بودلير والغنائية الحديثة/سوزان برنار-ترجمة راوية صادق
وسوف نرصد أن الملاحظات حول «النغمات» البالغة التنوع، التي يميل «بودلير» إلى استخدامها في ديوانه، تنحو — أكثر فأكثر — إلى أن تصبح ملاحظات حول الأسلوب، والواقع أن نغمة السخرية الباردة، التي تحدثتُ عنها في البداية، تستمد بعضًا من فضيلتها من الابتذال، والشفافية التي يفرضها «بودلير» — إراديًّا — على أسلوبه، والتي تتعلق — فحسب — ببلادة الألفاظ العادية، عبر التعبيرات المحملة بالدعابة، هنا وهناك، التي يتم التشديد عليها، بشكل عام (مثلما عند «بو»): «تجربة ذات فائدة أساسية» (إذ إنها موجهة إلى رجل محكوم عليه بالإعدام)،١٥٢ «تكمن النظرية في أنني جنيت ألم المحاولة على ظهوركم» (قالها رجل محكوم عليه بالعقوبة لتوه … وتلقى تأديبًا ما).١٥٣ أسلوب غير «سلس»،١٥٤ لكنه بسيط وخالٍ من اللفظية، وفي الفقرات ذات النبرة الأخلاقية والفلسفية، تتوفر نفس الخصائص، مع ميل — رغم هذا — إلى البلاغي: «زحام، وعزلة: ألفاظ متساوية وقابلة للتحول …»،١٥٥ «أراد أن يقوم بالإحسان وبتجارة رابحة في آن، أن يكسب أربعين فلسًا وقلب الله، أن يختطف الجنة اقتصاديًّا، وأن ينال — أخيرًا، ومجانًا — شهادة رجل محسن»١٥٦ (نفس الفكرة يتم تقليبها في أشكال مختلفة)، وسيبحث «بودلير»، في النصوص الحكائية والوصفية، عن المؤثرات «الأدبية» بشكل خاص: كلمات دقيقة وتصويرية، «الذيول الحمراء والمغفلون»،١٥٧ «دانماركي، الملك شارل، كارلان»،١٥٨ تعبيرات مزخرفة،١٥٩ ومؤثرات أسلوبية متنوعة،١٦٠ طرائق — في أغلبها، كما نرى — تميز النثر الجيد.
ورغم هذا، فعلينا أن نؤكد إلى أي حد كلما أصبحت النغمة أكثر شعرية وغنائية صراحةً، كلما رأينا تزايد عدد الصور والاستعارات: هذا إلى الحد الذي تنتظم فيه القصيدة كلها حول رمز ما، وقد سبق لبودلير — في بعض النصوص، مثل «الكلب والقارورة» و«المهرج العجوز» و«لعبة الفقراء» — أن جاهد لتوسيع وتجاوز الحكاية بواسطة الرمز النهائي، لكن مقطوعات أخرى هي رموز يتم إدراكها باعتبارها كذلك، وبالتالي فهي شعرية عن عمد: «الغريب» و«لكل خرافته» و«المجنون وفينوس»، فلم تعد نقطة الانطلاق لتُستمَد — هنا — من الواقع، فالمشهد نفسه يصبح رمزًا، يقدم لنا المعادل المحسوس لشعور أو لفكرة معينة، وفي «لكل خرافته»، هو:
سهل كبير مترب، بلا طرق، بلا حشائش، بلا شوكة واحدة، بلا قُراص.١٦١
(وسنلاحظ الأثر الرائع للإرهاق، والانعدام، الذي ينتجه هذا التعداد السلبي، الذي سنجد انعكاسًا له في الوجوه التي — كما يقول «بودلير» فيما بعد — «لم تكن تكشف عن أي يأس»). وهو — في «المجنون وفينوس»، في الملاحظة العظيمة هذه المرة — مشهد بكامله لا إنساني أيضًا، «فيض صامت» من الضوء والجمال:
وكأن ضوءًا متزايدًا دائمًا يجعل الأشياء تتلألأ أكثر فأكثر، والزهور المستثارة تحترق من الرغبة في المنافسة مع لازورد السماء بطاقة ألوانها، والحرارة التي جعلت الطيور مرئيةً، قادتها إلى الصعود نحو النجوم مثل الدخان.١٦٢
فلم يعد الأمر يتعلق — هنا — ﺑ «تجاوب» بين المشهد الخارجي وروح الشاعر، فالمشهد لم يعد سوى عرض لهذه الروح، الملتقطة في بعض نزعات أساسية: شعور بالمنفى والرغبة في «مكان آخر» (الغريب)،١٦٣ وسأم مرهق (لكل خرافته)، ويأس إزاء استحالة الإمساك بالجمال (المجنون وفينوس). كل قصيدة — إذن — هي تسجيل لهَمٍّ شديد — ليس شخصيًّا إلى هذا الحد — لبودلير الذي ينخرط في الوضع الإنساني، ومن هنا، تستمد هذه القصائد الرمزية صداها العميق وقوتها الشعرية.
لكنها ليست — فحسب — التعبيرات والصور التي سوف تتنوع حسب النغمة المتبناة في كل قصيدة، فقد كان حلم «بودلير» — ونحن نتذكر ذلك — أن يكيف نثره «مع حركات الروح الغنائية، مع تموجات حلم اليقظة، مع انتفاضات الوعي».١٦٤ فإلى أي مدًى نجح في خلق نثر «شعري» و«موسيقي» (وهما الاصطلاحان اللذان يستخدمهما) سلس بما يكفي ليقترن بحركات الكائن الداخلي، ويحافظ — في نفس الوقت — على الفاعلية الشعرية، وعلى «السحر الإيحائي» للشعر المنظوم؟
(٣) النثر الشعري البودليري. أنماط الجملة الثلاثة
الأنساق الإيقاعية. قصيدة نثر وقصيدة نظم
تشكل الجملة داخل القصيدة نوعًا من العالم الصغير، الخلية المنظِّمة التي تكون جزءًا من كُلٍّ أوسع، وتنبني طبقًا لقوانين متماثلة: إنها الكلمات، بأصدائها الصوتية والبصرية، التي ترسم نوعًا من أرابيسك مصنوع — في آنٍ — للأذن والروح. وعلى حركة الجملة أن تقترح وتولِّد — لدى القارئ — حالةً معينة للروح تتوافق مع حالة الروح التي نشأت منها القصيدة. إن مصطلح «موسيقى» — الذي يستخدمه «بودلير» — لا يجب أن يُفهَم، فحسب، فيما يتعلق بموسيقى لفظية خالصة، بل — أيضًا — بخصائص إيحاء وخلق خاصة بالشعر، وهي خصائص تختلف تمامًا عن الخصائص التعبيرية المطلوبة من النثر العادي، وبدون هذه الخصائص الشعرية، فلن تستطيع اللغة أن تصبح «تعويذة إيحائية».١٦٥ وحده «بودلير»، وهو يتحرر من عبودية الإيقاع (نعني إيقاع الشعر المنظوم) والقافية، يزمع تنويع طقوس هذه التعويذة، بطريقة لا تربط «الموسيقية» الشعرية بوصفات شكلية خالصة، بل بخصائص أكثر داخلية، وقدرة على إثارة انفعالات وإيحاءات أكثر تنوعًا.
وحسب تعريف الشاعر نفسه، نتوقع أن نجد في نثره تنوعًا بالغًا للحركات، يستجيب لجميع الحركات الداخلية لروح حديثة ومعقدة، وتتوافق ثلاثة أنماط من الجملة مع الحالات الثلاث التي يشير إليها، وسأسردها في ترتيب معاكس لما يتبناه، بحيث أعبُر من النثرية الإرادية إلى التحليق الغنائي:
- (١) نمط الجملة «المتنافرة»، التي تتجاوب بوسائل مختلفة (كسر الإيقاع، إيجاز التعبير، انقطاع النغمة أو التنافر الصوتي) مع «انتفاضات» الوعي، وبالتالي — غالبًا — مع نغمة سخرية أو تهكم ما.
- (٢) نمط الجملة «المتموجة»، إذا صح التعبير، أي الجملة الطويلة والمتعرجة، التي تقدم نفس تعرجات أحلام اليقظة.
- (٣) نمط الجملة «الغنائية»، المتصاعدة والديناميكية، التي تتوافق مع المشاعر الحادة، والاندفاقات السعيدة أو الأليمة.
- (١) والواقع أن — من بين هذه الأنماط الثلاثة — ثمة نمطًا لم يمنحه «بودلير» — حقًّا — وجودًا أسلوبيًّا، وهو الأول، فالجملة المتنافرة، المبتورة، المتوقدة، التي سيمنحها «رامبو» حق المواطنة في الشعر، والتي تقدم إيقاعًا بالغ الخصوصية، إنما هي غائبة من «سأم باريس»، فعندما يستخدم «بودلير» — في مذكراته الخاصة — أسلوبًا موجزًا ذا اختصارات مدهشة، فذلك للتعبير عن أفكار يمنحها — طواعيةً — شكل الحِكَم: «الله فضيحة، فضيحة رابحة»،١٦٦ «كثير من الأصدقاء، كثير من القفازات».١٦٧ لكنه — عندما يمنح موضوعًا ما شكلًا أدبيًّا — فإنه دائمًا ما يستخدم جملًا تامة، واضحةً، ومبسوطةً تمامًا، بل مع نوعٍ ما من الترف في الإبدالات والعبارات الاعتراضية،١٦٨ وعلى أية حال، فأعتقد أن «بودلير» — عندما يتحدث عن نثر «متنافر» — فهو لا يعني الكثير من الجمل المهشمة، أو انقطاعات في البناء داخل الجملة، بل انقطاعات في النغمة (من جملة إلى أخرى) تنتج أثر القفزة أو التنافر الذي يمكن للنثر، على عكس الشعر، أن يتقبله، بل أن يسعى إليه من أجل قيمته المفاجئة، ويستخدم «بودلير» مصطلح «قفزة» هذا بطريقة دالة على «الشجرة السوداء» ﻟ «بابو»، وهي قصيدة مجازية كبيرة، في أسلوب نبيل، تنتهي — على نحو مفاجئ — بجملة ساخرة، قاطعة ومحددة: «وحتى روح سيبريس وقعت: فييو!». لقد وجد «بودلير» المقطوعة كلها جميلةً للغاية، «عدا كلمة «فييو»، كملحوظة ساخرة، كقفزة من نوعٍ ما».١٦٩ وربما لتجنب تنافر مماثل (كما يفترض «ج. كريبيه»)، فإنه يلغي النداء الختامي الوارد في مخطوط «لنقتل الفقراء»: «ما قولكَ في ذلك أيها المواطن برودون؟». لكنه يقبل — في مواضع أخرى — «قفزات» معبرة، تجعل القارئ ينتقل، بشكل مفاجئ، من مدى إلى آخر مختلف عنه تمامًا، ويصاحبها — بشكل عام — تغير في مظهر الجملة: وهكذا، ففي «الغرفة المزدوجة» تُتَرجَم القفزة التي تسمى استعادة الوعي، والعودة إلى العالم الحقيقي، بجمل قصيرة وتعبيرات واقعية: «ها هي الأثاثات الغبية، المتربة، والمهشمة: المدفأة بلا لهب ولا جمر، ملوثة بالبصاق، النوافذ الحزينة، حيث شق المطر أخاديد في التراب، المخطوطات المشطوبة أو غير المكتملة، الروزنامة حيث حدد القلم تواريخ كئيبة!».١٧٠ وبالطبع، يمكن للقطع — في النغمة وفي الأسلوب — أن يؤدي إلى تأثيرات كوميدية مطلوبة تمامًا، حيث تحدث المفاجأة — بشكل آلي — ضحكةً «شيطانية» إلى حدٍّ ما: تأثير مدهش — بشكل خاص — في «الحساء والسحب»، وهي قصيدة بالغة القصر، تبدأ بجملة طويلة وشعرية: «محبوبتي الصغيرة المجنونة كانت تقدم لي العشاء وعبر النافذة المفتوحة لحجرة الطعام، كنتُ أتأمل الحركات المعمارية التي يصنعها الله بالأبخرة والتكوينات الرائعة لغير المحسوس»، وتنتهي بتنافر بالغ، بجملة موجزة وفجة: «ألم يَحِن أوان احتساء حسائكم … يا بائع السُّحب».١٧١ وعبر تنافر أصوات من نفس النسق (سقوط مفاجئ للحلم في الواقع)، تنتهي — أيضًا — قصيدة «عيون الفقراء».١٧٢ونشعر تمامًا أن مقدمة هذه «الملاحظات الصاخبة» — كي نتحدث على طريقة «بودلير» — ترتبط بنبرة التهكم اللاذع، وهي نبرة حديثة أساسًا، ما دامت تمثل انتقام الفكر من عالم مبتذل رمادي، وتنافر أصوات كهذا، رغم تعبيريته — مع ذلك — ألا يتناقض مع «قانون الانسجام العام الأعلى» الذي طرحه «بودلير» نفسه، والذي نُشِرَ في الشعر مثلما في التصوير — على كل درجات لون اللوحة — وحدة «المناخ المهيمن»؟١٧٣ ففي «الغرفة المزدوجة» — حيث يطل التناقض بين الجزأين المتماثلين شعريًّا، لأنه يطابق فكرة المقطوعة نفسها، ولأن الواقعية لا تحظر نوعًا ما من الغنائية — نندهش، رغم هذا، من التأثير المتنافر الذي ينتجه في الجزء الأول — ووسط انسجام درجات رقيقة متمازجة١٧٤ — استخدام كلمة «هدف صغير» للإشارة إلى عيني المحبوبة، «المعبودة، ملكة الأحلام»، والتأثير (المقصود، ربما) هو الخاص بملاحظة مزيفة: أيمكن أن نتخيل لحظةً يتحدث فيها «بودلير» عن «هدف صغير» في «المِشعل الحي»؟ إن الرغبة في «التحديث» تقود «بودلير» — هنا — إلى ارتكاب خطأ فني.ولا شك أن «بودلير» قد استشف إمكانية إدخال الإيقاعات المتنافرة وانعدام توافقات العصر والوعي الحديث في الشعر، ليبدو — بذلك — سابقًا لزمنه تمامًا، لكننا علينا أن نفكر أن مجاله كان — بالأحرى — هذا القطر الأدبي — «حيث كل شيء نظام وجمال» — ولقد زعزع الوجود كيانه بعنف بالغ، ولم يكن فنه مهيئًا لقبول الصدمات والتناقضات العنيفة: فالتنافرات الفظة، ومؤثرات الصدمة — التي سيقوم «رامبو»، مثل كتاب القرن العشرين بالاستفادة منها — تخالف، بجدَّة، النثر البودليري المتماوج والصافي.
- (٢) وقد تمثلت جهود «بودلير» — الأكثر قيمة — في نثره ﻟ «تموجات أحلام اليقظة»، من ناحية، وﻟ «الحركات الغنائية» للروح، من ناحية أخرى: يتعلق الأمر في هاتين الحالتين — في الواقع — بميول روح ملائمة للشعر، وبما أسميته بالموسيقية: فيكفي أن يصبح نطاق الجُمل متجاوبًا مع الحركة الداخلية، التي تنشأ منها (هذه الجمل)، وأن تتوفر على وظيفة إعادة الخلق.ويشعرنا «بودلير» — وبأفضل شكل، عبر إبداع جملة سلسة، متماوجة ومتعرجة — إلى أي حد تختلف الجملة الشعرية عن الجملة الخطابية: وبدلًا من المرحلة المعمارية الكبرى، المتزنة تمامًا، والمتماثلة، لبوسييه مثلًا، أو بدلًا من البنيات الثلاثية لهوجو، فإن هذه الجملة المتعرجة تدفعنا إلى التفكير في تلك التي استخدمها «سانت-بوف» في «لذة»، وإذا ما كنا نتذكر إلى أي حد خضع «بودلير» — في بدايات شبابه — إلى سحر:هذا الكتاب الأثير لدى الأرواح التي فترت همتها.وإلى أي حد — بشكل خاص — دفعه إلى الحلم ﺑ:الاشتباكات الطويلة للجُمل الرمزية.١٧٥فإننا يمكن أن نفكر — على وجه الاحتمال — أنه قد امتلك، بشكل واعٍ إلى حدٍّ ما، هذا الأسلوب (أسلوب اللذة والفتور وأحلام اليقظة) عندما كان ذلك يتلاءم مع غاياته الفنية.١٧٦ إن الجملة الطويلة، التي تسير ببطء عبر العبارات الاعتراضية المتعددة، وتمتد — أيضًا — في اللحظة التي نعتقد أنها ستنتهي،١٧٧ تلائم — تمامًا، وبشكل خاص — الإيحاءات الكسولة، يتجلى هذا في «الميناء»، حيث حركة الجملة و«تموجات» أحلام اليقظة تبدو كأنها تقلد:الهدهدة الأبدية للتموجات المسكرةعندما يكتب «بودلير» — على سبيل المثال — «… ثمة نوع من اللذة الغامضة والأرستقراطية، لمن أصبح بلا فضول، في أن يتأمل — وهو ممدد في المقصورة، أو مطل على رصيف الحاجز — كل هذه الحركات لمن يرحلون ولمن يعودون، لمن ما زالوا يملكون رغبة الإرادة، والرغبة في السفر والإثراء.»١٧٨ (وسنلاحظ، في هذه الجملة: الأرابيسك المرسوم حول الفكرة الرئيسية: «ثمة نوع من اللذة في تأمل كل هذه الحركات»، من خلال العبارات الاعتراضية، وتكرار التركيبات الثنائية، والتوسع الحادث للجملة، كخاتمة، بواسطة تركيب ثلاثي).وعلينا أن نضيف أن «بودلير» — في كثير من الحالات — يستخدم بكثرة ما يمكن أن نطلق عليه «قطعًا متعديًا» (وهو — على أية حال — متكرر في الفرنسية) يتمثل في وضع علامة النبرة الأخيرة لتركيبةٍ ما على المقطع اللفظي الذي يسبق حرف e الصامت: هذا الحرف — e — يجد نفسه مندمجًا في تركيب تالٍ، ليتحقق — من ذلك — تأثير المنحنى، والموجة المتماوجة: «حرف e الصامت، الموجز بطبيعته، يعمق من الإيقاع»، كما يكتب عن حق «مورييه» في هذا الموضوع.١٧٩ وكلما ازداد عدد النهايات المؤنثة، كلما أصبح الإيقاع — بشكل عام — متوازنًا:Cependant Dorothée, /forte et fiè/re comme le soleil, /s’avan/ce dans la rue déserte, /seu/le vivante à cette heu/re sous l’immense azur, /et faisant sur la lumière/une tache éclatante et noire.رغم هذا فدوروتيه/ القوية والفخورة/ مثل الشمس/ تتقـ/ ﺪم في الشارع المهجور، /الوحيـ/ ﺪة الحية في هذه الساعة/ تحت اللازورد الهائل/ وتشكل في الإضاءة/ بقعةً مبهرةً وسوداء.١٨٠ولنلاحظ أن بضع فاصلات إضافية تكفي لتدمير الإيقاع، لا «النحوي» فحسب، بل — أيضًا — الإيقاع الموسيقي للجملة، إذا ما كان «بودلير» قد كتب على سبيل المثال: «تتقدم، في الشارع المهجور» و«الوحيدة الحية، في هذه الساعة …»١٨١ وعن «دوروتيه الجميلة» بالتحديد، كتب الشاعر إلى مدير «لاروفي ناسيونال» التي جرؤت على أن تُجري على نصه «تغييرات غريبة»:لقد قلتُ لكم: فلتحذفوا مقطعًا كاملًا، إذا ما كانت هناك فاصلة لا تعجبكم، لكن لا تحذفوا الفاصلة، فثمة سبب لوجودها.وأضاف، وهو ما يثبت الأهمية التي كان يوليها إلى بنية عباراته:لقد أمضيتُ حياتي كلها في تعلم بناء الجمل، وأقول — دون أن أخشى الضحك مني — أن ما أسلمه إلى المطبعة مكتمل بشكل محكم.١٨٢وفي كثير من الأحيان، يزداد بطء جُمل من هذا النمط، بسبب استخدام الشَّرطة التي توقف من سيرها («نعم، في هذا المناخ سيكون لنا أن نحيا جيدًا – هناك، حيث الساعات الأكثر بطئًا تحتوي على أفكار أكثر»)،١٨٣ أو بنقاط إطالة حقيقية تجعل وقفات التذكر الحالم محسوسة:على شاطئ البحر، كوخ جميل من الخشب، محاط بكل هذه الأشجار الغريبة الساطعة التي نسيتُ أسماءها … وفي الأثير، أريج مسكر وغامض … وفي الكوخ شذى ورد ومسك قوي … أكثر بعدًا، خلف أملاكنا الصغيرة، أطراف صوارٍ تؤرجحها الأمواج …١٨٤وثمة طريقة مدهشة أيضًا أثيرة لدى «بودلير»، تكمن في «استعادة» الكلمات التي تطيل الجملة، والتي تجعلها تعاود الانطلاق بشكل حلزوني:العالم المتخدر يتهاوى ببطء وينام القيلولة، /قيلولة هي نوع من الموت اللذيذ حيث النائم، وهو نصف مستيقظ، يتذوق لذات عدمه.١٨٥… هؤلاء الذين يحبون البحر/البحر الهائل، الصاخب والأخضر.١٨٦… ما كنت أغرق في عينيك الجميلتين للغاية، والعذبتين بغرابة، في عينيك الخضراوين، المسكونتين بالكبرياء ويلهمهما القمر …١٨٧طريقة الاستعادة هذه — التي تخلق، في آن، تعويذةً وإيقاعًا، وتسمح للجملة بالانطلاق من جديد مع دفقة جديدة — أكثر موسيقية من كونها منطقية، فقد مررنا بها — فيما سبق — في «أزهار الشر»،١٨٨ وهي تختلف عن اللازمة، التي سندرسها فيما يتعلق بالجملة الغنائية.
- (٣) وعندما نعبر من تعرجات أحلام اليقظة إلى التدفق الغنائي (من «تبخر» إلى «تكثيف» الذات، إن شئنا)،١٨٩ فثمة دينامية داخلية معينة تتدخل لتنظيم الجملة بطريقة أكثر فاعلية، وتوجيهها نحو حركة صاعدة: فنهايات الجمل — بدلًا من أن تسقط بطراوة، أو تموت في موجات تطوي نفسها — تشير، على النقيض، إلى تصاعد الطاقة، وغالبًا ما تنطلق في صرخة: «طبيعة ساحرة بلا رحمة، غريم منتصر دائمًا، اتركيني!».١٩٠ وتُراكم الفقرة الأخيرة من «صولجان باخوس» — في جزئها المتصاعد الذي لا يقل عن ثمانية أسطر — سلسلةً كاملةً من الجمل الظرفية، كي تترك الجملة الرئيسية تتفتح — في النهاية — كسهم ناري: «… أحييكم في الأبدية»!١٩١وثمة تصاعد مماثل، لكنه يتعلق — هذه المرة — بقصيدة أخرى، هي «الرماية والمقبرة»، حيث تتطور الاندفاقة الداخلية انطلاقًا من بداية نثرية، في جمل قصيرة لتوسع — تدريجيًّا — من الإيقاع، حتى الانفجار الأخير في مناجاة مسهبة، من أنسنة «الموت»، وعلينا أن نضيف أن العودة الملحة لكلمة «الموت» — في نهاية الجملة — ثلاث مرات، تنتج نفس تأثير اللازمة المشئومة التي ترن مثل ضربة حزن، مثل «لا أبدًا ثانية»، لإدجار بو في قصيدة «الغراب» الشهيرة.١٩٢ إيقاعات، وأصوات، وصور («عطور الموت المحتدمة»، «كم كل شيء عدا الموت عدم») تتزاوج هنا لتمنح هذا التأمل حركةً غنائيةً مؤثرة، وتصبح أكثر تأثيرًا ربما، عندما نتذكر أن «بودلير» قد بلغ ضفاف الموت المظلمة، بالضبط في الفترة التي استأنف فيها صرخته في «موت الفقراء»:إنه الموت ما يُعَزِّي، وا أسفاه! ويُحيي.وبديهي أن الاندفاقة الغنائية كثيرًا ما تقربه — وأحيانًا بشكل خطر — من حركة الفصاحة الخطابية الكبرى، وهو ما يحدث في القصيدة القصيرة «فلتسكروا»، حيث يخاطب الشاعر القارئ (وهو أمر دال الآن) ضمن حركة واسعة على طريقة «هوجو»، دون أن تفتقر إلى البلاغة:وأحيانًا إذ تستيقظون، على عتبات قصر، على العشب الأخضر لقبر، في العزلة الكئيبة لغرفتكم،١٩٣ وقد خفتت الثمالة الآن أو تلاشت، فتسألوا الريح، والموجة، والنجمة، والعصفور، وساعة الحائط، وكل ما يفر، كل ما يئن، كل ما يدور، كل ما يغني، كل من يتكلم،١٩٤ اسألوا كم الساعة، والريح، والموجة، والعصفور، وساعة الحائط١٩٥ سيجيبونكم: «إنها ساعة الثمالة …»١٩٦ولا فائدة من التأكيد على ما في تركيب كهذا من اصطناع، سنشعر بذلك — على نحو أفضل — إذا ما وضعنا في مقابله التماثلات ذات الدلالة التامة، والبلاغة المؤثرة للغاية! في الحركة الغنائية الكبرى التي تُخْتَتَم «في الساعة الواحدة صباحًا»:ساخطًا على كل شيء وساخطًا على نفسي، كنتُ أريد أن أعيد شراء نفسي وأن أزهو قليلًا بنفسي في صمت ووحدة الليل، يا أرواحَ من أحببتهم، ومن تغذَّيتُ بهم، فلتمنحيني القوة، سانديني، أبعدي عني الكذب وأبخرة العالم المفسدة، وأنتم، سيدي يا إلهي! فلتمنحني نعمة إنتاج بضعة أشعار جميلة تثبت لنفسي أنني لستُ آخر الرجال، وأنني لستُ أقل من هؤلاء الذين أحتقرهم.١٩٧
الأنساق الأسلوبية والإيقاعية
يقودنا ذلك إلى أن نطرح — بشكل أكثر عمومية — مسألة أنساق الأسلوب، وخاصةً التماثلات في النثر البودليري، وفي دراسته لقصائد «سأم باريس»، يولي «جيران» أهميةً — أعتقد أنها زائدة — للأنماط المختلفة للتماثل التي نقابلها،١٩٨ تماثل الأسماء والصفات، والأفعال والقضايا، وتنحصر قيمة الأمثلة التي يطرحها — في الواقع — في حقيقة أن:
- (١) التماثل أحيانًا ما تقوده الفكرة نفسها (الغرفة المزدوجة)، أو نغمة الفقرة (نغمة ابتهالات تكاد أن تكون الخاصة بالصلوات، في الفقرة الختامية ﻟ «في الساعة الواحدة صباحًا»، التي سبق أن ذكرتها)،
- (٢) غالبًا ما ينحو «بودلير» (هل بتأثير تربيته الكلاسيكية؟) إلى تجميع الأسماء والصفات أو الأفعال بصورة مزدوجة، أو حتى ثلاثية: «متلألئ بالألعاب والبونبون، زاخر بالجشع واليأس»،١٩٩ «كان صامتًا وساكنًا. كان زاهدًا وكان معتزلًا».٢٠٠ ويحدث أن يقوده هذا البحث إلى منافذ خاطئة: «وسط هذا التشوش وهذا الضجيج»، «وسرعان ما أصبح كل واحد سعيدًا، وتخلى كل واحد عن مزاجه السيئ».٢٠١ لكن، إذا ما نظرنا عن كثب، ألن نلاحظ أن «بودلير» يترك نفسه — بشكل خاص — لينقاد إلى هذه الإعادات الخطابية وإلى هذه التماثلات التي لا تتعلق بالتركيب فحسب، بل — أيضًا — بالإيقاع، في النصوص التي تقوده — بحكم موضوعها — إلى النثر مباشرة؟ هكذا، نقرأ في «المرآة»: «من وجهة نظر الإدراك السليم، كنتُ محقًّا ولا شك، لكن من وجهة نظر القانون فهو لم يكن مخطئًا»،٢٠٢ وفي «حصان أصيل»: «… ولم ينزع الزمن أي شيء/ من عُرفه الغزير/ الذي يفوح منه في أريج وحشي/ كل حيوية الجنوب الفرنسي الشيطاني: نيم اكس، آرل، آفينيون، ناربوني، تولوز/ مدن مباركة بالشمس/ عاشقة وساحرة!»٢٠٣ وفي «الكلاب الطيبة»: «عبر الضباب/ عبر الجليد/ عبر الطين٢٠٤/ تحت القيظ اللاذع/ تحت المطر المنهمر٢٠٥/ يذهبون، يأتون، يركضون …»٢٠٦ ويبدو أنه يطلب من البلاغة، والوزن، والتماثلات الشكلية، هيكلًا يدعم إلهامه الخائر، ويمنح — طوعًا أو كرهًا — شكلًا «فنيًّا» لموضوعات ليست كذلك إطلاقًا، وعلى العكس من ذلك، يبدو أن «بودلير» — في أفضل أيامه — كان يقاوم «شيطان التماثلية» إلى حد تجنبه — بشكل خاص — المقاطع المتشابهة والإيقاعات الثنائية.
- (٣) وعلينا أن نؤكد أننا إذا ما وجدنا — في الواقع — تماثلات منطقية كثيرة في نثر «بودلير»، فإن التماثلات الإيقاعية (الوزن الثنائي، والمتشابه المقاطع) نادرة للغاية فيه، وفي أغلب الحالات، يكسر «بودلير» الإيقاع عن عمد، ويشكِّل من نثره حركة تموج واندفاق، بأكثر من أن تكون حركة توازن معماري: والانطباع — كما يعترف «ج. جيران» — «كتلة وسكونية تقل عن السلاسة والانسيابية».٢٠٧ فهو لا يكتب، على سبيل المثال (كما يلاحظ «بلان» و«كريبيه») في «نصف كرة في خصلة شعر»: «يحركهم/ مع يدي/ مثل منديل»، بل «مثل منديل معطر …» فالصفة «تقطع — كما يبدو — الإيقاع البالغ السهولة».٢٠٨ وبالمثل، فنحن لا نقرأ في قصيدة «أي مكان خارج العالم»: «هنا يمكننا/ أن نأخذ حمامات ظُلمة طويلة/ كي نتسلَّى، أثناء ما …/» التي يمكنها — رغم ضعفها الشديد — أن تؤسس إيقاعًا زوجيًّا (٨ + ٨)، بل تقرأ «غير أن …»٢٠٩ ولي — أيضًا — أن أعتقد، عن طيب خاطر، أن سخط «بودلير» على مدير «لاروفي ناسيونال» — الذي غيَّر في نوبة من الحصافة جملة «وشد تمامًا من قامته الطويلة، وظهره المحدودب، ورقبته الذلقة»، في «دوروتيه الجميلة»، إلى «وشد تمامًا هيئات جسده»٢١٠ — كان من الممكن أن ينشأ، أيضًا، من أن الكتابة الثانية تنهي الفقرة بالبحر السكندري، وهو ما حرص «بودلير» دائمًا على تجنبه باهتمام بالغ: ولا أعتقد أننا يمكن أن نجد نهاية واحدةً من هذا النوع في «سأم باريس». (وهكذا، فإن بيت «خصلة الشعر»مِن زيت جوز الهند، من المسك والقطرانيصبح، في قصيدة النثر: قطران، ومسك، وزيت جوز الهند»، وهو — ونقول ذلك بلا إلحاح — ما يمكن أن يكون حجةً على أسبقية قصيدة النظم).٢١١
وأن يكون «بودلير» — كما يقول «دانييل-روبس» — «قد بحث بعناية عن الأوزان الفردية والتوافقات المتقطعة»،٢١٢ فإن الدراسة التفصيلية — لأيٍّ من القصائد الغنائية — ستثبت ذلك بأكثر مما يكفي، وها هي كي نكتفي بمثال واحد، بداية «الغرفة المزدوجة»:
غُرفة تشبه حلم يقظة،
غرفة حقًّا روحية،
حيث الأجواء الراكدة
ملونة بخفة
بالوردي والأزرق.
الروح تأخذ فيها حمام كسل،
معطر بالندم والرغبة.
إنه شيء غسقي،
مائل للزرقة مائل للوردي،
حلم باللذة
أثناء الخسوف.٢١٣
وسيادة الفردي بديهية هنا، ودراسة قصائد أخرى لن تؤدي إلَّا إلى تدعيم هذا الانطباع.
ويبدو أن «بودلير» تجنب — بشكل خاص — نهايات الجمل، وبالذات في نهايات الفقرات لا الإيقاعات الزوجية فحسب، بل — أيضًا — الإيقاعات العريضة و«الأوزان الكبرى».٢١٤
وهكذا، في «دعوة إلى السفر»: «إنها أيضًا أفكاري الخصبة/ التي تعود من اللانهائي/ نحوك».٢١٥ (والأثر الناتج هو تقريبًا أثر رفض، بنزع الكلمة الأساسية)، ونفس الأمر في قصيدة «لكلٍّ خرافته»؛ إذ أعتقد أنه يجب حذف الكلمة الأخيرة، ذات النهاية المذكَّرة، التي تتحطم عليها الجُمل الختامية، وقد توقف انطلاقها:
… قابلتُ رجالًا كثيرين/ كانوا يسيرون/ منحنين.
… هؤلاء المحكوم عليهم/ بأن يأملوا/ دائمًا.٢١٦
إيقاع مكسور يتوافق — هنا — مع اليأس الكئيب للشخصيات.
وبشكل عام، يبحث «بودلير» — من ناحية — عن إيقاع تعبيري، ويحترس — من ناحية أخرى — من «الشعر المنظوم داخل النثر»، ومن «النهايات الجميلة للجُمل» على طريقة «شاتوبريان»، ومن كل أنساق النثر — «الشعري» و«الموزون» — المتكلفة.
وبالمثل، فليست الموسيقى اللفظية والتوافقات البارعة للصوتيات من مآثره، فهو يقتصر على البحث عن الجناس الصوتي التعبيري، فيكتب، مثلًا: les eaux elles-mêmes sont comme endormie (المياه نفسها كأنها نائمة)،٢١٧ le bruit éclatant d’un palais de cristal crevé par la foudre (الصوت المدوي لقصر من الكريستال، وقد دمرته الصاعقة)،٢١٨ La Lune descendit moëlleusement son escalier de nuages (ينزل القمر بنعومة سُلَّمه الغيمي)،٢١٩ (تصحيحًا لكلمة lestement — بخفة — التي كانت أقل إيحاءً بكثير)، وعلى أية حال، لا يتعلق الأمر بنسق منتظم (مثلما لدى «برتران»)، والتجانسات الصوتية، أو السجع، أقل بكثير — هنا — عما في «أزهار الشر».٢٢٠ وعندما يكتب «بودلير» «إنها نوع من الطاقة التي تنبع من الملل ennui أو من حلم يقظة» rêverie»،٢٢١ فهذا الشلال من اﻟ i لا يبدو مقصودًا ولا معبرًا عن شيء سوى عن نوع من اللامبالاة بالترخيم الصوتي، وهي نفس اللامبالاة التي تتضح عندما نقرأ: «محبوس في أعماق قوتي العقلية confiné au fond de mon intellect»،٢٢٢ أو: «السؤال الوحيد l’unique question»٢٢٣ وهو أمر حقيقي، في قصائد متأخرة، شأن تكديس qui (مَن) وque (ما) في «الكلاب الطيبة»: ces pauvre diables qui ont à affronter tous les jours l’indifférence du public et les injustices d’un directeur qui se fait la grosse part et mange à lui tout seul plus de soupe que quatre comédiens (هؤلاء الشياطين البائسون مَن عليهم كل يوم مواجهة لامبالاة الجمهور وانعدام عدالة مدير، مَن يجعل لنفسه النصيب الضخم ويتناول وحده من الحساء مَا لأربعة من ممثلي الكوميديا).٢٢٤
علينا — إذن — أن نقبل أن «بودلير» إذا ما تمسك بتبني الحركة الداخلية في حركة الجملة، التي يجب أن توحي بها، وإذا ما كان يبحث عن الإيقاعات والأصوات المعبرة، فإنه يرفض البحث عن الموسيقية في ذاتها، وإضفاء أهمية على الشكل في ذاته، وسنلاحظ — بالمثل — أن استخدام اللازمة يتوافق في أغلب الأحيان (وحتى في قصائد عام ١٨٥٧م) مع غاية نفسية أكثر منها جمالية، ويصطنع — مثلما لدى «بو» — «استحواذ الكآبة المبهمة أو الفكرة الثابتة»، إن لم يلعب، بتنويعاته على «البلادة واللامبالاة».٢٢٥ ولا شيء مشترك بين تكرار التعبيرات أو الجمل في «سأم باريس» واللازمة المجلوبة بعناء في «أغنية صانع الزجاج» لهوساي، وقد سبق أن أشرت إلى القيمة الإيحائية لهذا «الموت» المتكرر ثلاث مرات في «الرماية والمقبرة».٢٢٦ واستعادة كلمات «إنه أنتِ … إنه أنت أيضًا … نحوك» في «دعوة إلى السفر»،٢٢٧ تكشف «الفكرة الثابتة» لدى الشاعر، ألا وهي إقامة التطابق بين المشهد والمرأة المحبوبة، وفي «الرامي الأنيق»، هو استحواذ المرأة «الحتمية»، «الشهية، والكريهة» في آن، الذي يترجمه تكرار الصفات «امرأته العزيزة، الشهية والكريهة».٢٢٨ وفي قصيدة «سابقًا»، حيث يتكرر في الخاتمة — بشكل مختلف — مقطع شعري بكامله مملوء بالإيحاءات الشهوانية، نستطيع أن نرى فيه البحث عن حركة متكاسلة ومهدهدة:
«ورغم هذا كانت الأرض، الأرض بصخبها وأهوائها، بترفها وأعيادها، كانت أرضًا خصبةً ورائعة، تحفل بالوعود، التي تبعث لنا أريجًا غامضًا من الورد والمسك، ومنها كانت موسيقى الحياة تصلنا في همهة عاشقة».٢٢٩
ومن المؤكد — على أية حال — أن هذه الاستعادات، والتكرارات، واللازمات، رغم «تعبيريتها»، تلعب — أيضًا — دورًا في بنية القصيدة، وتساهم في تحقيق وحدتها، في طابعها المركب «كله» والجمالي، وفي قصيدة «نصف كرة في خصلة شعر»، تعبر لازمة «شعركِ … خصلة شعركِ» — بلا شك — عن استحواذ شَعر امرأة، والقوة المسكرة للأحاسيس والأحلام التي يمنحها للشاعر، لكنها تسمح — أيضًا — بخلق إيقاع سيفرض على هذه الأحاسيس شكلًا فنيًّا. وهذه القيمة المزدوجة، التعبيرية والفنية، التي أكد عليها من قبل «ج. رينولد» — عن حق — فيما يخص التكرارات واللوازم الكثيرة في «أزهار الشر»،٢٣٠ تقودنا إلى بعض التأملات الأكثر عمومية حول نثر «بودلير» الشعري.
والنثر الشعري — كما يدركه «بودلير» — عليه أن يحقق «معجزةً» حقيقية (إنها الكلمة التي يستخدمها): معجزة التوازن بين النثر والشعر، بين التعبير والإبداع، فبودلير — فيما يعارض، من ناحية، المفهوم الشكلي الصرف عن الجمال — يرفض أن يفرض على نثره أُطرًا جاهزةً سلفًا وزخارف مموهة، ويبحث — عبر جُمل سلسة شفافة، بلا زوائد — عن اقتران أكبر قدر ممكن من الدقة بحركات الكائن الداخلي، وهو — من ناحية أخرى — يشعر تمامًا بأن العمل الفني لا يمكن أن يوجد بدون «قدرٍ ما من التعقيد، أو — على نحو أدق — من التركيب»،٢٣١ الذي يكشف التدخل الفني للشاعر، الذي يفرض على المادة شكلًا وانسجامًا، وربما يمكن تلخيص هذا الطموح المزدوج في الصفة «موسيقي» التي يسم بها هذا النثر الشعري المثالي، القادر على التوفيق بين تموجات الحياة والتماثلات الثابتة لخطوط الجمال.٢٣٢
وهكذا، سيبدو لي من المفيد — بشكل خاص — المقارنة بين القصائد التي تعالج نفس الموضوعات، الواحدة نظمًا والأخرى نثرًا، فهي تمكننا من أن نرى كيف يسعى «بودلير» — وهو يعبُر من النظم إلى النثر (والعكس أكثر ندرة)، محافظًا على الفكرة الشعرية، وبواسطة تقنيات شديدة الاختلاف — إلى انتظام هذا النثر في قصيدة، محافظًا على سلاسته، وقد سبق أن أشرت٢٣٣ إلى أن «بودلير» كان يفكر — عام ١٨٥٧م — في كتابة نثر «مناظر» ﻟ «أزهار الشر» وفي عام ١٨٦٦م، سيقول — أيضًا — إن «سأم باريس» يجب أن «يكون مناظرًا» ﻟ «أزهار الشر»،٢٣٤ وتُظهر قصائد ١٨٥٧م هذه، حسبما قلت، انشغالًا بالمعمار والإعداد الفني البالغ الخصوصية، ولا يقل عن ذلك أهمية أن نكشف اختلاف التقنيات والنتائج بين النظم والنثر. وسأحاول الإشارة إلى ما يتعلق بقصائد «نصف كرة في خصلة شعر» و«دعوة إلى السفر» و«حافز مزدوج»،٢٣٥ باعتبارها ذات أهمية كبيرة، لا بالنسبة لدراسة «بودلير» فحسب، بل أيضًا لدراسة قصيدة النثر، واحتمالاتها ومخاطرها.



