📰 آخر الأخبار
The Song of God /Seok Yeon-gyeongالنافخ والمنفوخ/يوسف علاريلقاء مع الشاعرة والناقدة ليلى عطاء الله من تونس-حوار:الإعلامية شمس الأصيل العابدDid Einstein Believe in God? His “Cosmic Religion” Explained/written by Scott Mclaughlan, PhD Sociologyحين بكف الإلهام/عبد الرزاق الصغيردستور … يا سيدة/يوسف إدريسالعملية الكبرى/يوسف إدريسالنقطة/يوسف إدريسمعجزة العصر/يوسف إدريسالمرتَبة المقعَّرة/يوسف إدريسما خَفِيَ أعظم/ يوسف إدريسمسحوق الهمس/يوسف إدريسجَـلَّ عِطْـرُ النَهْرِ/ جواني عبدالFlex and Flexible / Dr Haroon Rashidمعاناة الفرد المقهور بين علاء الأسواني وفاسيلي غروسمان/إبراهيم أبو عواد / الأردنالاغتيالات السياسية في الإسلام/حميد المصباحيما لا تقوله المواعيد / بسمة القائد/ اليمن الصحافة المغربية بين العجز الوجيز وتزييف المفهوم: حين تُقاد "السلطة الرابعة" بضمير غائب/حسن كرياطما وراء الحب... عندما تكون الغاية شيئاً آخر/د. حسام الدين فياض/ باحث وأكاديمي سوريالموت .. قصائد يابانية / ترجمة : بنيامين يوخنا دانيالروح نيكولاس سنايدرز أو بخيل زاندام/جيروم كيه جيروم-ترجمة نيڤين حلمي عبد الرؤوفمُزحة الفيلسوف/ جيروم كيه جيروم-ترجمة نيڤين حلمي عبد الرؤوف إعلام الجماعة من التهليل إلى التضليل/الدكتور بليغ حمدي إسماعيللا أخاف / تغريد نديم عمران - سوريا"علَّمني حرفًا" يوثق للعلاقة خارج نمطية العصا والفلقة/د. نضير الخزرجي
The Song of God /Seok Yeon-gyeongالنافخ والمنفوخ/يوسف علاريلقاء مع الشاعرة والناقدة ليلى عطاء الله من تونس-حوار:الإعلامية شمس الأصيل العابدDid Einstein Believe in God? His “Cosmic Religion” Explained/written by Scott Mclaughlan, PhD Sociologyحين بكف الإلهام/عبد الرزاق الصغيردستور … يا سيدة/يوسف إدريسالعملية الكبرى/يوسف إدريسالنقطة/يوسف إدريسمعجزة العصر/يوسف إدريسالمرتَبة المقعَّرة/يوسف إدريسما خَفِيَ أعظم/ يوسف إدريسمسحوق الهمس/يوسف إدريسجَـلَّ عِطْـرُ النَهْرِ/ جواني عبدالFlex and Flexible / Dr Haroon Rashidمعاناة الفرد المقهور بين علاء الأسواني وفاسيلي غروسمان/إبراهيم أبو عواد / الأردنالاغتيالات السياسية في الإسلام/حميد المصباحيما لا تقوله المواعيد / بسمة القائد/ اليمن الصحافة المغربية بين العجز الوجيز وتزييف المفهوم: حين تُقاد "السلطة الرابعة" بضمير غائب/حسن كرياطما وراء الحب... عندما تكون الغاية شيئاً آخر/د. حسام الدين فياض/ باحث وأكاديمي سوريالموت .. قصائد يابانية / ترجمة : بنيامين يوخنا دانيالروح نيكولاس سنايدرز أو بخيل زاندام/جيروم كيه جيروم-ترجمة نيڤين حلمي عبد الرؤوفمُزحة الفيلسوف/ جيروم كيه جيروم-ترجمة نيڤين حلمي عبد الرؤوف إعلام الجماعة من التهليل إلى التضليل/الدكتور بليغ حمدي إسماعيللا أخاف / تغريد نديم عمران - سوريا"علَّمني حرفًا" يوثق للعلاقة خارج نمطية العصا والفلقة/د. نضير الخزرجي

 مجلة رقمية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
سيرة ذاتية

ذكريات طه حسين – ثروت أباظة

٣

شارك طه حسين في الحياة الأدبية منذ وهب نفسه للأدب، واعتبر نفسه مسئولًا أمام الرأي العام الأدبي؛ فهو لا يترك عملًا ذا قيمة دون أن يعلق عليه ويبدي فيه رأيه؛ فهو منذ أواخر العشرينيات إلى أن اختاره الله مشغول بأعمال الآخرين، لا يصرفه عنها شيء. كتب عن «أهل الكهف» لأستاذنا توفيق الحكيم، واعتبر مسرح الحكيم هو بداية المسرح العربي.

وكتب بعد ذلك عن كل عمل أدبي يرى أنه يستحق أن ينوه به، فهو يكتب عن أبناء جيله وعن الجيل الذي يليه وعن الجيل الذي تلا جيله.

ولما كنت متفقًا معك أنني لا أقدم كتابًا منهجيًّا، فإنني سأكتفي بأن أقدِّم بعض أمثله مما كتبه في هذا المضمار.

فلتنظر مثلًا إلى ما كتبه عن زميله الدكتور محمد حسين هيكل حين نشر روايته الأخيرة «هكذا خلقت». ومن المعروف طبعًا أن الرواية المصرية وُلدت على يد أستاذنا الدكتور هيكل بخالدته «زينب».

لست أدري أأهنئ صديقنا الدكتور محمد حسين هيكل برجوعه إلى القصة، أم أهنئ القصة برجوعه إليها، ولكني أعلم أن قرَّاء الأدب النقي الصفو هم الجديرون بالتهنئة؛ فقد أتاحت لهم عودة هيكل إلى القصة، بعد أن كان من السابقين إليها، وبعد أن هجرها هجرًا طويلًا غير جميل، أتاحت لهم كتابًا رائعًا جديرًا أن يُقرأ وأن يُقرأ في أناة ومهل، وجديرًا حين يُقرأ أن يملك قارئه أمْرَه كله ووقته كله وملَكاته كلها أيضًا.

فهيكل بارع في هذه القصة لا يتحدث فيها إلى القلب والشعور وحدهما، ولا يتحدث فيها إلى العقل وحده، ولكنه يتحدث إلى هذه الملكات كلها هي وملكات أخرى غيرها، يتحدث إلى السمع بهذا اللفظ السهل العذب النقي البريء من التبذل والابتذال جميعًا، والبريء مع ذلك من التعقيد والتكلف، ومِن هذا التصنُّع البغيض الذي ما زال بعض الناس يشغفون به ويتورطون ويورطون غيرهم فيه، ويتحدث إلى البعض بهذه الأوصاف البارعة لنجوم السماء حين ترسل سهامها المضيئة إلى الأرض، وللشمس حين تغرُب فتملأ كل شيء روعة وجمالًا، وتأخذ على الناظرين إليها أبصارهم وعقولهم وأذواقهم جميعًا، وللقمر حين يلقي ضوءه الهادئ المطمئن على النيل وعلى البحر وعلى الصحراء وعلى قمم الجبال وسفوحها.

وهو يتحدث إلى الضمير حين يقيس أعمال الناس بما فيها من خير وشر، وبما فيها من إحسان إلى الناس أو إساءة إليهم، وبما فيها من إرضاء للعقل والشعور الديني، مجتمعين أو متفرقين، وهو من أجلِّ هذه الأحاديث كلها، لا يشغل بعض ملكات قارئة وإنما يشغل ملكاته جميعًا، وهو من هذه الناحية مريح للقارئ ومتعب معًا؛ يريحه لأنه لا يشغل بعض ملكاته عن بعضها الآخر، ويتعبه لأنه يأخذ القارئ فلا يَذَرُه إلى نفسه وإلى ما يحيط به من ظروف وإلى ما يدعوه من شئون الحياة إلا بعد أن يفرغ من قصته.

وقد قلت إنه يتحدث إلى القلب والشعور، وأيُّ حديث أقرب إلى القلب والشعور من حديث الحب هذا الذي يشقى به صاحبه؛ لما يثير في نفسه من الأهواء المتناقضة والعواطف المختلطة، ويشقى به غيره؛ لِمَا ينغِّصُ عليه من بياض أيامه وما يؤرق عليه من سواد لياليه!

ويشقي القارئ نفسه لما يضطره إليه من العناء كلِّ العناء حين يريد أن يهتدي في هذه الخصومات الملتوية العنيفة بين ألوان العواطف وضروب الشعور. وقلت إنه يتحدث إلى العقل، وأيُّ حديث إلى العقل أكثر متاعًا من حديث هذه القيم الكثيرة لأعمال الناس، وملاءمتها للحق مرة، ومخالفتها له مرة أخرى، وموافقتها للعدل حينًا، وانحرافها عنه حينًا آخر، وائتلافها مع القصد في أول النهار، واندفاعها إلى الجور المسرف في آخره، واضطرابها في هذا المتصل، وتأثيرها بهذا الاضطراب في آراء الناس وأحكامهم فيما يكون بينهم من الصلات، بل فيما يكون بينهم وبين نفوسهم من صلات. وقلت إنه يتحدث إلى الضمير، وأي حديث إلى الضمير أدق وأنفذ وأمضُّ في الوقت نفسه من محاسبة الإنسان لنفسه في كل لحظة من لحظات حياته، وتقدير الإنسان لكل عمل من أعماله وكل لفظ من ألفاظه، وبما يمكن أن يكون لهذا اللفظ أو لهذا العمل من أثر حسن أو سيئ، قوي أو ضعيف، في نفوس غيره من الناس، وأي حديث إلى الضمير أدق وأنفذ من حديث الدين حين يتخذه الإنسان مقياسًا لكل ما يصدر عنه من قول أو فعل، ولكل ما يضطرب في نفسه من تفكير أو شعور. كل هذا تجده في الكتاب؛ فتنعم به وتشقى به أيضًا؛ تنعم به لأنه يمتصك، وتشقى به لأنه لا يخرجك من حيرة إلا ليدخلك في حيرة أخرى؛ ولأنه يضطرك إلى أن تكون مشاركًا لأشخاصه حين يرضون وحين يسخطون وحين يثورون وحين يهدءون. ثم لا يعفيك الدكتور هيكل من أن تشرف من قرب على محاسبة هؤلاء الناس لأنفسهم واحتكامهم إلى ضمائرهم، فترضى عنهم مرة، وتسخط عليهم مرة أخرى، وتوافقهم الآن لتخالفهم بعد حين، وتعطف عليهم في هذه الصفحة من صفحات الكتاب لتصبَّ عليهم نقمتك بعد صفحتين أو صفحات، وأي غرابة في ذلك وقد قلت لك إن هذا الكتاب متعب مريح ومُسْعِد مُشْقٍ وممتع مثير!

كانت تلك هي المقدمة التي مهَّد بها الدكتور طه لنقد رواية «هكذا خُلقت» للدكتور هيكل، ثم هو يمضي بعد ذلك في تلخيص الرواية، كما تعوَّد أن يفعل، ذلك التلخيص الرائع الذي يحيط بالرواية يكاد لا يفلت منها شيئًا. وما أحسبني في حاجة إلى الحديث عما يعانيه الملخِّص من جهد، وخاصة إذا كان ذلك لعمل فني؛ روايةً كان أو مسرحية. وما أصعب هذا التلخيص إذا كان كاتب الرواية من أولئك الكُتاب الجادين الذين يحاسبون أنفسهم على كل كلمة أو حركة يرسمون بها عملهم! فلنمضِ قليلًا مع هذا النقد لنرى كيف أنهى الدكتور طه نقده بعد أن أبدى بعض ملحوظاته على الرواية.

«وملاحظة أخيرة أذكرها ولا أقف عندها؛ وهي أن صديقي هيكلًا لم يُرِد أن يخلف ظني به فيما يظهر؛ فقد كنت أغيظه أيامَ الشباب بأنه يهمل الاحتياط للغته العربية بين حين وحين، وكان يردُّ عليَّ بأني أنا لا أحسن العربية ولا أجيد كتابتها، وهو قد وفى بحقي عليه، فإنه يهمل في غير موضعٍ حقَّ اللغة ليتيح لي أن أذكِّره بأيام الشباب، ومن يدري لعله يحمل هذا الإهمال على خطأ المطبعة وتقصير المصححين! وما أكثر ما يُحمل على المطابع والمصححين! وهو على كل حال لا يستطيع أن يحمل على المطبعة ولا على المصححين إسرافة في استعمال اسم الإشارة الذي طالما عبثت به من أجله؛ لأني أراه منافرًا بعضَ الشيء للذوق المصري الحديث، وهو هاتيك، وما أكثر هاتيك في قصة هيكل، ولو قد وضع مكانها هذه أو تلك لكان له في إحدى هاتين الكلمتين مقنع وغناء.

أما بعد فكل هذه الملاحظات لا تنقص من قدر الكتاب ولا تنقص من قيمته الفنية، ولا تزهِّدُ محبًّا للفن ومشغوفًا بالأدب الجدير بهذا الاسم في أن يقرأه حفيًّا به حريصًا على الاستمتاع بدقائقه، والشيء الذي أستطيع أن أؤكده مطمئنًا هو أن قارئ هذا الكتاب لن يفرغ من قراءته إلا راضيًا مغتبطًا، راجيًا أن يمتعه هيكل بين حين وحين بقصة تشبه هذه القصة.»

وبهذا ينهي الدكتور طه نقده لرواية «هكذا خلقت»، ألا تريد أن نلقي نظرة مرة أخرى على ما نقلته إليك؛ لنرى معًا كيف كان النقد عند العميد فنًّا باذخًا لا يدانيه فيه أحد من ناقدينا! فإنه يندُر بين نقَّادنا من يمارس هذا الفن، الذي يعتبر ركنًا هامًّا في عالم الأدب، بضمير حر خالص من مختلف أنواع التأثر الشخصي. وخير هؤلاء — على سوئه — من يتعصب لأيديولوجية معينة، أما الغالبية الكاثرة فتقيم أسس نقدها على الأحقاد الشخصية.

ولعل عملي في الميدان الأدبي يتيح لي أن أقدم بعض الأمثلة لتشهد بنفسك كيف أصبح النقد عندنا قائمًا على أي شيء غير الضمير.

كنت مرة جالسًا إلى بعض الأصدقاء، وكان معنا الدكتور لويس عوض، ويبدو أن الدكتور لويس كان قد أفرط في الشراب بعضَ الشيء فواتَتْه نوبة من الصراحة العجيبة؛ فإذا هو يقول لي دون أي مقدمات: «أتعرف لماذا لا نكتب عنك؟» ودون أن أدري ما تعنيه نون الجمع هنا، ودون أن أفكر فيما إذا كان قد اصطنعها للتعظيم أم لتشمل قومًا بذاتهم يعنيهم؛ قلت: «لا.» قال: «لأن طه حسين كتب عن أول كتاب لك … أتراك وُلدت عملاقًا مثل التلفزيون؟» وعلت الحاضرين وَجْمة، وسكت. ولم أشأ أن أناقش ولم أشأ أيضًا أن أقول إن الكلمة الواحدة من أي مقال لطه حسين عني تعدل كلَّ ما كتبه لويس عوض فيما مضى من حياته وفيما هو آتٍ منها؛ فقد خشيت أن يظن أي رد مني يحمل معنى الغيظ أو الغضب أنه لا يكتب عني؛ فأنا مِن هؤلاء الذين يؤمنون أن الفنان لا يحتاج إلى وسيط عند الجمهور، فالفنان بفنه فقط، ولعل الدليل على ذلك أنني ما زلت أعيش في الحياة الأدبية، على الرغم من أن الدكتور لويس، ومن عناهم بنون الجماعة، إذا لم يكن يعني تعظيم نفسه — وهو بهذا خليق — لا يكتبون عني، فإن فعلوا هاجموا.

ولنفس الدكتور حكاية أخرى؛ فقد كتب مرةً مقالتين عن المقارنة بين شوقي وعزيز أباظة، وكانت المقالة الأولى موضوعية إلى حدٍّ ما، وأما المقالة الثانية فقد كانت هجومًا لا يتصل بالموضوعية بسبب، وحدث أن لقيته بعد مقالته الثانية فإذا هو يقول: «لقد كانت المقالة الثانية عنيفة لأني خشيت أن يظن الناس أنني أسوِّي بين شوقي وعزيز.» وفي هذه المرة أجبت: «عليك أن تعلم يا دكتور أن رأيك هذا بالنسبة إلى شاعر مثل عزيز أباظة لا يزيد عن كونه رأي فرد في شاعر يُعتبر أكبر شعراء جيله، أردت أم أبيت.» وكم أسِفْتُ أنني لم أقل له: إن السبب الحقيقي في هجومك على عزيز أباظة هو أنه رجل اتخذ من التاريخ العربي مسرحًا لأغلب رواياته، ومن الكلمة العربية أساسًا لجميع شعره. وكم أسفت أنني لم أقل له إن عزيز أباظة خالدٌ مهما تحاول النَّيل منه، أما أنت فلم يظهر لك بعدُ شيء سيُبقي اسمك في عالم الأدب العربي.

أما الدكتور لويس وموقفه من نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم، فهو أيضًا موقف كان من شأنه أن يدعو إلى الدهشة، لولا أنه صادر عن الدكتور لويس عوض؛ فقد كان يُغدق عليهما المديح في الجرائد المصرية ويكبل لهما الثناء، حتى إذا فُصل عن العالم العربي وذهب إلى أمريكا، أباح للناس دخيلةَ نفسه، فهاجم الكاتبَين العملاقَين هجومًا أوشِك أن أقول فاحشًا؛ فقد تخطَّى النقد الأدبي الفني إلى المساس بضميرهما الوطني والفني جميعًا.

والدكتور لويس — في الواقع — يتمتع بكمية من الرضاء عن النفس يُغبط عليها؛ فقد حدث مرةً أنْ كنت جالسًا معه، وجاء ذكر السينما، وفهمت خطأً أن له رواية ستنتج في السينما المصرية، فسألته لأتأكد أنني لم أخطئ الفهم: «ألك رواية ستنتج في السينما؟» فإذا هو يقول في ثقة مطمئنة: «لا؛ إن رواياتي لن تنتَج إلا في هوليود.» وسكت طبعًا لم أحِر جوابًا، وقد مر على هذا الحديث عشر سنوات ونيِّف، ولا أدري بعدُ ماذا كتب الدكتور لويس في عالم الرواية ولكنني واثق أن هوليود لم تنتج له شيئًا إلى الآن.

هذا ناقد. وناقد آخر أراه أحقر من أن أذكر اسمه … هاجمني مرة، وإلى هنا لا بأس عليه؛ ولكنني صُدمت حين توليت العمل بمجلة القصة بهذا الناقد يأتي إليَّ معتذرًا عن نقده قائلًا إنه لم يفهم أدبي حقَّ الفهم، وإنه يريد أن يصلح خطأه بأن يكتب نقدًا لرواية لي كانت قد ظهرت في هذه الأيام، وهو يستأذنني أن أنشر النقد بالمجلة، فقلت له ببساطة: «إنك تستطيع أن تنشر بالمجلة أي شيء تريد إلا أن تنقُد كتابًا لي؛ فلست سخيفًا إلى درجة أن أفسح صفحات في مجلة أعمل بها لمديحي.»

وحدث أن اختار بعض الكتاب الشباب قصة قصيرة لي ضموها إلى مجموعة قصصية تضم أعمالهم إلى أعمال كُتاب آخرين ممن تجاوزوهم في السن، وقد اختارت هذه الجماعة ذلك الناقد ليعلق على القصص المنشورة، فراح يكيل لي المديح؛ فعجبت، ومضت الأيام وسافر هذا الناقد إلى لبنان فإذا بي أسمع أنه يهاجمني هناك هجومًا مُرًّا.

وهذا ناقد. وناقد آخر نشب بينه وبين المرحوم محمد عبد الحليم عبد الله خلاف، فإذا هو يقول لي: «طيب يا عبد الحليم هو أنت مش حتكتب روايات بعد كده! والله لأوريك!»

ولك وحدك أن تقدر مقدار الحق في نقدٍ صدَر قبل أن يصدر العمل الذي ينقده. وهكذا ترى أن الجمهور على حق حين تنعدم ثقته بالنقاد، فهم في وادٍ والجمهور في وادٍ آخر، والعجيب أن هؤلاء النقاد جميعًا إما تلامذة للدكتور طه أو هم من أجيال لاحقة به، ولكن يبدو أن النفوس إن كانت مريضة فلا أدب يفيد ولا أديب، كما يقولون، ولكن هذا لا يمنع، ما دمت قد قدمت هذا الحديث عن النقاد، أن أذكر آخرين قلة جديرين بكل تقدير وإكبار؛ ومنهم على سبيل المثال الدكتور شكري عياد والدكتور علي الراعي، ولعل هناك آخرين لا تسعفني الذاكرة بأسمائهم الآن.

عودًا بنا إلى ذلك الحديث العذب الذي استقبل به الدكتور طه عمل زميله وصديق عمره الدكتور هيكل، أتراك لمست الإنصاف في الحديث؟ فهو يمتدح العمل في موضوعية وأصالة مبينًا ما يدعوه إلى هذا المديح، ثم هو يداعب الدكتور هيكل مداعبة الأخ لأخيه، ولا يعدو مع ذلك الحقيقةَ التي يرتئيها؛ من أن الدكتور هيكل لا يُعنى باللغة العنايةَ التي ترضي الدكتور طه. ويأبى ضمير الدكتور طه الأدبي أن يعدو هذه الملاحظة ويُصِرُّ أن يثبتها في نقده، على رغم الصداقة الوطيدة التي تصله بالدكتور هيكل، وعلى الرغم من معرفته التامة بمكانة الدكتور هيكل الأدبية في مصر وفي العالم العربي أجمع، بل والدكتور طه يعلم أيضًا أي شخصية ضخمة هو الدكتور هيكل بين عمالقة جيله. ولكن شيئًا من هذا لم يمنع الدكتور طه أن يقول رأيه بصراحة ووضوح وبرقة أيضًا وكياسة بالغتين.

وننتقل إلى نقد آخر للدكتور طه، ولنرَ ماذا قال عن خالدة نجيب محفوظ «بين القصرين» كان عنوان المقال «بين القصرين؛ قصة رائعة للأستاذ نجيب محفوظ»، ثم يبدأ المقال هكذا: «فقد أُتيح له في هذه القصة الرائعة البارعة نجاحٌ ما أرى أنه أُتيحَ مثله منذ أخذ المصريون ينشئون القصص في أول هذا القرن، ولكن الأدب المعاصر، كغيره من الآداب على اختلاف عصورها، وكغيره من الإنتاج العقلي؛ شيء نفهمه نحن ولا يفهمنا، ونقدِّره نحن ولا يقدرنا، ونشعر نحن بما يتاح له من نجح وما يفرض عليه من إخفاق، ولا يشعر هو برضانا عنه أو سخطنا عليه.

فلأقدم تهنئتي إذن كأصدقِ وأعمقِ ما تكون التهنئة إلى كاتبنا الأديب البارع نجيب محفوظ، ولأقدمها إليه بلا تحفُّظ ولا تحرُّج؛ فهو جدير بها حقًّا؛ لأنه أتاح للقصة أن تبلغ من الإتقان والروعة، ومن العمق والدقة، ومن التأثير الذي يشبه السحر، ما لم يُتِحْه لها كاتب مصري قبله.

وما أشك في أن قصته هذه «بين القصرين» تثبُت للموازنة مع ما شئتَ من كتَّاب القصص العالميين في أي لغة من اللغات التي يقرؤها الناس.

وما رأيك في قصة تتجاوز صفحاتها المئات الأربع، وتقرؤها منذ تبدأ إلى أن تنتهي، فلا تحس بها ضعفًا، ولا تشعر فيها بفتور في أي موقف من مواقفها، ولا تثير فيك إحساسًا بأن الكاتب على إطالته قد أدركه شيء من الإعياء، أو أصابه شيء من التراخي، أو ناله ما ينال الكتَّاب المطوِّلين من هذا الجهد الذي يدعو إلى شيء من الراحة والتنفس في ذلك؟

بل ما رأيك في قصة تتجاوز صفحاتها المئات الأربع، وتقرؤها أنت فلا تشعر في أي وقت من أوقات القراءة بالحاجة إلى أن تستريح منها إلى غيرها من الكتب، أو تستريح من القراءة إلى غيرها من ألوان العمل، وإنما يتجدد نشاطك إلى المضيِّ في قراءتها دون أن يجد الملل أو السَّأَم أو الضعف أو الفُتور إلى نفسك سبيلًا؟ وأنت جدير أن تأخذ في قراءتها فلا تدعها حتى تتمها، لولا أن ظروف الحياة تحول بينك وبين ما يجب من ذلك، وتضطرك إلى الوقوف لتأتي عملًا لا تستطيع تأجيله أو تقرأ شيئًا لا سبيل إلى إرجاء قراءته.

ثم أنت لا تكاد تفرغ من هذا العمل الذي صرفك عنها حتى تعود إليها مدفوعًا إلى هذه العودة، دفعًا لا تستطيع مقاومته ولا الامتناع عليه.

بل أنت لا تفرغ من هذه القصة لتنصرف عنها إلى غيرها من فنون القراءة وألوان العمل، وإنما أنت مضطر إلى أن تفكر فيها تفكيرًا طويلًا متصلًا، وربما أخذت فيما يجب أن تأخذ فيه من أعمالك وقراءاتك، واضطربت فيما يجب أن تضطرب فيه من شئون الحياة، ولكنك ترى نفسك بين حين وحين مضطرًّا إلى أن تعود إلى التفكير فيها، والإعجاب بها، والثناء عليها بينك وبين نفسك، والتحدث عنها إلى الناس حين تلقى الناس.

تقف بعقلك وقلبك عند هذا الموطن من مواطنها، أو هذه الصورة من صورها، فلا تكاد تتحول عنه إلا لتقف عند موطن آخر أو صورة أخرى.

وقد يمضي الوقت الطويل بعد فراغك من قراءتها وإذا أنت على ذلك تعود إليها، فترى أنك لم تنسَ منها شيئًا؛ لأن قراءتك الأولى لها قد ثبَّتت أحداثها وصورها وأحاديثها في نفسك تثبيتًا.

بهذا كله شعرت أنا، وبهذا كله شعر غيري من القلة الذين لقيتهم وتحدثت إليهم عنها؛ فإذا هم قد قرءوها وتأثروا بها كما تأثرت، وقدَّروها كما قدَّرتها، وأحسوا روعتها مثلما أحسست، وألحَّت على عقولهم وقلوبهم كما ألحَّت على عقلي وقلبي.

ومصدر هذا كله فيما أرى أن الكاتب يحقق في هذه القصة، تحقيقًا رائعًا، خصلتين يبلغ بهما الأثر الأدبي أقصى ما يقدَّر له من النجاح؛ وهما الوحدة التي لا تغيب عنك لحظة، والتنوع الذي يذود عنك السأم، ويخيَّل إليك أنك تحيا حياة خصبة حافلة مختلفة المظاهر والمناظر والأحداث.

فأنت تتنقل في كل هذه المظاهر والمناظر والأحداث، لا كما يتنقل المتنزِّه في بستان يختلف فيه الزهر والثمر والشجر، بل كما يتنقل الإنسان في حياة مضطربة لا يمر يوم من أيامها أو ساعة من ساعاتها إلا لقيه فيها حدثٌ من الأحداث، يُرضيه أحيانًا ويُسخِطه أحيانًا، ويثيره مرةً ويردُّه إلى الهدوء مرة أخرى.»

أرأيت كيف يكتب الأستاذ الكبير عن عمل كبير؟ لقد مدح ولم يتَأَسْتذْ، وقدَّم إعجابه صريحًا نقيًّا واضحًا متدفقًا؛ لأنه طه حسين. ولأنه طه حسين لا يستكبر أن يقول: فقد أتيح له في هذه القصة الرائعة البارعة نجاحٌ ما أرى أنه أتيح مثلُه منذ أخذ المصريون ينشئون القصص في أول هذا القرن. وطه حسين من أول من أنشئوا القصة المصرية في أول هذا القرن. ولكنه العملاق الضخم الراسخُ القَدم، الوطيدُ الثقة بنفسه، المترفِّع عن الصغار، يعلن في هدوء ووضوح وإبانة أن كاتبًا قبل نجيب محفوظ لم يُتَحْ له ما أتيح لنجيب من نجاح.

ثم أرأيت كيف يتكلم الدكتور طه في صراحة وصدق عن صلتنا بالأدب الحديث، على الرغم من أن كتبًا كثيرة له تُرجمت إلى لغات أجنبية، ولكنه يعلم أننا، نحن الأدباء العرب، منفصلون عن الأدب المعاصر، فنحن نفهمه وهو لا يفهمنا، ونحن نقدِّره وهو لا يقدِّرنا، ونحن نشعر بما يتاح له من نُجْح وما يُفرَض عليه من إخفاق، ولا يشعر هو برضانا عنه أو سخطنا عليه.

ثم لننتقل إلى أديب آخر وموقف العميد منه، وليكن أديبنا يوسف السباعي، ولننظر معًا موقف الدكتور طه منه. ولعل يوسف السباعي من أكثر أدبائنا إثارةً للجدل حوله.

فأنت تجد المتحمسين له الذين يقرءون كل ما يكتبه في شغف واستمتاع، وفي نفس الوقت تجد النقاد، وبعضًا منهم بصفة خاصة، يَلْوون عنه أعناقهم في صَلَف وتكبر، وهو يوسف السباعي، يمضي في طريقه سعيدًا بهؤلاء الذين يقرءون له ويستمتعون منه، في مصر وفي العالم العربي أجمع، غيرَ حافل في الوقت نفسه بهؤلاء المشقشقين من النقاد، الذين يحبون أن يُظهروا مبلغ ثقافتهم بالغضِّ من شأنه أو إهمال أعماله، بينما الأعمال تشق طريقها إلى القراء غير آبِهة برأي هؤلاء النقاد، ومن يدري لعل هؤلاء النقاد، وكُره الجمهور لهم، يجعل أعمال يوسف أكثر قَبولًا عند القراء، ويجعل القراء أكثر شغفًا بها.

كتب الدكتور طه عن أربع روايات ومسرحية ليوسف السباعي. وله في كل رواية من هاته الروايات رأي بطبيعة الحال، ولكن رأيه في يوسف السباعي يوشك أن يكون واحدًا لم يتغير في أي من هذه المقالات.

فنجده يقول مثلًا عن رواية طريق العودة: «قصة رائعة بأوسع معاني هذه الكلمة وأدقها، وما أعرف أني قرأت للأستاذ يوسف السباعي بعد قصته البارعة السقَّا مات شيئًا يشبه هذه القصة في روعتها وإتقانها وإمتاعها. والغريب في أمرها أنها تبدأ هادئة مطمئنة وحديثًا مألوفًا لا يؤذِن بشيء من جودة، فضلًا عن الروعة. وأعترف بأني مضيت في قراءة الفصول الأولى منها كسلًا أو أشبه شيء بالكسل، وربما نازعتني نفسي إلى الإعراض عنها والأخذ في شيء أنفع منها وأشد إمتاعًا. ولكني عودت نفسي إذا بدأت كتابًا أن أتمه مهما تكن الصوارف عنه والمزهِّدات فيه، فلا أحكم على الأثر الأدبي بجزء منه، وإنما أستقصيه من أوله إلى آخره قبل أن أقول فيه شيئًا أو أُصدر عليه حكمًا.

وقد مضيت في الكتاب واستقصيته، فحمدت الكرى حين أصبحت، وأصطنع هذه الجملة عن عمد لأني كنت أقرأ هذه القصة ليلًا، وأتممتها ذات يوم حين ارتفع الضحى، وأشهد لقد قرأتها مرتين إعجابًا بها ورضًى عنها. والغريب من أمرها أيضًا أنها خلت، أو كادت تخلو، من الخطأ المروع في اللغة العربية، وهذا نادر فيما يكتبه صاحبها.»

أحب أن أقف قليلًا بعد هذه الفقرة، لأحكي لك عن نقاد شهدتهم يذهبون إلى التسجيل في الإذاعة ليناقشوا أعمالًا، لم يقرءوا منها شيئًا أو قرءوا بضعة أجزاء متناثرة، وقصدوا إلى الإذاعة ليسجلوا رأيهم وليوقعوا استئمارة الصرف.

أما طه حسين فقد أخذ نفسه إذا بدأ كتابًا أن يتمه ولا يحكم على الأثر الأدبي بجزء منه وإنما يستقصيه من أوله إلى آخره قبل أن يقول فيه شيئًا أو يصدر عليه حكمًا، بل كثيرًا ما يقرأ العمل مرتين، ولا يجد غضاضةً أن يقول هذا. وهكذا أصبح طه حسين طه حسين، وهكذا سيظل النقاد الآخرون في وادي الخمول والهَزْل والهُزال إلى أبد الآبدين.

نعود إلى طه حسين ويوسف السباعي، فالدكتور طه يرى أن يوسف السباعي من أبرع القصَّاصين ومن أكثرهم جاذبيةً للقارئ، ويرى في أسلوبه أنه أخَّاذ، يتسم بخفة الظل والرشاقة.

وأسلوب القصة مختلف؛ فيه الفكاهة الحلوة التي تصور خفة روح الكاتب حين يصف الدعابة والعربدة والمجون، وفيه الجد الرقيق الذي يصور الحب الناشئ ونقاءه ونزاع النفوس إلى أهوائها، وضبط الضمائر لهذه الأهواء.

وفيه الدعابة المرحة التي تصور وداعة الأطفال ونقاء نفوسهم وسذاجة أعمالهم وأقوالهم، وفيه بعد ذلك كله هذا الجد المُر الذي تنخلع له القلوب وتضطرب له الضمائر أشدَّ الاضطراب.

ولكن الدكتور العميد يأخذ على يوسف دائمًا عدم اهتمامه باللغة، فتجده يشير إلى ذلك إشارةً عابرة في هذا النقد لرواية «طريق العودة»، ولكنه يبلور هذا الرأي بعنف في مقالته عن رواية «إني راحلة»، ثم هو يعود إلى هذا الرأي مرة أخرى بصورة لعلها أخفُّ وقعًا وأيسر قسوةً في مقالته عن رواية «ليل له آخر».

«وإذا لم يكن بدٌّ من النقد وشيء من القسوة على الكاتب، فلأكتف بالأسف الشديد على ما في القصة من هناتٍ تتصل باللغة والنحو، وهذه الصفات مبثوثة في القصة كلها، لا تملؤها لحسن الحظ، ولكنها تظهر فيها بين حين وحين، فيضيق بها القارئ ويأسف لها أشدَّ الأسف، إذا كان هذا القارئ يشاركني الحرص على اللغة العربية الفصحى … والضيقَ بكل ما يسوءها، قل أو كثر، وما أكثر ما رجوت من الكاتب الصديق أن يتحقق أو يعرض قصته قبل أن تُنشر على من يحقق له سلامتها وبراءتها من كل خطأ عربي!»

وهكذا لم تستطع الصداقة الوطيدة التي تقوم بين الدكتور طه ويوسف أن تُعفي كاتبنا من نقد الدكتور طه له حين يتصل الأمر بشأن اللغة. ولم يستطع الإخلاص الذي يكنُّه يوسف ويبديه للدكتور طه في كل مناسبة أن يكفَّ قلم الدكتور طه عن مؤاخذته على عدم اهتمامه باللغة، بل لم يستطع إعجاب الدكتور طه بالفن الروائي عند يوسف أن يعفي هذه الروايات من هجوم الدكتور طه فيما يتصل باللغة، إنه الأستاذ الأصيل الذي يحاسب نفسه على رأيه الأدبي أولًا وقبل أي معنيٍّ آخر.

وحين يكتب الدكتور طه حسين عن «دموع إبليس» للأستاذ فتحي رضوان يُبدي رأيه في جفاف الرواية بأسلوب رائع أخَّاذ.

«وأنت تقرأ القصة فلا تجد فيها رمزًا ولا إيماءً، وإنما تجد فيها تصريحًا واضحًا كل الوضوح، منذ تبدأ القصة إلى أن تفرغ منها، فالأشياء مسماة بأسمائها، والأشخاص مسمَّون بأسمائهم، والأحداث تقع في أرض يسكنها الناس ويشقَوْن فيها ويسعدون ويحسنون فيها ويسيئون، وأنت تستطيع أن تضع هذه الأرض حيث شئت من بلاد الله.

تستطيع أن تتخيلها في مصر لأن الأسماء أمامك كلها عربية، ولأن البيئة تشبه بيئتنا المصرية في القرى، وتستطيع أن تتخيلها بلدًا آخر؛ لأن الشقاء والسعادة والغنى والفقر والنعيم والبؤس، كل ذلك، يعرض للناس حيث يكونون. ومع ذلك فأنت تشعر أثناء القراءة بأن أحداث القصة تقع في عالم آخر قريب من الأرض، ولكنه بعيد عنها يوشك أن يكون فيها، لولا أن هؤلاء الأشخاص، الذين يذهبون ويجيئون ويختصمون ويتفقون، يحيط بهم شيء من الغرابة يُدنيهم منك ويُنئيهم عنك، فهم بينَ بين. وهذا أول ما يرضيك عن هذه القصة؛ لأنه يخرجك من الأطوار المألوفة للناس دون أن يبعدك عنهم، فأنت حين تقرؤها توشك أن تكون في شيء يشبه الحلم، وإن كان أدنى إلى الحق منه إلى الحلم.

ولست أدري كيف يكون موقع هذه القصة من النظارة المصرية لو عُرضت عليهم ممثلةً تمثيلًا متقنًا كلَّ الإتقان؛ أيصبرون عليها أم يقصُرون عن المضي معها إلى آخرها!

ذلك أن القصة صارمة صرامةً متصلة لا يكاد الضحك أو الفكاهة يُلمَّان بها إلا قليلًا، وصرامتها تأتيها من أن كاتبها يفلسِفُ كل شيء، ويفلسف كل كلمة من كلماتها، فموضوعها نفسه فلسفي، وهو الصراع بين الخير والشر في حياة الإنسان والشيطان جميعًا.

وحوارها فلسفي منذ يبدأ إلى أن ينتهي، لا يعرض للطبيعة ولا لفلسفة العلم، ولا يبعد عن الناس، ولكنه قريب منهم عسير عليهم؛ فهو تحليل دقيق صادق فيه كثير من الروعة، ولكن هذه الروعة الصارمة التي لا تحب لعبًا ولا تندُّرًا.»

ويمضي الدكتور العميد في تلخيص القصة ثم ينهي مقالته الرائعة.

«والقصة رائعة اللفظ قد كُتبت في لغة عربية رائعة، لولا هناتٌ تعترضك هنا وهناك، ولكنها قليلة الخطر، وإن كنت أحب للكاتب أن يبرأ من أمثالها. وأنا بصدد ذلك أهنئ الكاتب بإتقانه وإمتاعه، وما أشك في أن قرَّاءه سيشاركونني في هذه التهنئة، وفي تهنئته بشيء آخر، وهو أن أعباء الوزراء لم تحُل بينه وبين هذه اللحظات الخصبة التي يسعد فيها الإنسان بالخَلوة، بين حين وحين، إلى القلم والقرطاس.

لن أستطيع، ولعل غيري يستطيع، أن يستقصي طه حسين الناقد وأثرَه على الأدب العربي طول فترة نيَّفت على الخمسين عامًا، ولكني واثق أنه ليس بين كُتَّاب العربية قاطبة من لم يكن يطمع أن ينال كلمة رضًى من طه حسين، مكتوبةً كانت هذه الكلمة أو غير مكتوبة، وأنا لا أستثني من هؤلاء الأدباء أحدًا كبيرًا ما كبر ذلك الأديب.

وأنا أيضًا عاجز أن أستقصي مواقف طه حسين عميد الأدباء العرب بالنسبة إلى الأدباء، وعاجز أن أتابع مواقفه كإنسان كبير، خاض الحياة مكفوف البصر فقيرًا، يخذُله من كان يرجو منه العون، فإذا هو يقف في دفاع الحياة يتحدى هذا الدفاع بغير سلاح، إلا ثقافته وإلا ثقته الوطيدة بذكائه وعقله، واطمئنانه إلى موهبته الفنية الباذخة.

وينشئ أسلوبه هذا الذي اشتهر به، والذي به يحطم قوالب الإنشاء العربي، ويندلع في الأدب العربي الحديث عملاقًا يستخدم اللفظ، بعد أن كان الأدباء يخدمون اللفظ، على حد قول سارتر، ويختار من السياسيين أبعدهم عن عامة الناس، مؤثِرًا أن يكون مع المثقفين على أن يكون مع الذين يواكبون الجماهير ويتحسسون رغباتهم، ويثبت وطائده على الأرض الصلبة فارضًا نفسه وثقافته على الأصدقاء والأعداء، داعيًا إلى حرية الفكر وحرية البحث، داعيًا إلى تحرير النفوس والعقول والعقائد من كبول التقاليد، ومن أيدي المتزمتين، ومن أعباءِ ما تواضع عليه الناس، كل ذلك مع التزام تام بالحفاظ على اللغة والأخلاق، وعلى ما يقبله العقل وتقبله النفس من التقاليد، فثورته ثورة ذات قانون؛ فهي ثورة مثقفة، يحكمها العقل وتحكمها الأخلاق، وتدعو في ذات الوقت إلى الحرية، وتدور حوله أو يديرها، فإذا هو عنيف، كأشدِّ ما يكون العنف، حين يتصل الأمر بحرية إنسان، يقف إلى جانبه، يؤازره على الطاغوت ويمكِّنه من حريته، وإن كان في موقفه هذا خسرانٌ له وتَلَفٌ لموارده أو لمنصبه.

يدخل معه عبد الرحمن الشرقاوي في نقاش حول وظيفة الأدب ودور الأديب، ويرى الدكتور طه أن الأدب لا ينبغي له أن يوظَّف لأحداث الثورة الاجتماعية، وفي صيف ١٩٥٣م ينشر الشرقاوي مقالًا في جريدة المصري يسأل فيه الدكتور طه حسين عن دوره في حماية حرية الفكر، وهو الرائد الذي علَّم الذين أتوا من بعده كيف يدافع القلم عن الحرية، ويشيع في المقال عتب على الدكتور طه؛ لأنه لم يهاجم هؤلاء الأساتذة الأمريكيين الذين جاءوا إلى كلية الآداب ليدرِّسوا بها الإنجليزية بدلًا من الإنجليز؛ فإذا هم ينتهزون الفرصة ويقومون بما اعتبره الشرقاوي دعايةً سياسية. ويغضب الدكتور طه من هذا العتب، ويكتب ردًّا عنيفًا على مقال الشرقاوي ويتوجه بنفسه إلى جريدة المصري حاملًا المقال. ويلْقاه أحمد أبو الفتح ويقرأ المقال فيجد الدكتور طه يهاجم الشرقاوي هجومًا قاسيًا، متَّهمًا إياه أنه يروِّج للفكر الاشتراكي الذي كان محرمًا آنذاك، ويقول أحمد أبو الفتح للدكتور طه إن عبد الرحمن الشرقاوي مطلوب للمعتقل، متهمًا بالترويج لمبادئ هدامة في روايته «الأرض» التي كانت تُنشر مسلسلةً في المصري في ذلك الحين، كما أنه متهم بهذه التهمة ذاتها من واقع مقالاته التي كان يجادل بها الدكتور طه، وينفُضُ الدكتور طه عن نفسه الغضب، وينسى أن شابًّا من أبنائه عتب عليه عتابًا بلغ به إلى هذا الغضب. ويعود الدكتور طه إلى طه حسين أبي الأدباء جميعًا؛ فهو يسترد المقالة ويحذف منها كلَّ ما يتضمن الهجوم الصريح على عبد الرحمن الشرقاوي، ويكتب بدلًا من فِقرات الهجوم فقرات أخرى فيها تحية وإطراءٌ لعبد الرحمن الشرقاوي.

ذلك هو طه حسين الذي رضي أن يجعل نفسه غير متفهم لرواية «هارب من الأيام»؛ ليحمي كاتبها من الطاغوت، هو نفسه لم يتغير.

وفي يوم بينما كان الدكتور طه حسين مستشارًا لوزارة المعارف عهد الوفد عام ١٩٤٢م، يرسل إليه عبد الفتاح الشناوي، المدرس وقتذاك بمدرسة أهلية بالقاهرة، خطابًا شديد اللهجة يهاجمه هجومًا قاسيًا عنيفًا. وأْذَنوا لي أن أوقف القصة هنا لأقدم إليكم عبد الفتاح الشناوي. إنه من خريجي العلوم، وكان قبل تخرُّجه زعيم طلبة الأحرار الدستوريين بالكلية. وقدمه أبي أول ما عرفه حين سمع، وهو سكرتير عام حزب الأحرار الدستوريين، أن البوليس يحاصر دار العلوم، وأن الطلبة لا تستطيع الخروج، فقصد إلى دار العلوم فوجد الشناوي في ملابسه الداخلية ممسكًا بخرطوم ماء يذود به البوليس أن يدخلوا إلى الكلية. ومنذ ذلك الحين تعرف الشناوي إليَّ، فحين اختير وزيرًا للمواصلات في وزارة أحمد ماهر، اختار الشناوي سكرتيرًا له، ثم أصبح مديرًا لمكتبه، وقد لازمه طوال فترة بقائه في الوزارة، وهي فترةٌ امتدت خمس سنوات، لم يتركه فيها الشناوي إلا فترةً لا تتجاوز الأيام القلائل، تلك التي قضاها وزيرًا أصيلًا للخارجية، وحين ترك أبي الوزارة كان الشناوي في منصب مدير مكتب وزير الأوقاف، وقد كانت آخر وزارة تولاها أبي. وبقي في هذا المنصب فترة طويلة بعد ذلك.

وأنا لم أعرف، وما أظنني سأعرف، وفيًّا في مثل وفاء عبد الفتاح الشناوي، كما أنني لم أعرف، وما أظنني سأعرف، رجلًا جريئًا في الحق وأخًا ومُعينًا على الدهر، ومحبًّا للخير في غير تظاهر، وبعيدًا عن الشبهات في غير سماجة، وقريبًا إلى الله في غير تزمُّت، مثل عبد الفتاح الشناوي.

وفي كتاب طه حسين أحب أن أروي عن الشناوي قصة غير تلك مع الدكتور لتعرف منها جانبًا من جوانبه.

كان مديرًا لمكتب أحد الوزراء وجاء خطاب من مدير مكتب الوزراء في ذلك الحين، معنونًا باسم الوزير مباشرة، فإذا الشناوي يطلب مدير مكتب رئيس الوزراء: حضرتك مدير مكتب رئيس الوزراء؟

– أيوه … نعم؟

– حضرتك بعثت خطابًا إلى وزير الأوقاف بتوقيعك؟

– أيوه … نعم.

– هذا لا يجوز.

– ايه هو الذي لا يجوز؟

– مدير المكتب يجب أن يبعث إلى مدير المكتب والوزير يبعث إلى الوزير حتى لو كان الوزير رئيس مجلس الوزراء.

– أنت عارف بتكلم مين؟

– نعم؛ مدير مكتب رئيس مجلس الوزراء.

– أنا …

وذكر المتحدث اسمه ومنصبه، وهو اسم ومنصب تنخلع له الأفئدة الثابتة في هاته الأيام، ولكن الشناوي ظل على ثباته.

– لا بأس … منصبك هذا وضع آخر، ولكنك هنا مدير مكتب رئيس الوزراء وأنا أكلمك بهذه الصفة.

– الله يلعن أبوك ابن كلب.

– يلعن أبوك ابن ستين كلب.

– أنت ابن …

لا يستطيع القلم أن يكتبها.

– أنت ابن ستين …

ما يزال القلم لا يستطيع أن يكتبها.

ويقفل عبد الفتاح الشناوي التليفون، ولم يكَد حتى يناديه وزيره.

– أنت عملت ايه؟!

– حافظت على كرامتك.

– وأنا قلت لك حافظ لي عليها! … أنا لا شأن لي … مليش دعوة.

– وأنا طلبت منك حاجة … ملكش دعوة … لا شأن لك أنت.

ويذهب الشناوي إلى منزله ينتظر القتل أو يتفاءل وينتظر الاعتقال، ولكن الليل يمر بسلام ويذهب الشناوي في صباح اليوم التالي إلى الوزارة، ويدق عنده جرس التليفون.

– مين؟

– أقول ولا تشتمني؟

– أنا لست قليل الأدب.

– أنا …

ويذكر اسمه الذي تنخلع له الأفئدة الثابتة، ويكمل حديثه.

– أنا غلطان وأعتذر … هل يكفي هذا الاعتذار أم تريدني أن آتي إلى مكتبك لأعتذر إليك؟

– لا، هذا يكفي، وشكرًا.

وينتهي الحادث عند هذا، وتمضي سنوات يلتقي فيها هذا الرجل، الذي كانت تنخلع من هَوْل اسمه الأفئدة، بابن أخ لعبد الفتاح الشناوي فيسأله إن كان قريبًا له، فيقول إنه عمه، فيقول إنه من الرجال القليلين الذين عرَفهم في حياته، ويروي هذه الواقعة على الجمع الذي كان حاضرًا.

وبهذه الجرأة أرسل الشناوي إلى الدكتور طه حسين خطابه. وقد كانت تكفي الدكتور يومذاك مكالمةٌ تليفونية للمدرسة حتى يجد الشناوي نفسه في اليوم التالي في الطريق العام بلا وظيفة، ولكن شيئًا من هذا لا يحدث، بل يحدث شيء آخر مختلف كلَّ الاختلاف. يزور الدكتور محمد عبده عزام الأستاذ الشناوي، ويفاتحه في الخطاب الذي أرسله إلى الدكتور طه حسين.

– وكيف عرَف الدكتور طه صلتي بك؟

– إنني تلميذ له، وهو يعرف أنني من المطرية، وقد ذكرت المطرية في خطابك، وقد سألني عنك فقلت إنك خريج دار العلوم، وأنك مدرس بالتعليم الحر؛ ظنًّا مني أن هناك من يسعى لتعيينك بالمدارس الحكومية. وإذا به يفاجئني بأن يطلب من سكرتيره أن يُريَني الخطاب الذي أرسلته إليه، أهذا كلام؟

– المقصود … وماذا حصل؟

– ماذا حصل؟ تُهت ولم أجد شيئًا أقوله.

– وهو؟

– سكت مليًّا ثم قال لي يا عزام أريدك أن تحضر لي الشناوي؛ حتى أعترف له شفاهًا بالحق فيما يأخذه عليَّ من مآخذ، وحتى أقول له إن كل ما جاء في خطابه هو الصدق بعينه، أما أن أرد عليه كتابةً فهذا لن يكون. وضحك ضحكة المنتصر على نفسه أن استطاع أن يتغلب على غضبه.

وأراد الدكتور عزام أن يصحب الشناوي إلى الدكتور طه، فخجل الشناوي أن يلقاه بعد هذا الهجوم، وأرسل إليه خطابًا يشكر له قبوله لنقده العنيف واحترامه لحرية الرأي. ومرت السنون وانتقل المغفور له الشيخ الأكبر مصطفى عبد الرازق إلى رحمة الله، وندب الزعيم المصري العظيم المغفور له عبد العزيز فهمي باشا عبد الفتاح الشناوي ليُلقي كلمة عنه في حفل التأبين، وهناك التقى بالدكتور طه، وكان من خطباء الحفل، وحين انتهى الشناوي من إلقاء كلمة عبد العزيز باشا، فوجئ بسكرتير الدكتور طه يستدعيه إليه، فإذا هو يبادره: «يا شناوي المطرية دقهلية، لقد أرسلت إليك محمد عبده عزام لتأتي إليَّ؛ حتى أعترف لك بصدق رسالتك، ولكنك أبيت. وها قد تقابلنا اليوم من غير ميعاد، وما دمت محل ثقة أستاذنا عبد العزيز فهمي، فإني يهمني أن أراك.»

فشكره الشناوي على تلطُّفه وسماحته، وظل خجلًا أن يذهب إليه.

أذكر هذه القصة وأذكر قصة أخرى لوزيرٍ أمَر مدير مكتبه أن يحمل خطابًا إلى رئيس وزراء، فإذا رئيس الوزراء يأمر بمدير المكتب أن ينتظر حتى يتسلم الرد، وإذا الرد يتمثل في القبض على مدير المكتب … مدير المكتب وليس الوزير الذي كان قد أرسل خطابًا شديد اللهجة إلى رئيس الوزراء الطاغية.

وأذكر قصة الشناوي فأعود وأذكر ما كان بين الدكتور طه وعبد الرحمن الشرقاوي عام ١٩٦٢م، حين دار حوار بينهما حول التجديد في الشعر. وكتب الدكتور طه مقالًا عنيفًا يهاجم فيه المتأدبين من الشبان، وعاد عبد الرحمن يعتب على العميد إطلاق كلمة المتأدبين على الأدباء الشبان، فرد الدكتور طه بمقال أشد عنفًا اتهم فيه عبد الرحمن بأنه يجهل اللغة العربية، فالأديب والمتأدب بمعنًى واحد … ورد الشرقاوي بمقال يوضح للقراء المصدر الذي اعتمد عليه في اعتباره قيام فارق بين الكلمتين في المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي، ورجا الدكتور طه أن يوضح للقراء المصدر الذي اعتمد عليه في اعتبار الكلمتين بمعنًى. فإذا بالدكتور طه يطلع على الشرقاوي وعلى القرَّاء جميعًا بمقال يعتذر فيه عن هذا الخطأ قائلًا: «قُرئ عليَّ القاموس المحيط خطأً.»

إنه هو طه حسين الذي عرف خطاب عمر بن الخطاب الشهير فاتخذه نبراسًا له بأن الرجوع إلى الحق خير من التمادي. وهو طه حسين الذي تجعله ثقته الوطيدة بنفسه يعترف بالخطأ. وما أرى اعترافه هذا إلا ترفعًا عن الجدال فيما اتضح له صوابه.

وحين فُصل الدكتور طه حسين من جريدة الجمهورية عام ١٩٦٤م، وهو رئيس تحريرها يومذاك، وكانت موجة التشتيت قد اجتاحت عشرات من محرريها وكُتَّابها، وراحت القرارات تلقي رءوسًا إلى الفصل وأخرى إلى النقل لمؤسسات صناعية وتجارية، وكان طه حسين يومذاك في أشد الحاجة إلى مرتِّبه، وطُلب إليه أن يرفع تظلمًا على سبيل الشكل حتى يتاح له أن يعود إلى مكانه، فرفض طه حسين قائلًا: «أنا لا أقبل أن أعاد للعمل في صحيفة تعامل كتَّابها على نحو يدل على الجهل التام بدور الكاتب.»

وهكذا لم يكن غريبًا أن يصبح اسم طه حسين علَمًا على الثقافة العربية، لا في مصر والبلاد العربية وحدها؛ بل في جميع بلاد العالم. وقد بلغ هذه المكانة لا بإنتاجه الأدبي وحده، وإنتاجُه بهذا خَليق، وإنما بلغه بما يُروى عنه من مواقفَ صلبة في الدفاع عن الثقافة والكتاب ودور الثقافة والكاتب في الحياة جميعًا.

كان طه حسين صديقًا للشاعر الفرنسي الكبير أراجون، وكان أراجون قد تعوَّد أن يزور طه حسين كلما عرف أنه في باريس. وذات صيف زار الدكتور طه باريس، وأقام بها بضعة أيام ولم يزُرْه أراجون، على الرغم من أن الدكتور طه ترك له رسالة بالمنزل تنبئه بمجيئه. وعرف أحد المصريين من تلامذة طه حسين أن الدكتور طه عاتب على أراجون، فأبلغ أراجون بهذا العتب، فإذا بأراجون يسارع إلى الدكتور طه ويعتذر له أن رسالته لم تبلغه، ويخرج أراجون ليقول لكل من يلقاه من المصريين أو العرب إن طه حسين كنز ضخم تعتز به الثقافة الإنسانية لا الثقافة العربية وحدها.

ولعل أراجون عرف بموقف طه حسين من الثقافة الإنسانية حين كان رئيسًا لتحرير الجمهورية. وكتب إبراهيم الورداني يهاجم الأدب اليوناني مرتئيًا فيه أنه أدب خرافات وعفاريت، فإذا بطه حسين لا يكتفي بالرد وإنما يهدد بالاستقالة — على حاجته للمرتَّب — إذا عادت الجمهورية إلى نشر هذا المستوى من المقالات.

وبعد؛ فقد قلت لك منذ بدأنا السير معًا في طريق طه حسين إن الذي بيننا هو حديث مطلق حر، لا قيد فيه عليَّ ولا قيد عليك، وإنما أروي لك ما أذكره، كما يقف الابن أمام صورة أبيه يحكي لمن حوله ما كان بينهما من ذكريات. لا … لن أستطيع أن أستقصي الذكريات جميعًا من مواقف طه حسين الشهيرة، فما لهذا اصطحبنا أنا وأنت لنسير في هذا الطريق. وما اصطحبنا كذلك لندرس أو نتدارس طه حسين، فما أنا بهذا … وإنك لواجد عند غيري ما تتوق إليه من دراسة وتدارس، إن كنت إلى هذا تتوق، إنما هو الحديث المطلق الحر؛ فقد كان، طيب الله مثواه، يحب الحديث المطلق الحر، يحب أن يقوله ويحب أن يسمعه. وكان أيضًا يحب مِن محدثه أن يدرك دائمًا أنه إنما يحدث طه حسين. كانت تجلس إليه أستاذة كبيرة من تلامذته، وقالت في أثناء حديثها إنها كانت في المصيف، وفتحت ياء المصيف، كما نقول الكلمة في حديثنا العادي، وإذا بالدكتور طه يقول: مصْيَف؟

فأخذت الأستاذة الكبيرة واستدركت: آسفة أقصد مصِيف … لقد كنت ألقي الحديث ببساطة.

ويقول طه حسين في لهجة الأستاذ المدل على تلميذته: وهل يُتحدث إليَّ أنا ببساطة؟

ولم يرَ رحمه الله حمرة الخجل وهي تكسو وجهها.

كان مهيبًا جليلًا، رأيت أستاذًا من كبار الأساتذة الأجلاء يجلس إليه، وكان هذا الأستاذ معروفًا بتكبره وغطرسته واعتزازه بنفسه، ولكنه أمام طه حسين كان يجلس وذراعاه متشابكتان على صدره، لا يعفيهما من وضعهما هذا المتعب مهما تَطُل الجلسة، وهو يعلم علم اليقين أن الدكتور لا يراه، ولكن احترامه للدكتور كان نافذًا إلى أبعد أعماق نفسه، فذراعاه متشابكتان.

وفي يوم كنت جالسًا إليه، وكان معه أستاذ جامعي من أكبر أساتذة الجامعة، بل من ألمع شخصيات مصر، وكان معروفًا عن هذا الدكتور الجامعي أنه عنيف مع تلاميذه عنفًا لا رحمة فيه ولا هوادة. ودار الحديث وقال الدكتور طه: لا نفس لي للأكل.

– الواحد يأكل بضرسه لا بنفسه.

وإذا بالدكتور طه يقول في هدوء: ما هذه السخافة؟

وذعرت ولكن الأستاذ الدكتور ضحك كأن أباه هو الذي يحادثه.

هكذا كان هو مُنطلقًا بسيطًا قاسيًا في أبوَّة، أستاذًا في تلطف، أبًا للجميع، يحب الجميع أن يكونوا أبناء.

لا سبيل مع الدكتور طه حسين أن تعامل اسمه أو سيرته كما تعامل الأسماء الأخرى أو السير.

فإنني أعتقد أن أديبًا ما لم تُكتب سيرته بالتفصيل الذي كُتبت به سيرة الدكتور طه، ولو لم يكتب فيها إلا خالدة «الأيام» لكان هذا حسْبَها وحسبه. ولكن الواقع أن الكثير قد كُتب بعد ذلك، فقد شغل الدكتور طه النقاد طيلة نصف قرن من الزمان أو يزيد، وقد كان الرجل من أكبر معالم أدبنا العربي إن شاء أحد أن يقدم أدبنا العربي إلى الغرب، ولعلي لا أكون مبالغًا إن قلت: إنه أكبر هذه المعالم وأكثرها شمولًا وأوسعها مجالًا. فكان من المستحيل أن يتكلم شخص عن الأدب العربي الحديث ولا يكون الدكتور طه في مقدمة هذا الحديث.

فمن العبث إذن أن أحاول التنويه بهذه السيرة، ولكنني في الواقع قد وقعت على عدد من مجلة الأدب التي كانت تصدرها جماعة الأمناء برئاسة المرحوم الأستاذ الكبير أمين الخولي. وقد أخذت مجلة الأدب في عددها هذا جانبًا لا أحسب أن مجلة أخرى اتجهت إليه؛ فقد قدمت المجلة ما ليس مشهورًا عن طه حسين وما ليس مشهورًا من أدب طه حسين؛ مقالات قديمة وقصائد لم تُتداول، وقد كنت خليقًا أن أنقل إليك عدد المجلة جميعًا، إلا أنني لا أتسم بالجرأة التي تتيح لي أن أبدأ بدعة لم تكن معروفة، ولعل للتربية المحافظة التي أحاطت بي منذ بدء حياتي أثرًا في ذلك، ولهذا فأنا لا أجرؤ أن أنقل إليك مواد العدد جميعًا، ولكن لعلني ألتمس الجرأة فأقدم إليك بعض ما جاء في هذا العدد، ولعل من الظريف أن أقدم إليك ما لم يذكره الدكتور طه في كتابه «الأيام» من أسماء أقاربه الذين أشار إليهم دون أن يذكر أسماءهم الحقيقية، أو أولئك الذين لم يشِر إليهم أبدًا؛ فوالد الدكتور طه مثلًا اسمه حسين، وليس في هذا جديد، ولكن لعل الأغلبية الكاثرة ممن قرءوا سيرة الدكتور لا يعرفون أن اسمه حسين علي سلامة، وقد كان علي جد الدكتور طه مشتغلًا بالتجارة في مديرية سوهاج. أما حسين، والد الدكتور طه وإخوته الأحد عشر، فقد كان يشتغل بغادريقة الدائرة السنية بالمنيا، وانتقل إلى مغاغة بوظيفة قباني براتب شهري قدره أربعة جنيهات، وكانت الدائرة السنية تبني لموظفيها مساكن، وقد ابتنت بعض هذه المساكن بقرية أو عزبة تسمى عزبة الكيلو؛ لأنها تبعد عن مغاغة بمقدار كيلومتر. وقد استقر حسين بهذه العزبة منذ عام ١٨٨١م، أي قبل مولد الدكتور طه حسين بثمان سنوات. وقد تزوج حسين من أسرة عوف التي كان يتاجر معها أبوه، وهي عائلة تجار بالخرنفش بحي الجمالية، وبنتهم التي تزوجها اسمها نفيسة، وقد ولدت له ابنتين، هما أمينة وجلفدان. وقد روى لي الدكتور طه عن جلفدان، وأذكر أنه كان يذكر لي اسمها مشيرًا إلى الغرابة أن يكون اسم أخته جلفدان، وهي ابنة رجل من الصعيد. أما نفيسة الأم فقد كان الدكتور وإخوته من أمه ينادونها بالخالة نفيسة، وأمينة الأخت الأخرى هي أقرب أخوة الدكتور طه إليه؛ فقد كانت تُعنى به وتقوم بشأنه في حدب وإشفاق. ويمضي عدد الآداب قائلًا إن صحة نفيسة قد اضطرت حسين علي سلامة إلى زواج آخر سببه النزعة الصوفية السائدة في هذه المناطق، تلك التي نوه بها الدكتور طه في كثير من كتاباته.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
النسخة العربية English Edition

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة