📰 آخر الأخبار
قميصٌ من الحلم / عارف عبد الرحمنمن يحرس سوق الأصوات؟ السياسة والمال والرقابة في الانتخابات المغربية/هشام فرجيبناء الحب وإمكان هدمه / محمد الجلايديالمنطقة العربية ؛ مرافئ غير آمنة للمعرفة! الدكتور بليغ حمدي إسماعيلThe Three Thunders -Poem By Salim Elias Madaloمن الأنساق الحِسِّيَّة في الخطاب التراثي! أ.د/ عبدالله بن أحمد الفَيفيترنيمة المرايا المنكسرة ونشيد البحر الأزلي / أ.حسناوي سيلميدعاء في حِداد / أ. عبدالكريم مرادالأخطاء المنهجية للدكتور عبد الله إبراهيم في موسوعة السرد العربي/إبراهيم أبو عواد / الأردنآخر مرة التي لا يخبرك بها أحد:سامحني... لم أكن أعلم أنها آخر مرة/الدكتور حسن العاصيطروحات لمواجهة القبح اللغوي/الدكتور بليغ حمدي إسماعيلعندما تصطاد اللغة شاعرها : مقاربة سيميائية وتفكيكية وحوارية لقصيدة «لم يخطئ القناص» للشاعر محمد بنطلحة/عبد العزيز الخبشي- المغربDr. HC Milena Renzi/THE VIOLENCE THAT LEAVES NO BRUISESMy name By Shah Jehan Ashrafi/Canadaعولمة الإسلام السياسي/حميد المصباحي- كاتب روائيTwo Poems By Yeon Myung-ji/South Korea الطائر الجريح /سنية عبد عون رشوجنائن الطبيعة الخلابة في "سنجق القائم" تسحر القلوب/حامد شهاب / باحث إعلاميسبعٍ عجاف/دارين حمدان المحرزجدٌّ في العراء/ أسامة محمد صالح زاملهندسة الوجود/غدير حميدان الزبون-فلسطينظل وراء ظل/عارف عبد الرحمنأُمسيةُ ورد/جميلة مزرعاني-لبنانسياق البدايات / زيد الطهراويعندما تشرق العتمة / سميرة جدي -الجزائر
قميصٌ من الحلم / عارف عبد الرحمنمن يحرس سوق الأصوات؟ السياسة والمال والرقابة في الانتخابات المغربية/هشام فرجيبناء الحب وإمكان هدمه / محمد الجلايديالمنطقة العربية ؛ مرافئ غير آمنة للمعرفة! الدكتور بليغ حمدي إسماعيلThe Three Thunders -Poem By Salim Elias Madaloمن الأنساق الحِسِّيَّة في الخطاب التراثي! أ.د/ عبدالله بن أحمد الفَيفيترنيمة المرايا المنكسرة ونشيد البحر الأزلي / أ.حسناوي سيلميدعاء في حِداد / أ. عبدالكريم مرادالأخطاء المنهجية للدكتور عبد الله إبراهيم في موسوعة السرد العربي/إبراهيم أبو عواد / الأردنآخر مرة التي لا يخبرك بها أحد:سامحني... لم أكن أعلم أنها آخر مرة/الدكتور حسن العاصيطروحات لمواجهة القبح اللغوي/الدكتور بليغ حمدي إسماعيلعندما تصطاد اللغة شاعرها : مقاربة سيميائية وتفكيكية وحوارية لقصيدة «لم يخطئ القناص» للشاعر محمد بنطلحة/عبد العزيز الخبشي- المغربDr. HC Milena Renzi/THE VIOLENCE THAT LEAVES NO BRUISESMy name By Shah Jehan Ashrafi/Canadaعولمة الإسلام السياسي/حميد المصباحي- كاتب روائيTwo Poems By Yeon Myung-ji/South Korea الطائر الجريح /سنية عبد عون رشوجنائن الطبيعة الخلابة في "سنجق القائم" تسحر القلوب/حامد شهاب / باحث إعلاميسبعٍ عجاف/دارين حمدان المحرزجدٌّ في العراء/ أسامة محمد صالح زاملهندسة الوجود/غدير حميدان الزبون-فلسطينظل وراء ظل/عارف عبد الرحمنأُمسيةُ ورد/جميلة مزرعاني-لبنانسياق البدايات / زيد الطهراويعندما تشرق العتمة / سميرة جدي -الجزائر

 مجلة رقمية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
أدب عالمي

بودلير والغنائية الحديثة/سوزان برنار-ترجمة راوية صادق 

(١) أرابيسك القصائد، قصائد «فنية»

وقصائد «رابسودية»٦٩

ما أجاد «بودلير» قوله — عن الفنان التشكيلي، عام ١٨٥٩م — يمكن أن يُقال أيضًا عن الشاعر: «كل العالم المرئي» — أي، في حالتنا الآنية، المدينة وشوارعها وسكانها — «ليس سوى مخزن لصور وإشارات سيمنحها الخيال مكانًا وقيمة نسبيتين، إنه نوع من العجين، على الخيال أن يتمثله، يهضمه ويشكله.»٧٠ ولن تكون قصيدة إلَّا اعتبارًا من اللحظة التي يأخذ فيها الكاتب العناصر التي يتيحها الواقع و«ينظُمها بفن معين»،٧١ ليصنع منها إبداعه الخاص، وموقع هذه العناصر في «أرابيسك» القصيدة،٧٢ والطريقة التي «تعمل» بها ضمن الكل، والتي يتفاعل بها الواحد مع الآخر، لإنتاج مؤثرات الانسجام أو التناقض، وأخيرًا، خضوع هذه العناصر ﻟ «الفكرة المولِّدة» وﻟ «القانون الأعلى للانسجام العام»،٧٣ الذي سيمنح القصيدة نبرتها الخاصة ووحدتها، كل هذا ذو أهمية قصوى (وهو ما لا ندركه — دائمًا — بشكل كافٍ) في هذا الإبداع ﻟ «عالم جديد»٧٤ عالم شعري.

كيف يدرك «بودلير» — في «سأم باريس» — هذه الصياغة للعناصر التي يتيحها الواقع، والتي تُعتَبَر إحدى الأدوات الرئيسية التي يتمتع بها شاعر النثر، ليكتب قصائد، لا نثرًا، وكيف يحققها؟ هذا ما يتوجب علينا بحثه أولًا.

سنرى أنه لا غنى — هنا — عن تأمل التواريخ جيدًا، فالخطأ في ذلك (والواقع أنني لا أعتقد أن أحدًا قد فعل ذلك، حتى الآن) لن يمكننا من متابعة التطور الداخلي للفكر الإبداعي عند «بودلير»، في الفترة من ١٨٥٧م حتى ١٨٦٦م.

ففي عام ١٨٥٥م، بعث «بودلير» إلى «دنوييه» — من أجل ديوان «فونتبلو Fontainebleau» المشترك — بأولى قصيدتيه النثريتين: «غسق المساء» و«العزلة»،٧٥ بالإضافة إلى قصيدتي «غسق» من «أزهار الشر»، معلنًا عدم قدرته على الكتابة — في شعر منظوم — «عن الطبيعة (…) عن الغابات، عن أشجار البلوط الكبيرة، عن العشب، وعن الحشرات»،٧٦ ويضيف:

في أعماق الغابة، وأنا محبوس في هذه القباب الشبيهة بقباب الكنائس والكاتدرائيات، أفكر في مدننا المدهشة، والموسيقى الإعجازية التي تدور حول القمم تبدو لي ترجمةً للنواح البشري.

لكن، في عام ١٨٥٧م، عندما فكر — حقًّا — في كتابة ديوان من قصائد النثر، وفكر في تسميته (ربما تحت تأثير «جاسبار الليلي»؟) ﺑ «قصائد ليلية»،٧٧ لم تكن غايته استغلال هذه القريحة في الشعر «المديني»، بقدر ما استهدف كتابة عمل نثري نظير ﻟ «أزهار الشر». أربع قصائد — عام ١٨٥٧م — (من خمس)٧٨ تستعيد — في الواقع — موضوعات متماثلة (في «أي مكان خارج العالم Anywhere out of the world»، نجد موضوع «الرحلة»، وفي «المشروعات»، نجد موضوع «البوم»، كموضوعين يختلطان بالإيحاء الغرائبي الموجود في «البعيد عن هنا»)، أو متطابقة («ازدوجت «قصيدة» نصف كرة في خصلة شعر»، بقصيدة «خصلة شعر»؛ وقصيدة «الدعوة إلى السفر» ازدوجت بقصيدة تحمل نفس العنوان في «أزهار الشر»)، ففي قصائد عام ١٨٥٧م هذه، وفيها فقط — تقريبًا — يبدو أن «بودلير» كان يبحث، تحت تأثير «آلويزيوس برتران» بلا شك، عن تماثلات شكلية، ومؤثرات اللازمات أو التكرارات الصوتية، التي تفرض على القصيدة — مثلما يفعل المقطع الشعري وبيت الشعر — معمارًا معدًّا سلفًا، وفي «أي مكان خارج العالم»، ثمة لعبة اقتراح ورفض تبادلية، مع تصاعد لقلق يؤدي إلى نتيجة مفاجئة، وفي «نصف كرة» ثمة مؤثر الانتظام المستمد من التكرار، في مقدمة كل مقطع،٧٩ لكلمات «شَعرك» أو «خصلة شَعرك»، وفي «الدعوة إلى السفر»، عدة استعادات لتعبير («بلد النعيم … بلد النعيم الحقيقي … بلد النعيم الحقيقي، أقول لك»)، وفي الختام، تجميع لكل الموضوعات المثارة، التي تلتحم لتكون بورتريه مماثلًا للمرأة المحبوبة (فالكلمات: «إنه أنتِ … نحوكِ أنتِ …» تُستعاد ثلاث مرات، في هذا المقطع الأخير). وعلينا أن نضيف أن السجع والمحارفة،٨٠ اللذين رصد «كريبيه» و«بلان» تكرارهما في «نصف كرة في خصلة شعر»،٨١ يخلقان إيقاعًا صوتيًّا شبيهًا بما تحدثه القافية: Un charmant rêve plein de voilures et de mâtures … oû l’atmosphère est parfumée par les fruits, par les feuilles … (حلم ساحر مليء بالأشرعة والصواري … حيث الجو معطر بالفواكه والأوراق). وإذا ما لاحظنا إلى أي حد يحرص «بودلير» على وحدة المناخ، ويتجنب كل تنافر صادم، حتى خلال سعيه إلى بعض المؤثرات التصويرية، فإننا نميل إلى أن نستخلص أن هذه القصائد هي أكثر قصائد الديوان وضوحًا ووعيًا من ناحية الإعداد الفني، ولنضم إليها — إن شئنا — «دوروتيه الجميلة»، وهي قصيدة فكر «بودلير» — طويلًا — في منحها الشكل المنظوم و«التعداد الغنائي» ﻟ «محاسن القمر»، بتكرارها الواسع للتموجات٨٢ — من خلال حركتها المزدوجة المتماثلة، التي تُشعِر الروح بالتوازي الذي تخضع له مصائر العشاق «غريبي الأطوار» — وسنتوصل إلى الجانب التناغمي و«الفني» لفن «بودلير»، كشاعر نثر، عندما سيجتهد لخلق عالم كل ما فيه ليس سوى:

نظام وجمال

رفاهية وسكينة ونشوة.

لكن، اعتبارًا من عام ١٨٦١م، سوف يسيطر الإلهام الباريسي على شعر «بودلير»: فيعطي مجلة «لاروفي فانتازيست» ثلاث قصائد «باريسية»: «العامة» و«الأرامل» و«المهرج العجوز» (والأخيرتان — وهو أمر دال — كانتا محل تقدير خاص من «سانت-بوف»)،٨٣ وقد ألف «بودلير» أربع عشرة قصيدة أخرى، ستنشرها «لابريس» في أغسطس وسبتمبر ١٨٦٢م.٨٤

عندئذٍ، أحس «بودلير» بكل الصعوبات الملازمة لمفهومه الواقعي واﻟ «رابسودي» لقصيدة النثر:٨٥ فإذا ما أردنا أن نعرض لجَوَّال «يُسقط» فكره «على كل واقعة في تسكعه»، فإننا سننكر — من نفس المنطلق — أي تكوين، وأي إعداد فني، وكي نستعيد التمييز الذي أجراه «بودلير» في «صالون ١٨٥٩م»، فلم يعد الأمر يتعلق — عندئذٍ — ﺑ «خيال خلَّاق»، لكن ﺑ «فانتازيا»،٨٦ ﺑ «مصادفة»،٨٧ «إن شئنا، هذه المصادفة التي اعتبرها «بودلير» — قبل «مالارميه» — متعارضةً مع العمل الفني، وسنرى «بودلير» — في قصائد عام ١٨٦٢م هذه — موزعًا بين الرغبة في الاستسلام إلى مصادفات التسكع (بالخضوع إلى العالم الخارجي، إلى «الشيء»)، والرغبة في تنظيم قصيدته في شكل فني: إنه الصراع دائمًا، «الازدواجية» بين الفنان وموضوعه، بين الفكر والمادة.

وسواء ما إذا كان «بودلير» قد أحس بضرورة التركيز والوحدة، المتطابقين مع المفهوم الجمالي الأعلى ﻟ «بو»: «لا يجب أن تتسرب — إلى التكوين كله — كلمة واحدة، بلا قصد، لا تنحو — بصورة مباشرة، أو غير مباشرة — إلى إنجاز مخطط تم التفكير فيه مسبقًا»:٨٨ وإذا ما كانت لديه — من ناحية أخرى — أفكار دقيقة، إلى حد ما، حول بنية قصيدة النثر، فلدينا الدليل على ذلك في التعديلات التي أدخلها على نص نثري كتبه عام ١٨٥٣م — هو «أخلاقيات اللعبة» — ليجعل منه عام ١٨٦٢م، إحدى «قصائده النثرية» العشرين، ويتناول نص عام ١٨٥٣م تطور الاختلافات بين أنواع اللعب: «الاختراعات الصغيرة الأرضية»، و«اللعبة الحية»، و«اللعبة العلمية»… إلخ، وعلى سبيل التوضيح، يُدرج «بودلير» هذا «الشيء المرئي» خلال الإحصاء:

وبصدد لعبة الفقير، فقد رأيت شيئًا أبسط بكثير، لكنه أكثر كآبةً من اللعبة التي يبلغ ثمنها مليمًا: إنها اللعبة الحية.٨٩

وفي قصيدة النثر، يستخدم «بودلير» — كمقدمة — ما قاله عن «الاختراعات الصغيرة الأرضية»، لكنه يكثف ويحذف التحديدات التقنية الزائدة، والتأملات ذات اللهجة الأخلاقية، الخالصة، ثم يدخل — دون تمهيد — في صلب الموضوع.

فكيف سيرفع من شأن هذه الطُّرفة إلى مستوى القصيدة؟ أولًا بأن يمنحها مغزًى مختلفًا: فسوف يشدد على الرمز، وذلك بتطوير فكرة النص الأول عن «أسوار الحديد الرمزية»، وسيكشف الطفلان — الغني والفقير — كلٌّ منهما للآخر عن ألعابهما، «عبر هذه الأسوار الرمزية، التي تفصل بين عالمين، الشارع الرئيسي والقصر»، ويجد «بودلير» — في الختام — خيطًا موفقًا يوسع من الطُّرفة ويمنحها ملمحًا روحيًّا:

وأخذ الطفلان يتبادلان الابتسام في أُخوة، بأسنان ذات بياض متساوٍ.٩٠

هو الخيط الختامي الذي يعتبر — كما يقول «ج. كربيه» — «الضوء الأكبر لهذه اللوحة العذبة»،٩١ أعده «بودلير» بملاحظة تلعب — في أرابيسك القصيدة — دور الوسيط ونقطة التحول: لم يعد الفقير الصغير يُوصَف — (كما في المقال النثري) — ﮐ «أحد هؤلاء الصبية الذين يشق المخاط عليهم — ببطء — طريقًا بين الوسخ والتراب»، لكن على نحو أكثر مثالية، باعتباره «أحد الصبية المنبوذين، الذي ستكشف العين المنصفة مواطن الجمال فيه، إذا ما نظفته من أوكسيد البؤس الناتئ والمنفِّر، مثل عين العالِم التي تتخيل لوحةً مثالية تحت الطلاء اللامع لصانع المركبات.»

وفي المقام الثاني، فهذا النص — الذي لم يشكل في صورته الأولية إلا مقطعًا واحدًا، وجزءًا من كُلٍّ أوسع — قد اقتطعه «بودلير» ونظَّمه في ثماني فقرات: ونستطيع أن نستخلص من ذلك أنه يضع نفسه ضمن مدرسة «برتران»، فيعتبر التقسيم إلى مقاطع من خصائص قصيدة النثر، أليس المقطع le couplet — هنا — هو المرادف ﻟ «المقطع الشعري la strophe» في الشعر المنظوم؟ وعلى أية حال، فهذا التقسيم يسمح له بتهوية قصيدته، وبأن يفصل العناصر بوقفات إيحائية، فيبرز الخيط الأخير — على إيجازه — بطريقة أكثر تأثيرًا أيضًا.

ونستطيع — على نفس النحو — أن ندرس بنية «الغريب» و«لكلٍّ خرافته» و«الغرفة المزدوجة» (كي لا نذكر سوى أكثر قصائد «بودلير» نجاحًا، بما لا يمكن إنكاره)، لنصل إلى نتيجة مفادها أن الإنجاز في الأعمال — الرمزية أو الغنائية — متحقق على مستوى القصد، وهو — هنا — قصد شعري وخلاق، على نحو صريح، ولنكتفِ بالنظر — عن كثب أكثر — إلى «صلاة اعتراف الفنان»، وهي إحدى القصائد التي تساهم في خلق «غنائية حديثة» تجعلنا نشعر بتمردات وطموحات وإحباطات روح حديثة من نمط «بودلير» نفسه، ولن نجد مثالًا أفضل منها على «سحر إيحائي» ينطوي — حسب تعبير «بودلير» — على «الموضوع والشيء»، على الأرابيسك المزدوج للعناصر المادية: اللازوردي، والبحر بأمواجه، والشراع البعيد، وعناصر روحية «تتجاوب» معهم، لتشكل لوحةً قوية البنيان لا شيء فيها مجاني: فاللازوردي يتجاوب مع انطباع باللانهائي وبالروحانية («العفة» و«الشفافية»)، ومع البحر انطباعٌ بالجمال الثابت وغير المحسوس، ومع الشراع «المرتعش في الأفق» شعور بالضعف، والعزلة، يتجاوب مع «الوجود العُضَال» للشاعر، ويقوده إلى صرخة رعب أمام الاتساع الرهيب للمشهد، وعجزه عن ترجمته.٩٢ ولفهم الطريقة التي تعمل بها العناصر المختلفة — من الناحية الجمالية — علينا أن نفكر في الدور الوسيط الذي يلعبه هذا الشراع الصغير، وهو العنصر الإنساني الوحيد في المشهد، الذي يصنع — بشكل ما — الانتقالة بين المشهد والإنسان.

وعلى العموم، فالبناء أكثر تركيبية — في هذه القصائد التي نعثر فيها على موضوعات «بودلير» الغنائية الكبرى — والعلاقات المعمارية مدروسة بشكل أفضل، و«قانون الانسجام العام» تمت مراعاته أكثر، وفي المقابل، فإن نقص الوحدة الفنية فاضح — غالبًا — في القصائد الباريسية، وذلك بسبب نزعتها «الرابسودية» نفسها.

ولنأخذ — على سبيل المثال — قصيدة «الأرامل»: لقد أحس «بودلير» — نفسه — بمساوئ هذه الصفات الملفقة الواحدة في الأخرى، التي اجتهد لخلق وحدة لها — رغم أنها مصطنعة — من خلال الجملة/المفصل: «من هي الأرملة الأكثر حزنًا والأكثر إثارةً للحزن، أهي تلك التي تجرجر في يدها طفلًا لا تستطيع أن تقتسم معه أحلام اليقظة، أم تلك الوحيدة تمامًا؟»٩٣ (في «العجائز القصيرات» — من «أزهار الشر» — لا يطور «بودلير» غير نموذج واحد). لكن الاستطرادات — في نفس القصيدة — تلعب، فيما يتعلق بالحفل الموسيقي، دور فاتح شهية حقيقي، وأخشى أن يكون «سانت-بوف» — بشِعره المتراخي، الذي يتبع مصادفات النزهة أو المحادثة (انظر — من بينها — «محادثة الحفل الراقص»)٩٤ — قد أصبح أستاذًا خطرًا على «بودلير».

والخطر — بالنسبة للباقي — يحس به «بودلير» جيدًا: فهو يجتهد — على سبيل المثال — في «المهرج العجوز» ليؤلف وينظُم لوحة العيد السوقي، فيصنع تقابلًا — يتخذ شكل تعارض حاد بين الجانب المضيء، الصاخب («انفجار جنوني للحيوية»)،٩٥ والجانب المظلم والكئيب، ذلك الركن الذي يقف فيه المهرج «صامتًا وساكنًا» — تناقض بين المظاهر الخارجية والنزعات الأخلاقية في آنٍ، وهو يجتهد — أيضًا — للارتقاء بالوصف من خلال الرمز الختامي، الذي برغمه (وربما بسببه) تظل القصيدة كلها — فيما يبدو لي — في منتصف الطريق بين النثر والشعر، فالمستوى الحكائي والمستوى المجازي متجاوران، وليسا ممتزجين (انظروا — على النقيض — التداخل البارع، في قصيدة «البجعة» من «أزهار الشر»، للَّوحة «الحداثية» والرمز).

لكن هناك — أيضًا — ما هو أكثر خطورة، ويكمن فيما يمكن تسميته «المرحلة الثالثة» من تأليف «سأم باريس» (بعد نشر العشرين قصيدة الأولى، وحتى موت الشاعر)، وسيهدد خطر جديد الوحدة الداخلية للقصائد وتوازنها: هو الرغبة — التي لم يستطع «بودلير» مقاومتها — في ترميمها بعد فوات الأوان، وفي استعادتها في اتجاه شواغله اللحظية، وأحيانًا ما كان يتم تنقيح النص بعد عدة أعوام فاصلة، كيف يمكن — إذن — للقصيدة أن تحافظ على الوحدة، على «كلية التأثير»٩٦ التي كان «بودلير» يعتبرها ضروريةً — مع ذلك — للعمل الفني؟ ولا شك أن الفقرات الثلاث التي تختتم — اعتبارًا من عام ١٨٦٤م — «غسق المساء»، لا ينقصها الجمال، في تدفقها الغنائي، لكن «بودلير» — عندما أضافها إلى النص الأولي، الحكائي الخالص، والمفترض أن يُنشَر في ديوان «فونتانبلو Fontainebleau»٩٧ — كيف لم يشعر أنه يُطَعم قصيدةً أخرى بالأولى، مختلفة في الخصائص والإلهام؟ وتعديل قصيدة «مشروعات» أكثر غرابة، وأكثر إزعاجًا أيضًا: ففي عام ١٨٦٤م، كان ذهن «بودلير» موجهًا نحو مشروعه في شعر «تسكعي» و«رابسودي». كان يريد أن يعرض لشخص جَوَّال، تتشبث أحلام يقظته — كما سيكتب إلى «سانت-بوف» — «بكل واقعة في تجواله»، يتعلق الأمر — هنا — بحديقة يتم عبورها، أو بخاتم يُرَى في «محل لبيع أعمال الزنكوغراف»، أو فندق نقابله «خلال المسير في شارع رئيسي».٩٨ كل هذا الديكور المتكلف — إلى حدٍّ ما — لم يكن له وجود عام ١٨٥٧م، ولا حتى عام ١٨٦١م:٩٩ فعبر المشهد الداخلي الوحيد — فحسب — تجول خيال الشاعر، والأخطر أن الخاتمة شديدة الاختلاف: فهي أكثر عادية، وأقل «بودليرية»:

١٨٥٧م١٨٦٤م
الحلم! الحلم! دائمًا الحلم المعلون! — إنه يقتل الفعل ويأكل الزمن! — إن الأحلام تخفف من لحظة الحيوان المفترس الذي يضطرب فينا. إنه سُم مُسكن يغذيه.حصلت اليوم، في الحلم، على ثلاثة بيوت، حيث وجدتُ لذةً متساوية، لماذا أُجبر جسدي على تغيير المكان، طالما روحي تسافر بهذه الخفة؟ وما الجدوى من تنفيذ أية مشروعات. ما دام المشروع — في ذاته — هو متعة كافية
أين يمكن العثور — إذن — على كأس عميق بما يكفي، وسم كثيف بما يكفي للقضاء على الحيوان؟

هذه التحولات في اتجاه السطحية١٠٠ تشوه — ضمن ما تشوه أيضًا — كثيرًا من قصائد المرحلة الأخيرة، لهاث، ونضوب في الخيال الخلاق (وعبثًا سيسعى «بودلير» لإنجاز مؤلفه «الكتاب الملعون»)،١٠١ وهو نوع من التورط — أيضًا — في النثرية، الذي حكم مفهوم ديوانه نفسه على «بودلير» بأن يواجهه باستمرار، ونشعر أن «بودلير» — في آخر سنوات حياته — لم يعد يمتلك القوة الخلاقة الضرورية كي يفرض على مادته نسقًا فنيًّا، فيقتصر على «نسخ القاموس».١٠٢

يرتبط أرابيسك القصائد، وتوازنها البنيوي — من ناحية — بالمفهوم والغاية، بما يمثلان نتيجةً لها أكثر غنائية أو أكثر رابسودية ومن ناحية أخرى، يطول هذا الانحدار نحو الصمت ونحو الموت، بهذه الدرجة أو تلك من الحيوية الجسدية والفكرية للشاعر. إننا نمضي — إذن — من أكبر تلاحم فني إلى تهافت الشكل أو انعدامه، تقريبًا.

ورغم هذا، ففي الشعر — كما في الرسم — لا يكفي تحديد المكان والعلاقات بين العناصر المختلفة للحصول على بنية متوازنة، فوحدة الانطباع، والاتساق العام، يرجعان — كذلك — إلى اتساق النغمات، وهذان اللفظان — نغمة ودرجات اللون — المستخدمان بكثرة في التصوير الزيتي، وفي الموسيقى، لماذا لا نطبقهما على الشعر؟ فبودلير — نفسه، كما رأينا — يذكر، في حديثه عن القصة، «النغمة التأملية والتهكمية الساخرة»،١٠٣ ويستدعي أيضًا — في ملاحظة من «مذكرات شخصية» — «نغمة ألفونس رابيه — نغمة البنت المصونة (فاتنتي! الجنس المتقلب!) — النغمة الأبدية».١٠٤ وفكرة إثراء الشعر لا بالموضوعات فحسب، ولكن بالنغمات الجديدة، التي كانت محظورة حتى ذلك الحين، هي — كما سبق وقلت — إحدى غايات «سأم باريس» الكبرى.١٠٥ فهل تتفق مع ضرورات العمل الشعري؟

(٢) حداثة وجدَّة النغمات

من السخرية إلى الغنائية

علينا أن نؤكد — أولًا — على الأصالة المطلقة لبودلير في هذه المحاولة لإثراء المجال الشعري، وترجع هذه الأصالة — في المقام الأول — إلى اقتراحه باستبعاد البهرجة التقليدية، وتعرية قلب حديث (قلبه) بكل تعقيداته، واندفاعاته، وضغائنه، وتعاقبات أحلام يقظته، وصفائه الساخر، وذلك بأن يقوم بعمل الشاعر لا عمل رجل الأخلاق، ومن المدهش — في الواقع — أن نلاحظ، حتى في هذه الفترة، أن مؤلفي قصائد النثر (سواء كان اسمهم «بارني» أو «برتران» أو «لامنيه» أو «رابيه» أو «جيران») كانوا يسعون إلى أن يضفوا على أنفسهم روحًا غرائبية، توراتية، قديمة، من العصور الوسطى … كي يمنحوا قصائدهم — بفضل المسافة، والابتعاد في الزمان والمكان — هذه «الهالة» الشعرية، التي لم تعد تعويذة الشعر تأتي لهم بها أبدًا، وينجم عن ذلك أن نبرة «برتران» التهكمية، أو عنف «لامنيه» — رغم أنهما منحا شعرهما لونًا خاصًّا — قد احتفظا بشيء ما أكثر أدبية، ينطوي على ما هو أقل بُعدًا وعمقًا من تهكمات أو اندفاعات «بودلير» الغنائية. ثمة غنائية أكثر قليلًا، لكن ثمة ذبذبات حداثية محدودة لدى معاصرين عرفهم «بودلير» جيدًا، ﻓ «لوفيفر-دومييه» — الذي كان بمقدوره قراءة نثره في «لارتيست»١٠٦ — يثري أحلام يقظته، الشديدة العمومية والأخلاقية، برموز وصور «رومانتيكية» بأكثر مما هي «حداثية» (وعندما يستعير صورة من الفوسفور أو من المراكب البخارية، يتكوَّن لدينا انطباع غريب بالهجران)، ويلجأ «بابو» — من أجل كتابة رسالة هجاء ضد «فييو» والقساوسة الكاثوليك — إلى الاستعارة المسهبة والطنانة في خمسة أجزاء من «الشجرة السوداء» (التي نُشِرَت عام ١٨٦٠م، في «خطابات هجائية ونقدية»)؛ وأخيرًا «هوساي»، الذي يتملقه «بودلير» — بشكل مقبول — على قصيدته «أغنية صانع الزجاج»،١٠٧ هل فتح الطريق — حقًّا — أمام شعر حداثي ومديني؟ ولا يجب أن ننسى — أولًا — أن هذه «الأغنية» هي الوحيدة من نوعها بين كل القصائد و«النقوش البارزة السلفية» القديمة النثرية، في «أشعار كاملة»، وأن هذا الموضوع — الواقعي والمعاصر — قد تطور، بعد ذلك، بالطريقة الأكثر سطحية، وبأكثر ما يمكن تصوره من برودة وعظية، ولي أن أعتقد — عن طيب خاطر، كما يقترح «ج. كريبيه»١٠٨ — أن قصيدة «صانع الزجاج الرديء» الموجودة في «سأم باريس»، التي نرى فيها الشاعر يتسلى بتحطيم المواد البائسة لصانع الزجاج، يمكن اعتبارها «ردًّا عاجلًا شديد الخبث» على أغنية «الأخوية» لهوساي. وربما كان «شانفلوري»، وحده — الذي نادرًا ما يُذكَر من بين «أسلاف» بودلير،١٠٩ والذي لم تكن نعمة الشعر نفسها قد زارته بأكثر من «هوساي» — قد حاول، في «خيالات وأناشيد غنائية»،١١٠ استخدام قريحة مدينية وحديثة، وربما يكون مسليًا أيضًا — من خلال المقارنة مع «الغرفة المزدوجة» في «أزهار الشر» (أهو التقاء؟ أعلينا — حقًّا — أن نتحدث عن «مصدر» ما) — أن نرصد — في «كلب–حصاة» — الوصف، على عمودين متقابلين، ﻟ «سقائف الشعراء» (مثل الأحلام والخيال) و«سقائف حقيقية»، تكدرها الكآبة والقذارة: «لا ورق، بل حوائط مصفرَّة، ألبوم جداري يحمل آثار مرور كل المستأجرين …»١١١ ومن البديهي تمامًا — رغم هذا — أن «شانفلوري»، إذا ما كان قد استشف بعض الاحتمالات التي أتاحها له عصره، في الشعر النثري، فإنه لم يتمكن من التوصل إلى نغمة ولا إلى شكل لغنائية حديثة. ومن جانبه، كان «بارني دورفيي» — المحصور تمامًا في البحث الشكلي، وفي إطار النشيد الغنائي — قد جلب لقصيدة النثر بضع نبرات غنائية جديدة، لم يستطِع «بودلير» أن يتحصل منها سوى على بضعة أصداء في «إيقاعات منسية Rhythmes oubliés» النادرة، والمنشورة في ذلك الحين.١١٢

والواقع أن «نبرةً حديثةً» حقًّا قد ظهرت في نثر هذه الفترة: نبرة ساخرة، تهجمية، تربط «الرقة بالحقد»، وأحيانًا المنطق بالعبث، وهي ما نجدها في روايات «باربي دورفيي»، ولدى «كلاديل»١١٣ — بل في غالبية القصص الأكثر مكرًا، لأنها أكثر إيجازًا، ويستشهد «بودلير» أو يدرس «بتروس بوريل» — «طبيعة مرضية»، و«سحنة متغضنة»،١١٤ و«شانفلوري»، الذي سدد «منظارًا شعريًّا مزدوجًا … إلى الحوادث والمصادفات الهزلية أو المؤثرة، للأسرة أو للشارع».١١٥ و«آسيلينو»، الذي عرف كيف «يقدم شرعية العبث وما لا يصدق»، والذي «يقلد — أحيانًا — استدلالات الحلم الغريبة»،١١٦ و«بو» — بشكل خاص — الذي يمثل أصل النبرة المخاتلة المتأملة في «سأم باريس»، ويكفي أن نقارن «الوقائع الخيالية» ﻟ «أ. ديشام» — على سبيل المثال — ﺑ «حياة آسيلينو المزدوجة»، لنرى العبور من الخيالي «الرومانتيكي» إلى خيالي يندرج في قلب الحياة الحديثة، والشديدة التلوين بالفكاهة.١١٧ ولنضف أننا — اعتبارًا من عام ١٨٣٢م — نستطيع أن نقرأ في «حوليات رومانتيكية» نثرًا عجيبًا: «قبة العجزة» و«هلوسات» بقلم … «دي بلزاك»، الذي يصف السراب الذي يثيره غدير ماء صغير وقد أصبح هلوسة، تحت التأثير المترافق للنبيذ ولموسيقى «هارمونيكا رخوية». ومع أعمال كهذه، يمكن تمامًا (مثلما بالنسبة لحكايات «بو» و«آسيلينو») أن نطبق كلمة «بودلير» حول «خاصيتي الأدب الرئيسيتين: ما فوق الطبيعية والسخرية».١١٨

وعلى أية حال، فكتابة القصص — رغم كثافتها وشعريتها الشديدتين — تختلف عن كتابة قصائد النثر، و«بودلير»، الذي اقترح لنفسه، في «ملحوظات»، أن يظل «دائمًا شاعرًا، حتى في النثر»،١١٩ لا يريد أن يكتب نثرًا في «سأم باريس»، إنه يريد خلق شكل جديد لشعر، قابل لاستقبال كافة الأصداء وكل تنافرات الأصوات التي تمنح قصص معاصريه نبرةً حديثة، إنه يريد — عمومًا — خلق غنائية حديثة، لكن السمة الخاصة بغنائية كهذه — عليها ترجمة الحركات الأكثر تشويشًا للروح، والعبور (عند الضرورة، بلا انتقالة) من السخرية إلى التمرد، ومن الكآبة إلى الحماس — تحتاج إلى مقدرة خاصة من الكاتب، ولم يكن «بودلير» — على أية حال — جاهلًا بمخاطر «شعر النثر»، التي تعتبر على نفس مستوى الفانتازيا في التصوير الزيتي، «أكثر خطورة لأنها أكثر سهولةً وانفتاحًا».١٢٠ وإذا ما شئنا — في الواقع — ألا نستغرق في النثر، فمن الضروري أن «نجلي» المشاعر ونسيطر عليها، مهما كان عنفها، ومن هنا تنشأ القصيدة، تطهير catharsis لا غنى عنه لكل عمل ينتظم في شكل فني، حيث لا بد أن تسيطر روح الفنان على مادته، ومن ناحية أخرى، فعلينا ألَّا نظل تحت أو فوق «توتر» معين، ضروري لإحكام نغمة القصيدة، مثله مثل توتر أوتار الكمان، على سبيل المثال، وإذ يرتخي هذا التوتر، يتم السقوط في الاستطرادات، وفي حلم اليقظة «الرابسودي»، والمبالغة في الإطالة، التي طالما انتقدها «بودلير» — احتذاءً ﺑ «بو» — في القصيدة،١٢١ فعندما تصبح مبالغًا فيها، يعاني منها انسجام القصيدة ونقاؤها الشعري، وذلك شيء محسوس — بشكل خاص — في بعض القصائد الهجائية، حيث ينطوي التهكم على شيء من الإطالة والنشاز («المبهج»، «الكلب والقارورة»، «المرأة المتوحشة»).

وإحدى النغمات الأكثر جِدَّة، والأكثر إدهاشًا في الديوان هي — بالبديهة، وقد أدركنا ذلك سلفًا — السخرية، هذه السخرية الفظة والمخاتلة، النابعة — كما يقول «بودلير» — من «طريقة تفكير شيطانية»١٢٢ سلاح قاطع ذو حدين، مشرع — أيضًا — ضد الشاعر نفسه، موضع السخرية والاستخفاف والمحتقر١٢٣ ضد السوقية الإنسانية وما يسميه — في «أزهار الشر» — «الغباء في مواجهة الثور». هذه القسوة المزدوجة تفسر العنوان الذي فكر «بودلير» — لفترةٍ ما، وتحت تأثير «بتروس بوريل» — في أن يضعه على قصائده: «قصائد ذئبية صغيرة».١٢٤ وهي — مع ذلك — ليست إلا شكلًا عدوانيًّا لذهنية موجودة — الآن — في «أزهار الشر»، لا تخفف في شيء (وهو ما لاحظه «تيبوديه») من «اللهجة القارصة والموجعة»١٢٥ لبعض القصائد، «اختبار منتصف الليل»، على سبيل المثال، ونجد صدى شعر ١٨٦٣م — نثرًا — في «الساعة الواحدة صباحًا» (المنشورة عام ١٨٦٢م)، وهي قصيدة حافلة بتهكمات على الغباء والرشوة المعاصرين (ونجد صدى لها في المذكرات الخاصة)،١٢٦ وذات نبرة أكثر إيلامًا — في واقع الأمر، أيضًا — مما هي ساخرة: إن «انتفاضات الوعي» — (التي يتحدث عنها «بودلير» في «إهداء») — تقود الشاعر، هنا مباشرة، إلى صرخة جميلة ليأس غنائي، يجعل هذا الاعتراف خفقة الجناح الكبيرة والأخيرة.١٢٧ لكن صفاء «بودلير» القاسي هو — في أغلب الأحيان — بلا مقابل غنائي: إنه يصوغ نغمة ثلجية، أو — على النقيض — سخريةً قاسيةً، لا تسمح بظهور مشاعر المؤلف الخاصة وهنا يكمن بالنسبة لبودلير «أسمى الفن».١٢٨ «فمن الاستهزاء إلى التهكم، ومن ملمح السخرية إلى التناقض الخدَّاع، يزمع «بودلير» أن يستنفد — في نثره — كل سادية القبح البالغ»، كما يكتب «بلان»، الذي يضيف أنه — من هنا — يقدم نفسه «كمخلص لانفعالية سنوات شبابه».١٢٩ ولكن — في الفترة نفسها، التي ألف فيها الشاعر «سأم باريس» — ألم يكتب، في مذكراته الخاصة، أن المتحذلق ليس لديه ما يقوله للشعب «سوى الاستهزاء به»؟١٣٠ واحتقار كهذا للبشر تعايش مع مشاعر رأفة مخلصة نحو التعساء، وذلك أحد تناقضات هذا الرجل المزدوج homo duplex، بودلير.

ويبقى أن نعرف ما إذا كانت نغمة مخاتلة متأملة كهذه — باردة السخرية، حيث تظهر الفرحة بالجرح الإرادي للمشاعر المسلم بها — قادرةً على إحداث هذه الإثارة، «هذا الخطف للروح»، الذي — (على ما يقول «بودلير» مقتفيًا «بو»)١٣١ — يصنع وحدة القصيدة، ونشعر تمامًا بذلك التلذذ الكريه، الذي يكشف في «الحبل» بشاعة التفاصيل،١٣٢ وفي «لنقتل الفقراء» العطف المزيف نحو الشحاذ الذي ضُرِبَ لتوه ضربًا عنيفًا،١٣٣ ولن يندهش أحد إذا ما عرف أن عدة قصائد لبودلير قد رُفِضَت لمدة طويلة من المجلات لعدم إمكانية نشرها، ومن بينها «لنقتل الفقراء»، لكنني لا أتحدث — هنا — عن اللياقة الأخلاقية: فالمشكلة المطروحة هي الخاصة ﺑ الطاقة الشعرية لقصائد كهذه، فهذه السخرية الباردة تتوجه إلى ذكاء القارئ، لا إلى حساسيته، وسيتم استيعابها وتذوقها من قبل أكثر مناطق الفكر صفاءً، لكن، هل ستصل إلى هذه المناطق العميقة حيث تهتاج قدرتنا الحماسية و«غريزة الجمال الأبدية» فينا؟١٣٤ أخشى أن نجد — هنا — نثرًا لاذعًا، ذهنيًّا، قاسيًا كما ينبغي، لكنه ليس بشعر (ألا يجدر بالملاحظة، فيما عدا ذلك، أن هذه النغمة الهازئة محسوسة، بشكل خاص، في المقطوعات التي لم تعد قصائد، بل أقاصيص حقيقية يمكن مقارنتها — إلى حد كبير — بأقاصيص «بو»، «موت بطولي»، «الحبل»، «بورتريهات عشيقات»؟). إن «بودلير» الذي استشف شيطانيةً ما حديثة، لم تعد رومانتيكية، لم يستطع أن يضفي عليها أصالةً شعرية، ربما لم يكن لينقصه الكثير: مناخ من الفانتازيا، والغرابة (الذي نجده أحيانًا لدى «برتران»، أو — في أيامنا هذه — لدى «ميشو»، مثلًا)، وهو ما يضاعف — بغموض كثيف — هذا الجفاف شديد الذهنية، أو التدخل الشخصي من الشاعر، حتى وإن كان في اتجاه العدوانية (كما لدى «لوتريامون»). وأعتقد أن المزاج «الهستيري» للشاعر — في «صانع الزجاج الرديء»،١٣٥ على سبيل المثال — أكثر «شعرية» مما في «لنقتل الفقراء»، وسلوكه «كفيلسوف يراجع امتياز نظريته»، ورغم كل شيء، فلا يجب أن ننسى أن «بودلير» كان أول من بدأ في فتح أبواب حدائق غريبة أمام شعراء النثر، حيث تزدهر الدعابة السوداء، ويلاحظ «أ. بريتون» — الذي يذكر في «مقتطفات من الدعابة السوداء» قصيدتين نثريتين، هما «مبهج» و«صانع الزجاج الرديء» — أن «بودلير» يأتي «بسلسلة من المبادئ الجمالية الجديدة، التي ستتأثر بها كل الحساسية التالية».١٣٦

ولا شك أن «بودلير» كان يزمع اكتساب مؤثرات عجيبة في التناقض، بأن يناوب بين هذه القصائد «الشيطانية» وقصائد أخرى أخلاقية وإخوانية،١٣٧ مثل «الأرامل» و«الجاتوه» و«المهرج العجوز»، ويتجاوب هذا التنوع، وهذه البرقشة الذهنية مع الغايات «الرابسودية» للديوان، ومع الرغبة المزدوجة في الإشارة — من ناحية — إلى المظاهر المتعددة للروح المعاصرة، ومن ناحية أخرى إلى كل الإيحاءات المتنوعة التي يمكن أن يقدمها مشهد الحياة اليومية إلى «رجل الشارع»، ويبدو أن ناقدًا من ذلك العصر قد تبنى تمامًا هذه الطريقة في الرؤية، عندما كتب أنه في ديوان كهذا «يمكن لكل إيحاءات الشارع، والظروف، والسماء الباريسية، وكل اندفاعات الوعي، وكل خدر أحلام اليقظة، والفلسفة، والرؤيا، وحتى الطُّرفة، أن تلعب دورها، حسب الترتيب».١٣٨ ولن نستطيع أن نحدد — بشكل أفضل — محاولة «بودلير» … ولا أيضًا المخاطر التي تحملها، فالنبرة الفلسفية أو الأخلاقية، والنغمة الموضوعية للحكاية، ليست — فقط — بلا شعرية apoétique، لكنها مضادة للشعرية antipoétique (رغم أن الحكاية يمكن أن تكون نقطة الانطلاق، والفلسفة نقطة الوصول لقصائد جميلة للغاية). ولست بحاجة إلى التأكيد على الأثر الهدام الذي يمكن أن يتوفر عليه الاستطراد الفلسفي، والأخلاقي، والتربوي، على الخيمياء الشعرية الهشة، وسأكتفي بالإشارة إلى كل ما يفصل «العجوز المهمومة» عن «الأرامل» و«العجوز القصيرة» في «أزهار الشر»، التي استخدمها كموديل له:١٣٩ فلا يتعلق الأمر — أولًا — بمجرد امرأة عجوز، بل بأرملة، أرملة فقيرة، تتناول غداءها في «مقهى بائس»، وتستفيد من مجانية «قاعة القراءة». إنها نغمة الأخلاقي،١٤٠ محب البشر، المنقاد «نحو كل ما هو ضعيف، محطَّم، مغموم، ويتيم»، لكن هذه الحركة الهوجوية (نسبةً إلى «هوجو») ستوجه القصيدة نحو غموض هذه «الحوَّاءات ذات الثمانين عامًا، نحو ماضيهن الغابر ومصائرهن الغريبة، بل نحو «الأساطير التي لا تُحصى للحب المخدوع، والإخلاص المجهول، والجهود التي بلا طائل، والجوع والبرد اللذين يتم احتمالهما في صمت وتواضع».١٤١ شيء غريب، فيبدو أن هذه الرداءة وهذه البلادة الكئيبة — المميزتين للفقر — قد بهتتا على شخصية المرأة العجوز، المتصوَّرة بشكل بدائي، كعجوز أمازونية، وهي، فيما تنصت إلى حفل موسيقي عسكري:

تستنشق بشراهة هذا النشيد الحي والحربي.١٤٢

فنحن نواجه — الآن — «عجوزًا بريئة» تجد في هذا «الفجور الصغير» الأسبوعي العزاء «المكتسب» عن وحدتها وفقرها، لم تعد أحد شخوص «بودلير»، بل أحد شخوص «فرانسوا كوبيه» (وسنلاحظ كيف أن بلادة المفردات تستجيب لبلادة الفكرة). ألا نعتقد أن «بودلير» إنما أراد أن يقدم — هنا — البرهان على كلمة «بو» التي ذكرها في موضوع آخر: «الفقر ابتذال ونقيض لفكرة الجمال»؟١٤٣

وهذا «الابتذال ﻟ «الشعب» الذي يرتدي القمصان والقماش الهندي»١٤٤ قد طاب لبودلير — رغم هذا — أن يصفه لا في «الأرامل» فحسب، بل — أيضًا — في عدة قصائد من «سأم باريس»، من بينها «المهرج العجوز» و«عيون الفقراء»؛ القصائد المفضلة لدى «سانت-بوف». إنه — هنا — يتخذ أكثر النغمات الممكنة تضادًّا مع الشعر، نغمة «طرائفية» و«تسكعية»: الواقعية، والتدقيق النثري في التفاصيل١٤٥ اللذين ينافسانه في التصويرية، سواء الحقيقية أو المزيفة،١٤٦ فتحل الملاحظات السيكولوجية محل «الخطوات الشاسعة مثل مُركَّبات» ﻟ «الروح الغنائية»،١٤٧ مواء البلاغة الصحفية،١٤٨ وابتذال المكان المشترك (الذي كان «بودلير» — وهو ما يجب أن نقوله فحسب — يحترمه بشكل غريب)،١٤٩ يأتيان ليحولا دون أي شعر حقيقي، ونلوم «بودلير»، لا أنه أدار ظهره — فحسب — إلى الشعر عن عمد، كي يدلف إلى الأخاديد المرسومة — سلفًا — ﻟ «الشيء المرئي»، وللصحافة ذات الشعرية المزيفة،١٥٠ بل — أيضًا — لأنه سمح لكل مؤلفي المستقبل الفاشلين، لكل العاجزين عن نظم الشعر، بأن يطلقوا على كتاباتهم الوصفية (الباهتة) اسم «قصيدة النثر»، فكم من «معارض باريسية»، بعد «المهرج العجوز»! كم من التعاطف المفتعل مع «الفقراء» و«الكلاب الطيبة»! كم من شهادات الشعر (شعر الروزنامة) الصادرة تحت تأثير هذه الكلمات السحرية، «مقهى»، «كباريه»، «كوخ حقير»، «أرغن صغير نقَّال»! وإذا ما كان «بودلير» جادًّا في تمنيه «خلق المبتذل التافه»،١٥١ فعلينا أن نعترف بأنه تخطى — في ذلك — كل رجاء …

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
النسخة العربية English Edition

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة