ذكريات طه حسين – ثروت أباظة
وقد كان في المنطقة شيخ صوفي من بلدة تسمى السرارية شرقي سمالوط، وكان من تلاميذه ومريديه علي سلامة جد الدكتور طه لأبيه، وموسى محمد جد الدكتور طه لأمه رقية، وهكذا تم الزواج، ولم يكن حسين هو أول زوج لرقية؛ فهي أيضًا كانت قد تزوجت من قبلُ بالحاج يوسف، وكان الدكتور طه وإخوته يدعونه بالخال يوسف، كما كانوا يدعون زوجة أبيهم الأولى بالخالة نفيسة.
أما أبناء حسين فهُم: أمينة وجلفدان ومحمد توفيق وأحمد حسين، وقد كان يسمى وقت أن وُلد بأحمد عرابي، فحين هُزم عرابي صار اسمه أحمد حسين. وبعد أحمد حسين جاء محمود الذي وصل في التعليم العالي إلى البكالوريا، وتهيأ لدخول مدرسة الطب، ولكن الأجل وافاه مصابًا بالكوليرا في إجازة الصيف، وقد كان لوفاته أثر واضح على الدكتور فيما رواه بالأيام. وبعد محمود جاء حامد الذي درس ثم اشتغل بوزارة الأوقاف، ثم فاطمة وزينب، ثم طه حسين في عام ١٨٨٩م، ثم عبد العزيز وياسين، وأخيرًا عبد المجيد عام ١٩٠٣م.
وقد ظل الوالد حسين يعمل في شركة كوم أمبو إلى سنة ١٩٣٢م، ثم عاد إلى المنيا، وتوفي رحمه الله سنة ١٩٤٢م، أما والدة الدكتور طه فقد اختارها الله عام ١٩٥١م. ويمضي عدد الآداب بعد ذلك منوِّها بطفولة الدكتور طه التي شبت بعزبة الكيلو، مع هؤلاء الإخوة ومع هذا الرمد الذي عولج أعنف علاج وأقساه حتى انتهى بهذه الآفة التي يقول عنها الدكتور طه في ذكرياته:
كانت تؤذيه سرًّا ولا تجاهره بالخصومة والكيد. لم تكن تمنعه من المضي في الدرس ولا من التقدم في التحصيل ولا من النجح في الامتحان، وإنما كانت أشبه شيء بالشيطان الماكر المسرف في الدهاء، والذي يكمن للإنسان في بعض الأحناء والأثناء، بين وقت ووقت، ويخلي له الطريق يمضي فيها أمامه قُدمًا، لا يلوي على شيء، ثم يخرج له فجأةً من مكمنه ذاك هنا أو هناك، فيصيبه ببعض الأذى وينثني عنه كأنه لم يعرض له بمكروه، بعد أن يكون قد أصاب من قلبه موضع الحس الدقيق والشعور الرقيق، وفتح له بابًا من أبواب العذاب الخفي الأليم.
والله وحده يعلم إلى أي متجَه في الحياة كان سيتجه طه حسين لولا هذه الآفة، غير أنه إذا كان لنا أن نشق الغيب ونضرب في المجهول، لأصررنا على أن طه حسين لم يكن يستطيع أن يكون غير طه حسين، مبصرًا كان أو غير مبصر؛ فهذه الطاقة العملاقة لا يردها شيء مهما يكن هذا الشيء خطيرًا خطورة البصر.
ولعله لا يجوز لنا أن نعبر مرحلة الطفولة هذه دون أن نذكر هذه الواقعة الطريفة التي يرويها الشيخ أحمد حسين حين كان يصطحب أخاه طه في الطريق إلى ترعة المجرة، التي تمر أمام بيت علي سلامة والمتفرعة من ترعة الإبراهيمية. وتقابل الأخوين في الطريق جاموسة تأخذ عليهما الطريق الضيق، فيركنان إلى جانبه ناحية الترعة، فما يلبثان أن ينزلقا إليها، فيواجه أحمد بدل الويل ويلين؛ الأول وقوعه في الترعة، والثاني أنه أوقع أخاه طه. كما قالت الوالدة للشيخ نخلة شيخ الكتَّاب، وكان لا بد لأحمد أن يلتقي بعقابه عشرين جريدةً على أكعابه، ظل يذكرها ما امتد به العمر.
وحين ينزل الشيخان إلى القاهرة يعتمدان على القدامى من المجاورين، وقد وجههما والدهما أن يسكنا مع مجاور قديم، هو الشيخ صالح أبو حديد، فسكنا في حوش عطا وهو حوش مقسم إلى أرباع، كل ربع بترتيبه، والربع كما لا يزال إلى الآن يشبه الثكنة؛ فهو مقسم إلى وحدات تتكون من الغرفة الواحدة على اختلاف في السَّعة، أو بعض الملحقات من المداخل أو المرافق. وفي الغرفة الأولى على اليسار من الربع الأول من حوش عطا، يسكن طه مع أحمد وصالح أبي حديد المجاور الكبير، ويدفعون في الأودة عشرة قروش أجرة شهرية، ومصروف الواحد من الأخوين عشرة قروش للسكنى وغيرها، بعد الزوادة التي ترسل إليهما مع تجار مغاغة الذين يتوافدون تباعًا إلى القاهرة محملين بما تُطيق الأم أن ترسله، لا تنسى حتى أن تحملهم بالخشب مكسرًا ليكون وقودًا ودفئًا.
ويدخل طه الأزهر الشريف قبل بلوغه السن التي كان محددًا يومذاك للانتساب إلى الأزهر، وهي ١٥ سنة. ويتم هذا بطريقةٍ ما. وتمر السنون وينتقل أحمد وطه من الربع الأول في حوش عطا إلى الربع الثاني بالحوش نفسه، وهو سكن التجار، وترتفع الأودة إلى خمسة وعشرين قرشًا في الشهر، ويشارك الأخوين فيها أخوهما حامد وابن أختهما أمينة ومحمد عبد العال ابن خالتهما زينب، الذي شارك في رفقة طه ليفرغ أحمد لشأنه.
ولعل أهم ما ذكر في هذا الحديث هو الأسماء التي أشار إليها الدكتور طه دون أن يذكرها في كتبه. فقد أخذ نفسه في أيامه ومذكراته ألا يذكر اسمًا حتى نفسه أشار إليها بالفتى.
أما ما بعد ذلك من حياة الدكتور طه فأعتقد أنه لا يحتاج إلى إشارة، فجميعه معروف، وقد قدم هذا العدد من الأدب نماذج من مقالات الدكتور طه في ذلك الحين ومن شعره. ولعل أهم ما جاء في هذه النماذج قصيدة نُشرت في جريدة مصر الفتاة قدمت لها الجريدة قائلة: يرى القارئ في القصيدة البليغة الآتية أن صاحبها الأديب الفاضل قد انتهج فيها أسلوبًا يظنه بعض الأدباء من الأساليب الإفرنجية؛ لاتفاقها مع الشعر الإفرنجي في التقاطيع والروي، ولكن هذا النوع لم يفُت العرب في جاهليتهم؛ فقد كانوا ينظمونه ويسمونه المسمط، وقد نظم فيه امرؤ القيس أسماطًا أتى على أمثال منها صاحب لسان العرب في مادة «سمط»، وكان للعرب الأندلسيين اليد الطولى فيه. وتراه في موشحاتهم التي تفنَّنوا في وزنها ورَويِّها، وأبدعوا ما شاء الله التفنن والإبداع.
وإليك ما قاله حضرة الشاعر المجيد صاحب الإمضاء (طه حسين) في قصيدته التي التزم أن يجعلها أسماطًا، وكل سمط أربعة أبيات، ويتفق البيت الأول مع البيت الثالث في الروي والبيت الثاني مع الرابع كذلك، قال حفظه الله ونصر به الأدب:
شادن عطف
عطفه الحبيب
بعد أن صدف
صدفة الملول
كم سبى العقول
قوله الخلوب
يملك القلوب
ثم لا ينيل
•••
كل ذي بهاء
يمقت الوصال
يظهر الحياء
وهو في صدود
من لدى الهوى
منه بالنوال
إن في الجمال
عثرة الجدود
•••
إن في الهوى
زلة القدم
فيه كم هوى
ثابت الجنان
قل لذي السنان
أو لذي القلم
كلَّت الهمم
عنه والبيان
•••
بدؤه مجون
يبهج الحياة
ثم بالجنون
ينتهي الخبر
إنما انتصر
صاحب الأناة
تقتضي مناه
منه أن صبر
وقد أوردت المجلة نماذج كثيرة من شعر الدكتور طه، ونحن بطبيعة الحال حين نذكر شعر الدكتور طه، فإنما نذكره كعلامة تاريخية في أدبه؛ فصاحب هذا النثر الشاهق العملاق لا يمكن أن يكون صاحب هذا الشعر، والظاهر أن موهبة الشاعر تختلف كل الاختلاف عن موهبة الأديب الكاتب مهما يكن هذا الكاتب طه حسين.
وقد سألت مرة الدكتور طه كيف لم تعجب بشوقي وأنت صاحب هذا الأسلوب الموسيقي الرنان؟ وقال الدكتور: لقد أخذت على شوقي أنه يخطئ في التاريخ. ولعل هذه الفترة التي هاجم فيها شوقي من هذه الفترات التي أسف عليها بعد ذلك. وإني لا زلت أذكر يوم أقام أبي حفل تأبين في ذكرى حافظ إبراهيم استمرت ثلاثة أيام بدار الأوبرا، ووقف المرحوم إبراهيم عبد القادر المازني ليقول: لقد كنا أنا والعقاد نهاجم شوقي وحافظ لنقف على أنقاضهما، فلم ننل إلا من أنفسنا ومن الحق.
وقد اعتذر الدكتور طه عن هذه الفترة جميعًا، وقال إن بعض الناس قد أغروه وهو في زهوة الشباب واندفاعه بهذا الهجوم، وهو يقول بعد ذلك إنه لم يأسف على شيء في حياته أسفَه على هذه الفترة وما كتب فيها من مقالات.
ومنذ قريب وقف العقاد العظيم يمتدح شوقي ولكنه في كبريائه، ولا أقول كبره، لم يذكر شيئًا عن سابق هجومه عليه.
إن طه حسين يستطيع أن يعتذر عن حفنة من المقالات لم يرضَ عنها بعد ذلك … فما هي في أدبه إلا كلمة عابرة يستطيع أدبه المحيط أن يبتلعها فلا يبين لها أثر. إن طه حسين الروائي، وطه حسين صاحب الكتب الإسلامية، وطه حسين صاحب النقد المتفرد، وطه حسين الذي فتح النوافذ مع إخوانه على الأدب العربي، وطه حسين الذي خرَّج الأدب العربي الحديث؛ يستطيع أن يقول إنه أخطأ في شبابه، ونستطيع نحن أن نرحب باعتذاره، وكم أديب أقل حجمًا من طه حسين أخطأ ثم أبى أن يقول إنه أخطأ!
حين وُلدَت الرواية المصرية الحديثة على يد أستاذنا المغفور له الدكتور محمد حسين هيكل، وُلدَت كالطفل اللقيط الذي يتخفى أبوه من أبوَّته؛ فقد مهرها الدكتور هيكل بتوقيع مصري فلاح. ولم يكن هذا غريبًا، ولا لوم على أستاذنا ولا تثريب، فلم يكن الدكتور هيكل يعدُّ نفسه أن يكون روائيًّا، بل هو مهيأ لأن يكون كاتبًا سياسيًّا وكاتبًا مفكرًا، ولعله في ذلك الحين لم يكن يفكر أنه سيصير من أعظم مؤرخي السيرة النبوية إن لم يكن أعظمهم. وكانت حكايات أبي زيد الهلالي سلامة والزناتي خليفة تملأ المقاهي على الربابة في ذلك الحين، ولعله خشي أن يرميه خصومه السياسيون بأنه شاعر ربابة يروي الحواديت. وما أكثر ما اختلق خصوم هيكل عليه من أكاذيب! وعلى أية حال لم تكن نظرة هذا الجيل إلى الرواية نظرة الإجلال والإكبار التي تتمتع بها الرواية اليوم، ولعلي لم أعرف أحدًا كان يُجلُّ الروائيين ويُكبِرهم من هذا الجيل، أو من الجيل الذي تلاه، إلا أبي رحمه الله؛ فقد كان يحب الرواية ويُجِلُّ كتَّابها، ولعل هذا يرجع إلى تشرُّبه للثقافة الفرنسية مع ثقافته العربية. ولا شك أن الدكتور هيكل كان يعرف قيمة الكاتب الروائي في الأدب عامة، فإن قليلًا من الناس تهيأ له من الثقافة ما تهيأ للدكتور هيكل؛ فقد نال ليسانس الحقوق قسم اللغة الإنجليزية ثم درس الدكتوراه وقدمها باللغة الفرنسية؛ فهو إذن يجيد اللغتين إجادة تامة، ومثله لا يجهل قيمة الأدب الروائي ولا الكاتب الروائي، ولكنه مع ذلك تحرج أن يكتب اسمه على أول رواية له، بل أول رواية في الأدب العربي كافة. ولست أنسى يومًا دعيت فيه أن أجلس إلى أستاذنا الكبير الدكتور هيكل، لتسجيل حديث لمحطة الشرق الأدنى، وكانت فكرة الحديث أن يجلس الدكتور هيكل إلى واحد من تلامذته، وسأل مقدم البرنامج الدكتور: لقد بدأت معاليك بالرواية، ثم اشتغلت بالسياسة والتاريخ، ثم عدت إلى الرواية مرة أخرى في هكذا خلقت؟
وإذا بالدكتور هيكل يقول في هدوء وبساطة: حين عُزلت وحُرمت حقوقي السياسية رجعت إلى الرواية، وأؤكد لك أنني حين أستعيد حقوقي السياسية فسوف أترك الرواية وأعود إلى حياتي السياسية مرة أخرى.
وأذيع الحديث.
على أية حال، ومهما تكن الأسباب، فقد وُلدَت الرواية المصرية مجهولة الأب رسميًّا، وإن كان الجميع قد عرفوا أباها حين ولادتها. ولم تصبح الرواية أصيلة النسب في الأدب العربي إلا حين كتبها طه حسين وتوفيق الحكيم والمازني وتيمور.
وكتاب الأيام للدكتور طه تعارف الناس بشأنه فيما بينهم أنه سيرة ذاتية؛ لأن الناس تبينوا فيه الدكتور طه وزوجته وابنه وابنته وإخوته وذويه، وهو لم يحاول أن يخفي شيئًا من ذلك، ولكن لا نستطيع أن نضعه مع السيرة الذاتية بغير مناقشة؛ فقد تكلم الدكتور طه عن الفتى بصيغة الشخص الثالث؛ فهو لم يقُل أنا، وإنما روى قصة ذلك الفتى كما نروي أية قصة عن بطلٍ ما نصنعه بخيالنا؛ ليحمل إلى الناس ما نريد أن نقول؛ فهو يبدأ كتابه «الأيام» كما يبدأ أيُّ قاصٍّ قصته.
«لا يذكر لهذا اليوم وقتًا بعينه، وإنما يقرِّب ذلك تقريبًا. وأكبر ظنه أن هذا الوقت كان يقع من ذلك اليوم في فجره أو عشائه. يرجح ذلك لأنه يذكر أن وجهه تلقى في ذلك الوقت هواء فيه شيء من البرد الخفيف، الذي لم تذهب به حرارة الشمس. ويرجح ذلك لأنه على جهله حقيقة النور والظلمة يكاد يذكر أنه تلقَّى حين خرج من البيت نورًا هادئًا خفيفًا لطيفًا، كأن الظلمة تغشى بعض حواشيه. ثم يرجح ذلك لأنه يكاد يذكر أنه حين تلقى هذا الهواء وهذا الضياء لم يُؤْنِس من حوله حركة يقظة قوية، وإنما آنس حركة مستيقظة من نوم أو مقبلة عليه. وإذا كان قد بقي له من هذا الوقت ذكرى واضحة بينة لا سبيل إلى الشك فيها، فإنما هي ذكرى هذا السياج الذي كان يقوم أمامه من القصب، والذي لم يكن بينه وبين باب الدار إلا خطوات قصار. هو يذكر هذا السياج كأنه رآه أمس.»
فهو إذن يريد أن يقدم إليك حياته كقصة. وعلينا، نحن القراء، أن نستقبل هذا العمل كقصة؛ لأن مؤلفها يريد لها ولنا ذلك. قد نعرف الأبطال ونتبين حقيقتهم؛ لأننا عايشنا الدكتور طه وعايشنا بعضًا ممن ذكرهم في القصة، وعرفناهم عن قرب أو عن بُعد أو عن سماع. ولكن الكتاب ليس مكتوبًا لنا وحدنا، نحن أبناء مصر، ولا لنا، نحن أبناء الأمة العربية، إذا قُدِّر لأبناء الأمة العربية أن يعرفوا عن الدكتور طه ما نعرف، بل إن هذا الكتاب قد تُرجم إلى عدة لغات. وشرَّق الكتاب وغرَّب، وما أظن أن النقاد قد لاحقوه حيث ذهب ليخبروا الناس في شتى بلدان العالم أن هذا الكتاب سيرة ذاتية. وحتى لو لاحقوا الكتاب وقرَّاءه وأخبروهم أنه سيرة ذاتية لظل الكتاب مع ذلك رواية؛ لأن العمل الفني يقوم بذاته لا بتفسير الناس والنقاد له. والكتاب أيضًا ليس مكتوبًا لنا نحن أبناء هذا الجيل، وإنما المفروض في العمل الأدبي أنه يوجد ليبقى ولتتوارثه الأجيال، فإذا مات في الطريق إلى هذه الأجيال، فهذا لا ينفي أنه في أصل وجوده إنما وجد ليبقى، والموت بالنسبة إليه عارض، ولم يكن مقدورًا له يوم وُلد. وعلى كل حال فكتاب الأيام من الكتب التي تحمل تباشير بقائها إلى ما بعد فناء هذا الجيل على أقل تقدير.
فهو إذن رواية بكل ما تقوم به أركان الرواية.
وبهذه الرواية وبروايات الدكتور طه الأخرى: دعاء الكروان، شجرة البؤس، أحلام شهرزاد، أوديب، الحب الضائع، المعذبون في الأرض. وبروايات توفيق الحكيم: عودة الروح، الرباط المقدس. وبروايات المازني إبراهيم الكاتب، وإبراهيم الثاني، وميدو وشركاه، وعود على بدء. وبقصص محمود تيمور الأولى. بهذه الروايات والقصص ولدت الرواية والقصة المصرية ولادة شرعية تعرف أباها وتنتسب إليه. وحين ولدت الرواية هذه الولادة الشرعية قبل الدكتور هيكل الرجل المحافظ أن ينسب روايته إلى اسمه، فظهرت الطبعة الثانية من رواية زينب ممهورة باسمه الصريح الدكتور محمد حسين هيكل.
إذن فالأيام رواية، فماذا إذن فعلت الأيام في دنيا الرواية؟ أنا لا أنسى يومًا كنت أسير فيه مع عملاق الرواية نجيب محفوظ، منذ ما يقرب من عشرين عامًا، فقلت له: إنني أعتقد أن طه حسين في الرواية أقل منه في ميادينه الأخرى، وإذا هو يقول: لا نستطيع أن ننسى أن طه حسين قد فتح الأبواب لألوان كثيرة من الرواية العربية؛ فقد كتب صراع الإنسان مع القدر في الأيام، وكتب رواية الأسرة في شجرة البؤس، وكتب صراع الإنسان مع التقاليد في دعاء الكروان. ووجدت منطق نجيب قويًّا وصادقًا، واتجهت بتفكيري إلى هذا المتجه، وأستطيع اليوم أن أزيد أنه كتب الرواية الرمزية في أحلام شهرزاد وصراع الإنسان مع نفسه في أوديب والأسطورة الإسلامية في على هامش السيرة. إن طه حسين فعلًا قد فجر في الرواية العربية ما لم تكن تعهده، ولنتنقل معًا في بعض رواياته.
إنه في الأيام يصور شخصية الطفل الكفيف يلتقي بالحياة، أولَ ما يلتقي بالحياة، فاقدًا بصره، ويقدم شخصية فتاه وهو يصارع الحياة جميعًا بعد أن سلبته عنصرًا من أهم عناصر كفاحه. إنه لا يرى الحياة حتى يصارعها … إنه لا يرى عدوه حتى يتقي ضرباته أو يسدد إليه الضربات. ومن عجب بعد ذلك أن يصيب العدو ويقهر الحياة ويرغمها على أن تكون في ركابه بدلًا من أن تكون من أعدائه. إنها قصة ذلك الإنسان الذي استطاع بجهده أن يصبح شكله مقبولًا لا تقتحمه العين ولا تزدريه، وأن يهيئ لابنه وابنته حياة راضية، واستطاع أن يثير في نفوس كثير من الناس ما يثير من حسد وحقد وضغينة، وأن يثير في نفوس ناس آخرين ما يثير من رضًا عنه وإكرام له وتشجيع.
تلك هي رواية الأيام لطه حسين … إنها هذا الصراع العاتي الذي بدهت به الحياة، فتًى طفلًا فقيرًا كفيفًا، يحيط به جهل القرية، ويحاصره من كل جهاته، ثم يصبح مع ذلك إلى ما صار إليه وهو في ريعان العمر وريق الشباب.
إنها قصة أوديب الملك الذي صارع القدر وفقأ عينيه، وإن كان الفتى قد صارع القدر بعد أن فقد عينيه. لا صلة بين الروايتين في التفاصيل والأحداث، ولكن الروايتين تصدران عن منبع واحد؛ كلا البطلين صارع القدر. وأظن أن أستاذنا لم ينسَ هذه المقارنة وهو يجعل راوي القصة يقول لابنة الفتى الذي يروي عنه: «نعم يا ابنتي! لقد عرفت أباك في هذا الطَّور من حياته، وإني لأعرف أن في قلبك رقة ولينًا، وإني لأخشى لو حدثتكِ بما عرفت من أمر أبيكِ حينئذٍ أن يملككِ الإشفاق وتأخذكِ الرأفة فتجهشي بالبكاء.
لقد رأيتكِ ذات يوم جالسة على حجر أبيك وهو يقص عليك قصة «أوديب ملكًا»، وقد خرج من قصره بعد أن فقأ عينيه لا يدري كيف يسير، وأقبلت ابنته أنتجون، فقادته وأرشدته. رأيتكِ ذلك اليومَ تسمعين هذه القصة مبتهجةً من أولها، ثم أخذ لونكِ يتغير قليلًا … قليلًا، وأخذت جبهتكِ السمحة تربدُّ شيئًا فشيئًا، وما هي إلا أن أجهشتِ بالبكاء وانكببتِ على أبيك لثمًا وتقبيلًا، وأقبلت أمكِ فانتزعتك من بين ذراعيه، وما زالت بكِ حتى هدأ روعكِ. وفهمت أمكِ وفهم أبوكِ وفهمت أنا أيضًا أنكِ إنما بكيتِ لأن أوديب الملك كان كأبيكِ مكفوفًا لا يبصر ولا يستطيع أن يهتدي وحده؛ فبكيتِ لأبيكِ كما بكيتِ لأوديب.»
ويقول راوي القصة قبل ذلك مجمِلًا ذلك العنت الذي لاقاه الفتى:
«لقد كان أبوكِ ينفق الأسبوع والشهر لا يعيش إلا على خبز الأزهر، وويل للأزهرين من خبز الأزهر! إن كانوا ليجدون فيه ضروبًا من القش وألوانًا من الحصى وفنونًا من الحشرات. وكان ينفق الأسبوع والشهر والأشهر لا يغمس هذا الخبز الأسود إلا في العسل الأسود، وأنتِ لا تعرفين العسل الأسود، وخير لكِ ألا تعرفيه.»
ذلك بعض من العناء أجمله الراوي إجمالًا، وربما فصَّله بعد ذلك في أجزاء الأيام الأخرى، قد أصبح من الشهرة بحيث لا يحتاج إلا إلى الإشارة والعناء الأكبر ذلك الذي يقوله راوي القصة حين يقول: «كان سابع ثلاثة عشر من أبناء أبيه وخامس أحد عشر من أشقَّته، وكان يشعر بأن له بين هذا العدد الضخم من الشباب والأطفال مكانًا خاصًّا يمتاز من مكان إخوته وأخواته، أكان هذا المكان يرضيه؟ أكان يؤذيه؟ الحق أنه لا يتبين ذلك إلا في غموض وإبهام، والحق أنه لا يستطيع الآن أن يحكم في ذلك حكمًا صادقًا. كان يحس من أمه رحمة ورأفة، وكان يجد من أبيه لينًا ورفقًا، وكان يشعر من إخوته بشيء من الاحتياط في تحدُّثهم إليه ومعاملتهم له. ولكنه كان يجد إلى جانب هذه الرحمة والرأفة من جانب أمه شيئًا من الإهمال أحيانًا، ومن الغلظة أحيانًا أخرى. وكان يجد إلى جانب هذا اللين والرفق من أبيه شيئًا من الإهمال أيضًا والازورار، من وقت إلى وقت. وكان احتياط إخوته وأخواته يؤذيه؛ لأنه كان يجد فيه شيئًا من الإشفاق مَشوبًا بشيء من الازدراء.
على أنه لم يلبث أنْ تبين سبب هذا كله؛ فقد أحس أن لغيره من الناس عليه فضلًا، وأن إخوته وأخواته يستطيعون ما لا يستطيع، وينهضون من الأمر لما لا ينهض له، وأحس أن أمه تأذن لأخواته وإخوته في أشياء تحظُرها عليه، وكان ذلك يحفظه. ولكن لم تلبث هذه الحفيظة أن استحالت إلى حزن صامت عميق؛ ذلك أنه سمع إخوته يصفون ما لا علم له به؛ فعلم أنهم يرون ما لا يرى.»
مسكين ذلك الفتى، لقد استقبلته الحياة بالهول أيِّ هول، وأرادت منه مع ذلك أن يصارعها. لكَمْ شقيَ بطل رواية الأيام بذلك المكان الخاص الذي يمتاز به من مكان إخوته وأخواته! ولكَم شقيَ برحمة أمه ورأفتها، وبلين أبيه ورفقه، وباحتياط إخوته في معاملتهم له! وشقي نفس الشقاء بإهمال أمه أحيانًا، وغلظتها في أحيان أخَر، وبإهمال أبيه وازوراره من وقت إلى وقت! وشقي نفس الشقاء، بل أكثر، إن كان هناك أكثر، بإشفاق إخوته وأخواته ذلك المَشوبِ بشيء من الازدراء.
أفانين من الشقاء وألوان من الألم في مطالع الحياة التي يستقبلها الأطفال، كلُّ الأطفال، لينًا ولهوًا وبُلَهْنيَةً وسعادة وأملًا واطمئنانًا.
وتمضي به الحياة لا تعفيه، فيروي عن أخيه الذي أعطاه نظارة واستردها، وهو نفسه من كان يقتر عليه لينال من نفقته الضئيلة، ويمتع نفسه بها مرتاح الضمير هادئ النفس. ويروي عن الحرب شنَّت عليه لأنه دعا إلى حرية الرأي … ويروي … ويروي …
وتستمع الأيام لما يروي، وترضخ الأيام لعزمه وتلين لجبروته، وهو يغزوها مُطمئنًّا أنه يحمل في نفسه شيئًا يريد أن يقدمه للعالم ويقدمه، ويبلغ من الأيام ما يريد لنفسه أن يبلغ.
فأي صراع مع القدر أقوى من هذا الصراع! وأي رواية تستطيع أن تضم في أحنائها أشجار الإسنان مع الحياة قدر ما ضمت رواية الأيام!
فإذا انتقلنا إلى رواية دعاء الكروان وجدنا ذلك الصراع بين البيئة والإنسان، وإن كان الإنسان قد انتصر في رواية الأيام، فإن البيئة والمجتمع قد انتصرا في دعاء الكروان. والواقع أن المجتمع وإن كان جزءًا من الحياة إلا أنه أقوى من الحياة. ولست بناقل لك تلخيصًا لرواية دعاء الكروان، صغُر هذا التلخيص أو كبر، وإنما هي الإشارة العابرة ثم نمضي. فإن لم تكن قد قرأت الرواية فأنت مقصر في حق نفسك، وإن شئت فالتمسها فإنك واجدها؛ فكتب طه حسين لا تنفَد من الأسواق لأن المطابع تطبعها دائمًا؛ لتواجه بها مطالب الأجيال الثقافية من القراء.
وقد كان آخر اتفاق مع الدكتور طه هو ذلك الذي تم بينه وبين دار الكتاب اللبناني، التي طبعت كل أعماله في خمسة عشر مجلدًا، وقد كان عجيبًا أن تقوم لبنان بذلك ولا تقوم مصر! ولعل الأعجب من ذلك أن أعجب أنا؛ فإن شيئًا لم يعُدْ عجيبًا في بلدنا.
على أية حال فالرواية لا تحتاج إلى تلخيص، والعمل الفني بطبيعته غير قابل للتلخيص، ولكن الرواية في أسلوبها الشاهق الناصع تقدم لك مأساة فتاة تصارع تقاليد الصعيد، وويل لأهل الصعيد من تقاليده! وويل للصعيد من تقاليد أهله!
والدكتور طه يقول في الصفحات الأولى من الرواية على لسان الفتاة التي تروي القصة: «لبيك! لبيك أيها الطائر العزيز! ما زلت ساهرة أرقب مَقدَمَك وأنتظر نداءك، وما كان ينبغي لي أن أنام حتى أحس قربك وأسمع صوتك وأستجيب لدعائك، ألم أتعوَّد هذا منذ أكثر من عشرين عامًا؟
لبيك! لبيك أيها الطائر العزيز! ما أحبَّ صوتَك إلى نفسي إذا جثم الليل، وهدأ الكون، ونامت الحياة، وانطلقت الأرواح في هذا السكون المظلم آمنةً لا تخاف، صامتة لا تسمع! إن صوتك إذن لأشبه الأشياء بأن يكون صوتًا لروح من هذه الأرواح، ليذكرني روح هذه الأخت التي شهدت مصرعها معي في تلك الليلة المهيبة الرهيبة. وفي ذلك الفضاء العريض الذي لم يكن من سبيل إلى أن يسمع الصوت فيه مهما يرتفع، ولا أن يجيب المستغيث فيه لمن استغاث.
لبيك! لبيك أيها الطائر العزيز! ادنُ مني إن كان من أخلاقك الدنو، وأْنس إليَّ إن كان من خصالك الأنس إلى الناس، واسمع مني وتحَّدث إليَّ، وهلم نذكر تلك المأساة التي شهدناها معًا، وعجزنا عن أن ندفعها أو نصرف شرها عن تلك النفس الزكية التي أُزهقت، وعن هذا الدم البريء الذي سُفك.
فلم نزد حينئذٍ على أن بعثنا صيحات ترددت في ذلك الفضاء العريض، لكنها لم تبلغ أذنًا ولم تصل إلى قلب، وإنما صعدت إلى السماء حين هوى ذلك الجسم الجميل الممزق في تلك الحفرة التي أُعدَّت له إعدادًا، ثم هيلَ الترابُ وسوِّيت الأرض، وأنت تدعو ولا من يستجيب، وأنا أستغيث ولا من يغيث، وامرأة متقدمة في السن قد انتحت ناحيةً وجلست تذرف دموعها في صمت عميق، ورجل متقدم في السن قد قام غير بعيد يسوي الأرض ويصب عليها الماء ويردها كما كانت، ثم ينتحي قليلًا ويزيل عن جسمه وثيابه آثار الدم والتراب، ثم يرتفع صوته آمرًا أنْ هلم؛ فقد آن لنا الآن أن نرتحل.
منذ ذلك الوقت تم العهد بينك وبيني أيها الطائر العزيز، على أن نذكر هذه المأساة كلما انتصف الليل؛ حتى نثأر لهذه الفتاة التي غودرت في هذا الفضاء، ثم نذكر هذه المأساة كلما انتصف الليل بعد أن نظفر بالثأر، ليكون في ذكرنا إياها وفاءٌ لهذه النفس التي أُزهقت، ولهذا الدم الذي سُفك، ورضًا عن الانتقام، وقد ألمَّ بالآثم المجرم وردَّ الأمر إلى نصابه، وأراح هذه النفس التي ما زالت تطلب الريَّ حتى تظفر بالثأر من الذين اعتدوا عليها.
لبيك! لبيك أيها الطائر العزيز! إنا لنلتقي كلما انتصف الليل منذ أعوام وأعوام فندير بيننا هذا الحديث، أفتَدَعُني أقُصَّ أطرافًا منه على الناس؛ لعلهم أن يجدوا فيه عظة تعصم النفوس الزكية من أن تُزهق، والدماء البريئة من أن تُراق؟»
ويستطيع النقاد أن يوجهوا إلى هذه الفقرة، بل إلى الرواية كلها من خلال هذه الفقرة، ما يشاءون من نقد، فهم يستطيعون مثلًا أن يقولوا ما هذا الجرس اللفظي الموسيقي المحكم? وكيف يتأتى لفتاة في أعماق الصعيد أن توقع هذا الكلام العذب الذي توشك مقاطعه أن تكون شعرًا؟ ليس هذا الحديث حديث الفتاة، وإنما هو حديث طه حسين. لا واقعية في هذه القصة، إنما هي محاضرة يلقيها الدكتور طه حسين الأستاذ الجامعي على قرَّائه.
وقد قالوا هذا فعلًا أو قريبًا من هذا. وهؤلاء النقاد يحمِّلون الواقعية فوق ما تحتمل، فإن أحدًا لم يقل إن الواقعية نقل من الواقع، فالكاتب ليس مصورًا فوتوغرافيًّا، وإنما هو قصَّاص، والذي ينقل الواقع هو المصور الفوتوغرافي أو الصحفي الأمين، ويندر بين قصص الحياة ما يحتمل النقل بلا تحريف. إن وظيفة القصاص الواقعي أن ينقل عن الحياة لا قصصها، وإنما واقعها. فالحدث واقعي إذا كان قابلًا للوقوع في الحياة. فالواقعية مذهب طور الرومانسية التي كانت تحفل بالمبالغات في التسامي أو الشرور، ونقل الحياة كما يمكن أن تكون الحياة. وهناك قصص كثيرة يراها القصَّاص وقد ألفتها الحياة، ومع ذلك لا يستطيع القاص أن ينقلها إلى الفن؛ لأن الفن سيجفوها ويرفضها، فهي خالية من المنطق. فالحياة حين تؤلف لا تُعنى في كثير أو قليل بمنطق المتفرج أو رأي النقاد أو نظام الحياة نفسه. إنما القصة التي تؤلفها الحياة هي قصة تكسر طبيعة الأمور ومجرى الحياة العادي، تفتعل من الأحداث ما لا يقبله منطق ولا عقل، بينما القصَّاص لا يجرؤ أن يجاريها في هذه الجرأة على طبيعتها. والعجب أن وظيفة القاص تظل مع ذلك، وبعد ذلك، هي أن ينقل أحداثًا غير طبيعية، على أن ينقل معها منطقها الذي يسوغها للقارئ ويجعلها مقبولة عنده، وهذه هي الواقعية، وهي بعد ذلك قد تحمل رأي الكاتب صريحًا أو مهموسًا. ولكن لا بد أن يتدثر هذا الرأي بالعمل الفني. فالقصة في الواقع — في رأيي — عبارة عن انعكاسين؛ الأول هو انعكاس الحياة أو أحداث معينة وأشخاص بذواتهم من الحياة، على نفس الكاتب، ثم انعكاس هذه الأحداث وأولئك الأشخاص وقد تضافروا في تكوين عمل قصصي فني من نفس الكاتب إلى قرائه. وفي هذا الانعكاس الثاني لا بد أن يرى القارئ كاتبه باللون الذي عرفه، إن كان كاتبًا معروفًا، أو باللون الذي اختاره الكاتب لفنه، أو فُرض عليه بحكم ثقافته. وهكذا يختلف طه حسين عن المازني عن توفيق الحكيم عن هيكل عن تيمور عن نجيب محفوظ عن السباعي عن عبد الرحمن الشرقاوي عن عبد القدوس عن عبد الحليم عبد الله.
ثم هناك بعد ذلك نوع من الخداع البريء المتفق عليه بين القارئ والكاتب. فالقارئ يعلم أن الكاتب لا يروي له تاريخًا، وإنما هو يقص عليه قَصصًا يريد به أن يقول شيئًا له. فالقارئ يُقبل على كاتبه إذا استطاع أن ينسيه أن ما يحكيه له خيال لم يقع في واقع الحياة، والكاتب يعلم هذا عند قارئه؛ فهو يحاول ما وسعه الجهد أن يقدم فنه وكأنه أمر واقع، يحاول ما وسعه الجهد أن يُنسي القارئ أن ما يرويه له هو انعكاسه الفني. فالقارئ إذن لا ينتظر من قصَّاصه الصدق في الحكاية، وإنما ينتظر منه الصدق في الفن، والطريق إلى هذا ليس هو التهافت في الأسلوب، كما يظن البعض، وليس العامية في الحوار، كما يظن البعض الآخر، فكل هذه تفاصيل يلجأ إليها الشداة الجدد الذين لم يتكون لهم أسلوب بعدُ ولا يطيقون أن يديروا الحوار بالعربية البسيطة. إن الطريق إلى ذلك أن يكتب الفنان نفسه وهو يكتب ولا ينظر إلا إلى نبض قلبه هو لا نبض قلب غيره. فلو أن إحسان عبد القدوس كتب دعاء الكروان وكتب هذه الفقرات التي سقتها إليك، لَمَا أقبل قارئه عليه، ولا أقبل عليه أيضًا قارئ طه حسين. إن هذه الفقرات التي سُقتها إليك هي طه حسين، ولا يمكن أن يكون طه حسين إلا هكذا.
وقد يقول بعض آخرون من النقاد إنه في هذه الفقرات قد كشف روايته، فانتقص من التشويق إليها. وهذا أيضًا مردود عليهم، فالتشويق قائم، واجتذاب القارئ موهبة مضمرة، وسر لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى. فقد ترى القصة وقد اكتملت فيها جميع الشروط التي وضعها النقاد، ولكن القصة ومع ذلك تفتقد الجاذبية فتفقدها. إن هذه الصلة التي تحدث بين القارئ والكاتب هي من أسرار الموهبة التي يجاهد النقاد أن يكتشفوها، ولكنهم يرتدون عنها عاجزين أشبه ما تكون بسر الروح لا يعلمها — كما قلت — إلا الله سبحانه وتعالى. أما التشويق في ذاته، وهو جانب من جوانب الجاذبية في العمل الفني؛ فقد حاول بعض الكتَّاب في أوروبا أن يُلغوه من العمل القصصي، فباء قصصهم بالفشل، وهناك كاتب إنجليزي كبير كتب رواية تُدعى — فيما أذكر — السفينة (The ship)، وكان يضع ملخصًا لكل فصل في بدايته، ولكنه لم يستطع — رغم جهده — أن يُلغي التشويق؛ فقد قرأت هذه الرواية، وكنت بعد أن أقرأ الملخص أحب أن أعرف التفاصيل، وبهذا بقي عنصر التشويق قائمًا، ونجحت الرواية نجاحًا ساحقًا.
فليس على أستاذنا من بأس أن يومئ إلى بعض من أحداث روايته في أول الرواية، فما زال بنا شوق أن نعرف كيف حدث هذا الذي يومئ إليه.
وقد يقول بعض النقاد إن هذا الأسلوب الجميل قد يصرف القارئ عن أحداث الرواية ليستمتع بالأسلوب. وهذا تخريف؛ فالثوب الجميل يزيد الشخص الجميل الذي يلبسه جمالًا. ولا يمكن أن تنصرف عيناك عن جمال الشخص إلى جمال ملابسه، بل إن جمال كلٍّ منهما يزيد الآخر تألقًا وإشراقًا. وما أجمل أن تقرأ قصة في موسيقى أسلوبية كهذه التي يعزف بها طه حسين حين يكتب!
ولا شك أن كثيرًا من النقاد سيقولون إن هذه الجمل الوعظية التي جاءت في آخر الفقرة تتنافى مع هدف العمل الفني جميعًا، فالمفروض أن الموعظة — إن كان لا بد أن تكون هناك موعظة — تُستَشف من العمل الفني في جملته بغير تصريح، فإن صرحت انتقل العمل الفني من القصة إلى المقالة. وقد يصيبون بعض الحق إن قالوا هذا، ولكن لو تذكرنا أن هذه الرواية قد كُتبت في عام ١٩٣٤م، وهي من أوائل الروايات التي نقلت الفن الروائي إلى عالم الواقعية، ولو تذكرنا أن قرَّاء هذه الفترة لم يكونوا قد مَرَنوا بعدُ على قراءة الرواية، لقَبِلْنا من أستاذنا هذا الذي كتبه؛ فقد كان يمهد الطريق، فلا عليه إن هو ترفَّق بالقارئ وهو يجتذبه إلى طريق جديدة عليه لم يتعود السير فيها.
ولو لم يفعل هذا أستاذنا الدكتور طه حسين لاضطر أن يفعله أستاذنا نجيب محفوظ؛ فإن نجيبًا كتب بالاكتمال الذي كتب به حين وجد أن الطريق قد مهد بأقلام سابقيه من العمالقة الرواد؛ هيكل وطه والحكيم وتيمور والمازني.
وفي رواية أوديب ينتقل الدكتور طه إلى لون آخر من ألوان الصراع لعله من أدق ألوانه وأكثرها احتياجًا إلى الفنية والمعرفة بأحناء النفس الإنسانية وطواياها، فهو يرسم صراع الإنسان مع نفسه … ذلك الصراع بين ما يريد الإنسان أن يكون وبين ما يستطيع أن يكون. كيف يدور الصراع بين آمال الإنسان ومكناته، وبين طموحه ونزعات نفسه. والرواية ترسم شخصًا بذاته عرفه الدكتور طه وصاحبه وذكر لي اسمه، وإني لمخفٍ هذا الاسم، بل إني حتى قد نسيته؛ لأنه طلب إليَّ ألا أذيع اسمه بين الناس، وأنا أنسى السر إذا استودِعْتُه؛ حتى لا تخالجني نفسي أن أعلنه. ولكن الذي أذكره أن الدكتور كان يحب هذا الرجل حبًّا عميقًا، وكان يكبره ويعتز بصداقته، ولعل حديثه إليه في تقديم الكتاب يُظهِرك على مبلغ ما يكنُّه له من حب وإكبار.
«أخي العزيز، وددت لو أسميك ولكنك تعلم لماذا لا أسميك. وحسب الذين ينظرون في هذا الكتاب أن يعلموا أنك كنت أول المعزِّين لي حين أخرجني الجور من الجامعة، وأول المهنئين لي حين ردني العدل إليها. وكنت بين ذلك أصدق الناس لي ودًّا في السر والجهر، وأحسنهم عندي بلاءً في الشدة واللين. فتقبل مني هذا العمل الضئيل تحية خالصة صادقة لإخائك الصادق الخالص.»
والدكتور طه في هذه الرواية يختار الرواية على لسانه هو، فهي إذن مروية بلسان المتكلم، وهو بهذا يقطع الطريق على المتنطعين من النقاد أن يقولوا شيئًا يتصل بجمال الأسلوب؛ فإن طه حسين هو الذي يروي. والرواية بلسان المتكلم تتيح للقاص أن يتدخل كما يشاء في القصة؛ فهو باختياره لهذه الطريقة يفسح لنفسه أن يلقي بما يشاء من آراء من داخل العمل الفني، وإن كانت تقف به عن مجال هائل يتمتع به الراوي الذي يتحدث عن الغائب، أي بصيغة الشخص الثالث كما يقول الغربيون، فهو الذي يروي عن الغير، يستطيع أن يروي وهو عالم بكل شيء كما تعرِّفه اللغات العالمية «العالم بكل شيء» omniscience.
أما الشخص الأول فيروي ما يعرفه فقط — أي إنه يروي من القصة ما اتصل به وحده، فإذا ذكر حادثًا لا يتصل به اضطر أن يتلمس وسيلة يبلِّغ بها القارئ كيف اطلع على هذا الحدث الذي وقع بعيدًا عنه. والكاتب صاحب الأسلوب المتألق يستطيع أن يفسح لقلمه وأسلوبه المجال إذا اختار صيغة المتكلم؛ لأن طبيعة هذا النوع من الرواية تتيح للكاتب أن يتدفق تدفقًا أسلوبيًّا دون حرج. وأنا لا أعتقد أن أستاذنا الدكتور قد اختار هذا الطريق لهذه الأسباب؛ فقد كان يضرب برأي النقاد فيما يتصل بالأسلوب عرض الأفق. إنما أراد أن يكرم صاحبه ويظهِر القارئ على هذا الود الذي كان بينهما، ويهدي إلى روح صديقه هذه الرواية تحية حب وإجلال وإكبار. وهكذا يبدأ الدكتور طه روايته، وكأنما يبدأ كتابًا يبحث في شأن الأديب وما يعانيه من حياته وما تعانيه منه الحياة، حتى يصل إلى صاحبه فيبدأ قصته عنه أو قصته معه إذا شئت.
«زعموا أن من أظهر خصائص الأديب حرصه على أن يصل بين نفسه وبين الناس، فهو لا يحس شيئًا إلا أذاعه، ولا يشعر بشيء إلا أعلنه، وهو إذا نظر في كتاب أو خرج للتروض أو تحدث إلى الناس فأثار شيء من هذا في نفسه خاطرًا من الخواطر، أو بعث في قلبه عاطفة من العواطف، أو حث عقله على الروية والتفكير، لم يسترحْ ولم يطمئنَّ حتى يقيد هذا الرأي أو تلك العاطفة أو ذلك الخاطر في دفتر من الدفاتر أو على قطعة من القرطاس.»
ذلك لأنه مريض بهذه العلة التي يسمونها الأدب؛ فهو لا يحس لنفسه وإنما يحس للناس، وهو لا يشعر لنفسه وإنما يشعر للناس، وهو لا يفكر لنفسه وإنما يفكر للناس، وهو بعبارة واضحة لا يعيش لنفسه وإنما يعيش للناس. وهو حين يأتي من الأمر هذا كله يخادع نفسه أشد الخداع ويضللها أقبح التضليل. فيزعم أنه مؤثر لا يريد أن يستمتع وحده بنعمة الإحساس والشعور والتفكير. إنما يريد أن يشرك الناس في هذا الخير الذي أنتجته طبيعته الرقيقة الخصبة الغنية، فإذا كان متواضعًا معتدل الرأي في نفسه، فهو شقي تعس محزون، يحب أن يعلن إلى الناس ما يجد من شقاء وتعَس وحزن؛ لعلهم يرثون له أو يرأفون به أو يشفقون عليه. وربما لم يرَ في نفسه إيثارًا، ولم يحس أنه شقي وإنما آثَر نفسه بالخير، وأحبها قليلًا أو كثيرًا، فهو يسجل ما يحس وما يشعر وما يفكر؛ لحفظه من الضياع وليستطيع العودة إليه من حين إلى حين، كلما خطر له أن يستعرض حياته الماضية. وكثيرًا ما تعرض له الفرص التي تحمله أن يستعرض حياته الماضية، والذاكرة قصيرة ضعيفة، فلِمَ لا يسجل خواطره وعواطفه وآراءه التي يتكون منها تاريخه الفردي الخاص ليعود إليه كلما دعاه إلى ذلك جدُّ الحياة أو هزلها؟
وما أكثر ما يدعو جد الحياة أو هزلها إلى أن يستعرض الإنسان حياته الماضية وما اختلف عليه فيها من أحداث.
يخدع الأديب نفسه هذه الضُّروبَ من الخداع، يعللها بهذه الألوان من التعلَّات، وحقيقة الأمر أنه يكتب لأنه أديب لا يستطيع أن يعيش إلا إذا كتب. يكتب لأنه محتاج إلى الكتابة كما يأكل ويشرب ويدخن؛ لأنه محتاج إلى الطعام والشراب والتدخين. وهو حين يكتب قلما يفكر فيما يحسن أن يكتب. وما ينبغي ألا يعرفه القرطاس أو يجري به القلم، كما أنه حين يأكل ويشرب قلما يفكر فيما يلائم صحته وطبيعته ومزاجه من ألوان الطعام والشراب وأصناف التبغ. إنما هي حاجة تضطره إلى الحركة فيتحرك، وتدفعه إلى العمل فيعمل. فأما عواقب هذه الحركة ونتائج هذا العمل فأشياء قد يتاح الوقت للتفكير فيها في يوم من الأيام، حين تصبح أمرًا مقضيًّا لا مُنصرَف عنه ولا سبيل إلى التخلص منه.
إذا كان هذا كله صحيحًا، وأكبر الظن أنه صحيح، فيجب أن يكون صاحبي الذي أريد أن أتحدث إليك عنه أديبًا، فلست أعرف من الناس الذين لقيتهم وتحدثت إليهم رجلًا أضْنَتْه علة الأدب واستأثرت بقلبه ولُبِّه كصاحبي هذا. كان لا يحس شيئًا ولا يشعر بشيء، ولا يقرأ شيئًا ولا يرى شيئًا ولا يسمع شيئًا، إلا فكر في الصورة الكلامية، أو بعبارة أدق: في الصورة الأدبية التي يظهر فيها ما أحس وما شعر وما قرأ وما رأى وما سمع.»
وهكذا وببراعة فائقة تبدأ الرواية وتمضي فصولها، لتروي لك عن هذا الصديق، وكأنما لا يقصد الدكتور طه إلا أن يروي عن هذا الصديق، وقد يرى قارئ طيب أن الدكتور طه لم يُرِد إلا أن يروي عن صديقه هذا ويكرم حياته بعد مماته، ولكن هذا القارئ الطيب إن أنعم النظر قليلًا لَتكشَّفَ له ما كان خفيًّا، ولاتضح له ما تلبَّسه النص من معنًى، فإذا هذا الأديب يدخل في صراع عَتيٍّ بين ما يصبو إليه وبين ما يحن إليه؛ فهو يصبو إلى الجِد ويحنُّ إلى المتعة. وصراع آخر بين ما وهبَتْه له الحياة من مكنات الصحة وبين ما يريد من الحياة أن تعطيه … ما أقل ما نال من الحياة! وما أعظم ما كان يرجو منها!
هلم بنا الآن لنتذاكر معًا كتاب طه حسين الرائع «المعذبون في الأرض»، ودعنا نتساءل أول ما نتساءل في أيِّ قسمَي القصة سندرج «المعذبون في الأرض»، أهي رواية أم مجموعة من القصص القصيرة؟
لشتاينبك عمل فني لا أستطيع أن أنسبه هو الآخر إلى الرواية ولا إلى القصة القصيرة. وقد قرأت هذا الكتاب مترجمًا؛ فقد تُرجم عدة ترجمات سُمي في إحداها مراعي السماء، وكانت هذه هي الترجمة التي وقعت عليها أنا. والكتاب عبارة عن مجموعة قصص. تبدأ بقصة عن المكان، يذكر فيها أسماء الأبطال الذين سيروي عنهم جميعًا، ولنسمهم مثلًا «زيد وعمرو وعاصم وإلهام وصفية»، حتى إذا وصلنا إلى القصة الثانية وجدنا زيدًا وقد أصبح بطل القصة بدلًا من المكان مراعي السماء، الذي كان بطلًا في القصة الأولى، ونحن في قصة زيد سنلتقي بمراعي السماء وبعمرو وعاصم وإلهام وصفية وهم يلفُّون حول البطل كشخصيات ثانوية، وفي القصة الثالثة نجد عمْرًا قد صار البطل، ونزل زيد عن البطولة ليصبح شخصية ثانوية مع الآخرين، ومع المكان وهكذا. ومنذ قرأت هذا الكتاب وأنا حائر في اختيار النوع الذي ينتسب إليه أهو رواية أم مجموعة قصص قصيرة. ولا عليه ولا علينا أن يكون أيًّا من الاثنتين؛ فهو عمل فني رائع.
والمعذبون في الأرض يقف بنا عند هذه الحيرة، وهو سابق في تاريخ صدوره على مراعي شتاينبك. فإن كانت الصلة في قصص شتاينبك هي الأشخاص، فالصلة في «المعذبون» هي الموضوع. فهم جميعًا معذبون في الأرض.
وقد ذهب بعض النقاد المذهبيين إلى أن هذا الكتاب يخدم مذهبًا بذاته؛ ولعل هذا القول هو أسخف ما قاله النقاد عن طه حسين. إنه كتاب إنساني يدق الرءوس الغارقة في الغنى، الغافلة عن الفقر، ويشق الأعين المتخمة من الكظة، والناعسة عن العيون، المتهرئة من الجوع. وهذه معانٍ إنسانية إن لم يعتنقها الكاتب فهو ليس إنسانًا؛ وبالتالي فهو ليس كاتبًا؛ لأن الكاتب بطبيعة وظيفته في الحياة هو الإنسان الشفاف الذي يشق سدوف الغيب عن المستقبل، فيدعو إلى الحذر أو يشق ما استغلق حول أحداث الماضي؛ ليبين ما خفي من معانيها وما استخفى من عِبَرها. وهذه النغمة التي شاعت في كتاب «المعذبون في الأرض» كان يكتب بها جميع الكتَّاب مهما تختلف منازع عقائدهم، ولعل محمود تيمور من أكثر الكُتَّاب كتابةً في هذا الميدان، مع أنه أبعد الناس عن العقائدية، ولكن الكُتَّاب كانوا بطبيعتهم يحاربون الطبقة الميسورة؛ لأن الغالبية العظمى منها لم تكن موطأة الأكناف للفقراء، فكان الكتاب يهزون مضاجعهم ليشركوا الفقير فيما ينعمون به. حتى إذا أصبحت هذه الدعوى شعارًا رسميًّا وقف الكتَّاب من هذه النغمة؛ لينظروا ما الرسميون فاعلون، حتى إذا زالت الطبقة جميعًا أصبحت مهاجمتها نوعًا من الرخص المبتذل الحقير، فإن حرب الغائب جبن. وبدأت الشجاعة تتبلور في محاربة الطبقة الجديدة التي حلت مكانها أقسى ما يكون الحلول وأبشع ما يكون التبدل، والفقير على الحالين يرقب الأغنياء ويتملق عطفهم. فإن كان هناك في زمن مضى من يهزه دعاء لمحتاج أو يخشى دعوة المظلوم، فإن الطبقة التي تكونت كونت معها سياجًا، أيرد دعاء المحتاج ويتعالى عن دعوة المظلوم؟ ولكن الله لم يكن بغافل عن المعتدين، ومن لم يلقَ الجزاء فجزاؤه أمامه في الطريق، وإنه ملاقيه.
فكتاب «المعذبون في الأرض» كتاب طبيعي في فترته؛ فهو إنساني في دعوته، يصدر عن كاتب إنسان، ومرة أخرى من ليس إنسانًا فهو ليس بكاتب على أي صورة من الصور.
والمعذبون في الأرض يجمع إلى القصص الحديث القصصَ التاريخي، أتراك تريد أن نرنو معًا إلى كتاب تاريخي محض من روايات أستاذنا العظيم؟
لنصحب على هامش السيرة، تلك التي تجنَّى عليها البعض وظنوا بها أنها كتاب تاريخي، وراح بعضهم يحاسبها على هذا الأساس في سذاجة وعناء. ولو قد ألقى نظرة إلى مقدمة الكتاب، بل إلى السطر الأول من مقدمة الكتاب، لأراح واستراح، ولبدأ يبحث لهذا الكتاب عن مكان آخر يضمه إليه في المكتبة العربية.
«هذه صحف لم تُكتب للعلماء ولا للمؤرخين، ولم أقصد بها إلى التاريخ، وإنما هي صورة عرضت لي أثناء قراءة للسيرة، فأثبتها مسرعًا، ثم لم أرَ بنشرها بأسًا. ولعلي رأيت في نشرها شيئًا من الخير، فهي ترد على الناس أطرافًا من الأدب القديم قد أفلتت منهم وامتنعت عليهم، فليس يقرؤها منهم إلا أولئك الذين أتيحت لهم ثقافة واسعة عميقة في الأدب العربي القديم. وإنك لتلتمس الذين يقرءون ما كتب القدماء في السيرة وحديث العرب قبل الإسلام، فلا تكاد تظفر بهم. إنما يقرأ الناس اليوم ما يكتب لهم المعاصرون في الأدب الحديث بلغتهم أو بلغة أجنبية من هذه اللغات المنتشرة في الشرق، يجدون في قراءة هذا الأدب من اليسر والسهولة، ومن اللذة والمتاع، ما يغريهم به ويرغِّبهم فيه، فأما الأدب القديم فقراءته عسيرة، وفهمه أعسر، وتذوقه أشد عُسرًا، وأين هذا القارئ الذي يطمئن إلى قراءة الأسانيد المطولة، والأخبار التي يلتوي بها الاستطراد، وتجور بها لغتها القديمة الغريبة عن سبيل الفهم والذوق الهين الذي لا يكلف مشقة ولا عناء!
ذلك أن الأدب القديم لم ينشأ ليبقى كما هو ثابتًا مستقرًّا، لا يتغير ولا يتبدل، ولا يلتمس الناس لذته إلا في نصوصه، يقرءونها ويعيدون قراءتها ويستظهرونها ويُمعنون في استظهارها، إنما الأدب الخصب حقًّا هو الذي يلذُّك حين تقرؤه؛ لأنه يقدم إليك ما يرضي عقلك وشعورك، ولأنه يوحي إليك ما ليس فيه، ويلهمك ما لم تشتمل عليه النصوص، ويعيرك من خصبه خصبًا، ومن ثروته ثروة، ومن قوته قوة، ويُنطِقُك كما أنطق القدماء، ولا يستقر في قلبك حتى يتصور في صورة قلبك أو يصور قلبك في صورته، وإذا أنت تعيده على الناس فتلقيه إليهم في شكل جديد يلائم حياتهم التي يحيونها، وعواطفهم التي تثور في قلوبهم، وخواطرهم التي تضطرب في عقولهم.
هذا هو الأدب الحي. هذا هو الأدب القادر على البقاء ومناهضة الأيام. فأما ذلك الأدب ينتهي أثره عند قراءته فقد تكون له قيمته، وقد يكون له غناؤه، ولكنه أدب موقوت، يموت حين ينتهي العصر الذي نشأ فيه. ولو أنك نظرت آداب القدماء والمحدثين لرأيت فيها طائفة لا يمكن أن توصف بأنها آداب عصر من العصور، أو بيئة من البيئات، أو جيل من الأجيال؛ وإنما هي آداب العصور كلها والبيئات كلها والأجيال كلها، لا لأنها تعجب الناس على اختلاف العصور والبيئات والأجيال فحسب، بل لأنها مع ذلك تلهم الناس وتوحي إليهم، وتجعل منهم الشعراء والكتَّاب والمتصرفين في ألوان الفن على اختلافها.
وليس خلود الإلياذة يأتيها من أنها تُقرأ فتُحدث اللذة وتثير الإعجاب في كل وقت وفي كل قطر، بل هو يأتيها من هذا، ومن أنها ألهمت وما زالت تلهم الشعراء وتوحي إليهم أروع ما أنشأ الناس من آيات البيان. ولقد كان «إيسكولوس» أبو التراجيديا اليونانية يقول إنه إنما يلتقط ما يسقط من مائدة هوميروس. وما زال القُصَّاص وشعراء التمثيل والغناء في الغرب خليقين أن يقولوا الآن ما كان يقوله إيسكولوس منذ خمسة وعشرين قرنًا. ولم تكن قصص إيسكولوس وغيره من شعراء التمثيل اليوناني أقل خصبًا من الإلياذة، بل هي قد ألهمت من الكتَّاب والشعراء قديمًا وحديثًا، وما زالت قادرة على أن تلهمهم إلى اليوم وإلى الغد.
وإني لأذكر أني قرأت منذ أعوامٍ قصة تمثيلية هي الثامنة والثلاثون من نوعها، وقد سماها صاحبها «جيرودو» بهذا الرقم، فوضع لها هذا العنوان «أمفيتريون رقم ٣٨»، كانت أسطورة تتصل بمولد هرقل، فصورها سوفوكل قصة تمثيلية في القرن الخامس قبل المسيح، وما زال الشعراء والكتَّاب من اليونان والرومان والأوروبيين المحدثين يتأثرون ويذهبون مذهبه، أو غير مذهبه، في تصوير هذا الموضوع، حتى انتهت القصص التي كُتبت فيه شعرًا ونثرًا إلى هذا العدد الضخم.
ولم يُحجِم فحول التمثيل عن طرق هذا الموضوع لأنهم سُبِقوا إليه، بل زادهم ذلك حرصًا عليه ورغبةً فيه. وكان بين الذين طرقوه الشاعر اللاتيني «بلوت» والشاعر الفرنسي «موليير»، ثم لم يشفق جيرودو من أن يطرق موضوعًا سبق إليه الفحول من شعراء التمثيل في العصور القديمة والحديثة، فصوَّر قصته هذه الثامنة والثلاثين وعرضها على النظارة في باريس سنة ١٩٢٩م، فكان فوزها عظيمًا، وإعجاب النظارة والقرَّاء بها لا حد له.
وفي أدبنا العربي على قوته الخاصة وما يكفل للناس من لذة ومتاع قدرة على الوحي وقدرة على الإلهام؛ فأحاديث العرب الجاهليين وأخبارهم لم تُكتب مرة واحدة ولم تحفظ في صورة بعينها، وإنما قصَّها الرواة في ألوان من القصص، وكتبها المؤلفون في صنوف من التأليف. وقُل مثل ذلك في السيرة نفسها؛ فقد ألهمت الكتَّاب والشعراء في أكثر العلوم الإسلامية وفي أكثر البلاد الإسلامية أيضًا، فصوَّروها صورًا مختلفة تتفاوت حظوظها من القوة والضعف والجمال الفني. وقُل مثل هذا في الغزوات والفتوح، وقُل مثل هذا في الفتن والمحن التي أصابت العرب في العصور المختلفة. ولم يقف إلهام هذا التراث الأدبي العظيم عند الكتَّاب والشعراء الذين ينمِّقون النثر ويَقرِضون الشعر في اللغة العربية الفصحى، بل جاوزهم إلى جماعة من القُصَّاص الشعبيين الذين تحدثوا إلى الناس في صور مختلفة وأشكال متباينة، بما كان لآبائهم من مجد مؤثَّل، وبما أصاب آباءهم من مِحَن مظلمة وفتن مدلهمَّة عرفوا كيف يثبتون لها ويصبرون عليها، ويخرجون منها كرامًا ظافرين. ولا خير في حياة القدماء إذا لم تُلهِم المحدثين ولم توحِ إليهم رائع البيان شعرًا ونثرًا. وليس القدماء خالدين حقًّا إذا لم يكن التماسهم إلا عند أنفسهم، ولا تعرف أنباؤهم إلا فيما تركوا من الدواوين والأشعار. إنما يحيا القدماء ويخلدون إذا امتلأت بصورهم وأعمالهم قلوبُ الأجيال مهما يبعد بها الزمن، وكانوا حديثًا للناس إذا لقي بعضهم بعضًا، وكنوزًا يستوحيها الكتَّاب والشعراء لإحياء ما يعالجون من ألوان الشعر وفنون الكلام.
إلى هذا النحو من إحياء الأدب القديم، ومن إحياء ذكر العرب الأولين، قصدت حين أمليت فصول هذا الكتاب. ولست أريد أن أخدع القرَّاء عن نفسي ولا عن هذا الكتاب، فإني لم أفكر فيه تفكيرًا، ولا قدَّرته تقديرًا، ولا تعمدت تأليفه وتصنيفه كما يتعمد المؤلفون، وإنما دُفعت إلى ذلك دفعًا، وأُكرهت عليه إكراهًا، ورأيتني أقرأ السيرة فتمتلئ بها نفسي ويفيض بها قلبي وينطلق بها لساني، وإذا أنا أُملي هذه الفصول وفصولًا أخرى، أرجو أن تُنشر بعد حين.
فليس في هذا الكتاب إذن تكلُّف ولا تصنُّع، ولا محاولة للإجادة، ولا اجتناب للتقصير، وإنما هو صورة يسيرة طبيعية صادقة لبعض ما أجد من الشعور حين أقرأ هذه الكتب التي لا أعدل بها كتبًا أخرى، مهما تكن. والتي لا أملُّ قراءتها والأنس إليها، والتي لا ينقضي حبي لها وإعجابي بها، وحرصي على أن يقرأها الناس، ولكن الناس مع الأسف لا يقرءونها؛ لأنهم لا يريدون أو لأنهم لا يستطيعون. فإذا استطاع هذا الكتاب أن يحبِّب إلى الشباب قراءة كتب السيرة خاصة، وكتب الأدب العربي القديم عامة، والتماس المتاع الفني في صحفها الخصبة، فأنا سعيد حقًّا، موفق حقًّا لأحبِّ الأشياء إليَّ وآثرِها عندي.
وإذا استطاع هذا الكتاب أن يلقي في نفوس الشباب حب الحياة العربية الأولى، ويلفتهم إلى أن في سذاجتها ويسرها جمالًا ليس أقل روعة ولا نفاذًا إلى القلوب من هذا الجمال الذي يجدونه في الحياة الحديثة المعقدة، فأنا سعيد موفق لبعض ما أريد. وإذا استطاع هذا الكتاب أن يدفع الشباب إلى استغلال الحياة العربية الأولى واتخاذها موضوعًا قيمًا خصبًا، لا للإنتاج العلمي في التاريخ والأدب الوصفي وحدهما، بل كذلك للإنتاج في الأدب الإنشائي الخالص، فأنا سعيد موفق لبعض ما أريد.
ثم إذا استطاع هذا الكتاب أن يلقي في نفوس الشباب أن القديم لا ينبغي أن يُهجر لأنه قديم، وأن الجديد لا ينبغي له أن يُطلب لأنه جديد، وإنما يُهجَر القديم إذا برئ من النفع، وخلا من الفائدة، فإن كان نافعًا مفيدًا فليسوا أقل حاجةً إليه منهم إلى الجديد، فأنا سعيد موفق لبعض ما أريد.
وأنا أعلم أن قومًا سيضيقون بهذا الكتاب؛ لأنهم محدَثون يُكبرون العقل، ولا يثقون إلا به، ولا يطمئنون إلا إليه؛ وهم لذلك يضيقون بكثير من الأخبار والأحاديث التي لا يُسيغها العقل ولا يرضاها، وهم يشْكون ويُلحُّون في الشكوى حين يرون كلف الشعب بهذه الأخبار، وجِدَّه في طلبها، وحرصه على قراءتها والاستماع لها، وهم يجاهدون في صرف الشعب عن هذه الأخبار واستنقاذه من سلطانها الخطر المفسد للعقول، هؤلاء سيضيقون بهذا الكتاب بعض الشيء؛ لأنهم يقرءون فيه طائفةً من هذه الأخبار والأحاديث التي نصبوا أنفسهم لحربها ومحوها من نفوس الناس. وأحب أن يعلم هؤلاء أن العقل ليس كل شيء، وأن للناس ملَكاتٍ أخرى ليست أقل حاجة إلى الغذاء والرضا من العقل، وأن هذه الأخبار والأحاديث إذا لم يطمئنَّ إليها العقل، ولم يَرْضها المنطق، ولم تستقِم لها أساليب التفكير العلمي، فإن في قلوب الناس وشعورهم وعواطفهم وخيالهم، وميلهم إلى السذاجة، واستراحتهم إليها من جهد الحياة وعنائها؛ ما يحبِّب إليهم هذه الأخبار ويرغِّبهم فيها، ويدفعهم إلى أن يلتمسوا عندها الترفيه على النفس حين تشُقُّ عليهم الحياة. وفرق عظيم بين من يتحدث بهذه الأخبار إلى العقل على أنها حقائق يُقرُّها العلم، وتستقيم بها مناهج البحث، ومن يقدمها إلى القلب والشعور على أنها مثيرة لعواطف الخير، صارفةٌ عن بواعث الشر، معينة على إنفاق الوقت واحتمال أثقال الحياة وتكاليف العيش. وأُحب أن يعلم الناس أيضًا أني وسَّعت على نفسي في القصص، ومنحتها من الحرية في رواية الأخبار واختراع الحديث ما لم أجد به بأسًا، إلا حين تتصل الأحاديث والأخبار بشخص النبي، أو بنحو من أنحاء الدين، فإني لم أُبِح لنفسي في ذلك حريةً ولا سَعة، وإنما التزمت ما التزمه المتقدمون من أصحاب السيرة والحديث ورجال الرواية وعلماء الدين.
ولن يتعب الذين يريدون أن يردوا فصول هذا الكتاب، القديم في جوهره وأصله، الجديد في صورته وشكله، إلى مصادره القديمة التي أخذ منها؛ فهذه المصادر قليلة جدًّا لا تكاد تتجاوز سيرة ابن هشام وطبقات ابن سعد وتاريخ الطبري. وليس في هذا الكتاب فصل أو نبأ أو حديث إلا وهو يدور حول خبر من الأخبار ورد في كتاب من هذه الكتب.
فإذا اتصل الخبر بشخص النبي، فإني أردُّه إلى مصدره ليستطيع من شاء أن يرجع إليه، لا أحتمل في ذلك تَبِعة خاصة؛ لأني لا أذهب فيه مذهبًا خالصًا، إلا أن يكون تبسيطًا في الشرح والتفسير، واستنباطًا للعِبرة والوصول إلى قلوب الناس.
فليُيسِّرِ الله سبيل هذا الكتاب إلى النفوس، وليحسِّن الله موقعه في القلوب.»
طه حسين
وبعد، فإني نقلت المقدمة جميعًا لم أُسقط منها كلمة، ومن شاء أن يعرف لماذا فليُعِد قراءتها مرة أخرى، أو إن شاء فإني على استعداد أن أعيد له نقْلَها مرة ثانية وثالثة وعشرين وألفًا.
وأُقسم، وما أنا إلى القسم بمضطر، لقد حاولت أن أكتفي بالنقل عند نهاية كل فقرة، فإذا الفقرة التي تليها تجذبني إليها جذبًا فأنقلها، وما زالت المقدمة بي وما زلت بها حتى نقلتها جميعًا، بل لقد طاب لي أن أضع اسمه في نهايتها؛ فإنه هو هذا طه حسين.
تُرى هل سيتاح للمتشدقين بالآداب الغربية أن يقرءوا هذه المقدمة التي كتبها العميد، الذي أصر على أن يتعلم طلبتُه الآداب اللاتينية، والذي فجر الثورة الأدبية وثورة الحرية الفكرية في العالم العربي والإسلامي، والذي نال الدكتوراه من فرنسا، والذي تزوج فرنسية؟ تُرى أيُتاح لواحد من هؤلاء أن يقرأ هذه المقدمة؛ ليدرك أن كاتبًا ما لن يكون كاتبًا إذا لم يستظل بأدب بلاده وقومه أولًا، ثم لينظُرْ بعد ذلك إلى ما شاء من آداب أخرى؟ أنا لن أمضي في إثر سطور المقدمة لأتدارسها كلمةً كلمة؛ فهي من القوة والوضوح والإشراق بحيث يفسدها الشرح وينقصها التعليق؛ ولهذا نقلتها كلَّها.
وإنما أريد أن أخلُص منها أن رواية على هامش السيرة رواية، ولعلها تكون بداية الأسطورة في الأدب العربي. وكم أرجو ألا تكون نهاية الأسطورة أيضًا!
وبعد، فقد ذكرت لك في أكثر من مكان من هذا الكتاب أنني لا أكتب دراسة عن طه حسين؛ فهذه خطة لا أطيق السير فيها. وقد تكلمت في هذه الصفحات الأخيرة عن الرواية عند طه حسين في لمحات خاطفة سريعة؛ فأنا لست ناقدًا، وإنما أنا قارئ أروي لك ما انطبع في نفسي. ولا شك أن هناك جوانبَ لم ألمِسْها مثل ترجماته للمسرحيات الغربية، ومقالاته السياسية التي كان يهاجم بها الحكام وهم ممسكون بالصولجان، وهناك قبل كل هذا، وبعد كل هذا، طه حسين أستاذ الجامعة الذي تخرَّج الأدب العربي على يديه. تلك بعض جوانب لم أقترب منها؛ لأني أخشى المغبَّة أن أبدأ الخطو ثم يقصر بي القلم عن المسير.
ماذا قدمت إليك إذن في هذا الكتاب؟ أما أنا فأُقسم لك في غير تواضع، إنني أحس أنني ما قدمت شيئًا، فهل تراك تقْبَله على أنه حديث أحببت أن أسوقه إليك راجيًا أن تقبله في تفضُّل منك وتسامح؟ فإن فعلت فإني لك شاكر، وإلا فدعني أتوجه بحديثي هذا إلى أستاذي العظيم الخالد طه حسين؛ فقد كان يقبل منا كلَّ حديث في سماحة أستاذ وحنان أب.
تقبلك الله أيها العميد في أكرم رحاب، وسلامٌ عليك في الخالدين. فإن عزَّانا فيك ما تركت من آثار ضخام، فلا عزاء لنا فيك، نحن حلقةَ ندوتك، وأبناء كلمتك، ونبْتَ أدبك. لست أنساك قبل وفاتك بعام وكنا في مطالع الصيف، وتوقعت أن يكون موعد سفرك إلى أوروبا قد اقترب؛ فكلمت سليم سكرتيرك فإذا هو يخبرني أنك مسافر في اليوم نفسه بعد ساعات قلائل، وإذا هو يخبرني أنك تريد أن تراني، فوضعت سماعة التليفون لأكون عندك. وصعِدت إلى حجرة نومك، ولم أعجب؛ فقد كنت ألقاك في أغلب زيارات السنتين الأخيرتين بحجرة نومك … وكنت أجدك جالسًا في فراشك أو في كرسيك بجانب الفراش، أما في ذلك اليوم فقد كنت مستلقيًا في فراشك استلقاءً كاملًا، وحين دخلتُ إليك أحببتَ أن تُخرج يدك من تحت الغطاء الحريري لتصافحني، ووجدتك تبذل جهدًا كبيرًا لتخرج يدك هذه، فسارعتُ أُبقي يدك حيث هي، وأعيد من الغطاء ما أقلقَتْه المحاولة، وإذا أنت تقول في صوت واهن ضعيف مرتعش: «أنا تعبان قوي يا ثروت! أنا تعبان قوي!» وعجبت كيف ستسافر في يومك هذا نفسه! … لبثتُ قليلًا وانصرفتُ وأنا أخشى عليك مشقة السفر. وعُدتَ في بوادر الشتاء وقد تحسَّنت صحتك.
واستدار العام وتهيأت للسفر، وذهبت لزيارتك فوجدتك قد أعددت لي الجزء الثالث من كتابك الأيام، وعليه إهداء سأتركه لأولادي ثروةً هي أعظم ثروتهم، وانصرفت وأنا مطمئن عليك؛ فقد كنت جالسًا، وكنت تروي من الأحاديث ما ينفُذ في أغوار الزمن الماضي أربعين عامًا أو خمسين. وفي يوم من أوائل شتائنا هذا أحسست حنينًا إليك، فطلبت بيتك لأعرف إن كنت عدت، فإذا سليم يخبرني أنك كنت تتحدث عني في هذه اللحظة، وأنك تريد أن ترسل إليَّ برقية تعزِّيني في وفاة عمي عزيز باشا، وكلمتني يا رَحِمَك الله، قلتُ لك إنني لم أعلم بمجيء معاليك، وإني إنما أطلب لأعلم، فإذا أنت تخبرني أنك وصلت في يومك هذا … أتُرى خفقةٌ من روحك السامية هي التي ألهمتني أن أطلبك في يوم وصولك، ليكون آخر حديث بيننا هنا في هذه الدنيا! … لعلها كانت كذلك، بل إنها لكذلك. وعزَّيتني — من يعزيني فيك! — وانتهت المكالمة على وعد باللقاء قريبًا، ثم جاء النبأ وسارعت إلى بيتك، ويخبرني سليم أنك كنت في المصيف بأحسن حال، وأنك قرأت كتابي الأخير عدة مرات، وكان كلما قال لك قرأناه قلت معلهش، أريد أن أقرأه مرةً أخرى، ومضيت … لقد أكرمتني حيًّا وميتًا يا رحمك الله. ولو كان غيرك من مات لدعوت الله أن يعوضنا عنك، ولكن ما إلى تحقيق هذه الدعوة من سبيل.
وما هو مَيْت ولكنه
بشاشة دهر محاها الزمن
ومعنًى خلا القول من لفظه
وحُلمٌ تطاير عنه الوَسَن
ولو أنصف الصَّحبُ يوم الوداع
دُفِنْتَ كإسحاق لما دُفن
فغُيِّبْتَ في المسك لا في التُّراب
وأُدْرِجت في الورد لا في الكفن
سلام عليك سلام الرُّبا
إذا نفحت، والغوادي الهُتُن
سلام على جيرة بالإمام
ورهطٍ بصحرائه مرتهَن
سلام على حفر كالقباب
وأخرى كمُنْدَرِسات الدِّمَن
وجمعٍ تآلَف بعد الخلاف
وصافى وصُوفيَ بعد الضَّغَن
سلام على كل طَودٍ هناك
له حَجَرٌ في بناء الوطن
أستاذي العظيم سلامًا
ثروت أباظة
القاهرة في ٣٠ / ١٢ / ١٩٧٣م

من أشهر صوره.

العميد وابنه وزوجته في حفلة لذكرى الشاعر أحمد شوقي، بالقاهرة ١٩٥٧م.

طه حسين مرتديًا رداء جامعة الإسكندرية في حفلة افتتاح الجامعة، الإسكندرية، عام ١٩٤٣م.

الجامعيون في افتتاح البرلمان.

الدكتور طه حسين يحتضن حفيده حسن الزيات، وفي الصورة مدام طه حسين ومؤنس طه حسين والدكتور محمد حسن الزيات.

حارس الفكر.

في رحاب الفاتيكان ١٩٥٠م.

في بيروت، لبنان «اليونسكو»، نوفمبر–ديسمبر ١٩٤٨م.

يحتضن حفيده «حسن الزيات» ولد كريمته أمينة في نادي رياض بالإسكندرية ١٩٥٠م.

يملي على كريمته أمينة في «بيت مري» بلبنان ١٩٤٣م.

مع حرمه وحفيدته أمينة مؤنس طه حسين في ميرانو بإيطاليا، أغسطس ١٩٧١م.

في مدريد١٩٥٠م.

في زيارة لمدرسة ثانوية ببريطانيا عام ١٩٥٠م.

في إيطاليا، أغسطس ١٩٥١م.



