النقد الأدبي:الرواية / احمد امين
التصميم في الدراما
في وضع المؤلف التمثيلي لتصميمه plot نجد مشكلة واحدة تضايقه، وليست تضايق زميله المؤلف الروائي، فالروائي يتمتع بحرية تامة في طول عمله، وبالتالي في كمية المادة التي يكون منها هذا العمل. وأما التمثيلي ففي كلتا النقطتين يتقيد بقيود شديدة قاسية، فالرواية ليست مرسومة لكي تقرأ خلال جلسة واحدة، بل يمكن القارئ أن يدعها ثم يأخذها ثانيًا كيف شاء وحين يحب، ومطالعتها قد تمتد إلى أيام وأسابيع، وليس من شرط ضروري إلا كون الروايات شائقة بحيث تحمله على أن يعود إليها حين تسنح له الفرصة. وأما القصة التمثيلية فعلى العكس من ذلك قد وضعت لكي تسمع في جلسة واحدة، ولما كانت القوة البدنية لاحتمال النظارة محدودة، وبما أنه حين تبلغ الدراما إلى هذا الحد يكون من المستحيل على أروع المناظر وأشوقها أن تجتذب الانتباه وتمنع السأم، لذلك كان القانون العملي الأول للعمل المسرحي قصره، فالدرامي إذن مرغم على أن يعمل في حيز فسحة محدودة جدًّا عن تلك التي يعمل فيها الروائي، ولذلك يجب عليه أن يركز مراده، ويلغي كل شيء ليس له ضرورة لازمة لغرضه، ويختار أهم الحوادث والمواقف، ويركز انتباهه عليها، وعلى هذا يمكن أن نقدر الفرق بين امتداد الرواية النثرية وبين قصر الدراما، ولذلك إذا أردنا تحويل رواية إلى دراما فالواجب اختصارها وتركيزها، حقًّا إن المؤلف التمثيلي يعاونه على تحقيق هذا القصد هذه الفنون الثانوية على المسرح، فكثير مما يجب على الروائي أن يشرحه يمكن الدرامي أن يدعه لأداء الممثل، بينما البيئة المسرحية تحرره من ضرورة الوصف اللفظي، ولكن برغم ذلك فمشكلة وضع مادته وضعًا واضحًا مؤثرًا في حدود الدائرة الضيقة التي يجب أن يخضع لها هي مشكلة لا بد أن تجهد مهارته في حلها، وعلى ذلك فأول انتباه نوجبه إلى تصميمه يكون إلى هذا الجانب منه. والتحليل سوف يرينا أنه بينما الروائي يحكي قصته في قصص مستمر متتابع يعالج علاجًا كاملًا كل مسألة تنشأ في طريق سيره وقت نشوئها، فإن المؤلف الدرامي يستبقي للمعالجة الكاملة عددًا من المناظر الهامة يضمها بعضها إلى بعض بحلقات القصة. ولكن القصص التمثيلية قد تختلف في هذه الناحية باختلاف ظروفها وأزمانها، فالدراما الحديثة أشد ميلًا إلى هذا التركيز والاختصار والضم، أما في درامات شكسبير كما شرحنا سابقًا فإن التصميم أكثر تفكُّكًا وتراخيًا.
التشخيص
إذا كانت الاختلافات بين الدراما والرواية في التكوين كبيرة فإنها أكبر في تصوير الشخصيات.
التشخيص في الدراما
يظن بعض الناس خطأ أنه بما أن المسرح يعتمد إلى حد كبير على الحركة فإن التشخيص أو تصوير الشخصية في القصة التمثيلية له أهمية ضئيلة. وهذا خطأ محض، وكل ما قلناه عن أهمية التشخيص في الرواية ينطبق على التشخيص في الدراما، قال المستر هنري أرثر جونس: «إن القصة والحوادث في العمل المسرحي إذا لم تربطا بالشخصية كانتا أشياء صبيانية وغير ثقافية. فإنها يجب أن تكون مظهرًا ثانيًا من مظاهر الشخصية.» وهذا قول صائب؛ فالتشخيص هو العنصر الأساسي حقًّا والباقي حقًّا في عظمة أي عمل درامي، ويكفي أن نرجع إلى شكسبير لنجد مثالًا مقنعًا، فليس من أحد يدعي أن مسرحياته مدينة بمكانتها الخالدة في الأدب إلى صفة تصميماتها، بل إن المتعة التي تحتفظ بحياتها هي متعة الرجال والنساء الذين فيها.
«وإن السبب في أن دراما ماكبث مأساة عظيمة وليست مجرد مجموعة من مواقف الرعب والفظاعة هو أن لبها ليس الجرائم التي يرتكبها ماكبث، بل هو شخصية ماكبث نفسه، وإن السبب في أن (تاجر البندقية) مهزلة عظيمة وليست مجرد مجموعة من السخافات الصبيانية، هو أن لُبّها ليس الأشياء التي تحدث، بل الناس الذين يحدثونها». وإذا اعتبرنا دراما هاملت بمجرد تصميمها فإننا يجب أن نعدها من بين هذه المآسي الفياضة بالدم، أو روايات الانتقام التي تخاطب الأعصاب القوية في الجمهور الإليزابثي بما فيها من قوة عنيفة وانفعالات فظيعة. ولكن شكسبير قد صنع من هذه المادة التي لا تبشر بنجاح دراما على أعظم قدر من الإمتاع، وقد صنعها كذلك بواسطة تنمية ما نسميه في لغة عصرنا بالعنصر السيكولوجي، وإن حيوية هذه الدراما لا تعتمد على شيء إلا على هذا العنصر السيكولوجي.
شروط التشخيص
الشرط الأول في التشخيص في الدراما هو كالشرط الأول في تأدية تصميمها ألا وهو الإيجاز. قد يقال في تبرير رواية أطول من اللازم: إن عرض الدافع والتصوير التام للشخصية يستدعي ويبرر تطويلًا وإسهابًا، أما الدرامي فإنه يجب أن يتناول الدافع والشخصية في داخل الفسحة الضيقة لمناظر أقل نسبيًّا، وفي خلال نفس الوقت يجب عليه أن يهتم بتدرج قصته، وأرى من اللازم أن أزيد انتباه القراء إلى هذه النقطة الهامة بالتأكيد في الشرح.
ويكفي أن نمثل لذلك بماكبث، فماكبث نموذج للإيجاز في تناول الوقائع، وأهم من ذلك أنها نموذج للإيجاز في تصوير الشخصية، وشخصية ماكبث وشخصية زوجته من أخلد الشخصيات التي صورها شكسبير، وقد اتفق النقاد على أنه قد أمدهما بالصدق وغرابة الحياة والحيوية، ولكن قد ندهش إذ نجد أن شكسبير لم يقل عنهما في الرواية إلا شيئًا قليلًا، ولم يجعلهما يتكلمان إلا قدرًا صغيرًا من الكلام، ومع ذلك فقد صورهما التصوير الكامل التام الوافي، ولذلك كانا المثل الرائع الأعظم للتركيز في تصوير الشخصية.
فالتركيز على ذلك صفة ضرورية في التشخيص الدرامي، وهو يستدعي لذلك التأكيد البارع الدقيق للصفات التي يجب أن تتضح أشد الاتضاح. وإذن فالحاجة في الدراما أشد منها في الرواية إلى أن يكون لكل كلمة من المحاورة معناها وفائدتها، ويجب أن لا يصور من الشخصية إلا الجوانب الهامة المتعلقة بمجموع القصة والشخصيات الأخرى.
الحياد الشخصي
شرط آخر أشد أهمية في التشخيص الدرامي هو ضرورة الحياد الشخصي، فهو يستطيع أن يختلط بنفسه بحرية برجال ونساء قصته، ويحللهم من الخارج ويصدر أحكامًا عليهم وعلى أفكارهم وعواطفهم؛ أما الدرامي فلا يستطيع أن يفعل هذا، فإنه مرغم على أن يقف محايدًا، وهذا من المميزات التي يتمتع بها الروائي ولا يتمتع بها الدرامي، وبخاصة حين توجد التعقدات في الشخصية والظلال الدقيقة للدافع والانفعال، فإذا أضفنا إلى هذا ما يتمتع به الروائي من الاستخدام الحر لسعة المكان وسعة الزمان أدركنا أنه يتفوق على الدرامي في ميدان التشخيص، وهذا من الأسباب التي أدت إلى اكتساح الرواية لمقام الدراما في عالم الأدب.
طرق التشخيص
وصلنا الآن إلى الفرق الأساسي بين التشخيص في الدراما والتشخيص في الرواية، ولذلك تنشأ مسألة طرق التشخيص الدرامي، فالدرامي محرم عليه أن يستخدم طريقة الروائي البسيطة في أن يجعل نفسه القائم بمهمة المفسر لرجاله ونسائه، والذي يخبرنا بما نحتاج إلى أن نعرفه عنهم، وإذن فكيف يؤدي الكاتب التمثيلي شخصياته إلينا! وكيف يصور لنا أشخاصه التي يرسمها؟ هو يفعل ذلك في طريقتين فقط بواسطة التصميم، وبواسطة أقوال أشخاصه.
الحركة
التصميم أداة هامة من أدوات التشخيص، ونحن عادة نخطئ فهم قيمته في التشخيص بسبب تعودنا الفصل بين الاثنين، فالحق أن الحركة تحتوي الشخصية وتتضمنها فخلال حركة القصة، وبنوع خاص خلال أزماتها ومواقفها الكبيرة نشعر بالصفات العامة الثقافية والخلقية للأشخاص الذين يشاركون فيها، نعرفهم بما يعملون، كما نعرف الشجرة بثمرتها، ويزداد هذا وضوحًا إذا تذكرنا ما قلنا عن الأهمية المتبادلة بين التصميم والشخصية، وفي الدراما الجيدة، كما في الرواية الجيدة يستقر التصميم في الحقيقة على الشخصية، فهو يتضمن كما قلنا أن عددًا من الناس لهم هذه النفسيات المعينة، وتحت إرغام هذه الدوافع والانفعالات المعينة قد اجتمعوا معًا في ظروف أنشأت تبادلًا من التأثير بينهم، وإذا كان كذلك فتدرج القصة بالضرورة يظهر نفسياتهم ودوافعهم وانفعالاتهم، وهي في الحق القوى الفعلية التي من وراء الحوادث التي تتألف منها القصة، ولذلك قال المستر جونس: «إن القصة والحادثة والموقف يجب أن تكون مظهرًا ثانيًا من مظاهر تدرج الشخصية». وقد كان «ديدرو» له عادة غريبة، هي أن يذهب إلى المسرح بعد أن يسد أذنيه حتى لا يسمع حديث الممثلين، وبذلك يحكم على القصة الممثلة من مجرد حركتها، ويمكن أن نقوم بنفس التجربة لكي نرى كيفية تصوير الحركة وحدها للأشخاص، وإذ ذاك سنرى أن الصفات العامة للأشخاص لا بد أن نعرفها وندركها إدراكًا صحيحًا لا يتطرق إليه الخطأ من مجرد أعمالهم، أما التفصيلات في هذه الصفات فبالطبع لا نعرفها إلا من المحاورة.
المحاورة
التصميم لا يدل من شخصيات الأشخاص إلى على صفاتها العامة، ثم هو لكي يدل على هذه الصفات العامة دلالة واضحة يجب أن يكون قويًّا بارزًا في تخطيطه وفي حركته التامة، وأن مواقفه النقدية تكون محددة تحديدًا جيدًا بحيث لا يمكن الخطأ في فهم معناها. وكل هذه الشروط تحققها الدراما الإنجليزية الرومانتيكية، أما عن تفاصيل التشخيص، وعرض الدوافع والانفعالات والعواطف في نموها وتعقدها وتضاربها فإننا يجب أن ننتقل من الحركة نفسها إلى المحاورة التي تصاحبها، وهذا يكون ألزم إذا كانت الدراما نفسانية تعنى بتحليل الدوافع الخفية المستترة في أعماق النفس، وهكذا تصبح المحاورة ذيلًا ضروريًّا للحركة، بل تصبح جزءًا داخلًا فيها، فالقصة تتحرك في خلال الكلام وتتضح مرحلة فمرحلة بواسطته، ولكن المهمة الرئيسية للمحاورة في الدراما كما هي في الرواية تتعلق كما قلنا تعلقًا مباشرًا بالتشخيص. فالمحاورة هي الأداة التي يستخدمها الدرامي للشرح والتحليل.
والمحاورة أداة من أدوات التشخيص عن وسيلتين: الأولى الأقوال التي يقولها الشخص عن نفسه في حديثه مع الآخرين، والثانية الملحوظات التي يقولها الآخرون عنه في الدراما.
فأما عن الوسيلة الأولى، فإن أقوال أي شخص في الدراما تقدم شرحًا دائمًا مستمرًّا على سلوكه وشخصيته، وحين يكون هذا الشرح ضروريًّا بنوع خاص فإننا نجد الحركة تتوقف في بعض المناظر وتستمر الأفكار والعواطف والعوامل في سيرها ونموها وتدرجها، وبذلك نجد ما يسمى (الكلام المجرد mere talk) أي الذي لا يحمل حوادث، ولكنه فقط يزيد في عرض الشخصية وتحليلها، ولكن يجب أن نحذر في الحكم على شخصية شخص من أقواله هو فقط، فهو قد يخفي صفاته الحقة ويحاول ادّعاء غيرها.
والمؤلف المسرحي في تصوير شخصيته قد يبدأ بأن يصور منها قليلًا من صفاتها ثم يأخذ يندرج في إكمال تصويرها قليلًا قليلًا حتى تأتي أزمة أو موقف خطير يوضح السر الكامل في حقيقة هذه الشخصية، والمؤلف الماهر قد يبدأ بأن يعرض كل الصفات الأساسية في أشخاصه الرئيسية، وهي الصفات التي يدور حولها التصميم، وهذه في العادة طريقة شكسبير.
هذه الوسيلة المباشرة يعاونها في تصوير شخصية الشخص ما يقوله عنه الآخرون في مواجهته أو بينهم وبين أنفسهم. ولكن في حكمنا على شخصية بما يقوله عنها الآخرون يجب أن نحترس ونتذكر أن ما يقوله عنها شخص آخر إنما يعبر أولًا عن نفس هذا الشخص وعن رأيه في تلك الشخصية وفهمه لها، وهو في ذلك متأثر بحبه لها أو كرهه إياها. وإذن فيجب ألا نأخذ حكمه حجة لا تناقش، بل نفهم قيمته الحقة والسبب الذي أدى إلى أن أصدره، ثم نقابله بما يقوله الآخرون عن نفس الشخصية، ومن كل ذلك نستطيع أن نحصل على ما يعيننا على الفهم الحقيقي لطبيعة هذه الشخصية.
حديث الفرد إلى نفسه
من أهم الوسائل التي يستعين بها المؤلف الدرامي على تصوير نفسية الشخص ما يضعه على لسان هذا الشخص حين يجعله يتكلم إلى نفسه منفردًا، والمؤلف الدرامي يستعين بذلك على التعمق بنا في المنابع الخفية لطبيعة الشخص، وعلى عرض هذه المنابع التي ينشأ عنها السلوك، والتي لا يستطيع أن يظهرها في المحاورة العادية. فإنه قد يكون من اللازم لكي نفهم شخصًا فهمًا تامًّا أن نعرف ما يجول في داخل نفسه من العوامل والأسرار التي لا يعبر عنها ولا يكشفها، وفي سبيل ذلك نجد الدرامي يجعل أشخاصه يتحدثون إلى أنفسهم بصوت عال؛ وهكذا نسمعهم، وحديث الفرد إلى نفسه Soliloquy كان وسيلة شائعة الاستعمال في الدراما الإليزبثية. وشكسبير يستعمله في دراماته كثيرًا، ولكن النقد في أيامنا هذه يعارضه معارضة شديدة ويكره استعماله في الدراما الحديثة، ويرى أن واجب الدرامي تجنبه، ولهذا اختفى حديث الفرد إلى نفسه من الدرامات الكبيرة المعاصرة، وبدلًا من ذلك يبيح النقد المعاصر حيلة يستعيض بها المؤلف عن جعله الشخص يتحدث إلى نفسه، وهي جعله يتحدث إلى صاحب أمين أو صديق مخلص له يصارحه بكل شيء فيكون في الحقيقة كأنه يخاطب نفسه. ولكن النقد يشترط في سبيل ذلك أن يكون لهذا الصديق دوره الحيوي واشتراكه الضروري في القصة التمثيلية.
ولكن يجب ألا نحكم على شكسبير بقواعد النقد المعاصر إذا رأيناه يكثر من استعمال حديث الشخص إلى نفسه، فهي كانت وسيلة مقبولة متبعة في العصر الإليزابثي، وشكسبير يستعملها بنوع خاص في شخصياته المعقدة الصعبة.
التقسيمات الطبيعية للتصميم الدرامي
لا نستطيع أن نمضي قدمًا في دراسة أي دراما إلا بعد معرفة شيء عن المبادئ العامة لتخطيط الدراما.
كل قصة درامية تنشأ من نوع من الصراع، أي اصطدام أفراد متعارضين أو عواطف متعارضة أو أغراض متعارضة، وفي أبسط أنواع القصة وأكثرها شيوعًا يكون هذا الصراع شخصيًّا محضًا، فيكون الاصطدام بين الخير والشر كما هما مجسمان في بطل القصة، ولكن قد يتخذ الصدام أشكالًا أخرى متعددة، فيكون الصراع بين البطل وبين القدر أو الظروف كما في «أوديب الملك». أو بينه وبين القانون أو تقاليد المجتمع كما في «أنتيچون». أو يكون الصدام بين البطل وبين القوى الخارجية المعادية مصاحبًا للصراع الداخلي الذي ينشأ في طبيعة الرجل نفسه، فيكون الرجل في حرب مع نفسه كما في «هملت» و«ماكبث» ونورًا في «بيت اللعبة» ومهما يكن من شيء فإن أساس التمثيلية نوع من الصراع، وبابتداء هذا الصراع يبدأ التصميم الحقيقي، وبانتهائه ينتهي التصميم الحقيقي. ولما كانت المتعة الأساسية للقصة بين هذين الطرفين مكونة من تدرج الصراع وتقلباته، فإن حركة التصميم ستتبع بالضرورة سبيلًا تام التحديد والانضباط، فالتعاقدات الناشئة من الصدام الابتدائي بين القوى المتعارضة تظل تتزايد حتى تصل إلى نقطة يكون فيها التحول النهائي إما هذا الجانب أو ذاك الآخر، وبعد ذلك يكون سير الحوادث متجهًا إلى الانتصار النهائي للخير على الشر أو للشر على الخير وإن تخلل ذلك بعض عقبات ثانوية. وهكذا نستطيع أن نتميز في أي مسرحية ما يسمى (الخط الدرامي dramatic line) ويتكون من:
أولًا: الحادثة أو الحوادث الابتدائية التي ينشأ عنها الصراع.
ثانيًا: حركة النهوض أو النمو أو التعقد وتشمل الجزء من الدراما الذي فيه يستمر الصراع يزداد في الخطورة بينما تظل نتيجته مبهمة.
ثالثًا: نقطة التحول، وفيها يحصل جانب من الجوانب المتعارضة على فوز وتغلب بحيث يضمن النصر النهائي.
رابعًا: حركة الهبوط أو الحل وتشمل جزء الدراما الذي يتكون من المراحل التي يسير فيها اتجاه الحوادث إلى هذا النصر النهائي.
خامسًا: الخاتمة أو الكارثة، وفيها ينتهي الصراع.
هذا هو التقسيم الطبيعي لتكوين القصة الدرامية أعني إلى أقسام خمسة، ولكن هناك التقسيم الآلي إلى فصول خمسة عادة، وفي هذا التقسيم الآلي تبدأ حركة النهوض أو التعقد في الفصل الأول وتستمر حتى الفصل الثالث، والفصل الثالث يحتوي عادة جنبًا لجنب مع جزء من التعقد على نقطة التحول وبداية حركة الهبوط، ويستمر الهبوط أو الحل في خلال الفصل الرابع والخامس، والتقسيم الطبيعي بما أنه طبيعي فهو مستقل عن كل تقسيم للقصة إلى عدد معين من الفصول. ففي الدراما الحديثة التي تتكون من أربعة فصول، وفي الدراما القصيرة من فصل واحد يظل يوجد هذا الخط الدرامي بكل أقسامه.
ولكن تحليلنا للتكوين الدرامي لا يزال ناقصًا؛ فبرغم أن التصميم الحقيقي للدراما يبدأ بابتداء الصراع فإن هذا الصراع ينشأ عن ظرف معين موجود من الأشياء وعلاقات معينة بين الأشخاص الذين سيصطدمون، ولذا لا بد من وجود هذا الظرف وهؤلاء الأشخاص. ولا بد إذن من شرح هذه العلاقات والظروف وإلا فإننا لن نفهم القصة، ولذلك يوجد قسم آخر من الدراما وهو المقدمة أو العرض، ويشمل الجزء الذي يقود إلى الحادثة الابتدائية ويمهد لها.
وقد تعوّد الكتّاب عن النظرية الدرامية أن يرسموا الخط الدرامي في خط بياني يكون له أشكال مختلفة ويكون عادة هرمي الشكل. فمنها هذا الشكل:

وفي هذا الخط البياني يمثل:
(١) المقدمة أو العرض.
(٢) الحادثة الابتدائية.
(٣) نهوض الحركة إلى نقطة تحولها.
(٤) نقطة التحول.
(٥) الهبوط أو الحل.
(٦) الخاتمة أو الكارثة.
وهذا الرسم البياني لا يمثل إلا الدراما التي فيها تكون نقطة التحول في منتصف التصميم تمامًا، وبذلك تنقسم إلى قسمين متساويين كما في «يوليوس قيصر». وإذن فيجب تغيير هذا الرسم البياني لكي يمثل الحالات التي لا يوجد فيها هذا التوازن التام.
ففي «الملك لير» تبدأ نقطة التحول الحقيقية للتصميم في المنظر الأول، ولذلك يمثل الخط الدرامي لها بهذا الرسم:

وفي عطيل لا تبدأ نقطة التحول إلا في المنظر الأول من الفصل الرابع، ولذلك تمثل الخط الدرامي لها بهذا الخط البياني:

وقد انتشرت عادة استعمال هذا الرسم البياني الهرمي الشكل في دراسة الصنعة الدرامية.
والآن وقد درسنا ما هي التقسيمات الكبرى للقصة الدرامية ننتقل إلى اختيار هذه التقسيمات واحدًا فواحدًا وندرس في كل منها ما يحقق المطالب الرئيسية للعمل الدرامي الجيد.



