النقد الأدبي:الرواية / احمد امين
المقدمة أو العرض Introduction or Exposition
غرض المقدمة أو العرض أن تمكن الناظر من كل المعلومات الضرورية للفهم الصحيح للدراما التي يشهدها، ففي البداية يجد الناظر نفسه أمام عدد من الناس يأمل أن يهتم بعد قليل بأحوالهم، ولكنه لا يعرف عنهم ولا عن حظوظهم الآن شيئًا، ولما كان من الضروري أن يعرف بأقصى سرعة ممكنة من هم وما هم وما هي العلاقات بين بعضهم والبعض قبل أن تبدأ الحركة، فإن المنظر الافتتاحي أو المناظر الافتتاحية في أي دراما يجب أن تكون مشغولة إلى حد كبير بالشرح والعرض. ومن المعروف في النقد المسرحي أن هذه المحاولة من أشق الاختبارات لمهارة المؤلف المسرحي، فمهما كانت قصته سهلة، فإنه سيلاقي في هذا البدء صعوبات شديدة، وتزداد هذه الصعوبات بالطبع بازدياد تعقد موضوعه وعدد أشخاصه، فيكون متحيرًا: بأي شيء يبدأ، فلديه عدد من الناس يعرفهم ويريد تقديمهم إلى النظارة الذين لا يعرفونهم، ومعرفة كل منهم تقتضي معرفة الآخر فبأيهم يبدأ؟
وقد اخترعت وسائل متعددة للتغلب على هذه الصعوبة، وأبعدها عن الطبيعة الدرامية الصحيحة جعل أحد الأشخاص يقوم بمهمة الشارح والمفسر، فيضع الكاتب على لسانه المعلومات اللازمة عن سائر الأشخاص، وأكثر هذه الوسائل فجاجة ما كان يتبعه يوريبيدس وسينيكا من تقديم الدراما بقصيدة منظومة تشرح الأشخاص، وكان المسرح الإليزابثي يستعمل كلامًا تمهيديًّا طويلًا مملًّا في كل دراما، وبعض قصص شكسبير فيها هذا التمهيد الممل أحيانًا على لسان هذا الشخص أو ذاك.
ننتقل من استئثار شخص بالقيام بمهمة المفسر إلى وضع الكاتب لهذا التفسير الضروري في شكل محاورة بين أشخاص مختلفين، ومن السهل جدًّا أن نميز بين ما هو محاورة حقًّا فيها الصفة الدرامية، وما هو حيلة مفضوحة فجة. فكل من شاهد المسرحيات تمثل يعرف هؤلاء الخدم الذين بينما هم منهمكون في تنفيض الغبار عن الأثاث، أو في وضع الفطور على المائدة إذا بهم يتحدثون بصراحة عن أسيادهم! وهو أيضًا يعرف هذا الشخص الذي قد عاد للفور من رحلة طويلة، فهو مشتاق إلى أن يعرف كل الأخبار المحلية، وبالصدفة يقابله شخص هو صديق قديم له يقدم له ما يرضي فضوله، وهو أيضًا يعرف «السيد الأول» و«السيد الثاني» اللذين يستخدمهما شكسبير حين يكون في عجلة، وفي كل هذه الحالات يكون التصنع واضحًا ومتكلفًا بحيث إننا — ونحن نصغي إلى الكلام — نعرف أننا يجب أن نحصل منه على المعلومات اللازمة لكي نفهم الحوادث القادمة. فإننا نفعل ذلك، ونحن نشعر شعورًا عميقًا بأن كل هذا وضع للاشيء إلا لكي يقدم لنا الأخبار. وإن فن الكاتب المسرحي لا يتجلى في شيء كما يتجلى في قدرته على صياغة عرضه بحيث لا يشعرنا بأي تصنع أو جهد، ولذلك يأخذ العرض الجيد شكل محاورة تبدو في الظروف طبيعية وملائمة، وتدور بين نفس الأشخاص الذين ستهتم بهم مباشرة، وتتصل بابتداء الحركة اتصالًا يجعلها غير متميزة عنها. وفي الافتتاحات الدرامية الجيدة مثل افتتاح «عطيل» تبدأ مهمة الدراما بمجرد ارتفاع الستار، فنجد انتباهنا يجذبه ويستثيره مباشرة مناظر وكلام مليء بالحياة والشخصية، وفي تتبعنا للمناظر والكلام نحصل بدون أن نشعر على ما هو ضروري لمعرفة الموقف الابتدائي فنعرف الحوادث التي قادت إليه. والناس الذين تكون ظروفهم مادة التصميم، ويكون أحيانًا من المستحيل على الدرامي أن يحقق كل الكمال المثالي في هذا القسم من عمله، فلا يخلو عرضه من ظهور بعض الجهد والتعمل مهما كان ماهرًا، وإذن واجبنا أن نتسامح في قبول مثل هذا التكلف لكي نحصل من المقدمة على المعلومات الضرورية، ولكن مع ذلك يجب أن نحتفظ بالنموذج المثالي كقياس نقيس عليه في الحكم.
فالعرض يجب أن يكون واضحًا، وأن يكون مختصرًا إلى أقصى حد تسمح به طبيعة المادة، وأن يكون متصلًا اتصالًا حيويًّا إذا أمكن بالحركات الأولى في التصميم، وأن يكون مخفيًّا بمهارة بحيث لا يشعر به الناظر، وإن كان التحليل الدقيق لا بد أن يكشفه.
المحادثة الابتدائية Initial Incident
في رسمنا البياني للتصميم جعلنا العرض قسمًا مستقلًّا عن الحركة، وإن كان ممهدًا لها، ولكن الحق أن التصميم يبدأ قبل أن ينتهي العرض. ففي موضع ما من الجزء المبكر في الدراما في المنظر الأول مثلًا، أو قبل انتهاء الفصل الأول على كل حال، سنجد منبع الحركة في حادثة أو حوادث تسبب ميلاد الصراع الذي تتكون منه الدراما، ولذا تسمى الحادثة الابتدائية، وقد تسمى بالقوة المثيرة exciting force. وليس من الضروري أن تجعل الحادثة الابتدائية بحيث تشعر بها شعورًا بارزًا، وإن كانت عادة شكسبير أن يجعل نقطة ابتداء الصراع بارزة، وليس من الضروري أن تكون الحادثة حادثة حقًّا، فقد تكون حالة ذهنية ما لأحد الأشخاص.
وبعض المسرحيات تنشأ من اجتماع حادثتين ابتدائيتين لا حادثة واحدة، وفي الدرامات التي تتكون من أكثر من قصة يكون لكل قصة حادثتها الابتدائية.
حركة النهوض Rising action
بالحادثة الابتدائية ندخل في المهمة الحقة للدراما، ويكون القسم الأول منها متكونًا من تعقد الحركة أو نهوضًا إلى نقطة تحولها، وهنا تتميز مهارة المؤلف بمقدار ما يجعل هذا النهوض واضحًا ومنطقيًّا، فما دام الناظر قد عرف الأشخاص وظروفهم فمن اللازم أن تبدو كل حادثة أمامه ناشئًا نشوءًا طبيعيًّا عما تقدمها. في اتجاه الحركة كلها يجب ألا تطمس التفاصيل غير الهامة ما هو ضروري مهما تكن التفاصيل شائقة في حد ذاته، ويجب أن يعرض تأثير العوامل عرضًا بارزًا واضحًا بحيث يكفي لأن يشرح ما يقال وما يعمل. ويجب أن يحتفظ بالعلاقات الصحيحة بين الأشخاص والحركة، ثم يجب أن يشغل كل منظر مكانًا محددًا من تطور المجموع الدرامي، إما بأن يظهر مرحلة جديدة في تدرج التصميم، أو بأن يزيد في معرفتنا بالأشخاص، أو بكلا العملين معًا.
ثم من الجوانب التي ندرسها في عمل المؤلف الدرامي ناحية الصنعة في معالجته لمادته، فيجب أن يكون جهد الدرامي مبذولًا في أن يخفي كل أثر للجهد والتصنع والتكلف في صياغته لدرامته، بحيث تبدو أمامنا هذه الصياغة طبيعية لا تعمل فيها.
وكل هذه الشروط يجب أن تتوفر لا في المرحلة الأولى من الحركة الدرامية فحسب، بل في التصميم كله، ولكن هناك شرطًا يجب أن يتوفر في حركة النهوض خاصة، ففي خلال حركة النهوض يجب أن تذكر كل عناصر الصراع التي ستبرز في نقطة التحول باعتبارها العوامل الرئيسية التي ستحدث الخاتمة. فإذا كان الصراع بين أشخاص فإن القسم الأول من الدراما يجب أن يعرفنا بكل الأشخاص الذين سيوجدون في القسم الثاني، وإذا كان الصراع محصورًا في ذهن البطل فإن سلوكه الذي سيقوده إلى سعادته أو شقائه يجب أن يشرح بعرض الصفات التي ستتغلب عليه، وخلاصة هذا أن أسس الحركة التالية يجب أن تكون قد وضعت في الابتداء، فمن الخطأ المحض أن يقذفنا المؤلف بعامل جديد بدون تحذير أو تمهيد، كأن يقدم إلينا شخصًا جديدًا، أو أن يقدم دوافع وعوامل لم يسبق له أن أشار إليها أي إشارة، فكل هذا فقر في الفن.
نقطة التحول Turning Point or Crisis
لما كان تفاعل القوى المتعارضة لا بد أن ينتهي بتغلب جانب منها فإن كل قصة درامية لا بد أن تصل عاجلًا أو آجلًا إلى مرحلة في تدرجها يبدأ فيها الميزان يميل إلى إحدى الناحيتين، وذلك ما نسميه نقطة التحول في الحركة، والقانون الأكبر في نقطة التحول أنها تكون النتيجة الطبيعية المنطقية لكل ما حدث من قبل، بحيث نستطيع أن نشرحها شرحًا تامًّا بالرجوع إلى الأشخاص وظروف الأشياء التي وجدت، وهكذا لا بد أن يكون نشوء الحادثة التي ستوجه الحركة إلى خاتمتها من الحركة نفسها، ويجب ألا تكون حادثة صدفة تقحم إقحامًا على التصميم من الخارج، فإذا توفر لنقطة التحول هذا الشرط أمكن معالجتها بصور مختلفة باختلاف الظروف.
وقد كان عادة المؤلفين الدراميين القدماء من الإنجليز أن يضعوا نقطة التحول حوالي منتصف الدراما، أما في الدرامات المعاصرة فيجتهد المؤلفون في أن يؤخروا نقطة التحول إلى أقصى حد ممكن.
حركة الهبوط أو الحل Falling action or Denouement
إذا مضت نقطة التحول دخلنا في القسم الذي يأخذ فيه الصراع يقترب من الخاتمة، وطبيعة هذا الحل تختلف باختلاف خاتمة الدراما، أهي ستكون مفرحة أم محزنة؟ ففي المسرحية الهزلية تكون حركة الهبوط عبارة عن انسحاب العوائق بالتدريج وزوال الصعوبات وسوء التفاهم، فيصطلح البطل والبطلة ويتفاهمان، ويتزوجان، أما في المأساة فعلى العكس من ذلك تكون حركة الهبوط قائمة على زوال العناصر التي ظلت حتى الآن تحول دون انتصار الشر، وبذلك يسترد الشر حريته الكاملة في العمل. وعلى كل حال فإن ما يبقى بعد نقطة التحول هو استمرار الاتجاه الجديد الذي نشأ منها، وبذلك نكون قد بدأنا نعرف مصير القصة ونتيجتها، فيختلف نوع استمتاعنا بمشاهدة القصة، فحتى الآن كنا نشاهد التصميم ونحن في شك وحيرة لا نعرف ماذا ستكون النتيجة، أما الآن فقد زال الشك ووثقنا من المصير، فيكون استمتاعنا بمشاهدة التمثيل ناشئًا عن عطفنا على الأشخاص عطفًا يجعلنا نتتبع قصتهم حتى انتهائها، ويكون كذلك ناشئًا عن تشوقنا إلى مشاهدة مهارة المؤلف في معالجة الحوادث بحيث تحقق النتيجة التي عرفناها قبل حدوثها.
وهكذا تتضح الصعوبة الخاصة في الحل، فتكون المشكلة أمام المؤلف هي: كيف يحتفظ بتشوق المشاهدين بعد أن عرفوا المصير الذي بدأت القصة تتجه إليه. ومن هنا نعرف العلة في أن المؤلفين المعاصرين يجتهدون دائمًا في أن يمدوا حركة الصعود ويؤخروا حركة الهبوط إلى أقصى حد ممكن في استطاعتهم، ومن الوسائل التي يتبعها المؤلفون ليضمنوا الاحتفاظ بتشوق النظارة في القسم الثاني من الدراما أن يؤخروا الخاتمة بأن يقدموا حوادث تعوق تقدم حركة الهبوط فتعمل على إثارة الشك الوقتي وعدم اليقين من المصير، وفي المهزلة يتحقق هذا باستخدام عوائق غير متوقعة تعوق المجرى السعيد للأشياء. وفي المأساة يتحقق بالإيماء إلى طرق يمكن البطل والبطلة أن ينجوا بها من المصير الذي ينتظرهما.
الخاتمة أو الكارثة Conclusion or catastrophe
الآن نصل إلى المرحلة الأخيرة للتصميم، وفيها ينتهي الصراع الدرامي إلى نتيجة يشعر معها الذهن بالانتهاء والتمام، ولكن في المسرحيات المعاصرة وفي الروايات المعاصرة نجد خاتمة ليست في الحقيقة خاتمة، بحيث لا نشعر معها بالتمام والانتهاء، ودعاة الواقعية المحضة يؤيدون نظريتهم هذه بأن الدراما والرواية يجب أن تكونا مخلصتين للحياة، وليس في الحياة مثل هذه النهاية، فكل موقف يتضمن في ذاته نواة عوامل جديدة، وهذه النظرة صحيحة من حيث إن الحياة ليس فيها خاتمة، ولكن يرد عليها بأنه وإن كانت الحياة حقًّا ليس فيها نهاية إلا أن أي مجموعة من الحوادث تختار للمعالجة الدرامية يجب أن تؤدي من بداية حقة إلى نهاية محددة وإن تكن نهاية وقتية، فإن الخيال يعتبر هذه المجموعة من الحوادث كأنها كائن مستقل في وجوده. وإذن فلا بد أن تكون له نهاية، والخلاصة أنه وإن تكن الحياة خالية من النهاية وكان كل شيء فيها يقود إلى شيء تالٍ له، فإن الفن بما له من حق الاختيار والترتيب له الحق في أن يضع خاتمة لعمله، ومهما يكن من شيء، فهذا جدل نظري فقط، فإننا جميعًا إذ نشهد قصة مسرحية مشاهدة عملية لا نكون واهمين إذا قمنا ونحن نشعر بأن حلقات هذه القصة لم تتم.
ويتميز النوعان الرئيسيان للدراما، وهما المأساة tragedy والمهزلة comedy بطبيعة خاتمتها، فالمأساة خاتمتها محزنة، والمهزلة خاتمتها مفرحة، ولكن قد يمزج الختام المحزن للمأساة بما يلطف من حزنه، فمقتل روميو وجولييت يخفف وقعه الأليم معرفتنا بأن موت الحبيبين سبب انتهاء العداوة العنيفة الدموية بين أسرتيهما، وعلى العكس من ذلك قد يمزج الختام السعيد المفرح للمهزلة بما يجعلنا في شك من تمام السعادة لأحد الأشخاص، ومثال ذلك أننا نتساءل في ختام دراما much ado هل ستكون الفتاة هيرو Hero سعيدة في زواجها بـ Claudio، وهل سيكون بنديك وبيتريس سعيدين في زواجهما على اختلاف طبائعهما.
الخاتمة
وما قلناه عن نقطة التحول نقوله عن الخاتمة، فيجب أن تكون الخاتمة النتيجة المنطقية الطبيعية للقوى التي كانت تعمل في الحركة كلها، ولذلك تكون خاطئة كل خاتمة لا تنشأ من الأشخاص والحركة، بل تكون صدفة مقحمة من الخارج، كحادثة فجائية لأحد الأشخاص، أو دخول شخص جديد غير منتظر، أو تغير فجائي في سلوك شخص ما وتبدل في أخلاقه. والوسيلة الأخيرة أكثر الوسائل شيوعًا في إحداث خاتمة صناعية للدراما، وللرد عليها نعيد ما قلناه في دراستنا للرواية من وجوب استمرار الشخصية وثباتها.
ولكن من اللازم أن نقول إنه في الدرامات الحفيفة التي تتناول الجوانب الخفيفة من الحياة لا يكون من العدل الإصرار على وجوب اجتماع كل الشروط المتقدمة، فالدرامي إذا ألف مهزلة جاز له أن يستمتع بحقوق في استخدام الصدف لا يستمتع بها إذا كان يؤلف مأساة، وإذن فمن الواجب التسامح مع المؤلف الهزلي في منطقية حوادثه ونتائجه.
بعض الاعتبارات العامة
يجب أن نذكر القارئ ببعض الأشياء في اختتامنا لهذه الدراسة الموجزة للتقسيمات الطبيعية للتصميم الدرامي. فأولًا هذا التحليل يجب ألا يكون قاسيًا شديد الضيق والتحديد، بل في دراستنا لأي دراما يجب ألا ننتظر أننا سنجد النقط المختلفة في الخط الدرامي بارزة واضحة بحيث نراها بسهولة، وثانيًا هناك أنواع من الدرامات لا تنطبق تمام الانطباق على هذا الخط الدرامي للتخطيط، ففي كثير من المهازل المشتملة على الدسائس والحيل يكون البطل في محاولة دائمة للتغلب على المصاعب، كلما تغلب على عقبة جاءت عقبة جديدة أخرى، ولذلك يكون الرسم البياني لهذه المهازل مكونًا من خط دائم التعرج والارتفاع والانخفاض وليس من خط هرمي الشكل. ثم إن بعض الكتاب الدراميين المعاصرين يأنفون من أن يجعلوا دراساتهم تتخذ أي قالب محدد، بل يقولون: إنهم يتبعون الطبيعة، فلا يلتزمون قيودًا في تكوين قصتهم وتقسيم تصميمها إلى المراحل التي عرفناها.
وهكذا يجب ألا نكون في تحليلنا لأية دراما متبعين لقواعد آلية جامدة.
بعض ميزات التخطيط الدرامي
الآن ندرس بعض الظواهر البارزة في التخطيط الدرامي، ويحتل المكان الأول بينها المشابهة والمعارضة.
المشابهة Parallelism
المشابهة عنصر مألوف في تكوين التصميم، وخاصة في عمل مضاعفة العوامل، إذ يتضاعف تأثير الدراما إذا كانت الفكرة الرئيسية لقسم منها تعود إلى الظهور في قسم آخر، وهكذا كل من القسمين يوضح الآخر ويقويه، وكان شكسبير يكثر من هذا التكرار، وهو أحيانًا يعمل ذلك لمجرد زيادة تعقيد المتعة الدرامية لقصته، فكوميديا الأخطاء مثلًا قد استعار قصتها من بلوتوس وهي تدور حول أخوين توأمين متشابهين، فأضاف إلى ذلك من عنده عبدين توأمين متشابهين لا يمكن أيضًا تمييزهما يمتلكهما هذان الأخوان. ولكن في أحيان أخرى لا يكون التكرار لمجرد تعقيد الحوادث وتقوية التأثير التمثيلي، بل يكون لضم موادها المتفرقة في مجموعة واحدة منظمة، ففي muchado يستعير شكسبير قصة عن حبيبين يراد التفريق بينهما بحيلة شريرة، فيرى من الضروري أن يجمع بين هذه وبين قصة ثانوية فيخترع قصة فيها أيضًا حبيبان يراد الجمع بينهما بحيلة مضحكة، ففكرة الاحتيال للشر في قصة، وللخير في الأخرى تستخدم هكذا لضم قصتين إذا لم تضما هكذا ظل بينهما تعارض حاد، ولكن أغرب مثال للمشابهة في شكسبير هي تلك التي توجد في (الملك لير) التي تحتوي على تصميمين يتفقان في كل التفاصيل تقريبًا.
وفي كل هذه الحالات من المشابهة التي نجد فيها أجزاء متنوعة تدور حول فكرة واحدة يكون تكرار العامل سببًا في تحقيق الترابط الحقيقي بين الأقسام المختلفة في المسرحية، وهكذا يتحقق نوع من الوحدة الأخلاقية.
وأحيانًا تستخدم المشابهة لغرض الإضحاك والسخرية، وقد كان هذا من ميزات الدراما الإسبانية في القرن الثامن عشر.
المعارضة contrast
المعارضة أكثر أهمية من المشابهة في التخطيط الدرامي، وعنصر المعارضة ينتمي إلى الحاجة الضرورية لنفس مادة القصة الدرامية، إذ القصة الدرامية يجب أن تقوم على نوع من الصراع، أي أن تحتوي على أشخاص متعارضين أو عواطف متباينة، أو أغراض متضادة، ولكن المعارضة تتخذ أشكالًا مختلفة كثيرة جدًّا وتستعمل بطرق كثيرة جدًّا، فهناك عنصر المعارضة في التصميم وهذا واضح، فالتصميم يدور حول معارضة بين الخير والشر، بين الجوانب المحبوبة والجوانب غير المحبوبة من الحركة، وبنوع خاص بين الأشخاص ومجموعات الأشخاص الذين تتجلى فيهم هذه الجوانب المختلفة، ومن أهم أشكال المعارضة في التصميم المعارضة بين حركة الصعود للحوادث، وبين المراحل الأخيرة لحركة الهبوط والحل.
فالدراما قد تبدأ سعيدة وتنتهي حزينة، أو تبدأ بالصراع وتنتهي بالنجاح، وفي كل حال يبرز الاختلاف في النغمة والروح بين الجزء الأول والجزء الأخير. وهذا يتجلى بأوضح صورة في المأساة، فلكي يزيد كاتب المأساة قوة تأثيرها يفتتحها أولًا بسعادة وسرور وهناء، فإذا تلا ذلك المصائب والكوارث والشقاء كانت أشد تأثيرًا في النفس بسبب مجيئها عقب ما سبقها من حالة معارضة.
ومن أنواع المعارضة أيضًا ما يوجد في الدراما التي نصفها مأساة ونصفها مهزلة، إذ تتكون هذه الدراما من تصميم رئيسي محزن، ومن تصميم ثانوي مضحك فتتراوح الدراما بين النوعين، وتتعاقب مناظرها المحزنة والمضحكة في معارضة عظيمة التأثير، ثم تنتهي بانتصار الجانب المضحك عادة.
إلا أننا يجب أن نحترس في استخدام عنصر المعارضة، إذ يجب ألا نكثر من استخدامه إلى حد زائد فنكون بذلك قد أسأنا استعماله وأفقدناه ميزانه، ويمكن وضع قاعدة عامة هي: إذا شعرنا بأن المعارضة متكلفة وآلية ومتصنعة، والجهد فيها بارز، فإنها يجب أن ترفض.
كل ما سبق هو أنواع المعارضة في التصميم، ولكن أهم منها المعارضة في التشخيص وهذه تشمل الصراع الداخلي بين العواطف المتباينة والأغراض المتضادة في فرد واحد متعقد الشخصية، ومتعارض الطبيعة، أو بين أفراد متعددين متضادي الشخصية في الدراما الواحدة. فنجد الدرامي قد جمع بين شخصيات شديدة التفاوت والاختلاف في أمزجتها وطبائعها وميولها ونفسياتها وأغراضها. وقد كان شكسبير يكثر من استعمال المعارضة بين الأشخاص إكثارًا عظيمًا، بل هو قلّ أن يجمع بين شخصين إلا ويعقد بينهما نوعًا من التفاوت والاختلاف والتضاد. وهو لم يكن ليجمع بين أشخاص مسرحية واحدة عبثًا، بل كان يراعي دائمًا أن يوجد بين أفرادهم وبين مجموعاتهم هذه المعارضة، وقد كان بارعًا جدًّا في عقد الصلة بين شخصين شديدي التعارض، كما عقدها بين روميو وجولييت، وبيتريس وبينديك، وبين البرنس هال وهوبستر، وبين ماكبث وزوجته، وبين عطيل وباجو.
وهنا أيضًا نحذر من إساءة استخدام عنصر المعارضة، فلكي يكون توازن الأشخاص فنيًّا مقبولًا يجب ألا يدعنا نشعر بأنه غير طبيعي، وهكذا كان شكسبير مخطئًا في عقد هذه المعارضة الآلية المتكلفة بين هرميٍا وهيلينا في (حلم منتصف ليلة صيف).
السخرية الدرامية Dramatic Irony
من عناصر التخطيط الدرامي أيضًا عنصر السخرية والتهكم والاستهزاء، وهو قائم على المعارضة، المعارضة بين جانبين للشيء الواحد، سواء أظهرت هذه المعارضة في الحال أم لم تظهر إلا فيما بعد، وفي النقد تستعمل كلمة السخرية للتعبير عن التأثير الذي يتركه الاختلاف البارز الهام حول ما يعمل وما يقال على المسرح بين الأشخاص أنفسهم من جانب، وبين النظارة من جانب آخر، وينشأ هذا الاختلاف حينما يعمل الأشخاص، أو يتكلمون وهم يجهلون حقائق هامة يعرفها النظارة، والسخرية إما أن تنشأ عن تعارض المواقف والأعمال، أو عن تعارض الكلام والأقوال، فمثال سخرية المواقف نجده في (هنري الخامس) لشكسبير في الفصل الذي تنكشف فيه المؤامرة ضد الملك، فبينما المتآمرون يعتقدون تمامًا أن مؤامرتهم سرية نعرف نحن أن الملك نفسه يراقب مؤامرتهم، ومعرفتنا لهذه الحقيقة هي التي تعتلي متعة عظيمة لكل التفاصيل التي بها يفضح هؤلاء المذنبون أنفسهم ويتحركون عميًا نحو المصير الذي توقعناه لهم منذ البدء. ومثال هذا النوع من السخرية أيضًا حين نعلم أن الشخص على هوة كارثة عاجلة ستحطمه، ولكنه هو نفسه جاهل بها، ولذلك يظل يتكلم بعظمة وكبرياء وغطرسة وثقة، وفي كل هذه الحالات ينشأ عنصر السخرية من معرفتنا لحقيقة الموقف وجهل الشخص لها. والنوع الآخر من السخرية هو سخرية الأقوال، وينشأ لا من معارضة المواقف والأعمال، بل عن معارضة في الكلام الذي يقال، وذلك حين يقول شخص ما كلامًا يؤدي معنى أوليًّا هو الذي يقصده هذا الشخص، ولكن له أيضًا معنى آخر وراء الأول قد يجهله الشخص المتكلم نفسه ونفهمه نحن، وذلك حين يقصد الأشخاص إلى معان ولكنهم دون أن يشعروا يعبرون أيضًا عن حقائق أخرى نعرفها نحن النظارة، ولكنهم لم يعرفوها بعد.
في كل الحالات السابقة تنشأ السخرية من تعارض وجهة نظر الأشخاص على المسرح ووجهة نظر النظارة الذين يشهدون التمثيل، والنظارة يفهمون هذه السخرية في نفس وقت حدوثها، ولكن قد يؤجل كشف المعارضة فيكون لدى النظارة مجرد شك في أن للكلمة معنى مزدوجًا فلا تعرف المعنى الحقيقي الأهم إلا فيما بعد.
الإخفاء والإدهاش Conceaiment and Surprise
العبارة الأخيرة تذكرنا بمشكلة عظيمة الأهمية، وهي القيمة الفنية للإخفاء والإدهاش كعنصرين في الاحتفاظ بالتشويق، فالدرامي في بناء تصميمه مخير بين طريقتين اثنتين، فهو: إما أن يخفي عن النظارة الحقائق الضرورية المتعلقة بالأشخاص أو الدوافع أو الحوادث فتظل رغم دخولها في الحركة عوامل مختفية مجهولة لا تعرف وجودها إلا بنتائجها. فإذا انضمت لنا هذه الحقائق المجهولة فهمنا أسباب ما حدث وكان لذلك تأثير عظيم علينا، أو أن الدرامي على ضد ذلك يخبر النظارة منذ البدء بطبيعة القوة الرئيسية التي يحتويها تصميمه، وحينئذ يعتمد على المتعة التي سوف يتتبعون بها الفعل ورد الفعل الذي تحدثه هذه القوى للوصول إلى نتيجة معينة، ولكل من هاتين الطريقتين مزاياها ومنافعها وأحوالها الخاصة، ولكن نقول بلا تردد: إن الطريقة الثانية أبرع وأسمى من الطريقة الأولى، وذلك لأن خلق الاستثارة والاحتفاظ بالتشويق بواسطة الغموض والسر والغرابة وعدم التوقع هو عمل وإن يكن مشروعًا فهو ينتمي إلى الأكثر إلى النوع البدائي من الرواية والدراما، ولذلك فهو غالبًا ينتمي إلى المراحل البدائية الساذجة من الفن، والتشويق الذي يقدمه هو تشويق طفولي صبياني بسيط، أما التشويق الذي تقدمه الطريقة الأخرى فهو تشويق لا يقل حدة عن الأول ويزيد عنه في أنه أرقى وأكثر صلة بالعقل والذكاء، وذلك حين يخبر الدرامي السامعين منذ البدء بالحقيقة ولا يخفيها عنهم، فيجعلهم يتتبعون العالم الباطني للعواطف والانفعالات وتدرج الحوادث في القصة ولا يجعل همهم محصورًا في استكشاف السر المختفي، وكل دارس لصنعة شكسبير يدرك للفور أن شكسبير وإن كان يعمد أحيانًا إلى طريقة الإخفاء والإدهاش إلا أنه لا يلجأ إليها إلا نادرًا جدًّا، ولكنه في الأغلبية الساحقة من الحالات يخبرنا منذ البدء بحقيقة الشخص.
أهو ذكر أم أنثى متنكرة في زي ذكر، أهو كما يعتقد الناس فيه وكما يعتقد هو في نفسه أم هو على العكس، ويخبرنا بحقيقة الدوافع والمواقف ويطلعنا على كل الأسرار منذ البداية، ثم يعتمد في إثارة تشويقنا على ذكائنا في تتبع تدرج الظروف التي تؤدي أخيرًا إلى كشف هذه الحقائق للأشخاص أنفسهم، وبذلك نتفرغ إلى دراسة النفس الباطنة للأشخاص، وتتبع تصرفاتهم وتعليلها بنفسياتهم التي عرفناها.
أنواع الدراما
اتخذت الدراما أنواعًا مختلفة في العصور المختلفة، والأمم المختلفة تحت تأثير اختلاف ظروف الصنعة وأغراض الفن والمثل العليا، والنقاد والمؤرخون يقسمون الدراما إلى نوعين: الدراما الكلاسيكية، والدراما الرومانتيكية، ولكن هذا التقسيم غير كاف، فالنوع الكلاسيكي من الدراما يجب أن يقسم بدوره إلى الكلاسيكي القديم، أو الكلاسيكي الحقيقي، وإلى النيوكلاسيكي، ثم يجب أن نفسح مكانًا جديدًا لدراما عصرنا الحاضر.
الدراما الإغريقية
يجب أن تبدأ كل دراسة منظمة للدراما بدراسة الدراما اليونانية. وقد كان المعتقد أنها نشأت من الاحتفالات القروية التي كانت تقام في أثينا القديمة تعظيمًا لديونسيوس إله الطبيعة، ولكن أحد الباحثين في العصر الحديث قد عارض أخيرًا هذه الفكرة، وأثبت أن سبب نشوئها ليس عبادة ديونسيوس Dionysus بل تقديس الأجداد وتعظيم الموتى. وكانت الدراما الإغريقية نوعين: مأساة ومهزلة، فالمهزلة الإغريقية في أثينا اجتازت ثلاث مراحل: المهزلة القديمة وهي مهزلة الهجاء السياسي والشخصي، والمهزلة الوسطى وفيها أخذت المهزلة تنتقل إلى الحياة والعادات الاجتماعية، والمهزلة الحديثة، وفيها تم هذا الانتقال. وقد فقدنا جميع المهازل الأثينية ما عدا إحدى عشرة دراما لكاتب واحد هو أرسطوفانيس أعظم كتاب المهزلة القديمة.
أما المهزلة الوسطى والمهزلة الحديثة فقد ضاعت جميع نماذجها، ونحن لا نعرفهما إلا من المسرحيات التي كتبها الرومان تقليدًا للنماذج اليونانية. أما من حيث المأساة فإننا لحسن الحظ قد وصلنا مجموعة أكبر وأعظم مكونة من اثنتين وثلاثين دراما للكتاب الثلاثة العظام: أشيلوس Aeschylus وسوفوكلس Sophocies و يوربيدس Ewripides.
وقد قلنا شيئًا عن الميزات البارزة للمأساة الإغريقية فيما سبق، والآن نقول شيئًا أكثر عن مسألة عظيمة الأهمية، وهي الكورس the Chorus وقد قلنا: إنه ليس أغرب على القارئ الحديث من ظاهرة الكورس في الدراما الأثينية، فهو إذا درس المأساة الإغريقية، أدهشه أن كل دراما تحتوي على كورس، أو مجموعة من الرجال يتحدثون ويغنون ويرقصون معًا كأنهم جميعًا فرد واحد، ويعترضون سير المحاورة وتقدم الحركة بأغانيهم وتدخلهم. وهذه الظاهرة تبدو لنا غريبة جدًّا وبعيدة عن الطبيعة الدرامية، حتى إننا نتساءل عن سبب وجودها في المأساة الإغريقية. والجواب هو أن سبب وجودها في المأساة اليونانية هو أنها كانت الأصل الذي تطورت منه هذه المأساة. إذ أصل المأساة الإغريقية هو الأغاني والرقصات التي كان الأثينيون يقومون بها في احتفالاتهم لعبادة ديونسيوس Dionysus أو لتقديس أجدادهم وموتاهم، ثم بعد ذلك تطورت هذه الأغاني والرقصات ونشأ عنها بالتدريج المأساة وظلت في مراحلها الأولى تحتوي على جزء عظيم من هذه الأغاني والرقصات ممثلة في ما تحتوي عليه كل دراما من الكورس، ولكنها أخذت منذ البداية تميل إلى التخلص من هذا العنصر والتحرر منه. فبينما الكورس يشغل في درامات أشيلوس — وهو البادئ الحقيقي للمأساة — نحو نصف المأساة إذا به في يوريبيدس لا يشغل إلا من ربعها إلى تسعها. وليس هذا هو كل شيء، بل إن الكورس أيضًا بعد أن كان متصلًا بنفس الحركة في المأساة اتصالًا شديدًا منظمًا في أشيلوس ثم في سوفوكلس أخذ يفقد اتصاله بالمأساة ولا يصبح إلا مجرد وقفات موسيقية في خلال الدراما بها إشارة هامة إلى محتويات الدراما.
وقد كان للكورس في الدراما الإغريقية عمل فني رائع، إذ كان عبارة عن وقفات غنائية موسيقية تعبر عن العواطف التي تثيرها الحركة وعن التأملات الخلقية التي تستثيرها حوادث المأساة في نفس السامع. قال ماتيو أرنولد: «كانت وظيفة الكورس في كل مرحلة من مراحل الحركة جمع وتركيز الانفعالات التي تثيرها الحركة في هذه المرحلة في ذهن السامع والمفكر، وكانت وظيفته في ختام المأساة تركيز مغزى القصة بعد أن عرف مصيرها. فكأن الكورس يضاعف عاطفة السامع ويزيدها عمقًا بتذكيره بما حدث سابقًا وبتعريفه بما سيحدث فيما بعد، وعلى ذلك كان التأثير العظيم للكورس في المأساة الإغريقية هو أن يجمع العواطف التي تستثار في السامع برؤيته ما يحدث على المسرح، وأن يجعل هذه العواطف منسجمة، وأن يزيدها عمقًا».
الدراما اللاتينية
في تتبع الدراسة المنظمة لسير التاريخ الدرامي تنتقل من اليونان إلى الرومان الذين حين بدءوا نهضتهم الأدبية بتأثير الدوافع الهيلينية، بدءوا يصوغون المهازل والمآسي على نفس القوالب التي صنعها اليونان. وقد فني معظم الأدب الدرامي اللاتيني، ولكن بقي منه من المهازل عشرون دراما لبلوتس Plautus، وست لتيرنس Terence، وبقي لدينا من المآسي عشر منسوبة إلى سينيكا Seneca.
ولكل من المهازل والمآسي أهمية تاريخية عظيمة: فالمهازل عظيمة الأهمية التاريخية لأنها بتقليدها للمهزلة الأثينية الحديثة أمدتنا بمعلوماتنا عنها بعد أن ضاعت هذه الأولى، وأيضًا لأن لها تأثيرًا على الدراما الحديثة والمآسي عظيمة القيمة التاريخية لأنها كانت هي النماذج التي قلدها الدراميون النيوكلاسيكيون في القرنين السادس عشر والسابع عشر إذ لم يقلد هؤلاء النيوكلاسيكيون المآسي الإغريقية الأصلية نفسها، بل قلدوا تقليدها اللاتيني.
البداية المبكرة للدراما الحديثة
نشأت الدراما الحديثة من أصل ديني كالدراما الإغريقية، فنشأت في الاحتفالات الدينية التي كان يقيمها أهالي العصور الوسطى لخدمة العبادة في الكنيسة. ثم أخذت تتطور هذه الدراما الكنسية إلى دراما دينية تامة النمو وعظيمة الانتشار وهي المسماة the mystery أو the Plymorality miracle وكان موضوعها مستمدًّا مباشرة من الإنجيل، ولكنه ممتزج بسير القديسين والأقاصيص عنهم، وبعد ذلك نشأ نوع آخر من الدراما وازدهر، ويسمى the morality أو allegorical. وقد كان تعبيرًا عن الفلسفة التعليمية للقرون الوسطى وعن الآراء العلمية والنظرية الجديدة لعصر من عصور التناقض الشديد، وكل هذه كانت مجرد بدايات. أما الابتداء الحقيقي للمهزلة والمأساة الحديثتين فإنه مرتبط ارتباطًا شديدًا في عصر النهضة Renaisseance بالظاهرة التي نسميها الإحياء الكلاسيكي، إذ اندفع الناس في حماسة وتشوق إلى كل شيء يتعلق بالعالم الذي كشفوه حديثًا عن الحضارة القديمة فالتمسوا في هذا العالم وحيهم وأمثلتهم في الدراما وكل الصور الأدبية الأخرى، فكان منشأ المهزلة في إنجلترا متأثرًا أشد التأثر بدراسة بلوتوس وتيرينس، ولكنها في إنجلترا امتزجت أيضًا بالعناصر الوطنية والمحلية الإنجليزية، أما المأساة فعلى العكس كانت في البداية تقليدًا للمأساة الكلاسيكية.
وقد كان تأثر المأساة الجديدة بدرامات سينيكا وليس بالمآسي الإغريقية نفسها، فقلدوا الدراما السينيكية في خطبها الطويلة المنمقة المزينة بفنون البلاغة والتي تحل محل المحاورة الدرامية، فكانت الدراما الإيطالية والفرنسية والإنجليزية على هذا المنوال. ولكن الطليان والفرنسيين قلدوا الدراما الكلاسيكية تقليدًا شديدًا وظلوا على تقليدهم دهرًا طويلًا. أما الإنجليز فإنهم بعد عدة محاولات في تقليد الدراما الكلاسيكية أهملوا سينيكا وأهملوا النيوكلاسيسزم وبدءوا نوعًا جديدًا مستقلًّا من الدراما وهو الدراما الرومانتيكية. وفي نفس الوقت نشأت هذه الدراما الرومانتيكية في بلاد أخرى هي إسبانيا القرن الرابع عشر، وتتمثل نماذجها في الكاتبين العظيمين لوب دي فيجا Lops de Vegs و كالديرون Calderon، وقد كان لهذه الدراما الإسبانية تأثير على الدراما الإيطالية والفرنسية من جانب والإنجليزية من جانب آخر، ولكنها كانت ضئيلة القيمة الأدبية لأنها تعني بالتصميم فقط فتفيض بالمواقف والمشاكل المعقدة والغرائب والمفاجآت والدسائس ولا تعني بالتشخيص أو التحليل النفساني.
مقارنة بين الدرامتين النيوكلاسيكية والرومانتيكية
الآن قارن بين النوعين العظيمين من الدراما الحديثة وهما: الدراما النيوكلاسيكية والدراما الرومانتيكية. والدراما الرومانتيكية تتمثل في درامات الكتاب الإليزابثيين والاستيوارتيين وعلى رأسهم شكسبير، ثم في الدرامات الألمانية المتأخرة لسنج وجوت وشيلر، والدراما الفرنسية لدومامن وفكتور هوجر ومعاصريهما. وأما الدراما النيوكلاسيكية فأجود نماذجها في كتابات الكتاب الفرنسيين الكبار في القرنين السابع عشر والثامن عشر، وهما كروني وراسين وفولتير.
كانت المأساة النيوكلاسيكية منطبقة أشد انطباق على نموذجها الذي تقلده من مأساة سينيكا، ولم يكن بينهما إلا اختلافان: الأول أن المأساة النيوكلاسيكية جعلت المحل الأول فيها لعاطفة الحب الرومانتيكي وهو شيء كانت المأساة القديمة خالية منه تمامًا. والثاني اختفاء الكورس من المأساة النيوكلاسيكية. وفيما عدا ذلك كانت المأساة النيوكلاسيكية منطبقة كل الانطباق على الكلاسيكية، أما بين الدراما النيوكلاسيكية والدراما الرومانتيكية فقد وجد أشد التعارض والاختلاف الأساسي:
(١)في الموضوعات والأسلوب: الدراما النيوكلاسيكية كانت تتبع الدراما الكلاسيكية في الطبيعة العامة لموضوعاتها وفي طريقة تناولها لهذه الموضوعات، فقد كانت الدراما الكلاسيكية تتناول الأساطير العظيمة للعصور الخرافية البعيدة، وكانت أشخاصها الرئيسية الأبطال العظام الذين ينتمون إلى عالم يختلف عن هذا العالم الإنساني ويسمو عليه، وكانت تؤدي هذه الموضوعات في أسلوب شعري فخم مليء بالتسامي والتعاظم والإتقان، خال من العبارات اليومية العادية ومن الحديث العامي المألوف. وهكذا كان الفن الدرامي الإغريقي يتميز بالمثالية وباتحاد نغمة الأسلوب اتحادًا مستمرًّا، وكانت الدراما اللاتينية أيضًا ذات أسلوب عال متعاظم فيه سمو وفنون بلاغية. وكذلك الحال في الدرامات النيوكلاسيكية، فالموضوعات وإن كثر تنوعها موضوعات أرستقراطية دائمًا، كما قال فولتير: «المأساة تتطلب دائمًا أشخاصًا متسامين عن المستوى العادي سواء أكانوا ملوكًا أو أباطرة أو قواد جيوش أو رؤساء جمهوريات».
وكانت هذه حال المآسي الإيطالية والفرنسية في القرنين السابع عشر والثامن عشر. والخلاصة أن المأساة كانت تتناول الموضوعات (العظيمة) والأشخاص المشهورين ولم تحاول قط أن تعرض الحياة العادية أو أن تمكن الطبيعة الإنسانية المألوفة، بل كل شيء يجب أن يكون عظيمًا فخمًا بطوليًّا، والأسلوب ذو نغمة واحدة لخلوه من كل شيء يشابه المألوف والعادي من الأحاديث. هذه حال الدراما الكلاسيكية والنيوكلاسيكية، أما الدراما الرومانتيكية فتختلف عن ذلك أشد اختلاف. حقًّا إنها كثيرًا ما تتناول الأشخاص المشهورين والموضوعات العظيمة، ولكنها في تناولها لهؤلاء تختلف تمامًا عن النيوكلاسيكية. فالأبطال المشهورون تعرض حياتهم الواقعية العادية، وتحكي معيشتهم الإنسانية المألوفة، والمحاورة وإن كانت شعرية إلا أنها مليئة باللهجة المألوفة والأحاديث العادية.
(٢)الفرق الثاني: أن الدراما النيوكلاسيكية إذا كانت مأساة كانت تخلو تمامًا عن أي عنصر فكاهي، فكان الفصل بين المأساة والمهزلة في الدراما الواحدة شرطًا واجبًا، أما الدراما الرومانتيكية فلها الحرية الكاملة في المزج بين الفكاهة والحزن في الدراما الواحدة.
(٣)الوحدات الثلاث: فرق أساسي ثالث هو الوحدات الثلاث. كانت النيوكلاسيكية تتشدد في اتباع وحدة الزمن ووحدة المكان ووحدة الحادث. فوحدة الزمن unity of time أن كل حوادث الدراما تحدث جميعها في أربع وعشرين ساعة أي يوم واحد. ووحدة المكان unity of place تحدث كلها في مكان واحد لا تغيره إلى مدينة أخرى أو إقليم آخر. ووحدة الحادث unity of action تدور كل حوادثها حول موضوع واحد وتجمعها وحدة واحدة. أما الدراما الرومانتيكية فقد احتفظت بشرط وحدة الحادث لأنه يتصل بالطبيعة الألمانية للدراما، ولكنها أهملت وحدتي الزمن والمكان إهمالًا تامًّا مطلقًا، فهي تنقل مكان حوادثها من مدينة إلى مدينة ومن قطر إلى آخر بكل حرية، وحوادثها قد تمتد فتشمل الأيام والشهور والسنين، ثم هي في فهم وحدة الحادث قد فهمتها فهمًا جديدًا، إذ كانت النيوكلاسيكية تعنى بوحدة الحادث أي أن يكون للمسرحية موضوع واحد فقط لا تسمح بتوزع الانتباه إلى غيره. أما الدراما الرومانتيكية فأباحت لنفسها أن تتكون الدراما من موضوعين بشرط واحد بالطبع هو أن يكون بينهما اتصال حيوي منطقي.
(٤)ومن أعظم الاختلافات بين الدرامتين النيوكلاسيكية والرومانتيكية أن الأولى كانت خالية تمامًا من تمثيل الحوادث على المسرح، فإذا كان يحدث في الدراما حروب أو مبارزات أو جرائم قتل أو غير ذلك فإنها كانت تحدث خارج المسرح ثم يعلم النظارة بها من حديث الأشخاص وقصصهم عنها. أما الدراما الرومانتيكية فكانت تستخدم الحركة استخدامًا عظيمًا، وكانت مثل هذه الحوادث مسموحًا بأن تحدث على خشبة المسرح أي أن تدخل في تكوين الدراما وتكون مناظر فيها، وهكذا كانت الدراما النيوكلاسيكية دراما قصص وإخبار. أما الدراما الرومانتيكية فهي دراما حركة وفعل وأداء فعلي، فكل شيء يحدث فيها تقريبًا على المسرح ويشاهده النظارة.
الدراما المعاصرة
الدراما المعاصرة تختلف اختلافات كثيرة عن النماذج السابقة كلها بسبب أنها وجدت في عصر النظرية السائدة فيه هي حرية الاختيار واستمداد المفيد من كل المنابع دون انحصار مذهب معين، ولكننا نستطيع أن نقول بوجه عام: إن الدراما المعاصرة بتحررها المطلق من كل القيود والقوانين التقليدية هي امتداد للدراما الرومانتيكية، فهي في العادة مطلقة الحرية في الزمان والمكان، وهي مطلقة الحرية في استخدام ما تراه لازمًا لها من تعدد الموضوعات والتصميمات الثانوية. وهي لا تتردد في استخدام الجد مع الفكاهة، وهي قد تلجأ إلى القصص والإخبار أو إلى الحركة والأداء الفعلي، كما ترى أن هذا وذاك موافق لها. ثم هي قل أن تعنى بالموضوعات الأرستقراطية كما كان يعنى بها الدرامات القديمة، إذ تأثرت بالروح الديمقراطية وتأثرت بالنظرية الواقعية فنشأ من ذلك الدراما العائلية المنزلية التي تتناول الحياة العادية المألوفة، وهذه الدراما المنزلية أجود نتاج للدراما المعاصرة.
ولكن لما كانت الدراما المعاصرة لا تتبع إلا وحي إرادتها وما تراه أوفق لها دون أن تتقيد بنظريات محدودة لمدرسة واحدة فإنها كثيرًا ما تعتنق مبادئ من النيوكلاسيكية إذ تراها أوفق لها، فهي مثلًا أقرب إلى اعتناق وحدة المكان من الدراما الرومانتيكية؛ وذلك لأن كثرة المناظر تكلف المخرجين كثيرًا من الجهد بل يكون عملًا مستحيلًا أحيانًا، ولذلك يلجأ الكتاب إلى اختصار مناظرهم وتركيزهم كما شرحنا في أول هذا الفصل.
الدراما كنقد للحياة
درسنا جميع نواحي الصنعة في الدراما تقريبًا. ولكن لما كانت الدراما ككل الأدب يحكم عليها أيضًا من ناحية قوتها وقيمتها الخلقيتين، وجب أن نقول شيئًا عن الدراما كأداة لنقد الحياة أو فلسفة عن الحياة.
ولليس من الضروري أن نعيد هنا ما قلناه عن أهمية العنصر الأخلاقي في الرواية، فكل ما قلناه هناك ينطبق على الدراما أيضًا، فيكفي أن نشير على القارئ بالرجوع إليه، وإنما نتناول هنا الطريقة التي بها يعبر الدرامي عن فهمه للحياة وفلسفته عنها.
وهنا نعود إلى الفرق الأساسي بين الرواية والدراما. فالدراما من الوجهة النظرية موضوعية خالصة يجب أن تخلو من شخصية كاتبها. فهي لا تفسر الحياة إلا بمجرد عرضها، وأما الروائي فيستطيع أن يفسر الحياة بكلتا الطريقتين: بعرضها وبتعليقاته الشخصية عليها، ولذلك يكون من الصعب علينا في دراسة دراما ما أن نستنبط منها آراء صاحبها وفلسفته عن الحياة. وأما الروائي فهو يخبرنا صراحة بهذه الآراء، ولا يخفي علينا أنها آراؤه، بينما يجب على الدرامي إذا حاول ذلك أن يضع آراءه على لسان أحد أشخاصه، وإذن فكيف نعرف أن ما يقوله الشخص هو تعبير عن آراء المؤلف نفسه؟
أما في الدرامات التي يظهر فيها الكورس فإن الكورس نفسه هو الذي يتخذه المؤلف أداة للتعبير عن آرائه وفلسفته للحياة، إذ هو تلخيص للعواطف التي تثيرها حوادث الدراما وتحليل لمعناها وقيمتها وحكم عليها. وكذلك الحال في الدرامات التي لا يوجد فيها الكورس، ولكن يوجد شخص هو في الحقيقة بديل منه ويقوم مقامه، ويكون في الحقيقة امتدادًا له، وهو ذلك الذي قد يكون أو لا يكون له دور حيوي في الدراما، وهو في كل مرحلة من مراحلها يتوقف لكي يشرح ويعلل وينتقد، ويستخلص العبرة.
أما في الدرامات الأخرى فالأمر صعب جدًّا، وهنا يجب أن نحترس أشد الاحتراس من خطأ كثيرًا ما يقع فيه النقاد. وهو أن نسرع بالتقاط حكمة ما أو خطرة فلسفية ما يقولها أحد أشخاص الدراما فتفهمها على أنها رأي المؤلف نفسه. بل يجب أن نعرف لكل حكمة يقولها الشخص قيمتها التمثيلية أولًا؛ أي تحكم عليها أولًا بمقدار ما تعبر عن شخصية هذا الشخص فقط، فهي إنما وضحت أولًا لتعبر عن رأيه هو في الحياة والأشياء من وجهة نظر شخصيته الخاصة التي يصورها المؤلف، وهي لذلك قد تتفق أو لا تتفق مع رأي المؤلف نفسه، فالمؤلف في تصويره لشخصية قد ينطقها بآراء لا توافق، بل قد تتناقض أشد مناقضة رأيه هو عن الحياة والأشياء، ولكنه يفعل ذلك بدافع الإخلاص النزيه في تصوير وجهات النظر المختلفة، وإذن فخطأ أن تلتقط كل كلمة ورأي يقولهما أحد أشخاص درامات شكسبير وتقول هذا رأي شكسبير نفسه. وإنما نحتاج لكي نجزم بأن هذا الرأي هو رأي المؤلف نفسه إلى أن نقيس هذا الرأي بالجو العام للدراما كلها وبسير حوادثها ووحدة معناها العام، وإذن فيجب أن نختبر كل قول يقوله أحد أشخاص الدراما بالروح العامة للدراما وباتجاه حركتها والميل الذي تتخذه حوادثها.
وهذا يقودنا إلى نقطتنا الختامية. إن نقد المؤلف الدرامي للحياة لا يتجسم إلا في الروح العامة والاتجاه الكلي لحركة درامته. وإذن فلكي نستكشف هذا النقد يجب أن نفحص درامته كلها، وأن نفهم رجالها ونساءها وحوادثها وعواطفها ودوافعها وصراعاتها ونجاحها وإخفاقها، أي أن نفهم عالمها الكلي الذي خلقه المؤلف، فكل مسرحية كما رأينا من قبل عالم مصغر يخلقه المؤلف، وإذن فيجب أن يكون هذا العالم الذي يخلقه مرآة لشخصيته، ومعرضًا لمزاجه وذوقه وعقله، ووجهة نظره إلى الأشياء، واتجاه أفكاره وميوله، والمعنى العام الذي يفهم به الحياة، حقًّا أن من الصعب جدًّا بل من المستحيل أحيانًا أن نصف روح عمله واتجاهه في أي عبارة محددة مجردة تقنعنا بأنها نهائية ومضبوطة، ولكن التحليل الدقيق للتأثير العام الكلي الفكري والخلقي الذي يتركه العمل علينا يعطينا فهمًا عامًّا لفلسفة المؤلف الدرامي عن الحياة.
١ المترجم: الدراما drama أو القصة التمثيلية هي ما كتبت لا للقراءة ولكن للتمثيل على المسرح بواسطة الممثلين فقط، والدراما كل قصة تمثيلية سواء أكانت مأساة أم مهزلة. و الرواية novel التي تكتب لتقرأ لا لتمثل.
٢ الكورس جماعة من المغنيين والراقصين يمثلون الشهود للرواية التمثيلية، ويعقبون كل منظر ومرحلة بتعليقهم وشرحهم ونقدهم بواسطة الغناء والرقص.



