السرد الأدبي

سأتّخذك ابنا – محمّد الزّواري ـ تونس

Untitled

فتحيّة التّريكي.. اسم من الأسماء الّتي تظلّ منقوشة في الذّاكرة و تظلّ ساكنة في ركن دافئ من القلب.. هي آنستي و سيّدتي و معلّمتي.. درّستني في السّنة الثّالثة من التّعليم الابتدائيّ أثناء السّنة الدّراسيّة 1980 ـ 1981 ..

في تلك السّنة شعرت بحبّ طفوليّ جارف نحوها و أنا مازلت في السّابعة من عمري.. لعلّ ذلك يعود إلى أنّها أوّل معلّمة درست عندها .. فقط كلّ ما أعرفه أنّها كانت معلّمة محبوبة يروق لي حضور دروسها بشغف متزايد.. و حتّى الحصّة الإضافيّة الّتي كانت في جدول الأوقات يوم الأربعاء من منتصف النّهار إلى الواحدة لم تكن ممجوجة مثلما يعدّها بعض التّلاميذ لأنّها في وقت الهاجرة.. بل كنت أخفّ لمتابعة تلك الحصّة بعد أن أكون قد التهمت غدائي في المنزل لألتهم دروس القراءة و اللّغة في القسم.. لكنّني لا أنكر أنّني كنت في تلك السّنة تلميذا لطيفا مهذّبا و متفوّقا أيضا.. و لعلّ هذا ما جعل تلك العلاقة الوجدانيّة بيننا وطيدة.. فكانت توليني محبّة الأمّ لابنها مثلما كنت أوليها محبّة الابن لأمّه..

كلّ ذلك يجعلني أسترجع الكثير الكثير من الذّكريات حول ذلك العام الدّراسيّ.. مازلت أذكر تجوّل معلّمتي الأثيرة بين الصّفوف و هي تشرح الدّرس كي تكون قريبة من قلوبنا الصّغيرة.. مازلت أذكر كيف كانت تعلّمنا المبتدأ و الخبر بطريقة مبسّطة مشوّقة.. مازلت أذكر كيف كانت دقيقة في تمرير المعلومات.. فكانت تعلّمنا أن لا فرق بين ملك يوم الدّين و مالك يوم الدّين في سورة الفاتحة فكلاهما صحيح.. مازلت أذكر حصّة المطالعة الّتي أمست ناديا في ذلك الوقت.. فكانت تطلب من كلّ تلميذ أن يأتي بقصّة كي يتمّ تبادلها كلّ أسبوع في القسم فكان ذلك الأمر طريفا يحثّ على القراءة.. مازلت أذكر تكليفنا بإعداد شبكة صغيرة من الكلمات المتقاطعة كلّ أسبوع يقع تقديمها على السّبّورة و في حلّها يتنافس المتنافسون.. مازلت أذكر تكليف التّلاميذ بإصلاح أخطاء بعضهم البعض بعد أن تسلّمنا أوراق التّعبير الكتابيّ.. وكنت أنا من بين التّلاميذ الّذين تثق فيهم آنستي فأصلح الأخطاء متجوّلا بين أوراق التّلاميذ..

كلّ هذه الذّكريات وحدها في كفّة إذا قارنتها بالذّكرى الّتي ما برحت عالقة في ذهني إلى اليوم فهي في كفّة ثانية.. و مضمونها أنّني كنت في إحدى الحصص قد أجبت على ما يبدو عن سؤال إجابة شافية كافية ممّا جعل آنستي تنبهر بي.. فقالت لي في لهجة حازمة دون تردّد : منذ اليوم سأتّخذك ابنا لي.. و عليك أن تخبر أسرتك بذلك و أن تنقل أمتعتك كلّها كي تعيش معي في منزلي.. تظاهرت حينها بأنّني قبلت الأمر بروح رياضيّة.. و لكنّني عدت إلى البيت عند الأصيل واجف القلب وجلا أشدّ الوجل مضطربا أشدّ الاضطراب.. و أقبلت على والدتي أخبرها بالنّبإ العظيم.. و ماكدت أخبرها بذلك حتّى ابتسمت في وجهي ابتسامة رقيقة و قالت لي مهدّئة من روعي : إنّ ما قالته آنستك ليس إلاّ مزاحا لطيفا.. ثمّ أشارت عليّ بأن أقول لها إذا كان الغد : سأظلّ ابن ماما و بابا في المنزل و لكنّني سأكون ابنا لك في القسم طيلة حصص الدّراسة.. حينئذ نزلت عليّ تلك الكلمات الحكيمة بردا و سلاما.. و قبلت بالقسمة المنصفة و اقتنعت بها و وجدت برد الرّاحة في صدري..

إنّ ماذكرته ليس افتخارا بنفسي كما سيظنّه البعض.. و لكنّه افتخار بمربّية أخلصت في حمل رسالتها التّربويّة فكانت من بين المدرّسين الّذين لا ينسى بريقهم مهما تتالت السّنون.. و ها أنا اليوم أذكر معلّمتي تلك المربّية الفاضلة بعد مرور ما يزيد على أربعين عاما لأعترف بجميلها و أذكر فضلها.. ففي هذه الكلمات فيض من عنايتها و رعايتها.. و لولا جدّيّتها و إخلاصها و صدقها و رقّتها لما استطعت أن أخطّ هذه الحروف المشيدة بها.. و إلى اليوم مازلت أراني في حضرتها ذلك الطّفل الصّغير اللّطيف الخجول الّذي ينظر إلى معلّمته فيتعلّق بها و يحبّها حبّا عجيبا لا يدري كنهه و لا يجد له تفسيرا..

 ** **

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading