابق الأسفل للروث المتخلف عن الحصان، ينزلق إليه بواسطة فتحة ويتجمَّع ويتكوَّن منه السماد المطلوب للحديقة. وكان والدي مزهوًّا بهذه الفكرة الرائعة … وحثَّ البنَّائين والمبيضين والنجارين على التنفيذ فورًا … فبنوا وشيدوا وبيضوا وقامت الطوابق يعلو بعضها بعضًا … وظل هذا البناء قائمًا شامخًا خاليًا طوال الأعوام، لم يسكنه قطُّ حوذي ولا حصان ولا سماد؛ ذلك أن التفكير انتقل بعد ذلك بسرعة إلى فكرة أخرى: استغلال هذا البيت الكبير الذي تضخَّم بفعل الأفكار المتلاحقة حتى أصبح فضفاضًا على الأسرة، بحجراته العديدة في كل طابق، علاوة على الجناح ذي الرصيف! لماذا لا يُؤجَّر في الصيف للمصيِّفين؟ … رأي هو عين العقل … وما يأتي به من إيراد يُسدَّد به على الأقل أقساط الرهون … لكنهم فكروا مليًّا ثم قالوا: ما دمنا قد صرنا إلى التأجير للمُصيِّفين، فلماذا لا نُنشئ طابقًا رابعًا … وكانت الفكرة هذه المرة فكرة والدتي، فما إن سافر والدي متغيبًا في عمل بالقاهرة. حتى قامت هي بالتنفيذ … وما دام فن العمارة بهذه الطريقة فلماذا لا نُسابق والدي في المضمار! وفعلًا أصدرت الأوامر لفرقة البنائين والمبيضين والنجارين فما إن عاد والدي من رحلته ووجد الطابق الجديد يرتفع، حتى شمَّر هو أيضًا عن ساعد الجد، ونشط من جديد يعطي «الدرس»، ويُحدِّد للجميع «جدول الأعمال»، ويهدم بالليل ما بنَوه بالنهار. كان صيت والدي في البناء قد انتشر في المدينة بفضل ما كان يبتاعه من الطوب والبلاط والأخشاب السويد والبغدادلي والكمرات الحديد والجير والزيوت … وأصبح زملاؤه القُضاة ممَّن يُريدون بناء منزل في المدينة أو دار في الريف يأتون إليه ليتلقَّوا عنه الدروس … أذكر مستشارًا، صار بعدها بقليل وزيرًا، كان يأتي كل عصر يجلس في الحديقة على كرسي يَرشف القهوة التي تُقدَّم إليه ويتطلع مبهورًا إلى والدي وهو يصعد ويهبط على سقالات البنائين، يقيس الجدران بعصاه، ويأمر وينهى ويَنصح ويشير وينهر ويصيح … كان هذا المستشار ينوي بناء منزل صغير في أطيان له، ولا يدري كيف يصنع … فلما رأى والدي يصول ويجول هكذا في ذلك البناء الطويل العريض جعل يُهمهم بالإعجاب والإكبار، ثم التفت نحوي وقال بنبرة صادقة: «أبوك أستاذ لا يُجارى في فن المعمار!» … وأخيرًا انتهت عمليات البناء، والله وحده يعلم بعد كم من الزمن. ولم يصبح في الجعبة من الأفكار ما يؤدي إلى إضافة شيء أو الإنقاص من شيء … وهنا … بدأ أهلي يزهدون هذا البيت ويَلعنونه … خاصة وقد فشلَت فكرة التأجير … لأنَّ المصيفين كانوا قد بدءوا يتَّجهون إلى البحر … وكان موقع البيت السيِّئ مما يُنفر المستأجرين … وكانت تكاليف البناء المستمر قد أبهظت أهلي، والديون أثقلت كاهلهم، وأسعار القطن أخذت في الانخفاض … فاتجه التفكير كله إلى شيء واحد: التخلص من البيت، لكن كيف يتم التخلُّص منه؟ رأى والدي لذلك طريقتَين؛ إما البيع … وإما البدل على أطيان … ولجأ إلى السماسرة … وكانت حكاية السماسرة لا تقلُّ عن حكاية البنائين والنجارين! … لبثتُ أعوامًا طويلة وأنا لا أرى والدي إلا مع السماسرة في مجيئه وذهابه، وحِلِّه وترحاله … فقد أصبح مُستشارًا، ثم ترك الخدمة لبلوغه سن المعاش … أو على الأصح لقبوله عرض وزارة الحقَّانية في ذلك العهد، عندما اكتشفت أنه هو ونخبة من زملائه المستشارين القدامى قد أجادوا خضب وصبغ شعورهم وشواربهم وجلسوا مطمئنين، فذكَّرتهم بأن سن المعاش على أيِّ حسابٍ يُريدون قد تجاوزوها بسنوات وهم لا يشعرون … وتم الاتفاق والتراضي … وترك والدي مع زملائه المذكورين الخدمة … وتفرَّغ لشئونه الخاصة طول أعوامه الباقية، ولا شغل له ولا شاغل إلا مسألة بيع البيت أو استبدال أطيان به.

وفي ذات يوم طلع بفكرة جديدة هي: زيادة إثقال البيت بالرهون، كانت فكرته في ذلك عجيبة؛ وهي أنه كلما كان العقار مُثقلًا بالديون — في زعمه — كان تصريفه أو الاستبدال به سهلًا ميسورًا … ولم تدخل الفكرة رءوسنا … وجعلنا نقول له: كيف يكون ذلك؟ … وهل هذا معقول؟ … إن العكس هو الصحيح … فكان يجيب وكأنه يَرثي لجهلنا: المعقول هو ما أقول؛ إذ مَن الذي يسعى عادةً إلى تقديم أطيانه ليستبدلها ببيت؟ … هو ولا شك صاحب الأطيان المرهونة … وهو طبعًا لا يتوقَّع أن يقدمها إلا في نظير بيت هو الآخر مرهون؟! … إذ مَن المغفل الذي يُضحِّي بعقد خالي رهن ليأخذ عقارًا مرهونًا؟ وما دامت المسألة كلها رهنًا في رهن، فلماذا نترك نحن بيتنا لنُقدِّمه برهنه الخفيف نظيفًا إلى من سيقدم إلينا طينًا محمَّلًا بالدواهي الثقيلة؟!

منطق!

ومنذ ذلك اليوم ووالدي لا يُرى إلا في صحبة السماسرة … فهو إما أن يسير في الشارع ومعه سمسار، وإما أن يجلس على قهوة في حديث مع سمسار … روى لي بعضهم أنه أبصر ذات يوم والدي جالسًا بأحد المقاهي إلى مائدة على الرصيف، في انتظار أحد السماسرة … فكان كلما جاءه الجرسون يَمسح المائدة لتلقِّي الطلب، قال له: «انتظر يا أخي كمان شويه» … فينصرف الجرسون قليلًا، ثم يعود إلى مسح المائدة، إلى أن تضايق والدي فنهض تاركًا له المائدة، ووقف ينتظر على حافة الرصيف … فلما عاد الجرسون يمسح المائدة ووجدها خالية، تلفت فوجد والدي واقفًا على طرف الشارع ينظر إليه شزرًا ويقول: عاوز منِّي حاجة هنا كمان؟!

أما أنا فقد أبصرتُه بنفسي ذات مرة في الشارع، وأنا أهمُّ بدخولي مقهى «التريانون» بالإسكندرية، بعد توظفي … استوقفني وقال لي «أنت عبيط تدخل هذا المحل … فنجان القهوة فيه بثلاثة قروش صاغ!»

وتركني ومضى إلى قهوة بجوار البورصة اسمها «قهوة البن والفنجان». فيها بقرش ونصف … ومع ذلك فقد علمتُ — ويا للتناقض — أنه يُنفق فيها كل يوم ما يقرب من ريال على فناجين قهوة عديدة يشربها السماسرة الذين عرَفوا وتسامعوا عن بُغيته، فأخذوا يغدون عليه الواحد تلو الآخر يُمنُّونه بالآمال والأحلام عن تصريف البيت.

١٢

على أنَّ الفكرة قد عاشت من بعده … فكرة التخلُّص من البيت … وتخلَّصنا منه فعلًا بالبدل: أطيان بور لا يَصل إليها الماء … ولكنَّ الله شاء ألا يحدث ذلك في حياته … فقد أكرمه الله بأن جعله يموت في بيته هذا … أو على الأصح أن تخرج جنازته من بيته … وإن كنت أنا قد أوشكت على ارتكاب غلطة لا تغتفر … كنت في ذلك الوقت بالقاهرة مديرًا لإدارة التحقيقات بوزارة المعارف … فجاءني نبأ مرضِه ونقله إلى المستشفى الفرنساوي بالإسكندرية … فذهبت إليه توًّا … فوجدته في حالة مُتدهورة تُلازمه ممرِّضة يهودية عجوز، اعتادت التردُّد على المنزل لإعطاء حقن، فعهدَت إليها والدتي بملازمة المريض … قال لي بصوت ضعيف، وأنا أنحني عليه: «أنا غير واثق من نفسي …»

وهذه الكلمة منه لها دلالتها … فهو ما اشتكى قطُّ في حياته من مرض عضال … كان شديد الثقة بصحته، لاعتداله في الحياة … فهو لم يكن مُسرفًا في شيء … لا يُدخِّن ولا يسكر ولا يسهر … ربما في شبابه وقبل زواجه كان بالطبع يفعل شيئًا مما يفعله الشبان، ولكن باعتدال … حكت لي والدتي فيما حكت من ذكريات أيام زواجها في مبدئها أن والدي دخل عليها البيت ذات ليلة شتاءً فشمَّت في فمه رائحة خمر، فما كان منها إلا أن صرخت فيه قائلة: «أنت سكران؟!» … فأذهلته الصرخة ولم يَعُد قط إلى هذه الفعلة كما قالت طول حياته … أما التدخين فكذلك قد أقلع عنه، ربما أيضًا تحت ضغط والدتي القوية … مرةً واحدةً تقريبًا كل عام كنت أشاهد في يده سيجارًا كبيرًا يُهدى إليه عقب غداء رسمي بمناسبة احتفالٍ سنوي … فيما عدا ذلك يُمكن أن يقال فيه إنه لا يدخن ولا يسكر ولا يسهر ويأكل دون إفراط، ويُكثر من رياضة المشي على الأقدام … كل شيء لديه في حدود … إنه الاتزان الصارم في أتم صوره … ولولا هذا المرض العارض التيفوتيد … أصابه مِن لبنٍ ملوَّث كان كل طعامه بعد خلع أسنانه، لولا ذلك المرض الطارئ لعاش طويلًا كما عاش زميلاه؛ «عبد العزيز فهمي»، و«لطفي السيد» … وإن كان هو لم يُرِد التقيُّد بأي سن، فقد كان له أكثر من سن يختار منها ما يريد … وقد جعلني مثله في تفضيل حرية الاختيار … على أن المعروف لنا هو أنه تُوفي في الخامسة والستين؛ بحساب سنه الرسمية طبقا للتسنين الذي كان قد ارتضاه وتعامل مع الحكومة بمُقتضاه، وفي الثامنة والخمسين بحساب سنِّه الرسمية الأخرى التي تعامل بها مع شركة «جريشام» للتأمين … ذلك أن أحد مندوبي الشركة كان قد أغراه وأقنعه بمزايا شروط التأمين التي تبيح الاقتراض على البوليصة بمجرَّد دفع أول قسط … فلم يتوان، وأمَّن في الحال على حياته ببوليصتَين؛ إحداهما بخمسمائة جنيه والثانية بألف جنيه … ودفع أول قسط لكلٍّ من البوليصتين، وبعدها لم يدفع شيئًا كثيرًا … صار يَقترض على البوليصة الأولى ليسدد أقساط البوليصة الثانية … ثم يقترض على الثانية ليُسدِّد أقساط الأولى … وهكذا دواليك … وقد تشكَّكنا بالطبع في جدية مثل هذه المدفوعات … ولكني فوجئت ودهشت يوم ذهبت إلى الشركة بعد وفاته بالأوراق، فقيل لي بعد فحصها: إن الأقساط جميعًا مسددة في مواعيدها بالكامل والحمد لله … وتمَّ بذلك صرف المبلغ جميعه، وكان فيه إنقاذنا من ورطة مؤكَّدة عندما تكالب علينا أصحاب الديون والكمبيالات المتأخِّرة لتجار الخشب والطوب والبلاط … إلخ … ذهب المبلغ جميعه في سداد تلك الثغرة … تلك البالوعة التي تُسمَّى «البيت».

أشار لي والدي وهو على فراش المرض، فاقتربت منه، فسألني بصوت مُتداعٍ عن والدتي، فقلت له إنها في المنزل، وتسأل عن صحته … فقال هامسًا: «سلِّم لي عليها» … والواقع أنه لم يكن ينتظر وجودها إلى جانبه بالمستشفى … ولا كان يُريده … لقد كان دائمًا يوصيني في حياته هامسًا: «أمك هذه لا يَنبغي اطلاعها على خبر مُثير، ولا إحضارها في موقف مثير!» … فهي بطبيعتها المنفعلة ما كانت تطيق هذه المواقف، وما كانت تتمالك أعصابها فيها … وأنا نفسي ما من شيء يُخيفني مثل علم والدتي بمرضي … ذلك أنها تملأ الدنيا صياحًا وضجيجًا وشكوى وأنينًا، ولا تترك الطبيب يؤدي واجبه دون أن تنهال عليه بالسؤال الملح والقلق الصاخب وأحيانًا بالتقريع والتأنيب لتأخُّر ظهور الشفاء، بل ولي أيضًا أنا المريض لتعريضي نفسي لمُسبِّبات المرض … كل ذلك في الوقت الذي يحتاج فيه الموقف إلى الهدوء والتماسك والعمل الصامت المجدي … لذلك حمدنا الله أن بقيَ والدي وحده مع تلك الممرضة … لكن المرض طال حتى أنهك الجسم وأجهد القلب … كنتُ أزوره في كل يوم … فلما اشتدَّت عليه العلة وساءت حاله ودخل طور الاحتضار، سألنا الطبيب عما إذا كان يُستحسَن إحضار «كونصلتو» … فقال إن هذا لم يعد مُجديًا … ولست أذكر هل كان معي في ذلك اليوم صديقي الدكتور حسين فوزي الذي كان يلازمني أحيانًا في هذه الزيارات بالمستشفى … كل ما أذكر هو أن إدارة المستشفى اشترطت دفع خمسة جنيهات مقدَّمًا لمجرَّد السماح لنا بإحضار «كونصلتو» … وثارت ثائرتي لهذا الإجراء غير المعقول! … ورأيت فيه ابتزازًا واستغلالًا للموقف … إن أطباء الكونصلتو على حسابنا نحن بالطبع … فلماذا وفى نظير ماذا يأخذ منَّا المستشفى الجنيهات الخمسة؟ … وفي غمرة هذه الثورة النفسية رفضت، ولم أزل حتى هذه اللحظة نادمًا على هذا الرفض … ماذا يُساوي مال الدنيا كلها أمام رجل يُحتضَر! … وأي رجل هو … أمام الموت ما كان ينبغي لي أن أناقش في المعقول وغير المعقول … وأسأل عن المُجدي وغير المجدي … ولكنه طبعي أحيانًا لعنه الله!

ومات والدي … ولم نكن وقتئذٍ إلى جواره … كنتُ في المنزل أتهيَّأ للذهاب إليه في موعد الزيارة … وإذا جرس التليفون يدق … إنه المستشفى يُعلن إلينا الخبر … وعندما دخلت عليه حجرته، وجدته مُسجًّى على الفراش وقد غطَّوا وجهه بالملاءة البيضاء … وقالت لي الممرضة اليهودية: إنه كان قد أفاق لحظة وطلب منها كوب ماء، ثم التفت إلى الحائط. وكان معلقًا عليه تمثال صغير من الخشب للمسيح وهو مصلوب، فأشار بأصبعه إلى تمثال المسيح وقال لليهودية بصوته المُتداعي، محاولًا أن يحتفظ فيه بنَبرة سخريته القديمة: «إيه رأيك؟ … مش انتم اللي قلتم اصلبوه؟!»

فضحكت اليهودية ثم استدارَت تملأ له كوب الماء … ولما عادت به إليه لتسقيه وجدت رأسه قد انحدر من فوق الوسادة. لقد فارق الحياة … لم تشأ الممرضة أن تُريَني وجهه … ولكني أصررت على أن تكشف لي الغطاء لأتأمَّله … وإذا بي أرى وجهًا لا يُمكن أن أنساه … إنه الصفاء والتجرد والسمو عن الأرض … كل ذلك قد ارتسم على وجهٍ هادئ بلا ملامح … أو ربما كانت تلك هي ملامح الخلود.

ولا أذكر أني ذرفتُ عَبرة … بل كان الموقف أجلَّ من أي مشاعر عادية، لقد تجمَّدتُ لحظة وذهلت عن نفسي، ثم أفقت في الحال لتشغلني توًّا مسئوليات الساعة … وجدت أخي زهير خارج الحجرة، مُوفدًا من قبل والدتي بمبلغ من المال قال إنها دفعت به إليه لاحتياجات الدفن ثم سافَرَت إلى العزبة … لأنَّ أعصابها لا تحتمل الموقف … وكنت أنا قد احتطتُ للأمر فجئتُ معي بمبلغ كافٍ من القاهرة … وجعلنا نُدبِّر أمر مراسيم الدفن … وكانت معالجتنا لهذا الأمر أنا وأخي غاية في الحمق وقلَّة الدراية. قالت لنا إدارة المستشفى: الجثمان تحت تصرُّفكم.

فقلنا: احفظوه عندكم لحين الطلب.

فقالوا: لا يمكن الاحتفاظ به في الحجرة؛ لأنها سوف تُخلى وتُطهَّر وتُعد لاستقبال المرضى الجدد، ولكن الذي سيحصل في هذه الحالة هو أن الجثمان سيُنقل ويوضع على رخامة في قاعة بجوار الباب الخارجي لحين طلبكم.

فتركناهم يفعلون ما شاءوا بالجثمان … وانصرفنا نفكر في أمر الجنازة … وفي الطريق قابلنا بالمصادفة أحد المعارف … فلما علم بالخبر قال: «يجب إعلان الوفاة بسرعة.»

وذكر لنا أن أسرع طريقة هي طبع إعلانات يد صغيرة تُوزَّع على مقاهي المدينة، وأن هذا يمكن أن يتم في ساعتين … فكلَّفناه بالمهمة … وكان الليل قد دخل … فآوينا إلى منزلنا أنا وأخي … وكان المنزل خاليًا خاويًا بعد سفر والدتي بالخدم، فنِمنا من التعب … أو هكذا خُيِّل إلينا. فقد كنا في حالة من الأرق والقلق واضحة … وإذا الباب يدق … فنهضنا على عجل ونحن نتساءل من ذا يكون الطارق في مثل تلك الساعة من الليل؟ … وفتحنا وإذا به صديق والدنا المهندس «يوسف» … أدخلناه وقد خيمت على وجهه سحابة حزن … سألناه كيف علم بالخبر فقال: من الإعلانات … كان جالسًا على القهوة التجارية وإذا إعلاناتُ يدٍ تُلقى عليه وعلى الجالسين، فظنها — كما قال — إعلانات تياترو، وهمَّ برميها بعيدًا … وإذا بها إعلان وفاة «إسماعيل الحكيم»! وختم كلامه الحزين متنهدًا: «لا حول ولا قوة إلا بالله … إنا لله وإنا إليه راجعون!»

وغرق في الصمت لحظة … وغرقنا معه، ثم رفع رأسه وجال ببصره في أنحاء البيت سائلًا عن المكان الذي يَبيت فيه جثمان الفقيد … فلما علم أنه في المستشفى؛ وفهم منا أن جنازته ستخرج من هناك مباشرة كاد الرجل يصعق، وقال: ما هذا الكلام؟ … أليس له بيت يَخرج منه؟ … يخرج من مُستشفى؟ … كمن لا بيت له ولا أهل ولا محل إقامة؟ هذا لا يصحُّ أبدًا … جنازته لا بد أن تخرج من بيته … هذه هي الأصول.

فقال له أخي: «احنا ما نفهمش في الموت ده …»

وأردفتُ أنا موضحًا: كل ما خطر ببالنا هو اختصار الطريق … والطريق أقصر من المستشفى إلى المقبرة.

فهز الرجل رأسه أسفًا … وسأل عما إذا كُنا قد بلَّغنا المحافظة! … فلما علم أننا لم نبلغ أحدًا صاح قائلًا: يا ناس هذا رجل له مقامه ومركزه … مُستشار سابق لا بد أن تُرسل له المحافظة كم عسكري سواري بجوار النعش.

فقلت: والله في الحقيقة أنا لا أعرف هذه الأشياء … والحمد لله أنك حضرت في الوقت المناسب، والبركة فيك.

فنهض هذا الصديق الوفيُّ النشيط من ساعته وأخطر المحافظة بالتليفون، واتصل بجريدة الأهرام لنشر النعي … ولما فرغ من كل ذلك عاد إلينا يقول: وأين هي المستشفى الذي تركتم فيه الفقيد؟

فلما عرف العنوان خاطب الإسعاف بالتليفون، ثم تركنا وأسرع بالخروج دون أن يَلتفِت إلينا … ومضت ساعة أو ساعتان … وإذا بنا نسمع بوق سيارة الإسعاف على بابنا … فنزلت وفتحت باب الحديقة الكبير … فدخل الصديق المهندس وخلفه رجال الإسعاف يحملون الجثمان … وساروا به في ضوء القمر فوق ذلك الرصيف الطويل، بخُطًى رتيبة وئيدة ذات إيقاع جليل مهيب على ذلك البلاط، في صمتِ الليل الرهيب … فخُيِّل إليَّ أنها جثة «هاملت» فوق أكتاف الأبطال، وُوضع الجثمان في إحدى حجرات الجناح … وكنا قد اتَّفقنا جميعًا على أن يكون تشييع الجنازة في الساعة الثالثة من بعد ظهر اليوم التالي، حتى يستطيع الأهل والأقارب والمعارف الحضور بعد قراءة النعي في الصباح … وبالفعل ما كاد الموعد يَقترب حتى كان كل شيء قد تم إعداده … ونُصبَ صوان أمام البيت، وجيء بالمغسلين … فهمس لي الصديق المهندس أن من الواجب أن أحضر غسله … فحضرتُ … وكان المنظر لا يُنسى … لقد بدأت الجثة في التحلُّل؛ فقد مضى على الوفاة نحو أربع وعشرين ساعة … وكنَّا في مطلع الصيف … وحاول المغسلون أن يكتموا الرائحة بإطلاق البخور … واجتمع في المكان بعض الأقارب والأعمام، فرأيتُهم يبكون البكاء المر أمام المنظر، حتى أولئك الذين كان بينهم وبين أبي قطيعة خلال حياته … ولكن دموعي أنا كانت جامدة كالصخر … لأني كنتُ في وادٍ آخر … كنت أتأمل منظرًا عجيبًا قلَّما يتكرر … منظر وجه أعرفه وأحبه يتحوَّل أمامي تحوُّلات غريبة سريعة … هذا الأنف الذي أعرفه لأبي قد بدأ يتخذ شكلًا آخر … وبدأ يلين كأنه قطعة عجين … والبطن قد انتفخ كأنه بالون يوشك أن ينفجر … معالم والدي أخذت تتفكَّك أمامي، كما يتفكَّك شكل سحابة في السماء ويتلاشى … إن الفناء إذن ليس كلمة تُكتب على الورق ويلوكها اللسان! … كنت أتأمَّل كل ذلك مأخوذًا، وقد نسيتُ تمامًا أن الذي أتأمَّلُه هو والدٌ يجب أن أبكيه.

شخص آخر أيضًا كان مثلي يُراقب الأمور ولكن من زاويته الواقعية — محتفظًا بهدوئه: هو الصديق المهندس … لم يَبكِ مع الباكين … ولكنه كان يُصدر الأوامر والتعليمات إلى المغسلين، ليحثَّهم على الاتقان، ويمنعهم من العجلة و«الكلفتة» … صائحًا فيهم: «بالليفة والصابون من فضلكم … الرغوة تكون تقيلة … امسحوا الكتف بالراحة … هنا ناقص غسيل … الشغل لازم ياخد حقه!» … وهكذا كان ذلك المهندس يُراقب ويدير كل شيء كأنه أمام عمارة يباشر أعمال بنائها أو ترميمها.

وخرجت الجنازة أخيرًا من بيت الفقيد في يوم جمعة من شهر مايو ١٩٣٦م على صورة من المهابة والجلال والوقار لم أكن أتوقَّعها، يحفُّ بالنعش أربعة جنود من السواري على خيولهم المطهَّمة، وسرت أنا وأخي خلف النعش، وسار خلفنا خلق كثير، لم أنتظر حضورهم، ولا أدري من أين جاءوا؟ … لعلهم من معارف والدي أو من عارفي فضله الصامت … هنا فقط، وفي تلك اللحظة، غلبَتني الدموع … وحاولت جاهدًا أن أتماسك؛ حتى لا أجهش بالبكاء وأنا وسط الناس.

وبلغنا المقبرة … مقبرة الأسرة … في ناحية المنارة برمل الإسكندرية، تلك المقبرة التي كان آخر من دفن فيها جدتي سالفة الذكر … وأذكر يوم ذهبنا لتشييع جنازتها أن فقهاء «الترب» بعد قيامهم بمراسيم التلاوة والتلقين … وكذلك «الترابية» بعد أن سوَّوا التربة وانتهوا من عملهم تجمَّعوا حول والدي يسألونه الأجر، فأخرج من جيبه قروشًا جعل ينفحها هنا وهناك، وهو يشقُّ طريقه بين الأيدي الممدودة المتدافعة … فلما علا التصايح بطلب المزيد قال لهم بنبرته الجادة الوقورة الممزوجة بالسخرية الخفية: «المرة الجاية … المرة الجاية!» … ولم يكن بالطبع يدري ولا أحد من الحاضرين يدري أن «المرة القادمة» سيكون هو نفسه المدفون!

منذ ذلك اليوم وأنا أحمد الله أن التخلُّص من هذا البيت الكبير لم يتمَّ في حياته … فقد انتفع به على الأقل في يوم مماته.

١٣

لم أجد إذن في الجو الذي يَكتنفني في ذلك البيت في ذلك الصيف البعيد من مطلع العشرينيات مُشجِّعًا على أي نشاط، حتى ولا المطالعة، كان في عزمي أن أنتهز فرصة إجازة الصيف وأبدأ العمل في مسرحية عن المرأة الجديدة التي أخذت تخلع «اليشمك» خصوصًا بعد مظاهرة السيدات المشهورة وتفريق البوليس لهنَّ وعلى وجوههنَّ البراقع البيض … كان حقًّا من معالم ثورة ١٩١٩م اشتراك السيدات فيها لأول مرة في تاريخ مصر … مما كان يُبشِّر بقرب تحقيق أحلام قاسم أمين في مطالبته بالسفور … وكانت لي أفكار معيَّنة عن مُستقبل المرأة وسفورها أردت أن أبرزها في مسرحية … ولكن جوُّ بيتنا، وخوفي أن يكتشف أهلي ما أفعل، وهبوط همتي لعدم معرفتي مصير ما سبق أن كتبتُ من مسرحيات، كل ذلك أقعدني أيامًا في حالة خمول، فإلى جانب «خاتم سليمان» التي أجهل ما تمَّ في أمرها كنت قد كتبت بمُفردي كما ذكرت تلك المسرحية الأخرى التي أسمَيتها «العريس» وهي الكوميدية الخالية من الألحان، أخذها مني زكي عكاشة ليَقرأها منذ زمن ولا أدري ما صنع بها … وصح عزمي على أن أكتب إلى مصطفى ممتاز لمجرَّد الحصول على أخبار … أي أخبار عن المسرح تنقلني ولو للحظات إلى جو آخر … ولم يمضِ يومان على رسالتي حتى وصلني الرد … خطاب عادي لم يَستلفِت نظري منه شيء … ولكني ما كدتُ أفض غلافه حتى طالعتني من داخله حوالة نقود بريدية صفراء! فاختلج قلبي … كان الخطاب من الصديق مصطفى ممتاز … كتب فيه يقول:

«… قد اتفقت نهائيًّا مع زكي عكاشة في أواخر يونيو الماضي وأمضيتُ عقد الاتفاق، بعد أن كابدت من ألاعيبه وأكاذيبه ما لا يمكن أن يُقدَّر بثمن … ولولا حاجة تدفع بالمرء إلى الأناة وسعة الصدر مما تعلم وما لا تعلم، لمزقت الرواية وقطعت كل صلة لي بهذا الفن المنحوس … وقد حصل الاتفاق على ثلاثين جنيهًا.

هذا ومما يهمك معرفته عن العقد أن فيه بندًا يقضي برد ثمن الرواية إذا لم يُقرَّها قلم المطبوعات.

كما أن فيه بندًا آخر بدفع غرامة مقدارها مائة جنيه إذا أعطيت هذه الرواية نفسها إلى أي جوق آخر … أما عن: «الميت الحي» (وهي مسرحية لأحد زملائنا في التأليف لست أذكر الآن من كان) فقد رأيت إعلاناتها على الجدران … وأما عن نفسي فيظهر أني سأشتغل مع عباس علام في رواية: «خالد بن الوليد». وإن كنت أُفضِّل أن أبحث لنفسي عن موضوع آخر مستقل … هذه هي أهم الحوادث عندي قد أبلغتها إليك … أما عن تقاعدك عن المطالعة أو عمل أي شيء فهو ما لا أراه لك رأيًا… وحبذا لو أنك انتهزت فرصة صفاء الذهن وجمال ما حولك من المناظر لتعمل عملًا جديًّا ممتعًا … وعسى أن يصلني منك قريبًا ما تبشرني به من شروعك في عمل جديد … وتفضل بقبول فائق تحياتي … ودمت لأخيك المخلص … ممتاز».

أعاد هذا الخطاب والحوالة التي بداخله — وفيها نصيبي — إلى نفسي الأمل والرغبة في العمل … فطويت حوالة البريد بكل عناية لحين الذهاب لصرفها … ثم قمت أُشمِّر عن ساعد الجد وأشرع في كتابة «المرأة الجديدة» … وحدث أني تصفحت إحدى مجلات ذلك العهد التي تأتي بأخبار المسارح وما تُعدُّه لموسمها القادم، فإذا بي أرى بين روايات الافتتاح لجوق عكاشة إعلانًا عن «العريس» وعن «خاتم سليمان» … فما إن وجدت روايتي «العريس» يُعلَن عنها في الصحف حتى أيقنت أنها قُبلت، وربما دُفع بها إلى البروفات دون انتظارٍ لتوقيع عقدٍ. كان زكي عكاشة يُعامل المؤلفين كما لو كانوا لا وجود لهم ولا شأن … إذ ما من أحد منا سبق له أن رفض ثمنًا عُرض عليه أو طالب بسحب روايته … كنا دائمًا صاغرين نَقبل ما يُقدَّم إلينا … وحسبُنا أن نرى أعمالنا تظهر على المسرح … كنا كلنا من الهواة المجاهدين … وإذا كنا نَنتظر أجرًا فما ذلك لأنه يُسمن أو يغني من جوع، بل لأنه يُشعرنا على الأقل بوجودنا وبأهميتنا في نظر أنفسنا … وبأننا نعمل عملًا جديًّا مطلوبًا! … على أن هذا العمل كان قبل كل شيء يسرُّنا نحن ويغمر قلوبنا بالسعادة والمتعة … ولم يكن لدينا من الغرور أو حتى من الاعتداد بالنفس ما يجعلنا نظنُّ أننا نعمل شيئًا ما في تاريخ المسرح المصري … كلمة «تاريخ» بالحرف الكبير، وكلمة «أدب» وكلمة «فن» بالمعنى الخطير الذي لاكته الأفواه بعد ذلك زهوًا أو إحساسًا بحمل رسالة عظمى! … كل ذلك لم يكن معروفًا لدينا وقتئذ … كان كل شيء يجري لدينا بسيطًا لا يحمل أكثر من معناه ولا يتجاوز أبعد من حدوده … على أن الإنتاج المسرحي في تلك المرحلة، شأنه شأن الإنتاج الأدبي والفكري، كان أغلبه يعتمد على الترجمة والتمصير والتعريب. وكانت المسرحية الأجنبية المُمصَّرة تُسمى «اقتباسًا»، كما كانت الرواية الأجنبية المُترجَمة بتصرف — كما عند المنفلوطي — تُسمَّى «تعريبًا». و«التعريب» في الأدب و«التمصير» في المسرح ولم تكن كلمة الاقتباس دقيقة المعنى اللغوي … لكنها كانت تعني في العُرف الجاري أن المسرحية ليست تأليفًا خالصًا … ولا ترجمة خالصة … بل هي نقل الموضوع من جوٍّ إلى جو، ومن شخصيات أجنبية إلى شخصيات مصرية أو شرقية … فالاقتباس المصري كان على غرار روايات الريحاني وبديع خيري والكسار وأمين صدقي وعباس علام وسليمان نجيب وأنا في «العريس» … والاقتباس الشرقي كان على غرار «العشرة الطيبة» للمرحوم محمد تيمور، وبعض مسرحيات إبراهيم رمزي، وروايتنا «خاتم سليمان» … إلخ. والعجيب في ذلك العهد هو الشعور الطبيعي بواجب الأمانة الفنية … فإذا رُوجعت إعلانات تلك الروايات لوُجد تحتها كلمة «اقتباس» فلان. إني أحتفظ حتى الآن ببعض إعلانات اليد ذات الألوان الحمراء والخضراء والصفراء للعريس وخاتم سليمان طُبع تحتها كلمة اقتباس بقلم فلان … ما كان أحد منا يسمح لنفسه أن يَكتب كلمة «تأليف» إلا إذا كان هذا قد حدث فعلًا، أو كان ابتكاره أو جهده قد وصل إلى درجة التأليف … أما إذا كانت الرواية مُترجَمة فإن اسم المؤلف الأجنبي كان يُذكر في جميع الإعلانات، مهما تكن قيمة المُترجِم أو المُعرِّب؛ فالمنفلوطي في تعريبه للقصص، وعثمان جلال ومحمد مسعود للمسرحيات؛ كانوا جميعًا يحرصون كل الحرص على إبراز اسم المؤلف الأصلي المُترجَم أو المعرَّب عنه، فإذا لم يتيسر ذلك — لما حدث للمسرحية من تغييرات كادت تنقلها إلى شيء جديد — فكان يكتفي بذكر كلمة «اقتباس» بقلم فلان … وحدث أن أراد عباس علام التحلُّل من كلمة «اقتباس» هذه التي جرى عليها العُرف، فابتدع — ولعله أول من ابتدع — تلك الكلمة الغامضة التي تحمل شتَّى المعاني حين تُذكر بمُفردها وهي كلمة: «بقلم» فكان يضع تحت مسرحياته كلمة «بقلم» وحدها حاذفًا كلمة «اقتباس» التي تسبقها عادة، وبهذا يترك الأمر مُعلَّقًا يُفسَّر كما يفسَّر … هل هو تأليف بقلم أو اقتباس بقلم؟ وأذكر أن النقاد في ذلك العهد تندَّروا بهذه الطريقة بادئ الأمر وأطلقوا عليه فيما بينهم اسم: «عباس علام بقلم» إلى أن شاعت هذه الطريقة بين الكتاب جميعًا وأصبحت شيئًا طبيعيًّا … على أن الاقتباس قد خدم المسرح المصري خدمة مشكورة في مرحلته الأولى … فقد مرن كُتاب المسرح على أصعب ناحية في كتابة المسرحية وهي تلوين الشخصيات … فالموضوع المقتبس لم يكن في حد ذاته ذا أهمية كبرى … فشكسبير … وموليير وجوته كانوا يقتبسون الموضوعات … إنما المُهم حقًّا في المسرح هو ابتكار الحوار وإعادة خلق الشخصيات خلقًا حيًّا جديدًا مبتكرًا … لكن المُقتبِس المصري لم يكن قد وصل إلى هذه المرحلة … لأنها في المسرح من أرقى مراحل الابتكار … كان كل جهده مُنصرفًا إلى ناحية أخرى مهمة بالنسبة إلى تكوينه الفني: هي مجرَّد نسج جوٍّ مصري وصبغ الشخصية الأجنبية باللون المحلي … فجهد عثمان جلال في تمصير «الشيخ متلوف» مثلًا عن تارنوف «لموليير» يحسُّه المشاهد ويلمسه لأول وهلة … كانت هذه الخطوة لا بدَّ منها على كل حال في التأليف للمسرح المصري العربي … وإن كان من العجب أن الاقتباس في المسرح الأوروبي والأمريكي أصبح اليوم بدعة العصر … فكثير من المسرحيات المهمة التي تُعرض الآن في العواصم الكبرى هي اقتباسات يقوم بها كتاب المسرح عن مسرحيات مشهورة ناجحة؛ ففي فرنسا مثلًا قد يدهشنا أن نرى مُؤلِّفًا مثل «سارتر» يقوم باقتباس مسرحية «الممثل كين» عن مسرحية المؤلِّف الفرنسي أيضًا «إسكندر دوماس الكبير» … وأن ترى «جان كوكتو» يقوم باقتباس مسرحية أمريكية هي «عربة اللذة» لتنيسي ويليامز … وإذا تتبعنا المسرح الإنجليزي أو الألماني أو الأمريكي فسنجد مثل هذا أيضًا … على أن الاقتباس في أوروبا وأمريكا وهو المسمَّى «الإعداد أو التكيُّف أو النص الجديد»، يقف عند حد التغييرات في النص لاختلاف روح الدعابة والسخرية والتشبيهات والأمثال ونحو ذلك بين بلد وآخر، فالاقتباس — أي الإعداد أو التكييف — عندهم يقتصر على جعل النص الأصلي ملائمًا لذوق البلد المنقول إليه، ولكنه لا يتعدَّى ذلك إلى تغيير الجو أو الأسماء … لأنَّ الجو الأوروبي والأمريكي مُتشابه في الجملة … فالاقتباس المسرحي عندنا إذن في بعض الأحوال أعقد منه عندهم، إنه أحيانًا يكاد يكون نصف تأليف خصوصًا في تلك الأيام الخوالي التي كنا نكتب فيها قبل سفور المرأة … كان علينا في مجتمعنا الحجابي وقتئذ أن نغير في العلاقات الاجتماعية الموجودة بين الرجال والنساء في مجتمع سفوري … كنا إذا أردنا اقتباس مسرحية أجنبية يَلتقي فيها رجل بامرأة وقعنا في حيص بيص … كيف نضع فوق خشبة المسرح المصري وقتئذ رجلًا وامرأة وجهًا لوجه لا تَربطهما صلة رحم … كان من المستحيل أن نجعل زوجة فلان «تنكشف» على زوج علانة … كنا نتحايل على ذلك بشتَّى الطرق … فنجعل هذه المرأة ابنة عم ذلك الرجل أو أنه هو ابن خالتها، وهكذا … كان الرجال والنساء في جميع مسرحيات ذلك العصر تجمعهم صلة القرابة! … ويستطيع أن يُراجع ذلك من شاء أن يراجع … كان تغير هذه العلاقات الاجتماعية حسب مقتضيات بيئتنا ينتفي تغييرًا في الحوار والشخصيات وبعض مواقف المسرحية، مما يخرج بها كثيرًا عن الأصل، على نحو يجعل معنى «الاقتباس» عندنا مغايرًا تمامًا لمعناه في المسرح الأوروبي أو الأمريكي المعاصر … كان هذا العمل إذن بمثابة مدرسة لتمرين كُتاب مسرحنا، وإتاحة الفرصة لمن أراد منهم أن يفرد جناحيه في المستقبل ليطير بمفرده.

كان لكلِّ كاتب من كتاب المسرح عندنا كاتب أوروبي يفضله، كان عزيز عيد مثلًا مُغرمًا بجورج فيدو … عمل على ترجمة أهم أعماله ترجمة حرفية، وأظهر على المسرح أشخاصها الأوروبيِّين المبرنطين دون تغيير … أما أنا فقد كنت أُعجب بكاتب آخر من كُتاب الفودفيل اسمه: «ألبان فالبريج» اقتبست عنه مسرحية «العريس» … وظل «فالبريج» هذا عَلَمًا في نظري من أعلام المسرحية الفكاهية … إلى أن سافرتُ فيما بعد إلى فرنسا فعلمت لدهشتي أنه كاتب مغمور لا مكان له بين الأسماء الضخمة التي تتألَّق هناك في عالم الأدب … وكان قد شاخ وانزوى … ففي ذات يوم بينما كنت أتصفَّح جريدة «الطان» إذا بي أرى سطرَين لا ثالث لهما في آخر صفحة تنعي «المسيو ألبان فالبريج» كاتب فودفيل، كتبَ بضع مسرحيات وتُوفي عن ثمانين عامًا … فقلت في نفسي: سبحان الله! … أهذا هو فالبريج كله! … وأطرقتُ أسفًا وترحَّمت عليه … ولعلي الوحيد الذي أسف عليه بين ملايين البشر فوق هذه الأرض! … تلك كانت مرحلة الكتابة المسرحية في مصر … أما مرحلة التأليف الفعلي فإنها لم تبدأ عندي على نحو جادٍّ إلا بعد سفري إلى أوروبا والارتشاف من منابع الثقافة الحقيقية والتكوين الحقيقي لبِنيَتي الفكرية.

لكن العجيب في أمري مع ذلك أني في باريس لم أُواصل السير في هذا الخط الذي اتبعته في مصر، خط الفكاهة والفودفيل والأوبريت والمسرحية الجماهيرية عامة … لقد كانت كل هذه الأنواع لم تزل قائمة في فرنسا، فيما يُسمَّى: مسارح «البولفار»، والذي يُماثل يومئذ عندنا شارع عماد الدين بملاهيه ومسرحياته وكُتابه المستولين على ناصية النجاح أمام الجماهير الواسعة … فإن الذي حدث هو أني زهدتُ في هذا الفن السهل، ولم يُغرِني نجاحه الهيِّن المضمون … وسرتُ في اتجاه جديد مع ركْب آخر من الكُتاب والمؤلفين والمخرجين القائمين بثورة تجديد ضد الفريق الأول الناجح … ركْب «إبسن» و«بيراندللو» و«برناردشو» و«ماترلنك» … كُتاب ومُؤلِّفون وجدوا العسر كل العسر في الظفر بجمهور واسع وقتذاك … لأنهم نبَذُوا وسائل التصفيق المعتادة ليشقُّوا طرقًا جديدة … وإذا كانوا قد انتصروا بعد ذلك فبفضل جماعات من المثقفين ما وهنوا وما يئسوا من التبشير بفنهم. ولم أرهم ينتصرون في ذلك الوقت … وقت وجودي بباريس في تلك الفترة … بل رأيتهم في مرحلة جهادهم المُستميت … رأيت إبسن «يمثل» في مسرح صغير أمام جمهور قليل ولأيام معدودات … ورأيت مسرحية «سانت جون» أو «جان دارك» أحدث مسرحيات «برناردشو» تُمثَّل لأول مرة في باريس أمام جمهور قليل من المشاهدين نصفهم لا يفهم لها رأسًا من ذنب … ولم يَجرؤ على تقديمها في باريس يومئذ إلا الممثل والمخرج الروسي الجريء «جورج بيتوتيف» … وقد قام فينا قبل رفع الستار يعلن ويحذر طالبًا منا الصبر قائلًا تلك الجملة التي لم أزل أذكرها: إنه في مثل هذه المسرحيات إنما «يمشي فوق حبل رفيع» … أما «بيراندللو» فكان أحدوثة خاصة للمثقفين من أهل باريس يومئذ، كذلك كانت تُعرض مسرحياته لأول مرة فتدير الرءوس بالاستغراب والاستنكار ولا تسمع ممن في الصالة إلا التهامس.

«هل فهمت شيئًا؟» … «لا» «ولا أنا …»

ما الذي جرفني إلى هذه الفئة؟ ما الذي أغراني بهذا البلاء؟ ما الذي أبعدني عن أضواء النجاح السهل؟ … النجاح «البولفاري» الجماهيري، لست أدري … لعلها نزعة عندي في الحياة والفن … حقًّا، أراني أختار أحيانًا الطريق الصعب الذي يتعذَّر معه النجاح، وأترك الطريق المألوف المعروف المؤدي حتمًا إلى نجاح مضمون. ولعلَّها أيضًا النزعة العقلية الفكرية عند والدي قد وجدت أخيرًا البيئة الصالحة لظهورها في هذه المذاهب المسرحية الجديدة القائمة على الفكر … ربما ومع ذلك فإنَّ هذا الاتجاه عندي لم يجد صعوبة في أن يستقر داخل بيئتنا الأدبية … فالبيئة في بلادنا كانت فعلًا مُستعدة لتقبله … وقد أحسنت بالفعل استقباله … في حين أن البيئة المسرحية كانت لا تزال في وادٍ آخر … وخاصة بعد عودتي من الخارج … فقد اختفت حتى المترجمات الجيدة، وخضع المسرح المصري وقتئذ إلى تيارَين اثنين؛ التيار الإضحاكي، والتيار الإبكائي، وكان لا بد إذن من تيار ثالث هو التيار الثقافي … لذلك أُنشئت الفرقة القومية عام ١٩٣٥م وأُسندت إدارتها إلى الشاعر «خليل مطران»، وعُهد بمسئولياتها الفنية إلى المخرج زكي طليمات، بعد عودته من بعثته في باريس … فافتُتحَت بمسرحيتي «أهل الكهف»، ثم «تاجر البندقية» ترجمة «خليل مطران»، و«أنتيجون» ترجمة «الدكتور طه حسين»، و«الملك لير» ترجمة إبراهيم رمزي … إلخ. مسرحيات هوجمت بحُجة مستواها الثقافي الرفيع … وقد كان بالفعل ظهور مثل هذه المسرحيات دفعة واحدة وعلى مسرح كبير وفي ذلك الإطار الفني الجاد الجاف، شيئًا هزَّ الناس وصدمهم … ونجح الهجوم في القضاء على اتجاه الفرقة بمساعدة الأحزاب السياسية المتذبذبة … على أن الخطأ في حقيقة الأمر كان في عرض مثل هذه المسرحيات العسيرة على جمهور واسع من البداية دفعة واحدة، وهو ما لم يحدث حتى في أوروبا نفسها … وكان الواجب عرضها على مسرح طليعي خاص يُحدد عدد مقاعده ورواده من المثقَّفين. ولو أن هذا حدث منذ ذلك التاريخ … واستمر المسرح الطليعي الصغير في ركن هادئ، بعيدًا عن العواصف حتى رسخ وتطور على مدى تلك الأعوام الطويلة، وتولدت فيه بيئة مسرحية جادة ممثِّلة للتيار الثقافي الذي قصدناه، بمؤلفيها ومخرجيها وممثليها وجمهورها، لكُنا اليوم في وضع آخر … ولكانت مسارح الجماهير الكبيرة نفسها منذ مدة طويلة تطورت وصارت في مستوًى آخر … ولكننا جعلنا المعركة في ميدان أوسع مما ينبغي … وفي مواجهة الجماهير التي اعتاد أكثرها أنواع المتعة السهلة التي يقدمها خصوم أقوياء اعتبروا الاتجاه الجديد تحدِّيًا لوجودهم.

نعم … لقد كان افتتاح الفرقة القومية فعلًا بدء معركة … من دلائل ذلك الخطاب الذي نشرته جريدة الأهرام في عددها الذي صدر بتاريخ ١٨ ديسمبر ١٩٣٥م بعنوان: «من مؤلف أهل الكهف إلى مُدير الفرقة القومية» ربما كان من المفيد أن أنشره هنا … وها هو ذا نصه:

«عزيزي الأستاذ خليل مطران …

أحب أن أثبت كتابة تهنئتي إياك بهذا الفوز المبين … لقد شاهدتُ رواية الافتتاح في ليلتها الرابعة … وتبيَّنت أن الأمر أجلُّ من أن يكون أمر قصة وفرقة … إنما هو أمر إقرار مذهب من مذاهب التمثيل لم يكن مألوفًا في مصر والشرق العربي … فلقد كان المعروف لجمهورنا مِن قَبلُ أنَّ المسارح تؤم للمتعة الرخيصة الزائلة … لا للمتعة العقلية الباقية … حتى قصص شكسبير وأمثالها ما كانوا يُشاهدونها لذاتها ولحوارها، بل لما أُدخل عليها من غناء وألحان أو لما جاء فيها من مواقف مثيرة تهز أعصابهم دون أن ينال حوارها الأدبي من أذهانهم منالًا … إلى أن أمسك بالزمام إمام الصناعتَين، وكأنما أراد القدر أن يقيمه إمام صناعة ثالثة، فبيَّن للناس في موقعة حاسمة أن التمثيل إن هو إلا فصل مجيد من كتاب الأدب العالي … نعم … لقد كانت موقعة … لا بَيني أنا وبين الجمهور كما قال صديقنا الدكتور طه حسين (في جريدة الجهاد) … ولكنَّها بينك أنت وبين المذهب السابق البائد للتمثيل … وقد كان لك النصر … وبانتصارك انتصر الفن الحقيقي … فأهنئك مرةً أخرى … وأهنئ معاونيك ومحقِّقي فكرتك … البارعين ومخرجي وممثلي الفرقة القومية الزاهرة والسلام.»

المخلص

توفيق الحكيم

القاهرة في ١٧ ديسمبر ١٩٣٥م

١٤

انتهت الإجازة الصيفية وعدتُ إلى القاهرة حاملًا مسوَّدة «المرأة الجديدة»، وقد أتممتها … كان شهر أكتوبر قد أقبل، فوجدت مسرح الأزبكية قائمًا على قدم وساق، يُجري التدريبات على «خاتم سليمان» و«العريس» ومسرحية غنائية أخرى اسمها «الدنيا وما فيها» للشيخ يونس القاضي المؤلف المُلحَق بفِرقة منيرة المهدية … كان قد تركها واتجه إلى العكاكشة … ولعلَّ يونس القاضي، وهو أيضًا مؤلف الأغنية المشهورة وقتئذ: «ارخي الستارة اللي في ريحنا أحسن جيرانك تجرحنا.»

لعلَّه الوحيد الذي لم يكن يَقتبس عن مسرحية أجنبية لجهله باللغات الأخرى … لهذا كانت مسرحياته عبارة عن مشاهد غنائية لا رابط بينها ولا ضابط … لكنَّها كانت صالحة كإطار للموقف الغنائي … كان اهتمامي الخاص بالطبع متجهًا إلى مسرحيتي «العريس» وقد قرَّر لي زكي عكاشة نظيرها ولا مردَّ لقراره مبلغ عشرين جنيهًا فقط، بحجة أنها خالية من الألحان، وأنا المؤلِّف الوحيد فيها لا شريك لي … أما «خاتم سليمان» فكانت تدريباتها قد انتهت … وجاءنا كامل الخلعي يسألني أنا ومصطفى ممتاز: «هل الألحان أعجبتكم؟»

فكان ردنا الطبيعي: «نعم أعجبتنا.»

فمدَّ يده قائلًا: «يدكم بقى على البقشيش!» … ووالله ما تركنا إلا بعد أن قبض من مصطفى ممتاز ومنِّي مبلغ جنيه مناصَفة، وأعطانا إيصالًا بذلك قال فيه بالنص:

«استلمت من حضرتَيْ ممتاز أفندي وتوفيق أفندي مؤلِّفَي رواية خاتم سليمان ماية غرش صاغًا كمكافأة على حسن الألحان التي وضعتها في روايتهما … وهذا وصل بالاستلام.»

١١ نوفمبر ١٩٢٤م

كامل الخلعي

مُلحِّن رواية خاتم سليمان

ولستُ أذكر لماذا هذا الإيصال! … ولا مَن الذي طالبه به! … إني لم أزل أحتفظ بين أوراقي بهذا الإيصال العجيب بخطِّ يد ذلك الملحن الكبير الشهير في عصره! … ويا له من فرق بين فنان الأمس ذاك، وفنان اليوم الذي يقتني العمارة والسيارة!

فاتني أن أذكر أن «خاتم سليمان» تلك لم تكن في الواقع أول مسرحية غنائية لي … فإني قبيل أن أعرف مصطفى ممتاز، وبعد أن وقع في يدي ذلك المجلد الذي اشتريته لمسرحيات «ألفريد دي موسيه» وكان عنوانه «كوميديات وأمثال»، اخترتُ من بينها كوميدية تُسمى «كارموزين» استخرجت منها عام ١٩٢٢م مسرحية غنائية كاملة «أوبرا» جعلتها فرعونية باسم «أمينوسا» نظمتُ بعضها ثم انصرفت عنها، فأخذها مني زميل لي في الحقوق (محمد السعيد خضير وكيل مجلس الدولة بالمعاش) لإتمام نظمها … ولم أدرِ ما فعل بها … إلى أن أخبرني يومًا أنه سلَّمها للعكاكشة … وكان في شأنها أخذ وردٌّ مع سيد درويش الذي قيل إنه طالَبَ بأجر ضخم لتلحينها … فسلَّموها إلى كامل الخلعي … فكان في شأنها أيضًا أخذ ورد، كما هو وارد في إشاراتٍ كتَبَها كامل الخلعي بخطه على ورقة لم تزل موجودة عندي هي الأخرى … وهذا نصُّها:

«رددتُ هذه الرواية ثانية إلى جوق إدارة شركة ترقية التمثيل العربي بعد أن ألَّفتُ موسيقية نصف فصل منها … لأننا لم نتَّحد على ثمنها من جهة … ولأن أرباب الأدوار فيها لا يَأخذون غناء أدوارهم إلا بعد أن يذهب أغلبه ضياعًا لطول الوقت.»

أول مارس ١٩٢٣م

كامل الخلعي، الموسيقي بمصر

«ورُدَّت إليَّ ثانية في١٠ ديسمبر ١٩٢٤م … ولكن بعد أن ذهب تلحين ما ألَّفتُه تمامًا … وسأبدأ بوضعها بإتقان وتُؤَدة … وسأجتهد أن تخرج للناس بعد مضيِّ ستة شهور من تاريخه … لأنها تحتاج إلى تنقيحٍ في نَظمها الشِّعري وإبداع في تأليفها الموسيقى …»

١٠ ديسمبر ١٩٢٤م

كامل الخلعي، الموسيقي بمصر

ولم أعرف ماذا تمَّ في أمر تلك المسرحية … ولم أحرص على معرفة شيء عنها … ولم أُقابل كامل الخلعي منذ ذلك اليوم الذي قبض فيه منا مبلغ الجنيه مناصفة بيني وبين شريكي … ولكن المسرحية على كل حال لم تَظهر واتجه النشاط إلى إعداد مسرحيات أخرى؛ فقد كانت المنافسة شديدة في ذلك الموسم بين مختلف الفِرَق … ولستُ أدري كيف كانت القاهرة وقتئذ تحتمل كل تلك الفِرَق المسرحية من مختلف الأنواع دون إعانة أو رعاية من الدولة … كان الفنان في ذلك العهد يُعاني من شظف العيش ومن الإنكار والاستنكار، ولكنه يصمد … لأن روح الفن وجذوته الملتهبة المضيئة في أعماقه كانت تدفئه وتُنير حياته الشاقة، كان يَكفيه تشجيع الجمهور الواعي. وكان الجمهور يُقبل على المسرح لأنه لا يجد غيره … فالسينما المصرية الصامتة أولًا، وفيما بعدُ الناطقة، لم تكن قد ظهرت بعدُ … إنَّ السينما حقًّا قد أثرت — حتى في أوروبا — على المسرح في أول الأمر، إلا أنَّ الجماهير ما لبثت أن عادت إلى المسرح بعد أن أخذ يُجدد في وسائل تعبيره ليشعر الناس أن خصائصه مختلفة عن خصائص السينما حتى وإن نطقت.

كان من علامات ازدهار المسرح المصري في ذلك الوقت نجاح فرقة رمسيس التي أُنشئت حديثًا، واستطاع يوسف وهبي مؤسِّسها أن يقف في الدرام أمام جورج أبيض في التراجيديا، وأن يخرج فيها مسرحيات قيِّمة مُمتازة مثل «غادة الكاميليا» أبرز فيها نبوغ الممثلة الكبيرة روزاليوسف … بل لا أدلَّ على نهضة المسرح وقتئذٍ من أن تُعرَض نفس المسرحية على مسرحين مختلفَين في نفس الوقت. كان عزيز عيد قد انفصل بعد ذلك عن فرقة رمسيس وأسَّس مع فاطمة رشدي فرقة جديدة منافسة تعرض تقريبًا نفس الموضوع … فرأينا يومًا هذا المظهر الفريد في بلدنا … كلا الفرقتين يعرض في نفس الأسبوع نفس المسرحية أظنها «النسر الصغير» أو «يوليوس قيصر» لستُ أذكر بالضبط … المهم أن الجمهور ما كان يضيق بذلك، بل كان يرحب بهذه المنافسة الفنية الرائعة … ويذهب إلى الفرقتين معًا ليشاهد ويقارن … وكان على فرقة عكاشة كي تثبت أمام المنافسة أن تتخصَّص في نوع معين. وتخصصت بالفعل في الأوبريت والأوبرا والمسرحية المصرية اللهجة والشرقية الجو، وتخصَّص الريحاني والكسار في الفرع الهزلي الاستعراضي.

وظهرت «العريس» وكذلك «خاتم سليمان» سنة ١٩٢٤م … وقد حرصتُ أول الأمر على أن أحذف اسم الأسرة من الإعلانات، حتى لا أستلفتَ نظر أهلي … جعلت اسمي — وخاصة في الإعلانات الأولى — هكذا: «حسين توفيق» … فقط لا غير.

وبهذا ظل أهلي إلى وقتٍ ما لا يشعرون بشيء مما أفعل في هذا الجو والمجال.

وما كدت أفرغ من تقديم «المرأة الجديدة» لفرقة عكاشة، حتى شرعت في كتابة مسرحية غنائية «أوبريت» هي «علي بابا»، التي عُهد بتلحينها إلى «زكريا أحمد» كما عُهد بنظم أغانيها كما رغبتُ إلى «بديع خيري» … وذلك بعد أن أتممتها وأرسلتها إليهم من الخارج؛ ولعلِّي لم أُرسلِ النَّظم الذي بدأته، لبُعدي عن الملحن … فقد كنت سافرت إلى فرنسا بعد قيدي في جدول المحامين … لم يكن هناك بالطبع ما يبشر وأنا بالحقوق بأي رغبة عندي في تلك المهنة مهنة القانون، وأنا الذي ما كان يصاحب إلا أهل الفن. حتى أثناء الدراسة … كنت أوالي حضور التدريبات «البروفات» يوميًّا … وكنت أحيانًا كثيرة لا أكاد أغادر خشبة المسرح. وأودُّ لو ألتصق بها التصاقًا طول نهاري، بضوئها القليل وضجيجها الكثير أمام صالة مقفرة نهارًا غارقة في الظلام … ومع ذلك كان كل شيء أمامي زاخرًا باهرًا، حتى مشاكل أهل الفن كان يحلو لي مُتابعتها والاشتراك فيها … كانت مُمثلتنا الأولى ومطربتنا في روايتنا «خاتم سليمان» لا تَعرف القراءة ولا الكتابة … فعيَّنوا لها شخصًا يُحفظها دورها … فكنت أراها في ركن بين الكواليس، على «المرسح» (هكذا كانت تلفظ كلمة المسرح وقتئذ) وهو يُحفِّظها الدور كلمة كلمة، كأنها دجاجة يُلقى إليها الطعام حبة حبة … بينما الملحن «كامل الخلعي» يُجري «بروفة» على ألحانِ المجموعة ويَصيح على قائد الموسيقى وشيخها المتمكن وقتئذ «عبد الحميد علي»: «يا سي عبد الحميد! … الموسيقى في ناحية واللحن في ناحية!»

ويدبُّ بينهما الخلاف … فيلتفت إليَّ الخلعي قائلًا: «اشهد بالحق يا توفيق أفندي!» وكثيرًا ما أكون بمُفردي في بروفات الصباح؛ لأن شريكي مصطفى ممتاز لا يُمكن أن يزوغ من أعمال وظيفته بوزارة الداخلية كما أستطيع أنا الزوغان من مدرسة الحقوق! … لذلك كنتُ أتحمَّل أنا وحدي نفقات الجنون الفني للمُلحن العبقري، وصياحه بين لحظة وأخرى: «اعدلوا لي دماغي بسيجارة وإلا وشرفكم أبطل الشغل النهاردة!» … فكنتُ أبادر، خوفًا من وقف تدريبات روايتنا، إلى شراء علبة سجاير من جيبي أُعدُّها خصوصًا لمثل هذه الأزمات.

أما روايتي «العريس» التي لم يكن بها ألحان؛ فإن كل شيء فيها كان يجري بهدوء أثناء تدريباتها … اللهم إلا ذات يوم رأيت مُمثلًا قديرًا حقًّا يقوم بدور حلاق في الرواية، لم أكن أبصرتُه من قبل بين أفراد الفرقة … فلما أعجبني إتقانه لدور الحلاق، وسألت عنه، قيل لي إنه ليس ممثلًا ولكنه حلاق حقيقي، دكانه قريب … وقد جاءوا به استسهالًا، نصحت قائلًا: «وافرضوا يوم التمثيل كان يَحلق لزبون في دكانه، هل يَترك ذقن الزبون ويَحضُر ليؤدي الدور؟! … أو افرضوا أن الفرقة سافرت بالرواية إلى الأقاليم، هل سيُغلِق دكانه ويسافر معكم؟» … فهدءوا من ثائرتي ضاحكين قائلين: «ساعتها يحلها ربنا!»

ولا أدري حتى اليوم أكان ذلك منهم جدًّا أم مزاحًا … هكذا كان حضور تلك البروفات من أمتع لحظات حياتي في ذلك العهد … وكانت محبة أهل الفن هؤلاء لا تَعدلها عندي صحبة … حتى وإن لم يوجد عمل أو رواية تربطنا … لم يكن يمضي عليَّ يوم وأنا في مصر قبل سفري إلا وأذهب إلى جوقة عكاشة، أجالس الممثلين والملحنين … أذكر ذات يوم أني جلست أتحدث مع الملحن المشهور «داود حسني» … في مسرحية «الأوبرا» شمشون ودليلة.

كانت أول أوبرا كاملة عربية … وقد لاقت نجاحًا كبيرًا … وإنه لمن العجب حقًّا أن تُعرض بنجاح وقتئذ مسرحية كلها غناء دون أي كلام … كان داود حسني يُصغي إلى حديثي وهو يترنم بلحن دور جديد للمطربة «نعيمة المصرية» … وإذا هو يلتفت نحوي فجأة ويقول: «فكِّر لنا في كلمتين من كلامك لنعيمة المصرية!»

وظل يُغريني بكتابة بعض الأغاني للتخت … ولم أتقبل الفكرة بتحمس، وإن كنت بدأت وأنا في جلستي معه أنظم مطلع أغنية لمجرَّد إرضائه على نسق أغاني تلك الأيام … ومطلعها على ما أذكر: «حلو القوام ينسى قوام، والحب عنده مالوش دوام.»

فقال لي وهو يهز رأسه: «حلو! … كمل!»

ولكني لم أكمل ولم أستمر … وفتر اهتمامي وانصرفت به إلى الحديث في الأوبرا … وقد كان في حديثه وسماته وملبسه على نقيض كامل الخلعي، كان يبدو عليه الاتزان والوقار إلى حد يكاد يُخرجه عن طراز أهل الفن … كان في هيئته ومظهره أقرب إلى الموظف الكبير المحترم … ولكن ما إن يأتِ ذكر الموسيقى والفن حتى تَنفجِر من نفسه كل كوامن الفنان … أخرج لي من جيبه كراسة قال لي إنها أوبرا جديدة عُهد إليه بتلحينها … تناولتُها من يده ونظرت فيها فإذا هي أوبرا فرعونية بعنوان «ليلة كليوباترا» تأليف «حسين فوزي» … وأردف داود حسني مضيفًا أنها سُلمت إليه بعد أن رفض «كامل الخلعي» تلحينها … فقد كان نظمها لا يسير على طريقة الشعر كما يفهم الخلعي الذي اعتاد القصيدة الغنائية على غرار شعر «فرح أنطون» وعلى نسق:

إن لم أَصُن بمُهنَّدي ويميني

ملكي فلستُ إذن صلاح الدين!

كان نظم «ليلة كليوباترا» أحيانًا قصير الأبيات جدًّا، لا تتعدَّى فيه الشطرة كلمتين، وطويل البحر إلى حد يملأ الصفحة … فلما رأى كامل الخلعي ذلك صاح منفجرًا: كيف يمكن تلحين ذلك؟! … هذا شريط ترمواي وليست قصيدة!

ولم يرَ كما رأى بعده داود حسني: إن مثل هذه البحور تُتيح للتلحين أنغامًا أكثر تحرُّرًا وتمشيًا مع طبيعة الأوبرا، ويظهر أن كامل الخلعي لم يَقلب بقية الصفحات ليرى التنوع في البحور والقوافي والأوزان … ومضيت في قراءتي لمنظومات الكراسة وأنا أعجب لرفض كامل الخلعي مثل هذا العمل الجيد … ولا شك أن سابق تجربتي وخبرتي الماضية في نظم الأوبرا الفرعونية «أمينوسا»، جعلني أقدَر من غيري على الحكم والتقويم الصحيح لمثل هذه الكراسة … واستغرقت فيها وطال استغراقي، فلم أعد أشعر بما حولي، إلى أن نبَّهَني داود حسني وهو يقول: «جرى إيه؟! … أنت المطلوب منك تلحينها أو أنا؟!»

فرددتها إليه وأنا أُوصيه بها خيرًا … وسألته عن مؤلفها الذي لم أكن سمعت باسمه، فوعدني أن يريني إياه عندما يأتي إلى التياترو … وحدث بالفعل أن أشار لي داود حسني ذات يوم إلى شخص يدخل من باب التياترو وقال: «ها هو يا سيدي المؤلف!»

فنظرتُ فوجدت شابًّا حليقًا يضع رباط رقبة على شكل أنشوطة عريضة جدًّا مما يضعه المُصوِّرون والموسيقيون «الرومانتيك»! … كان مظهره مظهر فنان حقًّا … أقرب إلى أن يكون رسامًا أو موسيقارًا! … أما أنا فلم يكن لي من مظهر الفنان إلا الشارب الحليق … تلك كانت علامة الفن وقتئذ … إذ ما من أحد في ذلك العهد كان يَجسر على حلق شاربه إلا الفنان … أذكر أن بعض المعارف من غير أهل الفن قابَلَني ونظر في وجهي ثم صاح: «أين شاربك؟»

فردَّ عليه أحد العارفين بهوايتي: «عامل فنان يا سيدي!»

ذلك أن إطلاق الشوارب وفتلَها أحيانًا وتبريمها كان هو الطبيعي المألوف … أما ذلك الذي يزيل شاربه فهو الخارج على إجماع الناس، المُنخرِط في زمرة أهل الفن والعياذ بالله!

ولست أذكر أني حادثت «حسين فوزي» في ذلك اليوم … فقد مرَّ أحدنا بالآخر عن بُعد كما تمر الأطياف البعيدة أو الظلال المنعكسة فوق الجدران … إلى أن تقابلنا في باريس … ونشأت بيننا الصداقة.

كان الدكتور حسين فوزي مُتخرِّجًا في مدرسة الطب وينتمي إلى العلم … وكنتُ أنا متخرجًا في مدرسة الحقوق وأنتمي إلى القانون. وجئنا إلى باريس … هو للتبحر في دراسة العلم … وأنا للتبحر في دراسة القانون … وقد استطاع هو الجمع بين العلم والأدب والفن، وخاصة الموسيقى … ولم أستطع أنا التفرُّغ للقانون، وجرفني الأدب والفن جرفًا … حتى انتهيت إلى الانقطاع لهما كل الانقطاع.

١٥

عندما أصبح امتحان الليسانس على مدى شهرين، لم أكن قد بدأت في الاستذكار الجدِّي … كنت منذ عامين قد غادرتُ مسكن الأعمام — لأن العم المدرس كان قد شرع في الزواج — واتخذت لنفسي مسكنًا صغيرًا في حي شبرا، ما لبث أن لحق بي فيه أخي الأصغر «زهير» … جاء والتحق بمَدارس الفرير بالخرنفش، استعدادًا للتقدم منها إلى الشهادة العامة … فهو وإن كان قد بدأ دراسته الابتدائية في مدرسة محرَّم بك بالإسكندرية، إلا أنه سرعان ما اضطر إلى تغييرها … ذلك أن مدرسة محرَّم بك كانت وقتئذ — ويا للعجب العجاب — هي المدرسة الابتدائية الأميرية الوحيدة للإسكندرية كلها بضواحيها! … ولما كان بيت الأسرة في آخر الرمل … فقد كان عليه أن يستيقظ كل صباح في الساعة الخامسة في برد الشتاء القارس ليصل إلى مدرسته قبيل الثامنة.

هذا الإرهاق قد اضطره إلى ترك هذه المدرسة والالتحاق بمدرسة قريبة في حي الرمل بباكوس. كانت بالطبع مدرسة أجنبية، فلمَّا أتمَّ بها المرحلة الابتدائية، ولم تكن تُعد للمرحلة الثانوية، كان عليه أن يَلتحِق بمدارس فرير الخرنفش بالقاهرة … وهكذا نزل معي في ذلك المسكن. واستأجرنا خادمًا يُعنى بشئوننا من طبخ وخلافه … لم يكن أحد من أهلنا يستطيع الإقامة معنا بالقاهرة … لا والدي ولا والدتي، لما سبق بيانه من اشتغالهما بالهدم والبناء والأطيان والرهون … عشنا بمُفردنا معًا … ولم يكن أخي مجدًّا كل الجد هو الآخر في دراسته … فقد اتَّجه ميله إلى تعلم الرقص وحضور حفلاته، وكانت تدهشني جرأته في ارتياد فنادق كبرى مثل الكونتننتال ليُراقص مَن يُراقص وليس في جيبه أكثر من خمسة قروش … فاجأته ذات مساء وهو يقصُّ بالمقص أحد جواربي السوداء ويفصل منه شيئًا كالأنشوطة «الفيونكة»، ومضى هكذا بكل جرأة ليدخل الكونتننتال حيث كانت تقام حفلة راقصة كبرى بملابس السهرة! … قلت له مذعورًا: أنت تدخل هكذا هناك لترقص، وأنا أنتفض من الرهبة لمجرَّد سيري أمام هذا الفندق؟! … ثم أين نقودك التي ستدخل بها هذا المكان؟! … فكان يخرج لي من جيبه القطعة الفضية ذات الخمسة القروش ويقول باسمًا هادئًا: «المسألة في غاية البساطة … أجلس على أي مائدة وأضع ساقًا فوق ساق وأطلب «واحد غازوزة» ثمنها مع البقشيش لا يزيد على خمسة قروش وأظلُّ أرقص طوال الليل!» إني دائمًا أحسد أخي على جرأته هذه … وفي فرنسا كان حاله أعجب … لحقَ بي بعد انتهائه من المرحلة الثانوية بالخرنفش، ليدرس الزراعة في مدينة «تولوز» … فكان يأتي إلى زيارتي في باريس في إجازات رأس السنة أو عيد الفصح، وكنتُ أنا غارقًا في الكتب … أجاهد في خضمِّ معركة ثقافية مضنية، فهالني يومًا أن أراه هبط عليَّ واستولى في غفلتي على البدلة الجديدة الوحيدة التي جعلتُ أوفِّر وأدبر ثمنها عامًا كاملًا، ولم أكن لبستُها بعدُ، ضننت بها على نفسي، فإذا بي أراها عليه … وقد جال بها جولة في «الشانزيليزيه» وعاد مُصطحبًا فتاتين فاتنتَين، طالبًا مني أنا القيام بمهمة العشاء، باعتباره ضيفًا عليَّ في باريس … فلما غمزتُه لضيق ذات اليد وهمست له: «النساء سهل، ولكن عشاءهن صعب!»

قال محاولًا إقناعي: «وهل أنا أخطأتُ إذ فكرت فيك … طبعًا واحدة لك واختر أنت التي تُعجبك منهما، أما أنا فالكل عندي سواء!»

ومع ذلك فأخي هذا لم يَعرف الحب في حياته … على كثرة ما عرف من نساء … أقصد الحب كما كنت أفهمه ويَفهمه الخياليون والعاطفيون من أهل الشعر والفن … فكما أنه لم يترنم قط في حياته ببيت واحد من الشعر، فإنه لم يلتهب قلبه مرةً بهذا الذي نسميه نحن «الحب» … وهو لم يكن يُطيق المقام طويلًا في مدينة واحدة، على نقيضي أنا الذي لم أتحرَّك من باريس، فهو قبل «تولوز» ذهب إلى «جرينوبل». وبعدها إلى «ستراسبورج» ثم إلى «ليل» … وفي كل مدينة له مغامراته … وهو يكثر من التدخين إلى حدٍّ مُزعج … وأنا ما وضعت قط في فمي سيجارة … ويُعنى بملابسه عناية فائقة، وأنا ما حملتُ قط في حياتي منديلًا حريريًّا … أو لبست قفازًا ولا حتى في أشد أيام الشتاء بردًا … لم أُدلِّل نفسي قط باقتناء مثل هذه الأشياء البديعة … وتصادف أن اجتمعنا مرة في مصيف بأوروبا بعد أن كبُر واشتغل بالزراعة. فلما نزلت من القطار … وكان هو قد سبقَني واستقبلني على المحطة، دهش إذ لم يجد بيدي غير حقيبة واحدة صغيرة فيها كتب، وليس معي غير بذلة واحدة هي التي علي … ومضى بي إلى فندقه فإذا بحقائبه تمتلئ بنحو ستِّ بدل على كل لون، مع عديد من فاخر الأحذية ومجموعة من أربطة العنق الحريرية الثمينة … إنه كان دائمًا يتنقل هكذا بهذه الملابس كلها … ومنذ كان طالبًا في فرنسا برع في لعبة «البوكر» … وكانت في باريس وقتئذ «شلة» من عتاة المصريِّين شبه المنفيِّين اجتمعوا في شبه عصابة قمار لاصطياد أغنياء مصر القادمين للفُسحة … كنا نعرف القهوة التي يجتمعون فيها، أنا وغيري من الزملاء الجادِّين فنهرب منهم بجلدنا … وإذا بأخي هذا قد هبط عليهم — ولستُ أدري كيف — ففرحوا به واستعدُّوا لاصطياد ما معه … فلم تمض ساعة حتى كان هو الذي اصطاد ما معهم وتركهم كالمجانين … ولقد برع قديمًا في السباحة أيضًا — وأنا لم أعرف العوم في حياتي — حتى كاد يُصبح ذات يوم من أبطال السباحة لولا إصابته بالربو … ثم حذق الرماية وكاد يُصبح من أوائل أبطالها في نادي الصيد، لولا المرض الذي أقعده … هذا هو شقيقي الوحيد، كنتُ أتمنى أن تكون لي مثل هذه الطبيعة المنطلقة … على أنه فوق هذا حادُّ الملاحظة، سريع الفهم، نافذ الذكاء … ألمس ذلك من آرائه في كل ما يتصل بميدان عمله المباشر: الزراعة مثلًا أو جماعات الناس المختلفة التي خالطها أو صادفها في حياته … إنه هو الذي كان يجب أن يكون الفنان … وأنا المزارع … ولو تمَّ ذلك لظفر الأدب والفن في بلادنا بإبداع حقيقي … ومع ذلك لم تجمع بيننا ظروف الحياة كثيرًا … فنحن لا نتراسل ولا نتزاور … حتى في أشد حالات المرض … ولا يؤثر ذلك في حب أحدنا للآخر … أطول فترة عشناها معًا كانت تلك التي أتحدث عنها … أيام ذلك المسكن الصغير في حي شبرا … أي عندما كنا في مطلع الشباب الأول؛ هو يُحضر للتقدم إلى الشهادة الثانوية العامة، وأنا أحضر لشهادة ليسانس الحقوق … وكان كلٌّ منَّا في شأنه … ولست أذكر كيف ومتى كان يراجع دروسه … في أي حلبة رقص؟! … فقد كنتُ في أواخر العام لا أعرف لي رأسًا من قدم … كان الشك قد بدأ يساورني … هل أستطيع حقًّا الحصول على الليسانس ذلك العام؟ … وقد أضعت أكثر شهوره بين المسارح والفنانين والملحِّنين! … وإذا لم أحصل عليها فكيف أُري وجهي لأهلي؟ … وإذا علموا أن الفن هو السبب، فسوف تكون الطامة أكبر! … كان جميع أصدقائنا الظرفاء من المطَّلعين طول العام على أحوالنا ولهونا أنا وأخي يهزُّون الرءوس أمام خيبتنا الثقيلة ويقولون ساخرين: «والله مسكين إسماعيل الحكيم … أنجب وخلف!»

قرأ أخي ما كتبته عنه هنا وضحك … وانتظر حتى نلتقي في الصيف ليضيف بعض ذكرياته، ولكنه تُوفي قبل أن ألقاه بشهر واحد … وكأن كتابتي عنه كانت تأبينًا … ذهبت إليه فوجدته مُسجًّى على فراش الموت، وكانت عيناه مغلقتَين نصف إغلاق، ألمح بين الجفون غير المطبقة تمامًا بَريقَهما المعتاد … ولكنه بَريق جامد … لكني لاحظت على شفتيه انفراجًا بسيطًا كأنها ابتسامة … نعم … إنها هي ابتسامته الساخرة … كأني به يسخر من الموت … كأني أسمعه يقول بمهارته السابقة: «أنا ما أفهمش في الموت ده!» لقد هبط قلبه فجأة ودهمه الموت قبل أن يأتوا له بفنجان من الشاي … مع مثله الذي كان لا يؤمن بالموت حتى وهو في مرض دائم طويل، لم يكن أمام الموت إلا أن يأخذه على غرة … ومع ذلك فهذه الابتسامة كأني بها تقول للموت: «ولو» … رحمة الله عليه!

•••

لم أجد غير وسيلة واحدة أن أحبس نفسي الشهرَين الباقيَين حبسًا تامًّا مع الكتب أستوعب ما فيها أو أموت دونها! … وحبست نفسي بالفعل في المسكن لا أتخطَّى عتبته إلى الخارج مدة الشهرين … وكانت لحجرتي نافذة تُطلُّ على نافذة حجرة في منزل مجاور … اتضح لي بعد قليل أن ساكنها هو «حلمي بهجت بدوي» … زميلي وقتئذ في الحقوق كنت أبصر شبحه من حجرتي وهو مُكبٌّ على كتبه في حجرته تحت المصباح … يستذكر المقرر بجلَد وإصرار … وكنتُ كلما أعياني الجهد وأضناني السهر … وأخذ مني التعب ولعب النعاس بجفوني، واصطدم رأسي بالكتاب الذي بين يدي من الإغفاء المباغت، وحدثتني النفس اللعينة بترك كل شيء والذهاب إلى الفراش … لاعنًا الليسانس ومتاعبها، لاح لي شبح «حلمي بهجت بدوي» صامدًا كالصخر مواصلًا العمل والدرس بصلابة وعناد، فأفيق لنفسي وأعود إلى كتبي وأنا أقول: «ما دام هذا الزميل ساهرًا ما يزال … فكيف أنام أنا المُحتاج أكثر منه إلى ساعة واحدة!»

لم يكن «حلمي بهجت بدوي» في الحق محتاجًا إلى كل ذلك العناء في آخر العام … فقد كان منقطعًا للدراسة من البداية، لا يَشغله شاغل ما كانت تربطنا بعد أي صداقة … كانت مجرد معرفة، نبَعَت من مجرد لقاء قديم عابر في المرحلة الثانوية بالمدرسة العباسية بالإسكندرية … كان فيما أذكر يستلفت النظر في المدرسة بصِغَر سنِّه، فلم يكن من زمرتنا ولم يكن هناك كذلك من شيء يؤكد الصلة بيننا في مدرسة الحقوق … على العكس … كانت الحرية التي وجدناها في المدارس العليا مما يُفكك الروابط بين الطلاب … وخاصة الحرية التي منحتها لنفسي في الحضور والغياب لمشاغل الفن! … وما كانت الصداقات و«الشِّلَل» تتكون هناك إلا على أساس التقارب في السن والطول والضخامة والميول والنزعات والمشارب … كل ما كنت أعرفه عنه وقتئذ هو ما يعرفه عنه الجميع من أنه أحد الطلاب الخمسة الأوائل المُبرزين النابغين المحافظين على ترتيب الأولوية في كل امتحانات النقل السابقة … وكنت أتطلَّع إليه من بعد مع رفاقه الخمسة الأوائل دائمًا، وكأني أتطلَّع إلى ظواهر خارقة، ولسان حالي يقول: «لو تكرَّموا علينا بعُشر ما في رءوسهم لننجح به؟»

لم يكن قطُّ «حلمي بهجت بدوي» هو التلميذ الصغير العادي الذي صادفته في المدرسة الثانوية … ذلك الذي كنت أراه العصر بعد انتهاء الحصص، يتلكَّأ في العودة إلى منزله، لينضمَّ إلى فريق الكرة «الشراب»! … في أرض فضاء خارج المدرسة … لم أكن بطبعي ميالًا إلى أي نوع من أنواع الألعاب … اللهمَّ إلا لعبة «محولجي السيمافور» وأنا غلام، عندما كنا نقطن في دمنهور على شريط السكة الحديد … كانت نافذة حجرتي مجاورة لكشك الإشارات … فوضعت عليها من الخارج قطعة خشب طليتها بلون «السيمافور» فكنت إذا رأيت «السيمافور» الحقيقي مفتوحًا لمرور القطار فتحت أنا أيضًا سيمافوري … وتنبه ذات مرة عامل الإشارات «الحقيقي» إلى عملي فضحك وصار قبل أن يفتح السكة للقطارات يَنظر أولًا إلى نافذتي ويغمز لي بعينه أن «خد بالك القطر ظهر، افتح له السكة»! … تلك هي اللعبة التي كانت تروق لي في صباي وتملؤني متعة وسرورًا وزهوًا أن أتصوَّر نفسي أفتح السكة للقطار … أما ألعاب الجري المألوفة في الصغر، فلم تكن مما يروق لي كثيرًا … ويظهر أن أهلي لاحظوا ذلك … فقد دهشوا إذ رأوني ذات عصر أجري في الشارع بخلاف عادتي لاعبًا مع بعض صبية الجيران، فلما تحروا الأمر اتَّضح لهم أني أجاريهم توسُّلًا إلى غرض آخر؛ هو أن أظفر بدعوة منهم إلى حفل فرح أقيم عندهم تُلقى فيه الأغاني والفصول الفكاهية من بعض المطربين المشخصين. كذلك لم أتعلَّق بألعاب التسلية مثل الطاولة، ولقد حاول والدي نفسه عندما كبرت قليلًا أن يُعلِّمني الطاولة التي كان يعرفها كما يعرف كل شيء لمجرَّد المعرفة في أحد المقاهي، لقتل الوقت، وقد كنت معه مرة وهو في انتظار أحد السماسرة، ولكن هذه اللعبة أيضًا لم تدخل عقلي ولا مزاجي … بل حتى أصدقائي فيما بعد لم يستطع تحمسهم للطاولة أن يغريني … كنت أتركهم هم يلعبون ويزعمون لهم أني أراقبهم، وأطلق العنان لأشطح مفكرًا في أشياء أخرى … ولعل خصلة «السرحان» جاءتني من هنا … وكنت أحيانًا أحاول أنا إغراءهم بترك الطاولة والدخول في مباراة أجدى في صورة جدل حول موضوع من الموضوعات … وخُيل إلي بعد ذلك أني كدت أتعلق بلعبة «البلياردو»؛ لأنَّ من الممكن أداءها والعقل يفكر في شيء آخر … وهذا خطأ … فكل لعبة يجب أن تمارَس لذاتها بكل الجوارح، وفشلت فيها أيضًا … وهذا من أكبر أخطاء حياتي ألا أتعلَّق بلعبة … تركت حياتي جافة مجردة.

أما الألعاب الرياضية أو البدنية في المدارس، فما كانت أيضًا تستهويني … لذلك كنت أجتاز هذا الفريق المتحمس لكرة «الشراب» عند انصرافي من المدرسة دون أن أتوقَّف لأُلقي عليهم نظرة … إلى أن كان ذات عصر، وجدت «حلمي بهجت بدوي» قد اعترض طريقي وقال لي: «تعالَ قف حارسًا للمرمى في فريقنا، لأنه ينقصنا واحد …»

فلما اعتذرت بقولي إني لا أعرف هذه اللعبة، قال إنها من أسهل الأمور، وما عليَّ إلا أن أقف بين حجرَين يُمثلان المرمى، وأمنع الكرة من الدخول بينهما … وقبل أن أجيب كان قد أحاط بي هو وفريقه ووضعوني وضعًا وسط مرماهم … ودار اللعب أمامي حامي الوطيس، وتلاطم موج المتزاحمين من الفريقين، وجعلوا يتدافعون بالمناكب ويتقاذَفون الكرة بالأقدام، واحتدم اللعب وعلا اللجب واشتدَّ الضغط على المرمى الذي أنا حارسه … وانتشر التراب فوسخ الثياب … وثار الغبار فأعمى الأبصار وملأ الخياشيم فتركت المرمى إلى مَن ينعاه، ورحت أسبُّ مثل هذه اللعبة السخيفة … وأسخر من لاعبيها … وما من واحد منهم قد فطن في زحمة الهجمة والمعمعة إلى أن المرمى خالٍ خاوٍ لا حارس له إلا الله! … على أن عين حلمي بهجت لم تلبث أن لمحَتْني فاقترب مني وقال برفق: «أرجوك المسألة جدٌّ وتُهمنا … ولا يصح أن ننهزم أمام الفريق الآخر وأنت حارس مرمانا!»

فأثَّر قوله في نفسي ونهضت قائلًا له: «اطمئن … لن ننهزم أبدًا، ولن تدخل الكرة مرمانا أبدًا.»

ووقفت فعلًا بين حجرَي المرمى … ولكني أمام كل هجمة من الفريق الآخر كنت أزحزح الحجرين بعيدًا دون أن يَشعروا … وأصبح بذلك مرمانا مُتنقلًا متحركًا لا يمكن أن تصل إليه كرة الخصوم أبدًا … تلك هي الصورة الأولى لصلتي بحلمي بهجت بدوي … أما صداقتنا الحقيقية فلم تنشأ إلا في فرنسا … وفد علينا — بعد شهور من سفري إليها — في بعثة تضم «مصطفى القللي»، الذي أصبح فيما بعد عميدًا لكلية الحقوق، وأحد المُشرِّعين لقانوننا الجنائي، وأحد محامينا الكبار، وعبد الحكيم الرفاعي الذي أصبح فيما بعدُ محافظًا للبنك الأهلي ثم للبنك المركزي … وسرعان ما ربطت الصداقة بين ثلاثة منَّا بنوعٍ خاص، حتى أصبحنا في باريس نُسمى الثالوث الذي لا تَنفصِل أضلاعه في نظر الزملاء من مبعوثي الحقوق الذين عاصَرُونا ولحقوا بنا … كان هذا الثالوث مكوَّنًا من حلمي بهجت بدوي، ومصطفى القللي، ومني … ذلك أن ما كان يربطنا نحن الثلاثة من بين طلاب الدكتوراه في الحقوق هو ذلك الشيء الزائد على القانون، الذي كان يُميِّز حلمي بدوي ومصطفى القللي: حب الثقافة والرغبة في المعرفة … كان القللي شاعرًا قديمًا له قصائد رصينة أيام ثورة ١٩١٩م، لكن هذا لم يمنعه من التفوق والتخرج من بين أوائل الليسانس … وأصبح بذلك له الحق أن يُوفَد في بعثة … وعند ذاك قال قائل: «إنه شاعر.»

وكانت هذه كافية وقتئذ لتُضيع عليه البعثة لولا عون من الله يومها، والقللي يخشى هذا الوصف … ويكبُّ على القانون يتبحر فيه، على أن الطبيعة الداخلية لا تُقهر … فهو وإن كان قد قطع كل صلة له بقرض الشعر إلا أن تذوقه لكل ما هو فن وثقافة ظل حيًّا ينمو ويتطور … أما حلمي بهجت بدوي فهو شخصية عجيبة … لم نعرف عنه اتجاهًا فنيًّا بعينه ولم يمارس بنفسه نوعًا من أنواع الفنون … ولكنه عقلية ممتازة فتحت نوافذها على كل ألوان المعرفة، وقلب حساس بكل أنواع الفنون … بينما نراه غارقًا في أشد فروع القانون جفافًا — وهو القانون المدني — ميدان تخصُّصه، نراه إذا جاء ذكر الشعر أو الموسيقى أو الأدب القصصي أو المسرحي يتحدث فيه ويعيش بوجدانه كما لو كان ميدان اختصاصه أو كانت معلقة عليه أنفاسه، فإذا خرجنا من هذا إلى علوم الاقتصاد أو السياسة أو الحوادث العامة في باريس أو الأخبار والأحوال الدولية في العالم كانت مشاركته في كل ذلك مشاركة الباحث المتعمق … إنه كان التكامل العقلي والعاطفي على أتمِّ تكوينه في إنسان! … وما كان يُخفي عني خطوط المستقبل كما رسمها لنفسه … لقد كان في حسابه أن يكون وزيرًا … ولم تكن هذه الكلمة عنده من مطامع الشباب الرخيصة … بل كان لها معنًى عميق … الوزير أو رجل الدولة في نظره يجب أن يكون مُكوَّنًا تكوينًا محيطًا، لأنه سيحيط يومًا بكل مستقبل أمة … في نواحيها المختلفة … ومع ذلك وبالرغم من هذا التخطيط لمستقبله فإنه لم يسعَ فيما بعد كما سعى بعض زملائنا إلى الوزارة، من أسهل وأبخس الطرق، بالالتجاء إلى الأحزاب أو الاتصال بالشخصيات السياسية … على العكس … لقد ظلَّ مُتعففًا أَنوفًا بعيدًا عن الصغار السياسي والدجل الحزبي، عاكفًا على عمله كأستاذ في الجامعة حيث وضع كتابًا في القانون المدني ليس كسائر الكتب التي أُلفت فيه؛ فقد كانت شخصيته المتفردة المحيطة تجعل له نظرة خاصة حتى في القانون. كانت له فكرة تُراوده دائمًا من زمن ويفاتحني بها كأمل من آماله؛ وهو أن يؤلف في القانون المدني شيئًا على نمط خاص … لاحظه هو وعجب أن رجال القانون جميعًا لم يلتفتوا إليه. ووضع كتابه ونال عليه جائرة الدولة الكبرى … ثم تقلَّب في مختلف المناصب الكبيرة والوزارة التي تطلع إليها في شبابه في متناول اليد ولا يتقدم إليها … إلى أن طلبوه وزيرًا للمالية قبل ثورة ١٩٥٢م فرفض … وألحُّوا عليه فأصر على الرفض … ذلك أنه لم يكن يريد الوزارة لمجرَّد أن يكون وزيرًا … لم يقبل إلا فيما بعد عندما أحسَّ أنه يستطيع أن يفعل شيئًا وبالفعل صنع أشياء … عندما كان وزيرًا للتجارة وللاقتصاد … إلى أن احتيج إليه في منصب أكبر فكان هو أول رئيس لهيئة قناة السويس عند تأميمها … حتى اختاره الله إلى جواره والوطن لم يزل في حاجة إليه … إني كلما ذكرته ذكرت معه مراحل العمر كلها: من عهد الكرة «الشراب» إلى عهد باريس والشباب، إلى عهد الرجولة والوظيفة … عندما كان أستاذًا بكلية الحقوق، وكنت أنا مديرًا للتحقيقات بوزارة المعارف اتَّفقنا على السكن معًا في شقة بالجيزة … كان يعرف عني العزوف عن مشاغل السكن وإدارة شئونه … فكان يتولى ذلك عني، عن طيب خاطر، كل ما كان يخشاه مني، كما كان يقول، هو أن يَستيقظ ذات صباح فيجدني قد حملت حقائبي وفررت؛ تاركًا له خطابًا أعلنه فيه بسأمي وضجري من هذه الحياة وعودتي إلى الفندق، فيتحمَّل هو وحده أعباء عقد إيجار السكن الكبير! … أدخل هذه الفكرة في رأسه يومًا صديقنا الدكتور حسين فوزي، عندما كان يأتي إلى زيارتنا من الإسكندرية، حيث كان يُدير وقتئذ معهد الأحياء المائية … كان يذكِّره بما كنت أفعله في باريس … من التنقل المفاجئ من فندق إلى فندق، ومن حي إلى حي، ومن «أسرة» إلى «نُزُل»، ويروي له ما حدث معه يوم رجوته أن ينقل لي في الخفاء أمتعتي وعفشي من منزل أسرةٍ كنتُ أقطن بينها في «كوربفوا» … فذهب صديقي فوزي وهو يتعثر خجلًا، فقابلته ربة الأسرة … تلك التي كانت تُصاحبه على البيانو وهو يعزف على الكمنجة، كلما زارني … حسبته جاء للعزف والتطريب، وهو ما جاء إلا «للعزال» والتهريب! … كان «حلمي» يسمع من «فوزي» أمثال هذه الحكايات فيلعب الفأر في عبه ويلتفت إليَّ قائلًا في ابتسامته الوديعة: «إياك تعملها معي!»

فكنتُ أطمئنه وأزيل مخاوفه … وبالفعل لم «أعملها» ولم نفضَّ شركة السكن إلا عندما شرع هو في الزواج … عندئذ فقط عدتُ إلى سُكنى الفنادق، وأنا أسأله عما يجب أن أهديَ إليه بمناسبة زواجه؛ فإذا به لدهشتي وعجبي يطلب شيئًا لا يخطر على البال، لكنه، على كل حال لا يمكن أن يخطر إلا على بال مَن كانت له ثقافة «حلمي بهجت بدوي» وشخصيته … قال: «الهدية الوحيدة التي أطلبها هي: المسوَّدة الخطية الأولى لكتابك «عودة الروح»!»

وعندما مرض مرضَه الطويل لم أكن أنا مع ذلك من بين عوَّاده العديدين … كان يعرف شعوري على البعد، ويَعرف طبعي السيِّئ ويَغتفره لي. والمرة الواحدة التي لقيته فيها قبيل وفاته استقبَلَني بابتسامتِه الودودة الصافية … وعندما تدفَّقت الخطب والكلمات في حفلة تأبينه لم أكتب عنه كلمة … ولكنِّي واثق أنه كان في قبره يحمل لي نفس الودِّ ونفس الحب … لأنه كان عظيمًا.

رحمة الله عليك أيها الصديق الوفي! … يا مَن كان لشبحك … لمجرَّد شبحك خلف النافذة أكبر حافز لي على الجلَد والمذاكرة … وإذا كنتُ قد نلت ليسانس الحقوق في ذلك العام الميئوس منه، فإن الفضل كان لظلِّك الماثل عن بُعدٍ رمزًا للإرادة والإصرار!

١٦

كان لوجود اسمي بين الحاصلين على ليسانس الحقوق أكبر مُفاجأة لي … فقد ذهبت بعد الامتحان مباشرةً إلى الإسكندرية بين الأسرة في ذلك المنزل الكبير، وأنا أبعد الناس عن التفكير في النجاح … كان كل تفكيري متَّجهًا إلى إتمام تلك الأوبريت أو «الأبراكوميك» «علي بابا» كما كنتُ أسميها … حتى تكون مُعَدة للموسم المقبل … وفجأة دق جرس التليفون فلم أُلقِ إليه بالًا … ولكن أذني سمعت صيحة فرح من والدتي وهي تُردِّد في التليفون قائلة: «الله يبارك فيكم! … الله يبارك فيكم!»

فقلت لنفسي بغير اكتراث: «يُباركون لمن يا تُرى؟!»

ولم ألبَث أن رأيتُ كل من في البيت يدخل ويصيح بي: «مبروك!»

فقلت: «لماذا؟»

فقالوا: «نجحت في الليسانس!»

فلم أُصدِّق … إلى أن جاءوا بالصحف … وطالعتُ فيها العبارة المألوفة وقتئذ: نجح في شهادة الليسانس الأفندية الآتية أسماؤهم. وبحثتُ عن اسمي بسرعة فوجدتُه قبل الأخير باسمَين … فحمدت الله أن وُجد اثنان أسوأ مني! … وكان فرحي عظيمًا، فحسبي أني نجحتُ ونِلتُ الليسانس والسلام … ولكني بعد الفرحة جعلت أتأمَّل المستقبل بعين الحيرة والتساؤل … الآن ماذا أنا صانع؟ المحاماة؟ … النيابة؟ … لم تكن ميولي متَّجهة في هذا الطريق … لم أفكر طويلًا … فقد شُغلت عن التفكير بمجيء جوقة عكاشة إلى الإسكندرية ذلك الصيف لتُمثِّل رواياتها — ومن بينها رواياتي — على مسرح كان يُسمَّى «تياترو زيزينيا»، وانغمرت بالطبع وسط الممثلين والمُطربين … كنتُ ليلَ نهار بينهم، وكانوا قد نزلوا في فندق مُتواضع بشارع البورصة، مملوء بحانات البيرة … كان المُمثل الكوميدي الأول المرحوم محمد بهجت لا يحلو له إلا النزول من فندقِه إلى قارعة الطريق يجلس إلى إحدى موائد الحانة على الرصيف بالجلباب والقبقاب! … وكان مُدير الفرقة زكي عكاشة قد نزل في فندق آخر فاخر يَليق بمقامه، مُكتفيًا بالمرور كل صباح في عربة لا ينزل منها؛ بل يُشرف من علٍ بكل تعاظُم على أعضاء فرقته … فما إن كان يرى بهجت في جلسته تلك حتى يقول بازدراء: «جلابية وقبقاب في الشارع العمومي … الكوميديان الكبير بتاعنا؟!»

فيرد عليه محمد بهجت رحمه الله بقوله: «وأنا كنت طلعت بالقبقاب والجلابية في دور السلطان صلاح الدين أو ريكاردو قلب الأسد؟! … أنا هنا في الشارع سلطان زماني! … بقبقاب، بصرمة قديمة … أنا حر!»

فيترفَّع زكي عكاشة عن الرد ويُصعِّر خدَّه ويكتفي بأن يأمُر الحوذي بصلف وعجرفة: «سوق يا أسطى!»

فما إن تبتعد العربة حتى يَبصق محمد بهجت في أثره بصقة كبيرة وهو يقول: «رح … داهية تسمك في تقل دمك!»

ثم يَلتفت نحوي وأنا جالس إلى المائدة بجواره: «مش كده في محله؟!»

فأوافق على كل تصرُّفاته راضيًا ضاحكًا.

لستُ أدري من الذي أبلغ أهلي بانغماسي في وسط «المشخصاتية» … أهو أحد المعارف أو الأقارب لمَحني بينهم؟! كل ما أعلم هو شعور داخَلَني بأنهم بدءوا يَرتابون في أمري … وفي ذات يوم جابَهَني والدي بأمرِ مُستقبَلي … وقال لي إن التحاقي بالنيابة العمومية مُتعذِّر الآن لأنه لا يَلتحق بها غير أوائل الدفعة وأنا من الأواخر … فلا مفر إذن من اشتغالي بالمحاماة فترة، وإنه بادر بالفعل وأدرج اسمي في جدول المحامين المشتغلين ودفع عني الرسم والاشتراك، واختار لي المكتب الذي أعمل به … فلمَّا رأى عدم تحمُّسي وانصرافي، صارحني بقوله: «تعالَ قل لي! … أنت غرضك تشتغل بالتشخيص؟»

فقلت له ملطفًا العبارة: «أنا أحب الأدب، وأريد الاشتغال بالأدب!»

فقال بلهجة خوف ونُصحٍ وتحذير: «أنت تريد أن تفعل كما فعل لطفي؟»

فسألته: «لطفي من؟»

فقال: «لطفي السيد، كان زميلنا في القضاء فجعل يقول الأدب الأدب، إلى أن ترك القضاء واشتغل جرنالجي، ولم تنفعه شغلة الجرائد فعاد إلى الوظيفة … وساعَدَه الزملاء القدماء من أمثال ثروت باشا وصدقي باشا فوضعوه في النهاية في مخزن اسمه دار الكتب!» شاء القدر الساخر فيما بعدُ أن أترك الوظيفة أنا أيضًا بعد وفاة والدي لأشتغل في الصحافة «جرنالجي»، ثم أعود إلى الوظيفة في نفس هذا «المخزن الرسمي دار الكتب!» ومَن عاب ابتُلي!

والواقع أن الأدب أو الاشتغال به وحده لم يكن من الأمور التي تؤخذ على سبيل الجد في مُجتمَع لم يكن يمنح الاحترام والجاه والمال إلا للباشوات أو لأصحاب السلطان والمناصب في الحكم والإدارة والقضاء … ولولا أن «شوقي» الشاعر كان له منصب هام في السراي، وكانت له ثروة، لنظَر إليه المجتمع وقتئذٍ نظرته إلى زميله حافظ إبراهيم … لا أكثر من صعلوك أو مُهرِّج في أعين كبار رجال الدولة، يتعطَّفون عليه بوظيفة يُلقون بها إليه في منٍّ وترفُّع … لم تكن هنالك أمثلة مُشجِّعة في الأدب … كان الأعلام المتربعون على عرش الشعر والنثر هم: شوقي، وحافظ، والمنفلوطي … على أن اهتمامي الخاص بالمسرح جعلني أكثر التفاتًا إلى محيط كُتَّابه الأعلام من أمثال: محمد مسعود، ومحمد تيمور، ولطفي جمعة، وإبراهيم رمزي … لم أعرف «شوقي» شخصيًّا إلا فيما بعد عندما اتَّجه إلى المسرح، وتهيأ لتأليف «مصرع كليوباترا». كنت وقتذاك في باريس … وجاءها هو ذات صيف … وتلاقَينا في مقهى «دار كور» الذي كنت أتردَّد عليه بالحي اللاتيني … قال لي إنه كان يحضر تدريبات كثيرة لمسرحيات جوقة عكاشة، ومن بينها فيما يظن مسرحية لي؛ إذ قيل له يومئذٍ إن مؤلفها غائب في باريس. وسألني قائمة بكل المسرحيات الفرنسية التي تناولت كليوباترا ليطَّلع عليها.

أما قبل سفري فكنتُ أسمع من حين إلى حين أن شوقي بك الشاعر الكبير ضجر من هجوم بعض شباب الأدباء والشعراء عليه وعلى شعره … كما بلَغَ مسمعي أن شابًّا أزهريًّا مكفوفًا نابغًا يُهاجم بمقالاته العنيفة علماء الأزهر المتجمِّدين — دون أن يخطر لي على بالٍ أنه بعد نحو عشرة أعوام ستنشأ بيني وبين هذا الأزهري النابغة صداقة … وسنمرح معًا على جبال الألب ونسجل معًا مرَحنا في كتاب — لكن كل ذلك لم يكن صداه وقتئذ يتعدى بيئته، ولم يكن قد اتخذ الدوي الذي يصل إلى كل الآذان، ولا اتخذ من الاتساع والأهمية ما سُمي فيما بعد بمدرسة التجديد … على أن هذا كله قد تغير بعد أعوام قلائل تغيُّرًا سريعًا مذهلًا … إذ ما كدتُ أعود من فرنسا حتى وجدت أوضاع مصر السياسية في تطوُّرها السريع، وما نتج عنه من برلمانات وأحزاب تُنفق الأموال بغير حساب على ألسنةِ حالها من الصحف والكُتَّاب، قد رفعت من شأن الصحافة وكتَّابها، في الوقت الذي تدهور فيه المسرح وكتَّابه … عدتُ فلم أجد جوقة عكاشة … لقد أفلسَتْ واختفَت … ومسرح رمسيس آخذٌ في الترنُّح والاحتضار … وأسماء: محمد مسعود، وعباس علام، ولطفي جمعة، وإبراهيم رمزي وغيرهم … قد انطفأت بانطفاء أضواء المسرح … ولمعت أسماء جديدة مع الْتِماع نجم الصحافة … برزت أسماء: طه حسين، وهيكل، والعقاد، والمازني … لم تَعُد هذه الأسماء تُذكر غامضة باهتة ضائعة بين الأضواء الكثيرة التي كانت تُسيطر على سماء الشعر والأدب والمسرح قبل مغادرتي مصر، بل هي الآن بدورها مضيئة واضحة بارزة في أفق السياسة، ثم الأدب … ذلك أن أولئك الشباب بدءوا في الصحف السياسية ونمو بنموِّها، ولما كانوا بحكم تكوينهم وميولهم شُعراء وأدباء فقد انتهزوا الفرصة وجعلوا يُقرِّرون لشعرهم وأدبهم مكانًا … كانوا يكتبون المقال السياسي المطلوب، ثم يحتفظون لهوايتهم الأدبية بصفحة أو بضعة أعمدة، قد لا تهمُّ أحيانًا رجال السياسة ولا أصحاب الصحف من أعضاء الأحزاب، ولكنَّهم يَحتملونها منهم كرامة للمقالات السياسية … وهكذا استطاعوا أن يُتابعوا تجديدهم في النقد والشعر والأدب … في حين أن كتَّاب المسرح قد انتهوا بانتهائه … وقد فُجعتُ حقًّا بما حدث للمسرح … في الوقت الذي عدتُ فيه حاملًا في جعبتي محصولًا غزيرًا لمختلف ثقافاته … وخطر لي أن أبحث عن صديقي القديم مصطفى ممتاز، أتنسَّم منه روائح عهدنا الغابر … فوجدته قد انصرف انصرافًا تامًّا عن الكتابة على الإطلاق، وقال لي في نبرة حزن وأسًى: «المسرح مات!»

وسألته عما يفعل إذن؟ … فقال بهدوء وجد: «أشتغل بتحويل النحاس إلى ذهب!»

وخِلته يمزح … وإذا به يؤكد لي أن هذه هي هوايته الآن … وأنه يُطالعها في الكتب القديمة، وأنه غارق لأذنَيه في تلك الكتب وقد أحاط ببعض ما فيها من عجائب وعلوم وأسرار … ولما سألته عما إذا كان قد استطاع فعلًا أن يُحوِّل شيئًا من النحاس إلى ذهب … وقد كادت تغريني أنا أيضًا الهواية، أجاب أنه قد تم له ذلك بالفعل … إلا أنه بعد أن جمع كل ما وصلت إليه يده من أواني البيت النحاسية وصهَرَها وأطلق عليها البخور وقرأ التعاويذ لم يُنتِج منها إلا قطعة صغيرة جدًّا من الذهب، لا يُساوي ثمنها نصف ثمن النحاس الذي صهر … وتلك كانت المشكلة التي تشغله ويُحاول أن يجد لها حلًّا، هذا فضلًا عن صعوبة استحضار الجن بالبخور والتعاويذ … لأنَّ هذا مُرهق غاية الإرهاق … فلما رأى في وجهي الدهشة جعل يشرح لي حقيقة عالم الجن وما يحدث فيه، وصِلَته بعالمنا الآدمي، شرحًا مستفيضًا بحديثه الطلي المقنع الممتع، ودراسته المفصَّلة الطويلة لهذه الشئون، حتى خلت نفسي آخر الأمر محاطًا من كل جانب ﺑ «بسم الله الرحمن الرحيم» إخواننا «أهل تحت»، ووجدت صعوبة كبرى في أن أعود إلى نفسي وأطفو على سطح الحياة اليومية التي جئتُ منها … وغمرني الموضوع غمرًا، وأنا دائمًا أُصدِّق أعاجيب القوى الخفية، سواء أطلق عليها اسم الجن، أم اليوم اسم الإلكترون … فلما أفقت قليلًا أردت تغيير الجو، والعودة بصديقي القديم إلى الحديث في المسرح، فأبديتُ له الرغبة في معاودة الكتابة للمسرح بطريقة جديدة واتجاه آخر وتأليف حقيقي بعد الاطلاع والخبرة والدراسة التي اكتسبتُها من الاتصال الثقافي بالفن والأدب في الخارج … فقال لي بإخلاص وصراحة: «اسمع كلامي لا تُتعب نفسك! … هذا مجهود ضائع … المسرح المصري كعهدنا به قد انتهى!»

وقد صدق … فالمسرح في مصر وقتئذ كان فعلًا قد مات. ولم أُحاول مرةً أخرى الحديث مع ذلك الصديق القديم في أمر المسرح، ولم أُقابله بعد ذلك إلا عرَضًا منذ سنوات، وكان قد تقاعد واستبدل بمعاشِه أطيانًا من مصلحة الأملاك، مثل كثيرين غيره من الموظَّفين السابقين الذين وقعوا تحت الإغراء، وتسلَّموا من المصلحة أرضًا محتاجة إلى استصلاح في نظير جنيهاتهم المضمونة نقدًا وعدًّا أول كل شهر … فلمَّا رآني صاح بروحه المرحة قائلًا: «وهذه المرة قد نجحت في تحويل الذهب لا إلى نحاس فقط بل إلى تراب!»

رحمة الله على ذلك الصديق العزيز والمسرحي الممتاز.

على أنَّ موت المسرح في تلك الفترة أمرٌ يدعو حقًّا إلى التساؤل عن أسبابه … وما من شك أنَّ تطاحُن الأحزاب السياسية كان قد صرَف الأذهان عن الفن وأهله … كما أن الأزمة المالية التي اجتاحت العالم عامة ومصر خاصة حوالي عام ١٩٣٠م — ولعلَّ هذا أهم سبب — قد أثرت فيما أثرت على المسرح … لم أجد إذن أمامي أي مجالٍ لتمثيل ما كنتُ قد كتبت في ذلك الحين من مسرحيات منوَّعة … لم يبقَ على نشاطه الأول إلا فرق الهواة مثل جمعية أنصار التمثيل … فوجدت فيها حلقة الاتصال بالماضي فكتبت لها خاصة مسرحية «رصاصة في القلب» … وسلمتها للزميل القديم سليمان نجيب، وأردت بها أن تخرج عن الكوميديات المقتبسة الكاريكاتورية المعتمدة على النكتة اللفظية ومواقف المفاجآت الهزلية التي كان بطلها كشكش بك وبربري مصر الوحيد، وأن أجعل الحوار فقط بين شخصيات طبيعية هو الذي يَنبعث منه كل الأثر، ولكن الخمول لم يلبث أن دبَّ أيضًا في جمعية أنصار التمثيل فبقيت هذه المسرحية أيضًا بلا تمثيل … إلى أن قامت الصحافة الجديدة الناهضة بتخصيص مكانٍ لي كان هو بمثابة «مسرح خاص بي» على الورق، أعرض عليه ما يحلو لي من صور الحياة والمجتمع غير مقيَّد باضطراب أحوال الفِرَق المسرحية من حولي وأزماتها المتكررة في ذلك الحين، مما حال دون انقطاع حبل اتصالي واهتمامي بالمسرح والتأليف المسرحي.

١٧

لم يكن إذن من السهل بعد حُصولي على ليسانس الحقوق أن أُقنع والدي بجدية العمل للأدب، وما يمكن أن يكون له من مستقبل. والأسماء اللامعة فيه وقتئذ، كما ذكرت، لا تُشجع على الاحتجاج بها … فلطفي السيد لم يكن قد أصبح بعدُ مديرًا للجامعة أو وزيرًا … وشوقي بك الشاعر لو ذكرتُه لوالدي لردَّ بأن مكانته في المجتمع مُستمَدة من وظيفته السابقة في السراي ومن ثرائه الواسع … أما حافظ إبراهيم المسكين فحُجته ضدِّي لا لي … فقد أدَّى به الأدب إلى التسوُّل، فطلب الوظيفة فعيَّنوه وكيلًا لدار الكتب … والمنفلوطي كان دائمًا موظفًا هو الآخر، وكذلك محمد مسعود، وإبراهيم رمزي، أما لطفي جمعة، فكان محاميًا … لا بدَّ إذن في النهاية من الوظيفة أو ما في حُكمها حتى يُمكن حمل كارثة الأدب في بلادنا … وحتى أولئك الذين استطاعوا حمل هذه الكارثة بمعاونة الوظيفة؛ لم يَسلموا من لعنة تلاحقهم في وظائفهم وأعمالهم الأخرى بسبب الأدب … ومع ذلك لم يكن والدي يَكره الأدب في حد ذاته، أو يزدريه في قرارة نفسه … فهو ما زال يحتفظ بحبِّه القديم له … ولطالما سمعته في خلوته يترنم بأبيات من شعر الجاهلية يُدلِّل بها على أمر من الأمور، أو تصرُّف من التصرفات، أو يصف بها شخصًا من الأشخاص … حقًّا لم يَنظِم بيتًا واحدًا من الشعر منذ تزوَّج … فقد كان كل نظمه وهو شابٌّ أعزب … ولست أدري لماذا لم أهتمَّ بجمع ما نظَم … ربما لأني لم أكن أعلم أني سأكتب عنه يومًا أو عن نفسي … على أن الذي يخيَّل إليَّ هو أن شعر والدي ربما كان يتَّجه أكثره إلى الحكمة، ليس لأنَّ العواطف لا تُهمه … على العكس … لقد كان رحيمًا إنسانيًّا تحت مظهر جاد من الرزانة والاتزان … لم يكن فياضًا بالعاطفة جياشًا بالشعور المتفجِّر كزبد البحر العاصف مثل والدتي … فقد كانت له القُدرة على أن يفصل عاطفته عن عقله … كان كل شيء عنده — حتى أحب الأشياء وأقدسها — يخضع لميزان عقله وفحصه ويُعطيه ما له وما عليه بالحق والعدل … على عكس والدتي التي تَملكها العاطفة ولا تعرف الفحص ولا الميزان … فهي الانطلاق والإغراق، إما حبٌّ فيَّاض وإما كرهٌ ماحق … لا وسط عندها ولا اعتدال … لكن نفس والدي مع ذلك كانت شيئًا صافيًا مستقرًّا مُختفيًا تحت سطح بحرٍ هادئ؛ لم يكن يُكثر الضحك … لم أره مرة يُقهقه … بل لم أسمع منه ضحكًا أو صوتًا مما يَندرج تحت هذا الوصف … كل ما رأيت وسمعت منه في تلك المواقف التي تستدعي الضحك هو الابتسام والهمهمة الخفيفة … إنه كان مُدققًا حقًّا في المال والكلام وفي كل أمر … على نفسه وعلى غيره … يُخرج من جيبه القرش والكلمة بحرص وفحص. على نقيض والدتي السخية دائمًا بطبعها … تُخرج النقود والكلمات بيُسرٍ جارف وكرم صاخب … وأمام هذا التناقض بين الوالدَين ورثتُ أنا فيما أعتقد الحيرة بينهما … فأنا في الغالب أميل إلى الاقتصاد والإمساك عن كلِّ إنفاق … سواء في نقود أو كلمات … ولعلَّ هذا من أسباب تفضيلي المسرحية … فهي فنٌّ اقتصاديٌّ بخيل … الكلمات فيها محسوبة بدقة … والوقت فيها مقيد والحيز فيها محدود … لا محلَّ فيها للإسراف والانفلات … غير أني أحيانًا تظهر عليَّ نوبة انفلات خاطفة أو إسراف في القول والمال مفاجئ لا ألبث أن أفيق منه فأمسك ثم أنطلق ثم أمسك … وهكذا … كما تَنطلق مني أحيانًا غضبة مفاجئة أو انفعال مُلتهب مباغت أو تدفق كلامي مُتحمس فأفطن إلى نفسي وأهدأ بعدها ثم أعود وهكذا … إنه الصراع بين والدي ووالدتي في أعماق نفسي! إني دائمًا بين شدٍّ وجذب ككفتَيْ ميزان، في كل شيء. على أن والدي رغم ذلك كان ذا نخوة ومروءة، خدَم أناسًا كثيرين دون أن يعلموا، أو تعلم يده اليُسرى بما صنعت يده اليُمنى … كنتُ أصادف أحيانًا رجالًا من أصحاب المناصب القضائية المُحترَمة، يُقبِلون عليَّ مُسلِّمين بحرارة قائلين: «الله يرحم والدك! … لولاه ما كانوا عيَّنونا في الوظائف.»

فقد كان عندما يرى محاميًا شابًّا يُجيد المرافعة أمامه يتطوَّع بنقل خبر امتيازه إلى النائب العام وزملائه ممَّن بيدهم الأمر قائلًا: «إذا أردتم شابًّا ممتازًا لا يملك واسطة يَصل بها إليكم فعليكم بفلان، لا أعرفه شخصيًّا، لا أعرف إلا كفاءته أمامي.»

فما كان يشعر فلان هذا بعدئذٍ إلا وهو مطلوب لوظائف ما كان يحلم بها … ولا يَعلم وقتها كيف هبطت عليه … كان والدي يحبُّ الإجادة والمجدِّين في كل عمل … كما يحب النظام والاعتماد على النفس … لعلِّي مثله في هذا: أحب النظام وأكره الفوضى … لا أُطيق ورقة مدشوتة «منكوشة» فوق مكتبي … وأُفضِّل أن أقوم بكل عمل لي بنفسي على قدر الإمكان … على أن دقة والدي أو تدقيقه في المال، الذي ذكرته منذ قليل لا علاقة له بالتقتير … إنه كان فعلًا مُدققًا … ولكنه لم يكن مُقترًا … لذلك هو لم يكنز مالًا … لأنَّ فكرة الاكتناز نفسها لم تخطر له … وهذا ما ورثته منه أيضًا … فأنا في بعض الأحيان يعجب من أمري معارفي إذ يَجدون أني أرفض أحيانًا إغراء المال وخاصَّة في بعض ما يمس الأدب والفن … أدقق حقًّا في حقوقي … ولكني لم ألتفت قط فيما أكتب إلى فكرة الرواج وما يروج ماليًّا والنجاح وما ينجح ماديًّا.

والدي في تصرُّفاته يجنح أحيانًا إلى نزعة شبه تصوفية … حتى في الطعام، كان يقول لنا على المائدة: «أيوجد من يأكل أكثر من موزة؟!»

وكان مُعتدلًا كل الاعتدال … وأنا مثله في ذلك … أكره كثرة الألوان على المائدة لأنها تُشتِّت متعتي … وأحب اللون الواحد المُتقَن … إني ذوَّاقة … وأعتبر اللون المتقن فنًّا جميلًا … وأحب أن أُركِّز تذوُّقي في لون واحد بديع الصنع.

على أن والدي في كل أحواله إنما يَخضع أيضًا إلى نزعة منطقية عقلية صارمة … ولكن المنطق العقلي غدار … فهو كما يقنع بالإمساك يقنع أيضًا بالإنفاق … لذلك ترى والدي يَستكثر ثمن فنجان قهوة في غير ضرورة وينفق بتهور على البنائين والسماسرة لمشروع خيالي اقتنع به … إن مصيبته أن يقتنع بشيء … ومن السهل دائمًا أن تكسبه بالمنطق … لقد كان مُتدينًا … يصلي الفرض ويصوم رمضان … ويحرص على إيقاظي عندما صرتُ شابًّا لأتناول معه السحور … فكنت أتسحَّر معه في الليل وأُفطر في الصباح، دون أن يدري … وعلى الرغم من تدينه هذا ما إن يُفتَح أمامه جدل عقلي في الجنة والنار مثلًا حتى يَنساق في التأمل المنطقي والتفكير المجرَّد إلى أن يمسَّ حافة الكفر … ناقشتُه مرة في هذا الموضوع بعد عودتي من أوروبا قائلًا له: «هل هناك حقًّا جنة ونار؟»

فجعل يقلب المسألة على وجوهها ويَبحثها كأنها قضية من قضايا المحاكم، نافذًا إلى الحكمة والعلَّة … وهل المقصود هو الترغيب والإرهاب أو أن المقصود جنة معنوية ونار رمزية، ويَمضي يُناقش الأمر مناقشة عقلية حرة إلى أن ينتهي من كل هذا إلى نتيجة تكاد تخالف نص القرآن فيَفطِن فجأةً إلى مزالق الكفر، فيستعيذ بالله ويستغفر ويقوم إلى الصلاة … وعندما أقول له ضاحكًا: «فيم هذه الصلاة وقد أنكرتَ الساعة ما جاء بكتاب الله؟»

يقول: «لم أنكر شيئًا إنما كنتُ أُفكر، الصلاة شيء وشطحات التفكير شيء آخر!»

أما والدتي فهي الإيمان المُطلَق بالله، بكل عواطفها الجياشة … ولا شيء غير ذلك … ولكنها ترى الله دائمًا في خدمتها هي وفي جانبها هي … ولا تتصور الله في جانب آخر!

ووالدي وإن كان قد هجر الشعر والأدب والكتب بعد زواجه، إلا أنه ظل مالكًا لناصية اللغة وجودة الأسلوب ودقة التعبير … كان عبد العزيز فهمي وهو رئيس لمحكمة النقض يعجب بأسلوب حيثيات أحكامه القديمة … وكان يُشير أحيانًا بنشر بعضها في مجلة «المحاماة» أو الجريدة القضائية، دون علمٍ من والدي … فما رأيت أحدًا ينفر من الدعاية لنفسه مثل أبي، ولا رأيت مثله أحدًا في تواضعه وقلة احتفائه بنفسه في ملبس أو مأكل أو مجلس، ولا سمعته قطُّ افتخر أمامنا بعمل له أو قول … ولا شاهدت قطُّ أحدًا مثله في نزوعه إلى الظلام والاختفاء بعيدًا عن الأضواء … ولا في ميله إلى الانزواء عن المجتمعات الصاخبة أو السمر مع السامرين في الحفلات والنوادي … ولا عرفت قطُّ أنه سهر ذات ليلة في ملهى من الملاهي … كانت حياته جافَّة صارمة … لا يعرف من وسائل الترفيه غير المشي على الأقدام طويلًا … فإذا قابَلَه أحد في شارع وسأله إلى أين؟ … أجاب بإشارة غامضة من يده، لا يستطيع أحد أن يفهم منها شيء … وإجاباته دائمًا فيما يتعلَّق بشخصه لا يمكن أن تنير سائله … فهو لا يحب أن يُلقي ضوءًا على شخصه، أو يريح الناس في أمره … تلك كانت طبيعته … أما والدتي فهي على نقيضه … مُعتدَّة بنفسها، تحب الضوء وتكره الخمول والظلام، وبين هذين النقيضَين ورثتُ كذلك حالة حيرة بين الرضا بالضوء والنفور منه … دون أن أدري أحيانًا لماذا أرضى ولماذا أسخط … بل لماذا أبتعد عن المآدب العامة والحفلات والدعوات والاجتماعات … حتى ليالي عرض مسرحياتي ذاتها قلَّما آنَسُ اليوم من نفسي الرغبة والدافع لحضورها … إلى حدٍّ جعل البعض يعتقد أني أتكلَّف ذلك تكلفًا … والحقيقة أني أضيق بهذا الطبع وأتأذى منه لأنه يحرمني الكثير … على أني لا أدري بعدُ أهو طبع ثابت عندي أم هو إحساس طارئ لدواعي الحالة الصحية والسأم النفسي … لستُ أدري بعد لكن المؤكَّد عندي هو أني فعلًا أنزعج وأنفر من أي اجتماع عامٍّ، وخاصة إذا تعرَّضت فيه إلى إلقاء كلمة أو طلب إليَّ فيه الكلام … فقد شعرت بعد أول مرافَعة لي في كرسي النيابة أمام محكمة الجنايات أني لا أَصلُح لمثل هذه المواقف، فأنا لست سريع البديهة ولا حاضر الذهن، مما يجعلني أبحث سدًى عن الكلمات والمعاني الهاربة من رأسي في اللحظة المفاجئة … ويَستولي عليَّ نوع من الفزع والارتباك … وحتى القراءة من ورقة أتلعثَم فيها إذا سلطت عليَّ عيون وأضواء وأحسست من حولي بمستمعين ورقباء … ولا أعرف من أين جاءتني هذه الكارثة … فوالدي — كما علمت — كان من أبرع المتكلِّمين والمترافعين منذ كان وكيلًا للنيابة … إلى حدِّ أن فاوضه يومًا أحد كبار المُحامين — وكانوا يومئذ لا يحملون شهادات — على أن يعمل معه محاميًا وشريكًا نظير مرتَّبٍ ما كان يتقاضاه يومئذ إلا المستشار، لكنه اضطر إلى الرفض … لأن أباه أرادَه في سلك القضاء، كي يُخيف به المُحضِرين الذين كانوا يَفِدون للحَجز عليه … هذا هو والدي … أما والدتي فهي الجرأة والذلاقة والانطلاقة بعينها … لا تعرف الارتباك في أي كلام والاضطراب في مواجهة أي موقف … أنا إذن المسئول وحدي عن هذه العلَّة … ولستُ أدري سببها … إلا أن تكون حالة الوحدة والصمت التي لازمتني شطرًا كبيرًا من حياتي.

شيء آخر كان يتَّصف به والدي؛ هو روح السخرية والفكاهة التي تنبعث من أقواله وأفعاله، دون تعمُّد، دون أن يبدو على وجهِه الرزين أي تغير … كانت جلساته في المحاكم — كما قيل — ممتعة مليئة بالمفارقات التي تَبدر منه وهو جادٌّ هادئ لا يبتسم … كان هناك رواة — كما علمت — يتذاكَرُون نوادره … منهم المرحوم المستشار زكي خير الأبوتيجي، الذي قيل إنه كان مُتخصِّصًا في نوادر «إسماعيل الحكيم»! … فقد بدأ حياته القضائية تحت رياسته، ويقول إنه عندما عُيِّن قاضيًا بمحكمة أسيوط. ذهب لاستلام عمله بها فرحًا نشيطًا، وإذا رئيس المحكمة، وكان والدي، يَستقبله بنظرةِ فحص وارتياب ويقول له: «هل عندك ما يُثبت أنك حقيقة القاضي الجديد؟»

فارتبَكَ القاضي الشاب إذ لم يكن يتوقَّع أن يُشكَّ فيه ويُطالَب بإثبات شخصيته.

ومضى والدي يقول له: «من يدرينا أنك لستَ إلا نصابًا محتالًا جاء يزعم أنه هو القاضي المعيَّن بمحكمتنا؟ … كيف نُجلسك معنا في الجلسة لمجرَّد ادعائك أنك القاضي الجديد؟! … اذهب يا حضرة إلى حال سبيلك!»

وحار القاضي الشاب الخجول … ولم يَدرِ ما يصنع؟ … وكيف يذهب إلى حال سبيله وهو مُعيَّن في هذه المحكمة؟

فالتفت إلى والدي مُستعطفًا قائلًا: «هل يعقل أني أقتحم المحكمة وأجلس معكم في الجلسة وأنا غير مُعيَّن في الوظيفة؟ … هل يبدو على وجهي أني محتال أو أني قاضٍ؟»

فنظر والدي إلى وجهه مليًّا ثم قال له: «من هذه الجهة يَصعُب الحكم … فأنت من وجهة يُمكن أن تكون هذا أو ذاك! … لكن على كل حال ادخل واجلس معنا ولنُجازف، على عهدتي والسلام.»

لا أظنُّ والدي كان جادًّا في هذا التصرُّف … ولكنه أحيانًا كان يمزح في صورة الجد … وعندئذ يختلط جده بهزله، دون أن يبدو الفرق للعيان … لم تكن شخصية والدي تلك ولا ميوله الدفينة إذن مما يجعله يتجنَّب الأدب … على العكس … إنه فيما يخيل إليَّ كان يود في دخيلة نفسه أن تُتاح له الفرصة للانطلاق على سجيته، واتخاذ الشعر والأدب مجاله وميدانه … تلك ولا شك كانت رغبته المكبوتة، كبتها في نفسه مجتمعُه وظروفُه العائلية والمالية … هذا الترف المُسمَّى يومئذ «الأدب» لم تكن تسمح به حالته المالية بالتأكيد، لا قبل الزواج ولا بعده، وخاصة بعده، والرغبة المكبوتة عند الآباء ربما كانت هي التي يورثونها للأبناء … ولو أن والدي تمكَّن من إفراغ كل ما في نفسه من رغبات وميول أدبية لأعفاني أنا وحرَّرني من نزعة الأدب، ولكنتُ أنا قد انصرفتُ طليقًا إلى شيء آخر … إنَّ أبناء رجال مثل لطفي السيد أو أحمد شوقي لم يَنزعوا إلى الأدب لأنَّ آباءهم لم يَكبتوا تلك النزعة، بل أفرغوها وأطلقوها بكل طاقتها وقوتها في حياتهم … لقد ألقى والدي إذن على كاهلي أنا ما لم تُهيئه له ظروفه هو أن يحمله … فما أنا إلا سجين رغبته، هو الذي لم يُحقِّقها، بل إنى سجين أشياء كثيرة أورَثَني إياها، فيها الطيب وفيها الرديء، كما ورثتُ عن والدتي خيرها وشرها … فهي طيبة القلب ولكن فيها رُوح شر، خصوصًا مع المعتدي … غير أنها لا تَعرف الخبث إطلاقًا؛ فهي صريحة، صراحة مُتحدية … أحيانًا … ولا تطيق أن تخفي في صدرها شيئًا … أما والدي فهو طيب نادر الشر، لكنه كثير الخبث، قليل الصراحة … وقد ورثتُ أنا من كل هذا بنِسَب متفاوتة.

هذا السجن الذي أعيش فيه من وراثات كأنها الجدران، هل كان من الممكن الخلاص منها؟ … حاولت كثيرًا كما يُحاول كل سجين أن يُفلت، ولكني كنت كمن يتحرك في أغلال أبدية … وبدت المأساة لعيني عندما خُيِّل إليَّ يومًا، وأنا أحلل نفسي، أني لا أعيش حياتي إلا في نسبة ضئيلة … أما النسبة الكبرى فهي تلك العجينة من العناصر المتناقضة التي أُودعت تلك النطفة التي منها تكوَّنتُ … والنِّسبة الضئيلة التي تُركت لي حرة من حياتي قضيتها كلها في الكفاح والصراع ضد العوائق التي وضعها أهلي أنفسهم في طريقي، ومن خلفهم المجتمع كله في ذلك الوقت … فوالدي الذي أورثني حبَّ الأدب هو نفسه الذي يصدُّني عن الأدب … ووالدتي التي أورثَتني الإرادة تقف بإرادتها دون رغباتي الفنية … حريتي الباقية لي إذن هي فرصتي الوحيدة وسلاحي الوحيد في مقاومة كل تلك العقبات … وحريتي هي تفكيري … أنا سجينٌ في الموروث، حرٌّ في المُكتسَب … وما شيَّدته بنفسي من فكر وثقافة هو ملكي. وهو ما أختلف فيه عن أهلي كل الاختلاف. ها هنا مصدر قوتي الحقيقية التي بها أقاوم.

نعم … تفكيري وتكويني الفكري … هنا كل حريتي … الإنسان حر في الفكر سجين في الطبع … ولستُ أدري أهي مجرَّد مُصادَفة أن أكتب عن تكوين الفكر في «زهرة العمر» قبل أن أكتب عن تكوين الطبع في «سجن العمر»؟ … إن زهرة عمرنا الفكر، وسجن عمرنا الطبع.

غير أنَّ والدي أمام إصراري على تكريس حياتي للأدب — رغم الصعوبات والنصائح والعقبات التي تُحاول صدِّي — بدأ يُفكِّر في أمري جديًّا … فجعل يَعرض عليَّ مَخاوفه بصراحة … قال إنه لا يُنكر عليَّ الأدب إلا باعتباره عملًا أساسيًّا في الحياة. فواجبه كأب أن يوجه ابنه إلى الطريق المأمون … والأدب ليس بالطريق المأمون الذي يكفل العيش لمن لا ثروة له … وهو يعلم أني لن أرث ثروة يمكن الاعتماد عليها، حتى يصحَّ لي الانقطاع إلى الأدب كما يفعل شوقي الشاعر، أو حتى لطفي السيد الذي سيرث يومًا عن والده الثريِّ السيد باشا أبو علي ما يُغنيه عن الارتزاق … لا بد لي إذن في عرف والدي من وظيفة تعولني ولا بأس معها من إشباع هوايتي للأدب … وختم والدي حديثه معي بقوله: «ومع ذلك فها هو ذا لطفي السيد … إنه موجود … تعالَ معي نعرف رأيه.»

وقادني إلى زيارة صديقه وزميله القديم … وكأني به تذكَّرَه فجأة … فما من شكٍّ عندي في أن والدي ما كان قد الْتقى بصديقه القديم هذا منذ أعوام وأعوام … فهو بطبعه يزهد في إنشاء أو إحياء الصلات المُفيدة، حتى مع أصدقائه الأقدمين ممَّن لمعوا في الحياة … وقد ورثت أنا عنه هذه الخصلة السيئة وزدتُ عليها، إلى حدِّ ضيقي وعجزي عن مراعاة أبسط قواعد المجاملات أحيانًا من تهنئة وتعزية وسؤال عن الصحة، حتى بالنِّسبة إلى أعز الناس … كما أنزعج أيضًا من سؤالهم عني … وقد عرف ذلك المتَّصلون بي … ففهموني وتركوني لطبعي هذا. أما عن دائرة اتصالاتي فهي أسوأ.

فأنا لم أُحاول عقد صلات، حتى مع من كان يَجب أن أتصل بهم من أدباء وفنانين، وخاصة ممن كتب عني أو مثَّل لي في الخارج … لقد كنت في باريس أخيرًا على مقربة من بعضهم فلم أقابل أحدًا منهم … ولقد سُئلت هناك عمن تربطني بهم الصلات من أدبائهم فلما أجبت: «لا أحد!»

قوبلت إجابتي بدهشة، ثم وُجِّهت إليَّ دعوات للالتقاء بالبعض فتقاعست، لا زهدًا بل انزواءً جثمانيًّا غريزيًّا غير مفهوم. إني أجفل دائمًا من أي صلة جديدة … لا أفتح باب نفسي بسهولة لأول طارق … وهذا التصرف الغريب يتكرر كثيرًا في حياتي ويضايقني … وكلما لُمتُ نفسي عليه وعزمت على تغييره أقع فيه مرةً أخرى … قلة نشاطي وحركتي هي دائي العضال … وقد أضاع هذا الداء عليَّ كثيرًا من الفرص والمُتَع في الحياة والفن … إني أعمل وأقعد عن السعي لإنجاز العمل … أنشط إلى العمل وأكسل عن النجاح … وإذا كان قد صادَفني في الحياة نجاح فإن كثيرًا منه قد هبَط على رأسي من حيث لا أدري ولا أتوقع … إني في أغلب أحوالي قاعد هامد … في حوارٍ دائم مع نفسي … في حركة دائمة داخل عقلي … أفكُّ الكون وأركبه … وكل شيء في العالم والمُجتمَع يهمني ويهزني ويحركني … ولكن جسمي لا يتحرك كثيرًا. إن لديَّ القدرة على أن أجلس الساعات بمفردي لا أصنع شيئًا … وكثيرًا ما يدهش الداخل عليَّ إذ يراني أحيانًا قاعدًا جامدًا، ليس أمامي كتاب أو ورق أو قلم، ولا حراك بي كأني تمثال من حجر … على أني ما انعزلتُ قطُّ ولا انزوَيت إلا بالجسم وحده. وإنه لمن الغريب أن أعيش دائمًا بكل روحي وجوارحي وتفكيري في كل مشكلات عصري، ولا أجد مِن جِسمي مثل هذه الحركة وهذا النشاط … عرضت لي مناسبات كثيرة للحركة والنشاط … دُعيت إلى السفر في كل مكان، وهُيِّئت لي فُرص لمشاهدة ما كان يجب أن أشاهد ومقابلة من كان يجب أن أقابل … لكنَّ قدرتي على إضاعة الفرص أكبر من قدرتي على انتهازها … ولكأني بالقدر يمنحني الفرصة وهو مطمئنٌّ لوجود الجهاز الذي يستطيع عندي أن يضيعها … إني لم أستطع حتى أن أنتهز فرصة وجود لطفي السيد نفسه على مَقربة مني، رئيسًا للمجمع اللغوي، وأنا عضوٌ فيه، لأتصل به الاتصال الذي يتيح لي التزوُّد بالمعلومات التي لا يعرفها غيره عن والدي وشبابه وجيله ومعاصريه … حتى ما سطرته هنا في هذا الشأن كان الذي جاء به مشكورًا هو صديق كريم كالعقاد رحمة الله عليه ورضوانه … نقلًا مباشرًا عن «عبد العزيز فهمي» الذي لم أتَّصل به هو أيضًا إلا عرَضًا … على أن همودي المادي وقعودي الجثماني إلى هذا الحد ليس في الواقع نتيجة وراثة … فمن الإنصاف القول إنَّ والدي، رغم زهده في أشياء كثيرة، كان كتلة حركة ونشاط في محيطه … لا يَقعد مثلي عما يرى فيه نفعًا لعمله … ولا يُضيِّع فرصة لمجرَّد هموده أو قعوده … أما والدتي فهي الحركة الدائبة بعينها … لا تعرف القعود أو الانزواء حتى وهي مريضة … فحص الطبيب قلبها مرةً وأمرها بملازمة الفراش، فلم تُطِق الرقاد يومًا واحدًا، وفضَّلت الموت على القعود، ونهضَت تحمل مظلَّتها وتسرح في الغيط، تُراقب البذر والحصاد وتطهير المصارف وعلف المواشي، ثم تعود إلى الجرن تقف على دراس القمح أو الأرز، أو وزن القطن، ونحو ذلك من الأعمال الشاقة … أنا إذن المسئول وحدي عن كسلي وفشلي … ولا أدري العلَّة … وعجزت عن العلاج … مع أن رأيي دائمًا أن الحياة قيمة في ذاتها وحركتها … وإذا كان أحد أشخاص «أهل الكهف» عندي قد قال: «إنَّ أية حياة منحة، وأثمن منحة تُعطى لمخلوق هي الحياة.»

فإني أنا نفسي مع الأسف لم أستَطِع الانتفاع بهذه المنحة كما ينبغي … لقد ضاع مني الكثير من قدراتي ومن موهبتي — إذا كان لها وجود — بسبب طبيعتي المثقوبة كالغربال بمائة ثقب من القعود والتردُّد والإهمال، بل إن السبب الرئيسي في عرف الطب — لما يتهدَّد اليوم صحتي — هو قلة نشاطي وحركتي … إني دائمًا أحاسب نفسي على كل ذلك وأسائلها: هل كان من الممكن أن أكون أفضل مما أنا في مجال الخلق الفني مع مثل هذا الطبع؟ … هذا الطبع الذي سجَنَني وفوَّت عليَّ الكثير من الفُرص الفنية؟! … يُضاف إليه طبيعة الظروف المحيطة بالأدب ذاته والفن في مجتمع معيَّن في زمن معين … تلك الظروف التي اقتضت من مثلي إضاعة الكثير من الوقت والجهد لتَعرف مواضع الخطى في فنون جديدة لم تكن أرضها وقتئذ مُعبَّدة؟ … لا أدري … كل الذي أدريه هو أني سأموت وأنا أتساءل: «لماذا لم أكن أفضل مما كنت؟ … وما هو هذا السجن الذي يحبسني فيما أكون؟»

كذلك سألت نفسي: «ما هو هذا الفن الذي نتجشَّم من أجله هذه المتاعب؟»

ما من شك أنه شيء محبوب … لأني أشعر نحوه بحبٍّ منذ فجر الطفولة … إن كل إنسان يولد وهو محبٌّ للفن في صورة من صوره … فالإنسان إنسان لأنه يحبُّ أن يتأمَّل ذاته ويعجب بها أو يضحك منها أو يفكر فيها … إن الفن هو أداة الإنسانية لتأمل ملامحها ومعرفة نفسها وهذا ما دفعها إلى التفكير والتطور. ولو أن الحيوان تأمَّل ذاته وعرفها وحللها لانقلب إنسانًا في التو واللحظة.

وأعود إلى والدي فأقول إنه قادني إلى صديقه أحمد لطفي السيد … كان يومئذ مديرًا لدار الكتب … دخلنا عليه فرحَّب بنا … وأجلسنا إلى جواره … كان جالسًا إلى ذلك المكتب الذي ظل على حاله بعد ذلك سنوات وسنوات … عين المكتب هو هو لم يتغيَّر … وفي نفس الموضع من نفس الحجرة.

قال له والدي: هذا ابني توفيق … حصل على ليسانس الحقوق وقُيِّد في جدول المحامين المشتغلين، لكن ميله متجه إلى الأدب.

فبدا على وجه لطفي السيد الرضا والارتياح … وبادَرَ يُؤيد رأيًا سبق أن خطر لوالدي وتردَّد فيه … قال لوالدي: «أرسله إلى أوروبا، يُحضِّر الدكتوراه، فإذا عاد بها عُيِّن أستاذًا في الجامعة التي تزمع الحكومة إنشاءها وفتحها قريبًا، أو في القضاء المختلط حيث الإقامة في مدن كبرى كالقاهرة أو الإسكندرية أو المنصورة، مما يُتيح له إشباع هوايته للأدب.»

فالتفت والدي نحوي قائلًا: «أظن هذا هو الحل …»

ونهضنا مُنصرفين شاكرين … وشيَّعَنا لطفي السيد إلى الباب ونحن نحمل نسخة من كتابٍ ترجمَه عن أرسطو أهداه إلينا … وما كدنا نخرج إلى ميدان باب الخلق حتى كانت فكرة السفر إلى أوروبا قد تأكَّدَت لدينا … وجعل والدي يحسب ما سيُكلِّفه ذلك من نفقات … لكنه لم يحجم… لقد كان سفري هذا في نظره إنقاذًا لي من هذا الوسط الفني الذي علمَ بأمر انغماري فيه، دون أي أملٍ في اهتمام جدِّي بمحاماة … أو غيرها من الأعمال المُحترمة … وعدنا إلى الإسكندرية وفاتحنا والدتي في أمر السفر … فوجمت قليلًا … ولم تتحمَّس أول الأمر … لأنها كانت قد وضعت في رأسها خطة أخرى: هي أن تُزوِّجني من عروس غنية وارثة، مما يُؤمِّن حياتي، في رأيها العمَلي، ويُحيطها بالضمان فقد كتبَتْ بالفعل ذات يوم خطابًا لوالدي تقول له فيه:

«اليوم حصل خبر غريب مُفرح، ولكن الخوف ثم الخوف من الحمار توفيق، وعليك أن توضع له عقله في دماغه ويَقبل هذه العروسة الهدية، وأنا منتظرة حضورك لأجل تتوجَّه للمجلس الحسبي قبل كل شيء، وتعرف ما هو مُتحوِّش للعروسة وكام إيرادها بالضبط … إلخ … إلخ.»

هذا ما خطته والدتي.

لكني أنا ووالدي لم نزل بها حتى أقنعناها برأينا … ولست أدري كيف لم يخطر ببالها وقتئذ أنَّ زواجي إذا حدث يومًا فإنه يكون على غرار زواج والدي نفسه من حيث بعده عن التفكير في مثل هذا الاعتبار؛ فالأساس عندي هو كما كان عنده: التوافُق في العقلية والتفاهم في الحياة … ولا شيء غير ذلك وقد تزوَّجتُ فيما بعد بالفعل خير زوجة.

وبادَرَ والدي يهيئ وسائل السفر … ويسأل البنك عن طريقة تحويل المبلغ الشهري اللازم لي هناك … ويتحرَّى عن أقلِّ مُستوى للمعيشة في فرنسا … ثم حجَزنا مكانًا لي بالدرجة الثانية على باخرة فرنسية قديمة اسمها «الجنرال متزنجر».

وفي يوم السفر عانقت والدتي وجدتي ودموعهما تنهمر … وذهبت بحقائبي مع والدي إلى الميناء … وصعدت إلى الباخرة … ووقفت على ظهرها، أتطلَّع إلى والدي على الرصيف، وهو واقف تحت شمسيته البيضاء يُلوِّح لي بيده، ثم بمنديله والباخرة تتحرك … كان منظره، منظر هذا الأب الرزين وهو يَكتُم شعوره تحت قناعِ وداع هادئ، مما أسال دمعتي على الرغم مني، وابتعدَت مصر، واتجهتُ أنا نحو المصير المجهول.

•••

وقضيت في باريس تلك الأعوام الموصوفة بالتقريب في كتابي «زهرة العمر».

وعدتُ إلى بلادي … عدت بالحقيبة ذاتها التي كنت قد حملتها معي، وكان بها بدلتان وأربع فانيلات وأربعة قمصان وستة مناديل … عدتُ بها جميعًا لم ينقص منها شيء … كما عدتُ بصناديق خشبية مملوءة بما جمعت من كتب على مدى تلك الأعوام … كل ذلك عدتُ به … ما عدا شيئًا واحدًا لم أَعُد به … وهو ما ذهبت للحصول عليه: الدكتوراه في القانون … فإن بطء الفهم عندي، وواعيتي الضعيفة، بالإضافة إلى أعباء الجهاد الثقافي الشامل الذي ألقيت بنفسي كلها في لجَّته، مع النَّهَم الفكري الذي استولى عليَّ أمام موائد الحضارة الكبرى … كل هذا لم يترك لمثلي القوة ولا القدرة على حمل عبءٍ آخر.

عدتُ فاستقبلني أهلي كما يُستقبَل الخائب الفاشل … وتصادَفَ أن سمعوا أصوات فرح على مقربة من منزلنا، فلما سألوا عن الخبر قيل إن سرادقًا أقيم وأكواب «شربات» تُقدَّم ابتهاجًا بجار زميل لي عاد من الخارج ناجحًا فالحًا ظافرًا بشهادة الدكتوراه، فازداد مركزي سوءًا … ورأيتُ الهمَّ والغمَّ والأسى في عيون أهلي … وسمعتهم من حولي يتهامسون: «يا خيبتنا! … يا خيبتنا!»

وبعد:

هذه مرحلة من حياة … لم أُرد منها قصَّ حكايتها … فلم ألتزم فيها بالطريقة المألوفة في سرد تاريخ الحياة حسب الترتيب الزمني لتتابع الوقائع. ولكني مزجت الأزمان والأحداث في أكثر الأحيان كي أصل مباشرةً إلى لب المقصود هنا وهو: محاولة كشف شيء عن تكوين هذا الطبع الذي أتخبَّط بين قضبان سجنه طول العمر.

الصفحة السابقة 1 2 3 4

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
النسخة العربية English Edition

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة