📰 آخر الأخبار
أَنتِ الصَّبَاحُ /أحمد أبوراشدThree Poems By Park Chul Unجناح الضوء / عارف عبد الرحمنأنواع الكوميديا الحديثة/محمد عنانيمنذ أنْ رحلَ ساعي البريد لا توجد رسالة صادقة/غدير حميدان الزبون-فلسطينعرفاء الصف / جواني عبدالThe day you arrive /Elisa Mascia - Italyالدولة والشعب / حميد المصباحيمنتدى الكتاب بالمكتبة الرئيسية للمطالعة العمومية/شدري معمر علي/ الجزائرOCEANS AND GLOW / Dr. Nancy Denniss-SYDNEYMy legends said...and then/ Hani Al-Fahham / Yemenالمتبقي من ألفاظ الشتيمة ومجازات خطاب الفتنة/كريم عبيدعلويبعد أن تنتهي الحرب، من يعيد الإنسان إلى نفسه؟سُليمان عبد الدايمنينوى تهمل أبناءها من المبدعين - اكرم توفيقنظرة / زهرة بن عزوز~ الجزائرالحب المتوهج يرفع التواصل إلى أعلى درجات الرمزية/محمد الجلايدي- القنيطرة- المغرب Like Flowing Water ~ Kim Eun-sim- KoreaTwo Poems By Lee Hyo- SeoulTwo Poems By Kwak Hyeran-Korea غزالة شريدة / سالم الياس مدالوللغياب اسم / زاهر الأسعد - فلسطينThe power of Belief /Prof.Dr.Deswita Refika, Indonesiaالخاطرة الادبية وسلطة النخبة/الدكتور عبدالكريم الحلولهذا السبب أزلت لحيتي؟! د.محمد نبيل كبهاإنكسار الحلم / جميلة مزرعاني- لبنان
أَنتِ الصَّبَاحُ /أحمد أبوراشدThree Poems By Park Chul Unجناح الضوء / عارف عبد الرحمنأنواع الكوميديا الحديثة/محمد عنانيمنذ أنْ رحلَ ساعي البريد لا توجد رسالة صادقة/غدير حميدان الزبون-فلسطينعرفاء الصف / جواني عبدالThe day you arrive /Elisa Mascia - Italyالدولة والشعب / حميد المصباحيمنتدى الكتاب بالمكتبة الرئيسية للمطالعة العمومية/شدري معمر علي/ الجزائرOCEANS AND GLOW / Dr. Nancy Denniss-SYDNEYMy legends said...and then/ Hani Al-Fahham / Yemenالمتبقي من ألفاظ الشتيمة ومجازات خطاب الفتنة/كريم عبيدعلويبعد أن تنتهي الحرب، من يعيد الإنسان إلى نفسه؟سُليمان عبد الدايمنينوى تهمل أبناءها من المبدعين - اكرم توفيقنظرة / زهرة بن عزوز~ الجزائرالحب المتوهج يرفع التواصل إلى أعلى درجات الرمزية/محمد الجلايدي- القنيطرة- المغرب Like Flowing Water ~ Kim Eun-sim- KoreaTwo Poems By Lee Hyo- SeoulTwo Poems By Kwak Hyeran-Korea غزالة شريدة / سالم الياس مدالوللغياب اسم / زاهر الأسعد - فلسطينThe power of Belief /Prof.Dr.Deswita Refika, Indonesiaالخاطرة الادبية وسلطة النخبة/الدكتور عبدالكريم الحلولهذا السبب أزلت لحيتي؟! د.محمد نبيل كبهاإنكسار الحلم / جميلة مزرعاني- لبنان

 مجلة رقمية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
القصة القصيرة

سجن العمر✍️توفيق الحكيم

١٠

كانت أول تمثيلية لي في الحَجم الكامل هي التي أسميتها «الضيف الثقيل» … أظن أنها كُتبت في أواخر عام ١٩١٩م، لستُ أذكر على وجه التحقيق … كل ما أذكر عنها — وقد فُقدت منذ وقت طويل — هو أنها كانت من وحي الاحتلال البريطاني … وأنها كانت ترمز إلى إقامة ذلك الضيف الثقيل في بلادنا دون دعوة منا، ودون رغبة منه في الانصراف عنا.

ولم يكن بالطبع من الممكن إظهار هذه المسرحية على مسرحٍ في ذلك الوقت … والرقابة على المطبوعات لم تكن لتعمى عن مرامي مثل هذا الموضوع في وقتٍ لم يكن للناس حديث ولا تهامس إلا عن الاحتلال الثقيل ومتى تَنزاح غمته … على أن السؤال الواجب هنا هو: لماذا بدأتُ أول ما بدأتُ بالمسرحية؟ … لعلَّ الطبيعة المسرحية؛ أي خلق الإنسان من الحوار لا من الوصف، خلقه من واقع كلامه هو، لا من واقع وصف غيره هو ما يلائم طبعي … لماذا؟ … أهي وراثة؟ … أهو روح الجدل والمنطق والتركيز ووضع الكلمة في موضعها وحوار النفس وقلق القاضي وميزانه عند والدي، كل ذلك أقرب إلى روح المسرح … لست أدري؟ … قد يكون هنالك أيضًا سبب أعمق … ربما كانت طبيعة ميراثنا الأدبي نفسه … إنَّ طبيعة التركيب والتركيز عند العرب منذ القدم في الشِّعر والفكر والأدب والبلاغة … هذه الطبيعة التي هي جوهر الفن المسرحي … تجعلني دائمًا أعتقد أن السليقة العربية هي سليقة مسرحية … وإذا كانت ظروف مُختلفة قد حالت دون تجسيد هذه السليقة بالطريقة المعروفة عند اليونان، فإن ذلك لم يمنع من ظهور بوادرها في أشكال أخرى، فأنا كلما تصوَّرت مشاهد رسالة الغفران للمعري، أو قرأت قِطَعًا من حوارٍ في الأغاني أو للجاحظ، ورأيت ذلك البناء المحكم للصورة والعبارة، والإصابة المباشرة للمفصل، بلا لغو ولا فضول في التلوين السريع للشخصية أو العاطفة أو الفكاهة، أوقن وأشعر بالجذور العميقة الخفية لهذا الميل عندي الفن المسرحي … مهما يكن من أمر فإن هذا الميل قد لازَمَني وسار معي في كل خطوة من خطوات حياتي ودراستي … وحصلت على شهادة «البكالوريا» والتحقت بمدرسة الحقوق وكانت تتبع وزارة الحقانية … ولم تكن وقتئذ تقبل إلا عددًا محدودًا كان في عام الْتحاقي قد وقف عند الثمانين — فيما أذكر — من ترتيب عدد الناجحين في البكالوريا … وكان ترتيبي فيما أذكر أيضًا السبعين.

لم أكن بالطبع من الطلبة المُبرزين من مدرسة الحقوق … بل إني رسبت في امتحان النقل من السنة الأولى إلى الثانية … العجيب في أمري أني كنت أنجح من أول مرة في الشهادة العامة: الابتدائية، والكفاءة، والبكالوريا … وأرسب في السنوات الأولى … إني أتعثر دائمًا في الخطوة الأولى … وكان رسوبي في جملة موادَّ أذكر منها اللغة الفرنسية، وقد كانت ضرورية لنا في دراسة القانون؛ لأنَّ المراجع الكبرى كانت فرنسية، ولم يكن التدريس باللغة العربية معروفًا إلا في حدود ضئيلة … فقد كان التدريس باللغة الإنجليزية في مواد الاقتصاد السياسي، والقانون الروماني، ومقدمة القوانين، والطب الشرعي، على يدِ أساتذة من الإنجليز … بعضهم لم يكن بالأستاذ الكفء … وبعضهم كان يأتي في حالة سُكر بيِّن، ولم نكن نفهم منه كثيرًا كأستاذ القانون الروماني «مستر ملفيل» … وكنا أحيانًا نستفيد من سُكرِه، فنتوسل إليه أن ينقذنا من بعض الصفحات العسيرة في الكتاب المقرر، فكان يستجيب لنا ويقول وهو بين النوم واليقظة: «حسنًا … احذفوا من صفحة كذا إلى صفحة كذا»، ثم نعود في أسبوع آخر بعد أن يكون قد نسي، فنستعطفه مرة أخرى فيعود إلى الحذف … وهكذا حتى حذف لنا نصف الكتاب … ولم نُمتحَن إلا في النصف.

على أن المجتهد فينا كان لا بد له من الاعتماد على نفسه والاطلاع على المَراجع الفرنسية … ولم تكن الفرنسية التي تعلمناها بالقسم الأدبي بالمرحلة الثانوية تكفي لمثل هذا الاطلاع … لذلك كانت تُدرَّس لنا هذه اللغة في مدرسة الحقوق على يد أستاذ فرنسي مُلمٍّ بالقوانين اسمه «مسيو توندير»، يلقننا المصطلحات القانونية التي تمكننا من الاطلاع في المراجع الضرورية.

كان الأستاذ الأجنبي الممتاز حقًّا في كل المدرسة هو ناظر مدرسة الحقوق نفسه وقتئذ: «مستر والتون» — وأظنُّ أنه أيرلندي — فكتابه في القانون المؤلَّف بالإنجليزية كان خير ما أعاننا وأفادنا.

على الرغم من ذلك رسبتُ في السنة الأولى … وكان لهذا الرسوب أثره السيئ بالطبع عند أهلي … فما إن ذهبت إليهم في الإسكندرية لتمضية إجازة الصيف حتى استقبَلوني بوجوه عابسة غاضبة، وأنذروني بأنَّ إجازة الصيف لا يَنبغي أن أُمضيها في المتعة التي لا أستحقها، بل في الدرس، وخاصة في التقوِّي في اللغة الفرنسية التي رسبتُ فيها على نحو فاضح … وقَبِلَ والدي أن يدفع لي أجر دروس خاصة في مدرسة «برلتس» المختصة بتعليم اللغات الحية … والتحقتُ بتلك المدرسة طيلة شهور الصيف. أتلقَّى ثلاثة دروس خصوصية في الأسبوع على يد مدرسة فرنسية أفادتني كثيرًا … فقد أفهمتني أن اللغة لا تُتعلَّم حقًّا إلا بالقراءة … ولا سيما لمن هو في مثل مرحلتي المتأخِّرة من السن … فإني بمداركي المتسعة أستطيع تعلم اللغة بنفسي عن طريق مداومة القراءة أكثر من تلقِّي الدروس التقليدية التي تُلقَّن لصبية المدارس، وأشارت عليَّ بشراء كتاب أدبي من صميم الأدب الفرنسي، وهو في نفس الوقت سهل الأسلوب إلى حدٍّ لن يستعصي عليَّ فهمه … كان هذا الكتاب هو «رسائل طاحونتي» لألفونس دوديه … جئت بهذا الكتاب وطالعت فيه تحت إرشادها وبمعاونة قاموس «لاروس» الصغير فإذا بي حقًّا أجد لغته سهلة ممتنعة … سهلة للقارئ المبتدئ مثلي، مُمتنعة ولا شك على من يُريد محاكاتها من الأدباء … وشجعتني استطاعتي المضي في هذا الكتاب بلا مشقة تشجيعًا كبيرًا … وشعرت كأن اللغة الفرنسية تفتح أمامي أبوابها المغلقة بالترحاب. فلما فرغنا من هذا الكتاب أشارت عليَّ المُدرسة بكتاب آخر له نفس الامتياز في الأسلوب السهل الذي لا يستعصي على طفل، وإن كان تفكيره من العمق بحيث سيجعلني أقف عنده حائرًا أو متأملًا … وليس هذا عندها بالمهم … المهم أن أفهم لغته وأتعلم تكوين عباراته البسيطة في مبناها … كان هذا الكاتب هو: «أناتول فرنس» … فيما بعد عرفت كيف كان أناتول فرانس يجاهد ويعاني ليصل بأسلوبه إلى هذه البساطة المضيئة النقية كأنها قطرات الماء السائل من السماء! وفهمت — فيما بعد أيضًا — لماذا قيل إن مفتاح «أناتول فرانس» هو «راسين».

سِرتُ بعد ذلك على الدرب … ومضيت وحدي بعد أن انتهيت من هذه المدرسة بانتهاء الصيف وصرت أشتري الكتب الفرنسية وأقرؤها … وبمُعاونة القاموس الذي بجواري والرغبة التي في نفسي استطعت أن أتقدَّم في هذه اللغة تقدمًا جعلني أقرأ منها كل ما أريد وصار همِّي أن أنظر في واجهات المكتبات الإفرنجية وأقلب في الكتب والمجلات … وعثرت على مجموعة قديمة لمسرحيات «ألفريد دي موسيه» زهيدة الثمن، احتملها جيبي فاقتنَيتها … ومجموعة أخرى «لماريفو» اشتريتها أيضًا … ثم وجدت مجموعة من نحو عشرة أجزاء تعرض جملة في محلٍّ لبيع الأشياء العتيقة، بثمن لا يُذكر لكتابٍ عنوانه «أربعون عامًا في المسرح» للناقد المشهور «فرانسسك سارسي» أعانَني على الإلمام بحياة المسرح الفرنسي وما عُرض فيه من أدب مسرحي كلاسيكي ورومانتيكي وعصري … وهداني إلى ما كنت أجهل من تطورات هذا الأدب … ثم وقعت آخر الأمر على أكوام من أعداد مجلة تخصصت في نشر النصوص الكاملة لأهم المسرحيات التي تُعرض على مسارح فرنسا وأوروبا عامة مع آراء النقاد فيها … تلك هي «ملحق الألستراسيون» كانت المكتبات تبيع القديم منها لا بالعدد؛ بل بالكوم … وبثمن بخس … فاغترفت منها اغترافًا … وعلى الرغم من سيري في دراسة الحقوق بعد ذلك، سيرًا مُنتظمًا إلى أن حصلت على الليسانس، إلا أني شُغلت عن القانون والتفرُّغ له — التفرغ الذي يتيح لي التفوق والامتياز — بمثل هذه المطالعات التي كانت تسيطر على كل جوارحي … كانت الفرق التمثيلية الموجودة في ذلك الوقت خلاف فرقة «جورج أبيض» هي فرقة «عبد الرحمن رشدي» بالاشتراك مع «عمر وصفي» … وكان من أنجح رواياتهما مسرحية «دوران ودوران» لمؤلف فرنسي ربما كان اسمه «أنطوني مارس» … كانت تُمثَّل في تلك الفرقة بنَصها الفرنسي … إلى أن تناولَتْها فيما بعد فرقة «الريحاني» ومصَّرتها ومثلتها باسم «٣٠ يوم في السجن» … على أن الدور الذي لن أنساه لعمر وصفي في تلك الفرقة هو دور الوصي العجوز في «حلاق إشبيلية» … ثم فرقة «منيرة المهدية» وكانت متخصِّصة في الأوبريت، وانقطع لها مؤلف من هذا النوع هو محمد يونس القاضي، وفرقة غنائية أخرى «للشيخ أحمد الشامي» … ثم فرقة «عكاشة» التي ورثت بعض روايات الشيخ سلامة حجازي … وكان مسرح حديقة الأزبكية لم يتمَّ بناؤه بعد، فكانت تعرض حفلات سنوية بدار الأوبرا … تلك كانت الفرق الجدية القائمة يومئذ … أما الفِرَق الهزلية فقد كانت هناك فرقة «عزيز عيد» المتخصصة في «الفودفيل» المكشوف يُمثل بنَصه الفرنسي المترجَم عن «جورج فيدو» … إلى أن ظهرت بعد قليل فرقة «أمين عطا الله» ثم فرقة «الريحاني» بشخصية «كشكش بك» التي نقلها عن أمين عطا الله، وفرقة «علي الكسار» بشخصية بربري مصر الوحيد.

وفي ذات ليلة ذهبت إلى دار الأوبرا أُشاهد رواية لفرقة عكاشة، فوجدتُ هناك زميلًا لي بمدرسة الحقوق … سألته عما جاء به إلى ذلك المكان، لعلمي أنه ليس من المهتمين بمسرح ولا بروايات؛ فأجابني أن شقيقه هو مؤلِّف الرواية التي نُشاهدها. فعجبت لذلك وسُررت به وقلت له: عرِّفني بأخيك هذا!» وعرفت من صار بعد ذلك صديقي وشريكي في مسرحية غنائية هي «خاتم سليمان»؛ «مصطفى أفندي ممتاز» الموظَّف بقسم الشياخات والعمد بوزارة الداخلية.

كان مصطفى ممتاز قد توظَّف بالبكالوريا ولم يستمرَّ في الدراسة العليا مثل أخيه زميلي بالحقوق … لكنَّه كان فيما رأيت منه أرسخ قدمًا في اللغتين العربية والإنجليزية وأوسع اطلاعًا وأمتع حديثًا، وعلى جانب كبير من المَوهبة والإحساس بالفن والحب الصادق للمسرح … فكنت أجد فيه الصديق الذي ترتاح إليه نفسي، ولم أحفل كثيرًا بأخيه زميل الدراسة … كان كالغريب عني في العقلية والميول … كنتُ أزور مصطفى هذا في بيته من حين إلى حين … كان مُتزوجًا وله أولاد … فكنا نقضي وقتًا طويلًا في حجرة الجلوس نتحدَّث في الفن والمسرحيات. كان يُصغي إلى اطلاعي على المسرحيات الفرنسية، وأُصغي إلى اطِّلاعه على المسرحيات الإنجليزية التي كان يطلبها بالبريد من لندن منشورة في سلسلة مسرحية زهيدة الثمن … فنُحاول أن نستعرض ما نجد هنا أو هناك مما يَصلح في نظرنا للترجمة أو ما يُغرينا بالتمصير … كنت قبل أن أعرف مصطفى ممتاز قد قمتُ بتمصير كوميديا أسميتها «العريس» من مسرحية فرنسية ربما كان اسمها «مفاجأة أرتور» وقدمتها إلى جوق عكاشة … وكان «طلعت حرب» في ذلك الوقت — وهو المُعتبَر «سعد زغلول» الاقتصاد القومي، والمنشئ الأول لأول بنك مصري — قد فكَّر في إنشاء مسرح مصري أيضًا وشرقي … فشيَّد مسرح حديقة الأزبكية، على الطراز العربي … واشترط أن يكون التمثيل في هذا المسرح لمسرحيات مصرية وعربية، فلا تُعرض فيه «ترجمات بنصِّها الفرنجي وثيابها الفرنجية» كما هو الحال في فرقة جورج أبيض أو عزيز عيد أو «يوسف وهبي» الذي لاح ظهوره في الأفق بفرقة جديدة على «مسرح رمسيس» … فإذا لم يكن هناك بدٌّ من نقل موضوع أجنبي فليُعرض ممصرًا أو معربًا … أي مقتبسًا، كما كان يقال وقتئذ … فما يصلح من المسرحيات الأجنبية لحياتنا العصرية أُجريَ تمصيره، وما يصلح للعهود التاريخية جعل في عهد العرب أو المماليك … وتخصص مسرح الأزبكية في هذا اللون! … لم يشذَّ عنه … واستُخدمت فيه اللغة الفصحى إذا كان الموضوع تاريخيًّا أو جديًّا، واللغة الدارجة إذا كان الموضوع عصريًّا أو فكاهيًّا … ومهما يكن من أمر اختيار طلعت حرب لفرقة عكاشة كي تحتلَّ مسرح الأزبكية الجديد وتقوم بتلك الرسالة، فإنَّ هذه الفرقة، قد نجحت بفضل معونة بنك مصر المالية وتشجيع طلعت حرب في إبراز الأوبريت والأوبرا وكل ما يحتاج في إخراجه إلى بذخ وإنفاق.

وقع اختيارنا أنا ومصطفى ممتاز على موضوع شائق كنت قد طالعته في إحدى الروايات الفرنسية، ربما كان اسمها «غادة ناربون» أو شيئًا كهذا، لستُ أذكر الآن استطعنا أن نخرج منه مسرحية غنائية لفرقة عكاشة … جعلنا هذا الموضوع يحدث في مدينة شرقية في عصر قديم. وأخذنا نستعرض المدن فلم نُوفَّق إلى مدينة تصلح لجو المسرحية … كنا نريد مدينة شرقية ليست من المدن الكبرى المعروفة حتى لا يَضيع الخيال من رءوس المشاهدين. وأخيرًا جئنا بخريطة أخذنا نتأمَّل فيها … وإذا بنا نعثر على مدينة صغيرة في فارس اسمها «مرو» فصِحْنا معًا: «هذه هي مدينتنا» … وأسمَينا المسرحية «خاتم سليمان» … وتقاسَمنا وضع منظومات الألحان وذهبنا بها إلى فرقة «عكاشة» … فتسلَّمها منا مدير الفرقة ومُطربها الأول والمستولي دائمًا — شئنا أو لم نشأ — على دور البطل، مُمثلها المدلل وصاحب الأمر فيها والنهي، أصغر العكاكشة سنًّا وأثقلهم ظلًّا. باعتراف القاهرة كلها وإجماعها في ذلك العصر — «زكي بك عكاشة» صاحب الخاتم الماسي الكبير المتلألئ، الحريص على إظهاره دائمًا في إصبعه ليخطف به عيون المشاهِدات المحجَّبات خلف ستائر «البناوير» التي تشبه «الناموسيات»، مُصرًّا على الاحتفاظ به وهو في دور شحاذ في رواية اليتيمتَين، مُلوِّحًا به ليبرق في إصبعه وهو يترنم مُغنيًا مُنشدًا: حسنة لله يا أسيادي! ولم يكن أستاذًا في كل ذلك فقط، بل كان أيضًا أستاذًا في فن المماطَلة مع المؤلِّفين المُستضعفين من أمثالنا، والملحِّنين المساكين من أمثال كامل الخلعي … كنا نذهب إليه الأسابيع تلو الأسابيع وهو يقول لنا: لم أقرأ روايتكم بعدُ، كنت مشغولًا … كان صوتي مبحوحًا … كان مزاجي مُعتلًّا … كل هذا ويكون هو في الحقيقة قد قرأها من أول ليلة وعرف دوره فيها وأعطاها للمُلحن … فما إن نعرف بالمصادفة أنها في التلحين؛ أي إنها في مرحلة التحضير، حتى نُبادر بإخباره ومُطالبته بالثمن أو رد الرواية … فيقول لنا: مرُّوا عليَّ غدًا … ونمرُّ عليه في الغد … فيقول: اصبروا أيضًا يومين … وبعد اليومين يقول: إنَّ هنالك جردًا يستلزم الانتظار قليلًا … وأخيرًا يقول: اذهبوا إلى هاشم أفندي رئيس حسابات الفرقة … فنذهب إليه فيُقال لنا إنه مسافر … وهو في الواقع قد اختفى في حجرة أخرى … ونظلُّ نتعقب هاشم أفندي وهو يفلت من أيدينا كأنه الزئبق، إلى أن نُطبق عليه ويُصبح فراره عسيرًا … وتفرغ كل حيل المراوغة في الظهور والاختفاء … فينتقل بنا زكي عكاشة الهُمام الذي لا يُغلَب إلى مرحلة أخرى وميدان آخر: الكلام في الثمن … ما كان يعطي المؤلِّف أكثر من ثلاثين جنيهًا للمسرحية … وعلى الأكثر خمسين في أحوال نادرة … لكنه كان يُثبت في الدفاتر أن أجر المؤلِّف أو المُلحِّن مائتان من الجنيهات … والفرق بالطبع في جيبه الكريم … كان المعروف عنه في آخر أيامه أنه أنشأ لنفسِه ثروة طائلة، ولم يكن الحصول على الثلاثين جنيهًا من الأمور الهيِّنة مع ذلك، كان دون الوصول إليها مناقشات ومُساوَمات لا تنتهي … ولم أر في الأفق بادرة أمل في نجاح قريب لمفاوضات — ولا مفاوضات سعد زغلول يومئذ — يُمكن أن تُؤدِّي إلى قبض نقود من زكي عكاشة، فأصابني اليأس وتركت الموضوع كله لصديقي وشريكي مصطفى، وجعلتُ كلَّ همي متابعة الألحان التي كُلف بوضعها كامل الخلعي … كان هذا المُلحِّن تحفة زمانه في شخصيته البوهيمية وعلمه الواسع بالموسيقى الشرقية، وعندما عرفته بعد تسلُّمه روايتنا لتلحينها عام ١٩٢٣م كان في حوالي الخمسين من عمره … وكان قد لحَّن الكثير من المسرحيات الغنائية لمُنيرة المهدية … واشتهر على الأخصِّ بألحانه لروايتها «كارمن» ثم «كارمنينا» … وكان مُعاصره في السن والتأليف الغنائي المسرحي «داود حسني» لا يقلُّ عنه براعةً هو الآخر في هذا اللون من الفن … كانت المسرحية الغنائية في ذلك الوقت مُزدهرة ازدهارًا كبيرًا؛ فالأثر الذي تركه الشيخ سلامة حجازي في تكوين جمهورٍ للمسرح الغنائي لم يكن من السهل أن يزول بعده … بل إن هذا اللون تطور من مرحلة القصائد الملحنة إلى مرحلة الأوبريت والأوبرا الحقيقية … وكان سيد درويش قد ظهر منذ سنوات بتلحينه بعض روايات كشكش بك، أي الريحاني. إلا أنَّ ما كان يصنعه في مثل هذه الروايات لم يكن محل تقدير فني؛ لأن الريحاني نفسه لم يكن محترمًا الاحترام الذي ظفر به في آخر أيامه؛ فقد كان الإقبال على «كشكش بك» يعادل الإقبال على الكباريهات … ولم يكن سرُّ رواجه في الحقيقة إلا تلك الراقصات الجميلات الشقراوات الأجنبيات؛ الوافدات علينا من الخارج عقب الحرب الأولى مثل «دينا لسكا» ومثيلاتها، ممَّن قذف بهنَّ الجوع من بلاد منهزمة كالنمسا وألمانيا فجئن إلى مصر المفتوحة يومئذ لكل من هبَّ ودب، فملأن المسارح والحانات وقاعات الليل … وكان الشباب من الوارثين يُقبلون على تلك المحالِّ جميعًا لمصاحبة الفتيات آخر الليل: فكان الواحد منهم يحضر الرواية الواحدة للريحاني كل ليلة، لا حبًّا في الرواية نفسها التي سبق أن شهدها مرات، ولكن من أجل سيقان الفتيات … وعلى الرغم من قيمة ما صنعه سيد درويش لهذا المسرح الاستعراضي، وما تبيَّن فيما بعد من موهبته في تصوير أهل الحرف والمهن باللحن الموسيقى المعبر المبدع … إلا أنه لم يَظفر وقتئذ بالتقدير والاحترام إلا عندما لحن روايات جدية مثل «هدى» لفرقة عكاشة، «والعشرة الطيبة» و«الباروكة»، و«شهو زاد» — أي شهر زاد — (كانت تكتب قديمًا بالواو وتنشر في إعلانات الحائط وما من معترض أو ملتفت إلى شيء) … ويا للعجب … حتى عندما أسس فرقة غنائية خاصة بالاشتراك مع عمر وصفي تتمثل على خشبة «تياترو دار التمثيل العربي» بقُرب شارع وجه البركة، وانتهت بالإفلاس السريع، فإن هذا الإفلاس المادي لم يكن قط مقترنًا بأي إفلاس أدبي … على النقيض… لقد خسر المال وكسب التقدير الفني من المثقفين والعارفين بقيمة الفن.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
النسخة العربية English Edition

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة