📰 آخر الأخبار
جيوكوندا مصرية/يوسف إدريسأنا «سلطان» قانون الوجود/يوسف إدريسصناعة الأسطورة واستراتيجية التوازي في رواية مخطوطة ابن الجروة للكاتبة المصرية هبة أحمد حسب/د.عادل ضرغامشيء من الطفولة/مهند رحمهآراء ومقترحات لتطوير معرض بغداد الدولي للكتاب في دورته السابعة والعشرين/تحقيق / علي صحن عبد العزيزلي ما تبقى مِنْكِ / الشاعر محمد جلال الصائغChasing Stars/Dr Haroon Rashidعناقيد الحب/سالم الياس مدالوأضلُّ طريقي / إيمان داود -تونسThey Have Gone/Xhuli Spahiu-Kosovoزمن الأبيض والأسود / جواني عبدالالصمت والصدى/ملفينا توفيق ابو مراد / لبنانحين عبرت الكلمات إلى القلب/عبد العزيز الخبشي- المغرب اللغة وسيكولوجية الجمهور عند غوستاف لوبون مقاربة لسانية/كريم عبيد علويأَنا نِساءٌ أُخْرَياتٌ يَصْرُخْنَ فِي صَمْتِي / ثورية الكور - المغربA Universe in a Single Pill / Dr. Nam Young-jooصراع الاستعادة وتحدي المعنى: هل تنجح اللقاءات التواصلية للأحزاب المغربية في كسر الجدار الرقمي واستعادة ثقة الشارع قبل تشريعيات 2026؟ ​ حسن كرياطتمائم الحقائق/سميرة جدي - الجزائرالحكاية الشعبية في أدب الطفل... ........ " من حفظ الذاكرة إلى بناء الهوية والمواطنة.."حسين عبروسA Short Collection By Soran Mohammedمابين عينيك وقلبي/الشاعر فيصل النائب الهاشميالحلم والبحر/عارف عبد الرحمنثلاث أضاميم من الهايكو النسوي الهندي/ترجمة : بنيامين يوخنا دانيالترنيمة الرماد والأثير: فلسفة البعث من قلب السعير/أ. حسناوي سيلميفي التفكيك/جوناثان كولر- ترجمة حسام نايل
جيوكوندا مصرية/يوسف إدريسأنا «سلطان» قانون الوجود/يوسف إدريسصناعة الأسطورة واستراتيجية التوازي في رواية مخطوطة ابن الجروة للكاتبة المصرية هبة أحمد حسب/د.عادل ضرغامشيء من الطفولة/مهند رحمهآراء ومقترحات لتطوير معرض بغداد الدولي للكتاب في دورته السابعة والعشرين/تحقيق / علي صحن عبد العزيزلي ما تبقى مِنْكِ / الشاعر محمد جلال الصائغChasing Stars/Dr Haroon Rashidعناقيد الحب/سالم الياس مدالوأضلُّ طريقي / إيمان داود -تونسThey Have Gone/Xhuli Spahiu-Kosovoزمن الأبيض والأسود / جواني عبدالالصمت والصدى/ملفينا توفيق ابو مراد / لبنانحين عبرت الكلمات إلى القلب/عبد العزيز الخبشي- المغرب اللغة وسيكولوجية الجمهور عند غوستاف لوبون مقاربة لسانية/كريم عبيد علويأَنا نِساءٌ أُخْرَياتٌ يَصْرُخْنَ فِي صَمْتِي / ثورية الكور - المغربA Universe in a Single Pill / Dr. Nam Young-jooصراع الاستعادة وتحدي المعنى: هل تنجح اللقاءات التواصلية للأحزاب المغربية في كسر الجدار الرقمي واستعادة ثقة الشارع قبل تشريعيات 2026؟ ​ حسن كرياطتمائم الحقائق/سميرة جدي - الجزائرالحكاية الشعبية في أدب الطفل... ........ " من حفظ الذاكرة إلى بناء الهوية والمواطنة.."حسين عبروسA Short Collection By Soran Mohammedمابين عينيك وقلبي/الشاعر فيصل النائب الهاشميالحلم والبحر/عارف عبد الرحمنثلاث أضاميم من الهايكو النسوي الهندي/ترجمة : بنيامين يوخنا دانيالترنيمة الرماد والأثير: فلسفة البعث من قلب السعير/أ. حسناوي سيلميفي التفكيك/جوناثان كولر- ترجمة حسام نايل

 مجلة رقمية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
مقالات فكرية

ديوتيما مُعلِّمة سقراط!إمام عبد الفتاح إمام

سادسًا: دليل من الآثار

في المتحف القومي بنابولي صندوق صغير من البرونز وُضعت فيه نسخة أثرية من محاورة المأدبة، وقد نُقشت صورة جميلة على غطاء الصندوق، ويصف «أوتو جان Otto Jahn» — أحد المتخصصين في النقوش الكلاسيكية القديمة — الزخارف التي نُقشت على هذه الصورة على النحو التالي:

«تعبر الصورة عن منظر بسيط ليس فيه سوى مَقعد بلا ظهر، جلست عليه امرأة اتشحت بثوب طويل فَضفاض، كما طرحت على جسدها رداءً يغطي الجزء الأسفل منه، ووضعت على رأسها تاجًا يشبه الخُوذة لا يكشف إلا عن جبهتها. ومن الواضح أن المنظر يصور امرأة منهمكة في الحديث، وقد استغرق انتباهَها كلَّه الموضوعُ الذي تتحدث فيه. وفي استطاعتنا أن نقول — دون أن نخشى الوقوع في الخطأ — إن ذهن المرأة كان مستغرقًا تمامًا وهي توجه حديثها إلى رجل يقف أمامها.

أما الرجل فهو يقف مرتديًا رداءً بسيطًا يلتف أحد أطرافه حول ذراعه الأيسر، أما الصدر، والكتفان، والذراع الأيمن فهي عارية تمامًا، وهو يميل برأسه قليلًا إلى اليمين، وهو حاسر الرأس، عاري القدمين، أفطس الأنف، وعيناه غائرتان تحت حاجب كث وشفاه غليظة … إلخ.»

وبعد أن يقارن «أوتو جان» بين هذا النقش البرونزي، ونقوش أخرى من عصر أفلاطون، وبعد أن يصف شخصية «الإيروس Eros» (الحب) الذي يبدو ظاهرًا بين الرجل والمرأة، يختتم حديثه قائلًا:

«لست أشك في أننا هنا أمام سقراط الذي تركزت عيناه وشد انتباهه إلى كلمات «ديوتيما» التي راحت في حديثٍ حيٍّ تُعلِّمه طبيعة الحب، أو كما قالت هي نفسها «أسرار الحب». وبينما يستحوذ عليهما هذا «التأمل المقدس» يقترب منهما إله الحب نفسه (الإله إيروس Eros)٢٢ في رداء كهنوتي يرتديه رجال الدين أثناء تأديتهم للطقوس والشعائر الدينية.»

ويقول باحث آخر هو «بولينو منجاتسيني Paolino Mingazzini» إن صورة الرجل الموجود على هذا النقش هي نفسها صورة سقراط على نحو ما يجسدها تمثالان من القرن الرابع قبل الميلاد. وبمعنًى آخر إن الصورة رُسمت على غرار تمثال سقراط الذي أبدعه الأثينيون، في حين يبدو إله الحب إيروس Eros على هيئة كائن أسطوري بأجنحة ملاك في مواجهة صورتَي سقراط وديوتيما.

وعلى الرغم من أن «منجاتسيني» يقول صراحةً إننا لا نعرف — بمعزل عن هذا الدليل — ما إذا كانت هناك شخصية حقيقية اسمها «ديوتيما»، ولا ماذا كانت عليه عَلاقتها بسقراط، فإنه يستطرد قائلًا:

«بالنسبة لأولئك الذين قرءوا محاورة «المأدبة» لأفلاطون، فلا شك أن ديوتيما كانت شخصية حقيقية تشبه تلك الصورة المنقوشة.»

وفضلًا عن ذلك فإننا نراه يزعم أن الصورة الحقيقية لسقراط و«ديوتيما» الموجودة على غطاء الصندوق البرونزي، والتي تصور المأدبة، لا بد من مقارنتها بالصورة البرونزية الأخرى التي تغطي جانبَي الصندوق، والتي يرجع تاريخها إلى حوالَي ٣٤٠–٣٣٠ق.م. وأن النقوش المرسومة «للمأدبة» ربما كانت نوعًا من تخليد ذكرى الحفل الذي أقامه «أجاثون»، أو ربما كانت بمناسبة العيد المئوي للقاء سقراط مع «ديوتيما» الذي تم عام ٤٤٠ق.م. لا سيما وأن ذلك لم يظهر إلا بعد وفاة أفلاطون نفسه بحوالَي سبعة عشر عامًا، وعندما تولى ابن أخته «سبيسبوس Speusippus» رئاسة الأكاديمية. وليس من المستبعد أن تكون شخصية ديوتيما شخصية حقيقية، فهي ليست وهمية من صنع الخيال، ولا هي شخصية أسطورية. ومن المؤكد أن أفلاطون كان يعرف ما إذا كانت شخصية حقيقية أم لا. وإذا كان أفلاطون يعرف ذلك، فكيف يمكن أن يخطئ تلاميذه في موضوع شخصية ديوتيما، وهي التي لا شك أنهم ناقشوا حديثها، وساعدوا في إعداد هذه النسخة الأثرية من المحاورة؟

الواقع أن اكتشاف هذا الصندوق البرونزي يقدم لنا دليلًا أثريًّا هامًّا يدعم بقوةٍ القولَ بوجود «ديوتيما»، وإنها شخصية حقيقية، وفضلًا عن ذلك كله فلدينا شهادة مكتوبة نعرض لها فيما يلي.٢٣

سابعًا: شهادة مكتوبة

لم يرد ذكر لاسم «ديوتيما» لمدة خمسة قرون، لا في مسرحية، ولا في أي عمل أدبي، ولا في كتاب من كتب التاريخ، أو موسوعة أو كتابات فلسفية. فتعاليمها وفلسفتها في «الحب الشهواني» لا تُذكر إلا في محاورة أفلاطون الشهيرة «المأدبة».

ثم بدأت تظهر من جديد في القرن الثاني الميلادي مع شخصيات نسائية أخرى مثل «ثارجليا Thargelia»، و«أسبازيا Aespasia» في مسرحية كوميدية للكاتب اليوناني «لوسيان Lucian» عنوانها «الخصي The Eunuch» تبدأ بتقرير حقيقة واقعية عن «ديوتيما Diotima» و«ثارجليا Thargelia» وأسبازيا Aespasia» عندما يَستشهد بهن الكاتب على أن المرأة يمكن أن تكون فيلسوفة، فهؤلاء «نساء فلاسفة في العالم القديم». والواقع أن الكاتب يذكرهن في سياق التماس يتقدم به «الخصي» إلى «ديوقليس Diocles»، ليسمح له أن ينال وظيفة رسمية كمُعلِّم للفلسفة، وكان يُنظَر في ذلك الوقت إلى «الخصي» على أنه «مخنث»، أعني أنه ليس رجلًا على الأصالة، بل هو أقرب إلى النساء، ومن هذا المنطلق كان التماس «الخصي» العمل في حقل الفلسفة. فإذا كان من الثابت، تاريخيًّا، أن هناك نساءً فلاسفة، عُرف عنهن الاشتغال بالفلسفة وتدريسها، لا فقط أنهن كن تلميذات يدرسن الفلسفة عند هذا الفيلسوف أو ذاك؛ إن صح ذلك كله، كان من حق «الخصي» وهو «الرجل-المرأة» أن يحظى بالموافقة على أن يكون مُعلِّمًا للفلسفة، وأن يُسمح له بتشكيل مجموعة من التلاميذ يدرسون على يديه. وها هنا نراه يحتج مشيرًا إلى ثلاثة من النساء الفلاسفة هن: «أسبازيا»، و«ديوتيما»، و«ثارجليا»!

وربما كان الكاتب يريد أن يسخر من «الخصي» و«من النساء الفلاسفة» على حد سواء! ربما أراد أن يقول إن النساء الفلاسفة أشبه «بالخصي» الذي يحمل صفات الأنثى، ويريد أن يتشبه بالرجال فيقوم بتدريس الفلسفة. لكن ذلك ليس هو ما حدث، بل على العكس، إن المحور الأساسي للحجة يدور حول ما إذا كان «الخصي» يمكن أن يُعَد مُعلِّمًا مناسبًا للغلمان في سن الحُلُم، فليس ثمة سوى الإشارة إلى أن «ديوتيما» و«ثارجليا Thargelia» و«أسبازيا» كن فلاسفة يمارسن التفلسف بالفعل، وليس هناك بالنسبة لديوتيما — بصفة خاصة — سوى الإشارة إلى أنها كاهنة فيلسوفة ماتت منذ مدة طويلة!٢٤

وهناك كُتَّاب آخرون في القرن الثاني الميلادي، أشاروا إلى «ديوتيما» إشارات مباشرة دون إثارة أدنى شك في وجودها التاريخي وفي شخصيتها الحقيقية. فأريستديز Aristides يشير إلى «ديوتيما» في خطبه Orations، وكذلك فعل أحد الشراح في رسائله إلى أريستديز.٢٥

  • كما أشار إليها في القرن الثاني الميلادي أيضًا «ماكسيموس Maximus» الصوري (من مدينة صور Tyre على الساحل الجنوبي اللبناني)، حوالَي عام ١٢٥–١٨٥ الميلادي، الذي ذكر ديوتيما ثلاث مرات.وفي استطاعتنا أيضًا أن نشير إلى كلمنت السكندري (١٥٠–٢٢٣م) الذي عاش في أواخر القرن الثاني، وأوائل الثالث الميلادي، والذي يذكر «ديوتيما» أيضًا في مؤلفاته.
  • وفي النصف الثاني من القرن الرابع الميلادي نجد ثمستيوس Themistius (٣١٧–٣٨٨م) — السياسي اليوناني، أو شارح مؤلفات أرسطو — يذكر «ديوتيما» على أنها مُعلِّمة سقراط.
  • بل إننا نجد برقلس Proclus آخر فلاسفة الأفلاطونية المحدثة (٤١٠–٤٨٥م) في نهاية القرن الخامس الميلادي، يشير ثلاث مرات إلى «ديوتيما»، ويقول إنه يعتقد أنها شخصية حقيقية كانت موجودة في عصر أفلاطون، وأنها ليست مجرد شخصية خيالية.

وهكذا نجد أنه انقضى تسعة عشر قرنًا، منذ عصر أفلاطون، أي منذ التاريخ الذي كُتبت فيه محاورة «المأدبة» حوالَي عام ٣٨٨ق.م. حتى عام ١٤٨٥م، عندما نشر الفيلسوف الإيطالي «مارسليو فسينو Marsilio Ficino»٢٦ «خطبه»، لا نجد فكرة واحدة تقول إن «ديوتيما Diotima» لم تكن شخصية حقيقية، وأنها التقت بسقراط، ودار بينهما حوار شهير هو الذي سجله أفلاطون في محاورة «المأدبة». وهكذا ظلت «ديوتيما» لمدة تسعة عشر قرنًا — كما يؤكد الباحثون، والفلاسفة، وأدلة الآثار — شخصيةً حقيقية لها وجود تاريخي. وربما جاءت ملاحظة الفيلسوف الإيطالي «فسينو» من حكم سابق كان في ذهنه، وربما مصدره العادات والتقاليد السائدة، فحواه: أن من العبث الحديث، أو حتى مجرد التفكير في وجود «نساء فلاسفة»، أو أنه يصعب جدًّا أن نتصور أن تكون هناك «امرأة فيلسوفة»، وكأن الكلمتَين متناقضتان لا يلتقيان في عبارة واحدة لنَصفَ به موجودًا إنسانيًّا!

ولقد كان هذا الحكم المسبق هو القاعدة التي اعتمدت عليها القرون الخمسة التالية، إذ بدأت تَروجُ الفكرة التي تقول إن «ديوتيما» شخصيةٌ خلقها خيال أفلاطون الأديب، وإنها ليست سوى دليل على براعة هذا الفيلسوف وقدرته الأدبية! دون أن يكلفوا أنفسهم عبء الرد على الأدلة التي تحدثنا عنها فيما سبق، ولا سيما الدليل المستمد من الآثار!٢٧

ثامنًا: نظريات ديوتيما

(١) طبيعة الحب

تذهب «ديوتيما»، فيما يروي سقراط، إلى أن للحب طبيعةً خاصة تتصف بما يمكن أن نسميه «بالوسطية»، فلا هو جميل ولا هو قبيح، ولا هو خير ولا هو شر، بل هو وسط بين هذا وذاك، فكما أنه ثمة حالة للعقل بين الحكمة والجهل، وهي أن يكون للمرء معتقدات صحيحة لكنه لا يستطيع البرهنة على صحتها، فكذلك ليس الحب جميلًا ولا خيرًا، وليس بقبيح ولا شرير، لكنه «بين بين». كما أنه بين الكائن الفاني والموجود الأزلي، وهو نصف إله ونصف إنسان، إنه رسول الآلهة إلى الناس، ومبعوث الناس إلى الآلهة، يرفع إلى الآلهة صلواتِ الناس، ودعاءهم، وضحاياهم، وقرابينهم، وينقل إلى الناس من الآلهة الأوامر والنواهي، والثواب، والجزاء. ولما كان ذا طبيعة مشتركة فهو يستطيع أن يعبر البرزخ الذي يفصل دنيا الناس عن عالم الآلهة. وبذلك لا ينقسم الكون إلى قسمين منفصلَين تمام الانفصال.٢٨

(٢) مولد الحب

وتذهب «ديوتيما» إلى أن الخصائص المتناقضة في طبيعة الحب: كالجمع بين الوجود الفاني والوجود الأزلي، والجمال والقبح، والخير والشر، والحكمة والجهل، ترجع في النهاية إلى مولده. وهي تروي في تفسير ذلك القصة الآتية:

أرادت الآلهة أن تحتفل بميلاد إلهة الجمال والجنس «أفروديت Aphrodite»، فأقام كبير الآلهة «زيوس Zeus» وليمة كبرى حضرها: «بوروس Poros» إله الغنى. وبعد العَشاء تسللت بنيا Penia «الحاجة أو الفقر» إلى تلك الوليمة تستجدي شيئًا، ووقفت بجوار الباب، وكان «بوروس» — إله الغنى والثراء — قد سكر لفرط ما شرب من الخمر الإلهية، فخرج إلى صديقه «زيوس»، وغلبه النعاس فنام تحت شجرة، وفكرت «بنيا» في أن تخفي بعض ما تعانيه من بؤس وشقاء بأن تحمل طفلًا من «الغنى»، فضاجعته وحملت «بالحب»! فالحب، إذن، حُمِلَ به في الاحتفال بمولد أفروديت إلهة الجمال، ولذلك تجد فيه شوقًا عارمًا إلى الجمال. ولما كان أبوه «الغنى»، وأمه «الفقر»، كان الحب يحمل هذه الخصائص المتناقضة،٢٩ فهو فقير معدم، يرقد على الأرض، وفي الأزقة والحارات، والطرقات … إلخ، ذلك ما ورثه عن أمه. لكنه من ناحية أخرى، يسعى دائبًا إلى الخير والجمال، جَسور، مقدام، يطلب الحكمة ويسعى إلى العلا! وهذا ما ورثه عن أبيه. فليس بدعًا أن ترى رجلًا فقيرًا يحب امرأة غنية أو العكس، فتلك هي خصال الحب: إنه مركب من الغنى والفقر، من الجهل والحكمة، من القوة والضعف، من «بنيا» و«بوروس»!٣٠

والحب أيضًا هو حب الحكمة؛ لأن الحكمة شيء جميل، فالحب هو حب الجميل؛ لأنه حُمِل به في الاحتفال بمولد «أفروديت» فتولد فيه شوق عارم إلى الجمال، ولكن لما كان حبًّا للحكمة، فإن ذلك يعني أنه لا هو حكيم، ولا هو جاهل، بل هو وسط بين الحكمة والجهل، وتلك نتيجة أخرى ترتبت على مولده، فأبوه حكيم حاذق (الغنى والثراء) وأمه جاهلة عاجزة (العوز والفقر والحاجة)!

(٣) ما يؤديه الحب للناس

ترى «ديوتيما» أن الحب هو حب الجمال، تبعًا لمولده — كما سبق أن ذكرنا — ووَفقًا لطبيعته، فإذا تساءلنا: ومم يتألف الجمال؟ أو ما هي غاية الحب التي يسعى إليها محب الجمال؟ كما أجابت ديوتيما: غايته امتلاك الأشياء الجميلة. فإذا عدنا نتساءل: وبمَ ينتفع من يمتلك الجمال؟ كانت الإجابة هي طرح سؤال آخر: وما الذي يحققه من يحصل على الخير؟ فالحال مع الجمال هي نفسها حال الخير. والإجابة في الحالتين واحدة: إنه يحقق لنفسه السعادة، فالسعادة هي في امتلاك الخير. وقُل نفس الشيء في امتلاك الجمال، فالسعادة هي الغاية في الحالتين، ولا يمكن لنا أن نتساءل: لمَ يريد المرء أن يكون سعيدًا؟ ذلك لأن السعادة هي الغاية النهائية لكل فعل بشري، وهي الهدف الأقصى لكل سلوك إنساني.

(٤) الحب أنواع!

لكن: هل يرغب الناس جميعًا في امتلاك الخير؟ وهل الحب عام بين جميع الناس.؟ وإن صح ذلك: فلِمَ نجد بعض الناس يحب، وبعضهم الآخر لا يحب؟

ترى «ديوتيما» أننا — في العادة — نقتطع «نوعًا» من الحب ونطلق عليه اسم «الحب»، في حين أن كلمة «الحب» تطلق على جنس، أو نوع أعم وأشمل من هذا الاستخدام الضيق. وربما أطلقنا أسماء مختلفة على أنواع الحب الأولى. وبمعنى آخر «الحب» اسم جنس يطلق على كل رغبة في الخير والسعادة، وتلك هي حقيقة الحب القوي الغلاب. ولكن تلك الرغبة تعبر عن نفسها بوسائل مختلفة، فعند بعض الناس تتجه «الرغبة» نحو حب المال، وعند البعض الآخر تتجه نحو حب القوة البدنية، وعند فريق ثالث نحو حب «الحكمة»، لكنا، عادةً، لا نقول عن هؤلاء إنهم «محبون»؛ لأننا نقصر صنع الحب على من تتجه عواطفهم اتجاهًا معينًا فنسميهم محبين.

(٥) كيف يعبر الناس عن الحب؟

فرغنا من تعريف الحب وبيان طبيعته، وعلينا الآن أن نبحث: كيف يفصح الناس عن رغبتهم في الامتلاك الدائم للخير، إذا سلَّمنا بأن الناس جميعًا يحبون الخير، ويهدفون دائمًا إلى امتلاكه.

(أ) ولادة ما هو جميل

تذهب «ديوتيما» إلى أن الولادة على نوعَين، فهي قد تكون بالجسد كما تكون عن طريق الرُّوح. فعندما يصل الإنسان إلى مرحلة النضج، فإنه يشعر بالرغبة الطبيعية للولادة، ولكنه لا يستطيع ذلك إلا عن طريق الجمال لا القبح، فثمة شيء إلهي في تلك العملية، ففي الحمل والولادة يصيب المخلوق الفاني حظًّا من الخلود. ولا يمكن أن تتم العملية في غير انسجام. ولا يتفق القبح مع ما هو إلهي، في حين ينسجم معه الجمال، ولذلك كانت إلهة الجمال هي الإلهة التي ترعى الولادة. وعندما يشعر المرء بآلام الوضع، فإنه يتعلق بالجمال، ويحس بالسكينة، ويشعر بالاسترخاء اللذيذ، وذلك كله ييسر الولادة ويسهلها. أما القبح والدمامة فإنهما يحدثان نقيض ذلك؛ إذ ينقبض المرء، وينطوي على نفسه متألمًا قانطًا، وتتعسر ولادته، ويتحمل آلام الحمل، ولا يضع مولوده. وهكذا نجد أن المرء حين يكون حاملًا، وإذا جاءه المخاض، فإنه ينجذب بقوة نحو الجمال؛ لأن الجمال يعينه على تحمل آلام المخاض.٣١

وقد يشعر القارئ بصعوبة في متابعة هذه الفكرة التي تعرضها ديوتيما على سقراط، وعَلاقتها بالتعبير عن الحب. لكن الفكرة ليست على هذه الدرجة من الصعوبة. فالحب الجنسي الذي يتجه نحو المرأة يهدف إلى ولادة نسل جديد يكرر الرجل. أما حب الأفكار فهو يستهدف ولادة رُوحية هي إعطاء أفكار جديدة، وهذه قد تكون عند الرجل، «فالحمل» هنا حمل فكري يقدم لنا نسلًا فكريًّا. ولكن «الولادة» هي التعبير عن الحب في الحالتين. ولِمَ تكون الولادة هي غاية الحب؟ الجواب هو أن الولادة هي التي تؤدي إلى الخلود الذي يسعى إليه الموجود الفاني، فسواء أكانت ولادة جسدية لنسل بشري جديد أم ولادة رُوحية لأفكار جديدة فهي في الحالتين سعي إلى الخلود: خلود الإنسان عن طريق أولاده، أو خلوده عن طريق أفكاره، ولما كان الحب هو الامتلاك الدائم للخير كما قدمنا، فلا بد أن يرغب في الخلود رغبته في الخير. ويلزم عن ذلك أن يكون الحب هو حب الخلود كما هو حب الخير. وهذا تعبير آخر عن الحب، أو صورة أخرى من صوره الكثيرة.

(ب) علة الحب والرغبة

تذهب «ديوتيما» إلى أن ما يحدث للحيوان جدير بالتدبر والإمعان، فالحيوانات جميعًا من طير ووحوش ودواب … إلخ، عندما تتملكها الرغبة في التناسل، تقع فريسة لمرض الحب للاتصال بعضها ببعض، وتسعى بعد ذلك لتوفير الغذاء لصغارها، وفي سبيل هذين الهدفَين نجدها تتقاتل، وتتصارع حتى الموت، وتعاني ما تعاني من جوعٍ وألم. كل هذا من أجل حفظ النسل وامتداد الجنس. وربما قُلنا إن «العقل» هو الذي يدفع البشر إلى مثل هذا السلوك، ولكن ذلك تفسير خاطئ، فما يصدق على الحيوان يصدق كذلك على الإنسان، فطبيعة الفاني أنه ينشد البقاء والخلود، وسبيله إلى ذلك الولادة والتناسل، فالولادة هي التي تحل فردًا مولودًا محل فرد ميت. وهكذا يظل الفرد يخلق كائنًا جديدًا، يكون امتدادًا له، تمامًا مثلما يفقد خلايا من جسمه ويجدد خلايا أخرى، وتمتد عمليات التجديد هذه إلى شعره، ولحمه، وعظمه، ودمه، أعني إلى جسده كله، وهي كذلك تمتد إلى رُوحه أيضًا: فشخصية الفرد لا تثبت على حال واحد، كما أن عاداته لا تتجمد على وتيرة واحدة، ولا رغباته، ولا مسراته وآلامه ومخاوفه وآماله، فلا شيء يثبت من ذلك قط على ما هو عليه، بل هناك جديد باستمرار، وهناك مرونة، والجديد منها لا يزال يخلف القديم.

(ﺟ) المعرفة

وتقول «ديوتيما» إن ما يحدث لأجزاء المعرفة جدير بالملاحظة: فلا شيء من المعرفة يختفي تمامًا، كما أننا لا نحتفظ بهويتنا فيما يتصل بالمعرفة أكثر مما نحتفظ بها في الأمور الأخرى، بل إن كل جزء من أجزاء المعرفة يخضع لعملية التغيير والتبديل التي يخضع لها الجسم: وعملية التذكر نفسها تنطوي على معنى انفصال المعرفة عنها، فالنسيان هو إفلات المعرفة، والتذكر هو الاحتفاظ بها عن طريق إحلال فكرة جديدة محل الفكرة التي فقدت، وهكذا ترانا نخلع على المعرفة هوية وهمية متصلة. وهكذا يتحقق للموجودات الفانية البقاء والخلود. فهي ليست كموجودات خالدة على نحو ما هي عليه، فذلك مقصور على الآلهة وحدهم، بل بعملية تعويض ما يخسر الجنس من أفراد بأفراد آخرين.

(د) السعي نحو الخلود

الكائن الفاني يريد، إذن، أن يحقق لنفسه البقاء والخلود عن طريق النسل الجديد، فهو في ذاته لا يستطيع أن يكون خالدًا، فهو ليس إلهًا ذا وجود دائم، بل هو موجود فانٍ؛ يقوم بتعويض ما يخسر، فإن خسر جسده كله كرره في نسله، وعلى هذا النحو يستطيع الفانون المشاركة في الخلود بطريقتهم الخاصة. وكل كائن حي يحفظ نفسه بالطبيعة على هذا النحو. ومن هنا كان السبب الذي يجعل الفرد مشغولًا بالحب لكي يحقق لنفسه البقاء والخلود. إن حب الشهرة والمجد يؤثر في الناس تأثيرًا قويًّا، لكن حب الخلود شيء مختلف؛ لأنه يجرفهم نحوه حتى إنهم لا يأبهون بالأخطار المحدقة بهم، بل إنهم يضحون بحياتهم إذا دعت الضرورة. أكان يمكن ﻟ «ألكستيس»٣٢ أن تموت في سبيل زوجها «أدميتوس Admetus» ملك تساليا، أو يُقدِم أخيل على الموت في سبيل صديقه٣٣ «كودروس Kodros» ملك «أتيكا» لينقذ بلاده من غزو الدوريين،٣٤ وليحفظ مُلكه لأبنائه. أكان يمكن لهؤلاء جميعًا أن يموتوا لولا يقينهم من خلود ذكراهم؟ كلا إن الرغبة في المجد هي التي تدفع الإنسان إلى العمل الفذ، وكلما ارتقى الإنسان ازداد حبه للخلود. أما أولئك الذين تتجه غريزتهم الخلاقة اتجاهًا جنسيًّا، فإنهم يجعلون همهم النساء، ويكون حبهم جنسيًّا محضًا، فتراهم يحسبون أنهم يضمنون لأنفسهم الخلود بإنجاب الأطفال. ولكن هناك غيرهم تكون ميولهم الخلاقة رُوحية، ويحملون بالرُّوح لا بالجسد، فينتجون ذرية رُوحية كالحكمة والفضيلة وما إلى ذلك. ولعل أفضل وأشرف فروع الحكمة هو الذي يتناول تنظيم الدولة والأسرة وهو: الاعتدال والعدل.٣٥

ومن ينجب ذرية رُوحية يكون أشد سعادة؛ لأن أطفاله (الأفكار في هذه الحالة) يمتازون عن أطفال البشر، فهم خالدون، ويفوقون جمال أطفال البشر، ولا شك أن الناس يُفضِّلون هؤلاء الأطفال على الأطفال الذين هم من لحم ودم. من أطفال «كالإلياذة»، و«الأوديسة»، و«أنساب الآلهة» و«الأعمال والأيام» … إلخ. هؤلاء هم الأطفال الذين حققوا لآبائهم شُهرة، ومجدًا، وخلودًا، حتى ظفِر بعضهم بعبادة البشر لهم؛ بسبب ما تركوه من أطفال رُوحيين، وذلك أمر لم يحدث لإنسان قط بسبب أطفاله من لحمه ودمه.

(٦) مدارج الرُّوح في طريق الخلود

ترى «ديوتيما» أن الرجل الذي يريد أن يتبع الطريق المستقيم إلى هدفه السامي، ألا وهو الخلود، عليه أن يأخذ نفسه من الصغر بتأمل الجمال الإنساني، فإذا ما أحسن المرشد إرشاده وجهه أولًا إلى حب فتى جميل، ثم إلى إدراك أن الجمال المادي في شخص هو نفسه الجمال المادي في شخص آخر، وأنه إذا كان ينشد الجمال الظاهري، فمن العبث ألَّا يعترف أن الجمال الذي يتجلى في جميع الأجسام إنما هو جمال واحد، ومن هنا فإن عليه أن يوجه حبه إلى الجمال بصفة عامة، بحيث يضعف حبه لشخص بعينه، لأنه يدرك أن هذه عاطفة أقل أهمية، وأن عليه أن يتجاوزها إلى مرحلة أخرى، وهكذا يرقى إلى مستوًى أعلى، إلى أن يصل إلى المرحلة التي يُقدِّر فيها جمال الرُّوح أكثر من تقديره لجمال الجسد. فلو أنه وجد نفسًا نبيلة فاضلة في جسم ليس له نصيب من الجمال لرضي بحبها، والإخلاص لها، فيأتي بالأفكار التي تعمل على التهذيب. وتلك هي المرحلة التي يجد نفسه فيها يتأمل الجمال الذي يتبدى في الأعمال والنظم المختلفة، ويتضح له آخر الأمر أن الجمال فيها مرتبط بعضه ببعض، فيظهر عندئذٍ حقارة الجمال المادي، وضآلة شأنه، إذا ما قورن بجمال الرُّوح. ومن الأخلاق ينتهي إلى العلوم فيتأمل جمالها، وبذلك يحصر نظره في الجمال بمعناه الواسع، فلا تستعبده عاطفة حقيرة أو نموذج فردي للجمال، سواء أكان موضوع حبه فتًى، أو رجلًا، أو عملًا من الأعمال، أو نظامًا ما من الأنظمة، وهو أن يحدث في محيط الجمال الذي اتجه إليه بصره الآن، ثم يأتي بسبب حبه الفياض للحكمة بعواطف وأفكار نبيلة جليلة، وإذا ما قوي بفضل هذه التجربة يرنو ببصره إلى العلم الوحيد، وموضوعه الجمال.

(٧) غاية الحب

وترى «ديوتيما» أن من يتعلم «أسرار الحب» على هذا النحو، ويرقى في هذا الطريق حتى نهايته، سوف ينكشف له في نهايته جمال رائع هو الغاية من جميع المراحل السابقة. هذا الجمال هو أولًا وقبل كل شيء جمال خالد، وهو ثانيًا ليس جميلًا في جانب وقبيحًا في جانب آخر، ولا في آنٍ، ثم يتغير في آنٍ تالٍ، ولا باختلاف الظروف والأحوال … إلخ، بل هو جمال مطلق لا يوجد إلا بذاته.

وعندما يبدأ المرء من العالم الحسي مستعينًا بجمال الغلمان، ثم يلمح هذا الجمال المطلق، إنما يكون قريبًا من غايته. وهذا هو الطريق القديم في الاقتراب من أسرار الحب الذي يسير فيه المرء عندما يبدأ بنماذج الجمال في هذا العالم، ويجعلها درجات يرقى بها جاعلًا غايتَه ذلك الجمالَ الأسمى المطلقَ من نَموذج الجمال الحسي، ثم من أكثر من نموذج، ثم إدراك الخيط المشترك بين كل ألوان الجمال الحسي، ثم يرقى من الجمال الحسي إلى الجمال الخلقي، ومن الجمال الخلقي إلى جمال المعرفة، ومن المعرفة بفروعها المختلفة، إلى المعرفة المطلقة التي يكون موضوعها الوحيد الجمال المطلق. وهكذا يعرف آخر الأمر ماهية الجمال المطلق.

ها هنا — في هذا المكان وبجوار الجمال المطلق — ينبغي أن ينفق المرء عمره في تأمل هذا الجمال المطلق، وعندئذٍ لن يهتم بذهب ولا فضة، ولا ثياب أو غلمان … إلخ، فهو يطالع ماهية طاهرة بلا دنس، نقيةً لا تشوبها شائبة، ومن يصل إلى هنا يستطيع أن يدرك الجمال.٣٦

تاسعًا: فلسفة ديوتيما وفلسفة أفلاطون

قد يعترض معترض على حديثنا السابق متسائلًا: ولِمَ لا تكون جميع النظريات التي عرضْتَ لها، وأطلقتَ عليها اسم «نظريات ديوتيما» هي نفسها نظريات أفلاطون؟ أليس من الممكن أن يكون أفلاطون قد عرض فلسفته على لسان «ديوتيما»، كما يعرضها أحيانًا على لسان سقراط؟

والجواب — باختصار شديد — هو: أن هذه النظريات تختلف بوضوح، بل تتعارض أحيانًا مع نظريات أفلاطون. غير أن هذه الإجابة تحتاج إلى شرح وتفسير.

(١) الخير والجمال

ربما كان هناك تشابه ظاهري منذ البداية بين فكرة أفلاطون وفكرة ديوتيما عن الخير، فإذا كانت السعادة عند «ديوتيما» هي في امتلاك الخير، فإن تصورها للخير يختلف عن تصور أفلاطون اختلافًا تامًّا؛ ذلك لأن الخير عندها هو خير شخصي أو ذاتي، أو قُل إنه خير أناني أو خير المرء لنفسه، ونحن نتعرف عليه على أنه محاولة لاكتساب الخلود عن طريق إنجاب المرء لنفسه من خلال فكرة الجميل. كما أن فكرة الجميل ليست هي المثال الأفلاطوني للجمال، بل هي فكرة على مستوى الظواهر فحسب لا على مستوى المُثل الأفلاطونية.

وهكذا نستطيع أن نقول إن «الجمال المطلق» عند ديوتيما لا يتحد مع مثال الخير على نحو ما وصفه أفلاطون في الجمهورية.٣٧ وفضلًا عن ذلك فإن لغة ديوتيما في وصفها للجمال «إيليَّة» بشكل واضح. ويقول ستانلي روزن:

«ليس الخير عند ديوتيما مثالًا من المثل الأفلاطونية. وكذلك تصورها للجمال ليس هو نفسه تصور أفلاطون لمثال الجمال … إن وصف ديوتيما للجمال لا يفترض سلفًا نظرية المثل. لكن يمكن أن يفهم كجزء من الأعداد أو التطوير اللاحق على يد سقراط …»٣٨ ويقول «لا شيء في وصف ديوتيما للجمال في ذاته يرجعه إلى عالم منفصل أتم الانفصال عن مظاهر عند الإنسان، فانفصال الجمال هو صورة فريدة لا يمكن رؤيتها في شيء آخر إلا بفضل تلك الأمثلة الكامنة فيه: فحتى لو صح أن أفلاطون كان قد انتهى من نظريته عن المثل، عندما كتب المأدبة، فإن هذه النظرية مستبعدة تمامًا عن حديث المأدبة.»٣٩

(٢) تصور «ديوتيما» للخلود

تستطيع النفس في محاورة المأدبة أن تصل إلى الخلود — بالمعنى الميتافيزيقي — بواسطة عملية التوالد أو الإنجاب. بأن تترك اسمًا أو سمعة تجعلها باقية.٤٠

لكن كيف يمكن للمرء أن يحقق ذلك؟ لو أن المرء أراد أن يترك أكثر من اسم أو سمعة، لو أنه أراد أن يلد «أفكارًا»، وأن يؤثر في الآخرين، فلا بد له أن يعرف نفسه أولًا كخطوة أولى، أن يعرف من هو؟ فما نوع الهُوية الذاتية التي تأخذ بها «ديوتيما»؟

(أ) الخلود والهُوية الشخصية

إن هدف «ديوتيما» في روايتها للحب هو تحليل ما الذي يبقى من الوجود البشري على مر الزمان، وعندها أنه لا يبقى من الشخص سوى صفاته؛ ذلك لأنها تذهب إلى أن الوجود المتصل المستمر للكائن الحي يعني أن تحل صفات أخرى تشبهه محل ما قد فني من صفات … وعلى هذا النحو نستطيع أن نقول إننا خالدون في أبنائنا، وفيما نَنسُله من أفكار. وتلك فكرة أساسية من الهُوية الشخصية عندها. وهي تختلف أتم الاختلاف عن التصور الذي قدمه أفلاطون في محاورة ألكبيادس الأولى (١٢٩ب–١٣٠ﺟ) التي يذهب فيها إلى أن هناك شيئًا أساسيًّا هو «أنا»، أعني كِيانًا يقف خلف جميع الصفات والكيفيات القابلة للتغير. فالنفس هنا جوهر قائم بذاته قابع خلف جميع التغيرات الجزئية، وعلى هذا الأساس يمكننا أن نفسر لَم كنت «أنا» الآن نفس الشخصية التي كنتها في الصغر، أو عندما كنت طفلًا. في الوقت الذي أكون فيه مع كل صفة أو كيف. إذ أستطيع أن أتعرف فيها على نفسي، ومن ثَم فإنني عندما أُصبح شابًّا، فإنني لا أصبح شخصًا مختلفًا عن ذاتي عندما كنت صغيرًا بنفس الدرجة التي أكون بها شخصًا مختلفًا عن شقيقي مثلًا، صحيح أن لي الآن شخصية تختلف عن شخصيتي عندما كنت طفلًا، غير أن هذا الاختلاف ليس هو نفسه كالاختلاف بين شخصيتَين من البشر.

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
النسخة العربية English Edition

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة