النقد الأدبي:الرواية / احمد امين

هناك أشياء مختلفة يحسن أن نميز بينها، فهناك القصة والرواية Novel والمسرحية Drame فلنصطلح على أن نسمي القصة ما كانت قصيرة، والرواية ما كانت طويلة، والمسرحية ما كانت رواية تمثيلية، فمن الناحية التاريخية كانت المسرحية تسبق الرواية لأنها نشأت قبلها، ولكننا هنا سنعكس الترتيب والزمن فندرس الرواية أولًا، وواضح أن المسرحية والرواية تتكونان من عناصر واحدة.
والرواية مدينة بوجودها لاهتمام الرجال والنساء في كل مكان وزمان بالرجال والنساء وبالعواطف الإنسانية والسلوك الإنساني، وقد كان هذا الاهتمام من أكبر الدوافع للأدب، والمسرحية ليست أدبًا خالصًا، بل هي فن مركب يتكون من الفن الأدبي والإخراج المسرحي والأداء التمثيلي وبهذا تختلف عن الرواية لأنها مستقلة عن هذه الفنون الأخرى.
والمسرحية تعتمد أيضًا على الملابس والمناظر وجميع الأشياء الأخرى المساعدة على العرض التمثيلي، والرواية لتخلصها من هذه القيود تكتسب حرية في الحركة واتساعًا ومرونة لا يمكن أن تصل إليها المسرحية، وهذا أحد الأسباب التي أدت إلى أن تحل الرواية محل المسرحية، وكذلك نجد اختلافًا أساسيًّا بين الرواية والمسرحية، وهو أن المسرحية أشد صور الفن الأدبي إجهادًا، والرواية النثرية أسهلها، فالمسرحية تستلزم تدريبًا طويلًا على الصنع ومعرفة كاملة بالمسرح، بينما يستطيع أي إنسان أن يكتب رواية إذا كان لديه القلم والحبر والورق وقدر من الفراغ والصبر، ومن أجل ذلك كان من السهل نسبيًّا وضع قوانين للمسرحية، ولكن يصعب ذلك في الرواية.
ومع ذلك يمكن وضع بعض القوانين للرواية. فالرواية أكثر مرونة وحرية، ولنذكر الآن موجزًا للعناصر الرئيسية التي تتكون منها الرواية، وهي تفيدنا أيضًا في الحكم على المسرحية.
الرواية أولًا تتناول حوادث وأعمالًا، وهي ما نسميه بالتصميم، وثانيًا: هذه الأحداث تحدث لناس يفعلونها ويقاسونها، وثالثًا: تخاطب هؤلاء الناس.
والناس الذين في الرواية يسمون الأشخاص، وحديثهم يسمى الحوار، والحوار عنصر مرتبط أشد الارتباط برسم الأشخاص، وهذه الحوادث تحدث والأشخاص يعملون ويتحاورون في زمان ما ومكان ما، وهذا يكون عنصر الزمان والمكان. ثم إنهم يتكلمون بأسلوب خاص، وهذا هو عنصر الأسلوب، ويبقى بعد ذلك عنصر أخير، سواء أدركه الكاتب أو لم يدركه، وهو عرض الكاتب رأيًا ما في الحياة ومشاكلها.
فالتصميم والأشخاص والحوار، وزمن الحوادث ومكانها والأسلوب والفلسفة الصريحة، أو الضمنية عن الحياة، هذه كلها هي العناصر الرئيسية للرواية النثرية جيدة أم رديئة، وسنهمل عنصر الأسلوب لأنه عام في كل أنواع الأدب، وقد شرحناه من قبل.
التصميم
وكل أديب يستطيع أن يجد موضوعًا للرواية مما يشاهده أو يقرؤه أو يسمع عنه من أحداث لأي ناحية من نواحي الحياة. والروائي الكبير من كانت تصميماته لها قيمة ذاتية في نفسها، ومعنى إنساني صادق، ولا يتناول الشئون التافهة التي تقع فوق السطح، بل يتناول العواطف والصراعات والمشاكل التي مهما اختلفت صورها فهي تنتمي إلى الماهية الإنسانية، فالرواية العظيمة هي التي تهتم بالأشياء التي تجعل الحياة نشيطة جياشة ذات قيمة أخلاقية، والرواية قد تكون كذلك، وهي مستمدة من أبسط قصة ومن أوضع الناس، كما تكون كذلك في الحركات العظيمة في التاريخ والبطولة، وليس معنى هذا أن الرواية يجب أن تقتصر على أنواع المآسي في الحياة، بل إن هزل الحياة له أهمية عظمى كالمآسي، وإنما نعني أن الرواية لا تكون عظيمة حقًّا إلا حين تضرب بدورها إلى مدى واسع عميق في الأشياء التي تتعلق بنا أشد تعلق وأدونه في صراعات إنسانية. ومن مهمات الرواية أن تقدم للإنسان المتعة في ساعات الفراغ، وتقدم شعورًا بالخلاص من قيود الشئون العملية، وأية رواية تؤدي المهمة في هذا السبيل تكون قد أدت واجبها بشرط أن تكون هذه المتعة صحيحة وقوية وسليمة، وتكون مهارة الروائي في تصوير الأشخاص وفكاهتهم، أو أية صفة أخرى تكفي في رفعها إلى درجة عالية في الأدب الروائي، ولو كانت ناقصة من النواحي الأخرى.
أهمية الأشخاص
ونرجع إلى المبدأ الأصلي في كل الأدب وهو أن الرواية لا يمكن أن يكون لها شأن عظيم إلا إذا اتصفت بالصدق، أعني أن يكتب الروائي روايته في فهم ودقة، في موضوع يعرفه تمام المعرفة.
وقد فسر هذا المبدأ بأن الروائي يجب أن يقصر نفسه على ميدان علاقته الشخصية ولا يتجاوزه، ولذلك انتقدت بعض الكاتبات الروائيات بأنهن يحاولن أن يكتبن مثل ما يكتب الرجال، ومن وجهة نظرهم بدل أن يكتمن من وجهة نظرهن، ولهذا مدحت الكاتبة الروائية (جان أوستن) لأنها كانت تقصر كتابتها على ما كانت تعرفه شخصيًّا، وكانت تصف الرجال من جهة نظر النساء، ومحاورتها تدور بين النساء والرجال وقل أن يكون ذلك بين الرجال وحدهم.
وهذا المبدأ لا يتبعه إلا الأقلون، والخروج من هذا المبدأ غلطة يقع فيها الكتاب الناشئون، فيكتبون في موضوعات لا يعرفونها معرفة تامة، كأن يكتبوا عن البحر وهم لم يركبوه، أو عن الصيد وهم لم يصيدوا، أو عن المصايف وهم لم يصيفوا، وعند بعض الأفراد ملكة تجعلهم يتخيلون في صحة وصدق ما لم يروا، وهذه ميزة اتصف بها شكسبير، فقد كان يستطيع أن يصف في دقة طباخ الملك في القصر ومشاعره وهو لم يره قط.
وهنا نتساءل عند كل رواية نقرؤها هذين السؤالين: هل هي رواية جديدة وشائقة، ثم هل هي تحكي بطريقة جيدة فنية؟ ومعنى هذا أننا نتطلب من الرواية أن تكون جيدة من نوعها وبكيفيتها الخاصة، وأن تكون محبوكة حبكة ماهرة لا يبدو فيها ثغرات ولا تهافتات، وأن أجزاءها تتلاءم وتتوازن وتتناسق، وحوادثها تبدو كأنها طبيعية تنشأ وحدها من غير تكلف، وأن تعطي الحوادث قيمة بحسب أهميتها، وأن يكون الروائي ماهرًا في القص، وهي موهبة أندر مما نظن، ونستطيع أن ندرك ذلك من الناس الذين يقصون القصص على الموائد والمجالس، فإنا قلّ أن نجد بين المتحدثين ماهرًا في القصص، وهي موهبة ليس لها علاقة بثقافة المتحدث، فقد يكون الروائي مثقفًا ثقافة محدودة، ومع ذلك يكون في استطاعته أن يقص القصة بطريقة طبيعية سهلة مشوقة، وهناك من هم أعظم ثقافة، ولكنهم فقدوا هذه الملكة فكان قصّهم ثقيلًا قابضًا للصدر.
وعلى العموم فأداء الرواية غير الملائم يضيع كثيرًا من الرواية ومن المسرحية.
التصميم المفكك والتصميم المحكم
يمكننا أن نميز بين نوعين من الرواية، فبعض الروايات لها تصميم مفكك، والأخرى محكم. ففي الحالة الأولى تتكون الرواية من عدد من الحوادث قد جمع بعضه إلى بعض دون علاقة منطقية، أو بعلاقة ضعيفة.
فالرواية إذ ذاك لا تعتمد على سير الوقائع، بل تعتمد على شخصية البطل الذي يكون المركز الرئيسي للرواية، فيجمع كل العناصر المتفرقة في شخصه، وتكون الرواية في الواقع تاريخًا لمخاطرات متنوعة تحدث لفرد في مجرى حياته أكثر منها تصميمًا للوقائع المنتظمة المترابطة التي تقربنا كل خطوة فيها إلى النتيجة النهائية. فقد تكون كل مرحلة منها مترابطة، ولكن ليس بين هذه المراحل معًا ترابط، وذلك كمجموع مقامات بديع الزمان الهمذاني، ومقامات الحريري، وفي هذا النوع ليس بضروري أن يكون الكاتب قد وضع تفاصيل روايته مبدئيًّا، بل يكفيه أن يكون في ذهنه فكرة عامة عن المجرى الذي ستتخذه، ثم يدعها تتدرج وحدها في خلال سيرها.
أما في روايات التصميم المحكم فلا تنفصل الوقائع بعضها عن بعض، بل تضم بعضها إلى بعض على صورة محددة. ففي هذه الحال تكون لدى الكاتب فكرة عامة قبل البدء في كتابة الرواية، ولا بد أن يدرس بالتفصيل المشروع بأكمله وأن ينظم الأشخاص والحوادث حتى تكون في أماكنها الصحيحة، وأن يرسم الاتجاهات المتعددة التي ستتلاقى في الخاتمة.
ولكن هذا التمييز بين نوعي التصميم ليس تمييزًا دقيقًا تامًّا، فقد يكون في روايات التصميم المحكم مقدار كبير من المادة المفككة، وقد يقترب النوعان تمامًا في بعض الروايات. ويجب ألا نعتقد أن الرواية المحكمة أسمى فنًّا من الرواية المفككة، بل قد تكون الرواية العظيمة حقًّا من النوع المفكك، والرواية التي يكون تصميمها محكمًا معرضة لنوعين من الضعف. فقد تكون أحكمت بطريقة آلية تسبب عدم الارتياح لما تجده من الصنعة المصطنعة، وقد ينقصها الإقناع في التفاصيل، وذلك بأن يسيء الكاتب استخدام عامل المصادقة. فقد ترى في بعض الروايات أن جميع أنواع الأشياء غير المتوقعة تحدث مفاجأة، ويوجد الرجال والنساء المطلوبون في المكان المطلوب من غير سبب يدعو إلى وجودهم في ذلك الوقت. وقد يدافع بعضهم عن استخدام عامل المصادفة في الرواية بأن المصادفات كثيرًا ما تحدث في الحياة الواقعة، ولكنه دفاع ضعيف لأنه إذا صح ما يقولون من أن الحقيقة أغرب من الرواية، فمعنى ذلك أن الرواية يجب ألا تكون في غرابة الحقيقة. وعلى العموم يجب في تصميم الرواية أن يسير سيرًا طبيعيًّا ويكون خاليًّا من الصنعة والتكلف.
التصميم البسيط والتصميم المركب
تصميم الرواية إما أن يكون تصميمًا بسيطًا أو مركبًا أو أن يكون متكونًا من قصة واحدة فقط، أو قصتين فأكثر. وقانون الوحدة يقتضي في التصميم المركب أن تكون الأجزاء مترابطة، ويفقد التصميم المركب عادة جودته إذا كانت الرواية مؤلفة من قصتين أو أكثر ليستا متداخلتين تداخلًا صحيحًا.
وأخيرًا يجب أن تكون أجزاء الرواية، أو الروايات متوازنة لا يطغى جزء منها على الآخر.
وهناك ناحية أخرى في دراسة التصميم، وهي أن الروائي له الاختيار بين ثلاث طرق، الطريقة المباشرة والطريقة الشخصية، وهي أن يتحدث القاص على لسان شخص آخر وطريقة الرسائل. ففي الطريقة الأولى يكون المؤلف مؤرخًا يقص عن الخارج، وفي الثانية يكتب في لهجة المتكلم متخذًا لسان أحد أشخاص الرواية، وفي العادة يكون هذا الشخص هو البطل أو البطلة، وفي الطريقة الثالثة نعرض الوقائع المتعددة واليوميات، وأحيانًا تتعاون الطرق الثلاثة. ولكل طريقة مزاياها، فالطريقة المباشرة تسمح بحرية السير وسعة المجال، والطريقتان الأخريان أكثر صعوبة، ولكنهما تمتعان أحيانًا متعة أدق وأحب. والأفضل أن تتجنبا إلا إذا نجحتا نجاحًا يعوض متاعبهما. ففي الطريقة الشخصية قد يخفق الروائي في أن يعرض كل مادته في دائرة معرفة المتكلم وقوته، وقد يخطئ النغمة الشخصية وطريقة الرسائل معرضة حتى في يد الفنان الماهر إلى أن تكون جافة غير مقنعة، وفي دراستنا للرواية من أحد هذين النوعين يجب أن نتساءل دائمًا لماذا اختار المؤلف هذه الطريقة، وإلى أي حد نجح في عمله؟
التشخيص أو تصوير الأشخاص
ننتقل الآن من التصميم إلى التشخيص، فنسأل هل نجح الروائي في جعل رجاله ونسائه حقيقيين، وهل هم يتمتعون بحياة حقة؟ والروائي الماهر من تغلبت أشخاصه واستولت عليه، وجعل القارئين والناظرين يعرفونهم ويتعاطفون معهم ويحبونهم أو يكرهونهم، كما لو كانوا ينتمون إلى عالم اللحم والدم، وأول شيء نتطلبه من الروائي أن يكون رجاله ونساؤه متحركين في روايته كأنهم مخلوقات حية، وأن يبقوا في أذهاننا بعد أن ندع الرواية جانبًا وننسى تفاصيلها.
وعند بعض الروائيين عبقرية في خلق أشخاصهم حتى إنهم يستغربون شخصيات رواياتهم كما يستغربها الناس. فهي قوة خفية، وقد قال بعضهم: «إنني لا أضبط أشخاص بل هم الذين يضبطونني ويأخذونني حيث يريدونني». فالروائي وهبهم حرية الاختيار والاستقلال، وبذلك أصبحوا خارج دائرة نفوذه فتكلموا وعملوا بشعورهم الخاص، وقد ينتجون نتائج غريبة غير منتظرة، ويفرق بين الكاتب ذي العبقرية الخالقة وبين المقدرة المجردة. فالأخيرة تصيغ نتيجتها دائمًا في دائرة المجهود الاختياري الواعي، أما الأولى فتمنح لصاحبها منحًا من غير أن يعرف من أين أتت.
ونلاحظ أن نجاح الروائي في التشخيص يعتمد إلى حد ما على قدرته على الوصف الفوتوغرافي: فأداء الممثل وتفسيره لدوره يرينا هيئة الشخصية التي يمثلها وأثوابها ومظاهرها وحركاتها، ولكن في قارئ الرواية تكون كل هذه الأشياء من عمل الخيال وحده، ولذلك يكون جزءًا هامًّا من عمل الروائي أن يساعد في الوصف على أن يحصل على إدراك الأشخاص وتصرفاتهم.
الطريقة التحليلية والطريقة التمثيلية في التشخيص
نجد أن الرواية تسمح باتخاذ نوعين متعارضين من التشخيص: الطريقة المباشرة، أو التحليلية، والطريقة غير المباشرة أو التمثيلية. ففي الأولى يصور الروائي أشخاصه من الخارج ويحلل عواطفهم ودوافعهم وأفكارهم وإحساساتهم، وكثيرًا ما يصدر أحكامه عليهم. أما في الطريقة الثانية فيقف على الحياد ويسمح لأشخاصه أن تكشف عن نفسها بواسطة الكلام والحركة، ويجعلهم يعبرون عن نفوسهم بما يضعه في أفواه الأشخاص الآخرين من تعليقات عليهم وأحكام. وطبيعة الرواية تسمح باستخدام هاتين الطريقتين ولكن ليس دائمًا، ففي الرواية التي اتبعت فيها الطريقة الشخصية، أو طريقة الرسائل يكون عرض الشخصيات مقصورًا على الطريقة التمثيلية، ولكن يمكننا أن نقول على وجه العموم: إن مجرد تكوين الرواية من القص والحوار يتضمن جمعًا بين الطريقة التحليلية والتمثيلية. ومن الدراسة اللذيذة دراسة صنعة روائي معين كيف يستخدم هاتين الطريقتين وكيف يعادل بينهما، وفي العادة نجد كل روائي تغلب عليه طريقة خاصة، وأكثر الروائيين السيكلوجيين يستخدمون طريقة التحليل المباشر. والنقد الحديث يشجع الطريقة التمثيلية، لأن هناك مبدأ صحيحًا، هو أن الشخصية يجب أن تكشف نفسها أكثر مما تحلل من الخارج، وإذا استخدم الروائي طريقة التحليل استخدامًا دائمًا وفي كل المواقف فإن ذلك يرجع إلى نقص عنده في المعنى والقوة الروائيين، ولكن ليس من اللازم المبالغة في تفضيل الطريقة التمثيلية دائمًا، والرواية بطبيعتها تسمح للروائي أن يكون بناؤه للشخصية وتحليله لها سائرين جنبًا إلى جنب، فسعة فراغه تمكنه من أن يصور الشخصية تصويرًا متدرجًا متمهلًا، فيبدأ برسم صورة رئيسية يصور ما فيها من احتمالات، ثم يتتبع سير هذا الشخص إلى الأعلى أو إلى الأسفل تحت تأثير الناس الآخرين والأحوال المحيطة والتجارب الشخصية وكل ما يدخل كعامل مكون في حياته.
وأخيرًا يجب أن نلاحظ أنه في تقديرنا العام لتصوير أي روائي لشخصياته يجب ألا نهمل تقدير سعة مجاله أو ضيقه، فكلما كان مجاله أوسع كان تقديرنا له أعظم، وكل روائي يكثر من كتابة الروايات ويتناول مدى واسعًا، لا بد أن يكون له موضع قوة وموضع ضعف، وكلاهما يلقي ضوءًا كثيرًا على الصفات الأساسية لعبقريته وفنه. وطريقة ذلك أن تحلل تحليلًا دقيقًا الطبقات المختلفة للأشخاص الذين يكونون شخصيات الروايات وبذلك نكشف عيوبها ونعرف ميزتها.
التشخيص والخبرة بالحياة
إن ما قلناه من قبل من وجوه الإخلاص والخبرة الشخصية في تصميم الرواية يقال أيضًا في تشخيصها، فالروائي يكتب أحسن ما يكتب إذا كان لديه معرفة تامة بموضوعه وخبرة صادقة بالدنيا، وإهمال هذا المبدأ قد سبب إخفاقات كثيرة حتى عند أعظم الروائيين. فلا بد من حصول الروائي على معلومات خاصة عميقة عن عادات ما يكتب عنهم وأحاديثهم ومعرفة واسعة بالطبيعة الإنسانية عامة، وعمق النظر إلى دوافعهم وعواطفهم.
وهناك علاقة بين التصميم والأشخاص، ففي الحديث العادي نميز بين نوعين من الروايات، فروايات تكون الأهمية فيها للأشخاص، بينما الوقائع ليست إلا إشارات إليها، وروايات تكون الأهمية العظمى فيها للوقائع، بينما الأشخاص لا يستخدمون إلا لإحداثها، وهذا التمييز ليس محدودًا على إطلاقه، ولكنه مفيد في بيان قيمة كل من الشخصية والواقعة، والتشخيص على العموم أكبر قيمة في الروايات من التصميم، ولذلك كانت الروايات التي تهتم بالأشخاص أسمى من التي تعتمد على الحوادث.
وقد تتعارض مطالب التصميم ومطالب التشخيص، فإذا ما بذلت العناية للتصميم أرغمت الأشخاص على أن تكون في خدمته، وإذا ما بذلت العناية للتشخيص فإن الشخصية كثيرًا ما تعوق التصميم. وما قدمناه يقودنا إلى مبدأ هام جدًّا، وهو أن الطريقة الصحيحة لعلاقة التشخيص بالتصميم أن تكون أسباب الحوادث صادرة عن الصفات الشخصية للأشخاص أنفسهم، أما الطريقة الخاطئة فهي أن نُعْنَى بكل واحد وحده من غير أن نجعل كلًّا منهما يعتمد اعتمادًا منطقيًّا على الآخر.
والروائي يجب أن يُعنى بالدوافع، وأن يقدم تفاصيل مرضية عن أسباب الحوادث المتفرقة، وأن يقنع الروائي بأن أشخاص روايته يتصرفون تصرفًا طبيعيًّا ملائمًا للوقائع الناتجة، وأنهم يتخذون اتجاهًا معينًا في التصرف مناسبًا لشخصياتهم.
الحوار
والحوار إذا أدى في الرواية أداء جيدًا كان من أمتع عناصر الرواية، فهو الجزء الذي يقترب فيه الروائي أشد الاقتراب من الناس، ويزيد في حيوية الرواية المكتوبة، وهو على قدر عظيم من الأهمية، وله قيمة عظمى أيضًا في عرض الانفعالات والدوافع والعواطف، والحوار في يد الروائي الذي يميل إلى الطريقة التمثيلية يحل محل التحليل والتعليق، ويجب توافر شروط في الحوار، فأولًا يجب أن يكون عنصرًا منتظمًا في الرواية يخدم سير الحوادث، وتصوير الأشخاص وعلاقتهم مع الحوادث. أما الحوار الدخيل فمهما يكن بارعًا أو ممتعًا، فإنه يجب أن يطرد كما يطرد الدخيل الغريب. وثانيًا يجب أن يكون طبيعيًّا ملائمًا للرواية ومتصلًا اتصالًا وثيقًا بشخصية المتكلمين، وملائمًا للموقف الذي يعرض فيه، وأخيرًا أن يكون سهلًا وحيويًّا وممتعًا، وهذه الشروط كلها تحتاج إلى مهارة.
وهناك خطر يتعرض له الروائي، وهو أن يكثر من التكرار والثرثرة والألفاظ الحادة، وهناك خطر آخر وهو أن يجعل الروائي الحوار في روايته المقروءة كالحوار في المسرحية.
الفكاهة في الرواية
ويجب أن يكون الروائي قويًّا في فكاهته وعاطفيته ومأساته، فالفكاهة هي ما يستثير الضحك، والعاطفة ما تستثير العاطفة الرقيقة، والمأساة ما تستثير الانفعال الحاد الحزين، وهناك روائيون ضعيفو الفكاهة قويو العاطفية، وآخرون بالعكس وغيرهم يتقن الانفعالات القاسية، وقلّ منهم من يجيد الحالات المختلفة ويستثيرنا إلى الحزن أو العطف أو الرعب. وهذه الملكة وإن بدت بسيطة عند النظرة الأولى فإنها في الحقيقة مسألة صعبة، فيجب أن يتساءل القارئ هل أحسن الروائي في استخدام هذه العناصر في روايته أم أساء.
والفكاهة من أعظم مواهب العبقرية، ومن أشد العوامل التي تحفظ عمل الروائي سليمًا صحيحًا ممتعًا، وقد يساء استخدامها حين نستخدم في التشهير والعيب والفضيحة أو حين تستخدم للسخرية بدل استخدامها للعطف.
والفكاهة من أعظم العوامل النافعة الفعالة في تهذيب الطباع، وهي تعتمد على روح الروائي وأدائه، فهو إذا كان ماهرًا أضحك على أشياء غير تافهة ولا قاسية، ويجب ألا يبالغ ويجعل القارئ أو الناظر يستلقي على قفاه بل يكون ذلك بقدر.
ومسألة ثانية وهي العواطف الأليمة فنحن نستمتع بهذه العواطف الأليمة في عالم الفن، مع أننا لا نستمتع بها في عالم الواقع، وقد اختلفوا في تعليل ذلك من عهد أرسطو، ومهما كان السبب فالواقع هو أننا نستمتع بها.
ومع الأسف قد يساء استخدامها، فكما أن العاطفة قد يساء استخدامها فتصبح عواطف مائعة ضعيفة متخنثة، فكذلك العواطف الحزينة قد تستثار إلى درجة شنيعة دون سبب منطقي كاف.
وليس من الممكن وضع مبادئ عامة للذوق في هذه المسائل، فقد تنتقل العواطف بخطوات قليلة من عواطف صحيحة إلى عواطف مريضة. وكذلك من الصعب وضع حد بين الرعب المشروع وغير المشروع، وكل ما نستطيع أن نقوله هو أن نلاحظ تأثير الرواية فينا. فإذا تلاشى هذا التأثير بعد الفراغ من قراءتها أو النظر إليها فوجدنا أننا كنا مخدوعين إذ استثارت منا عواطف قوية دون سبب قوي كاف، دل هذا على فشل الروائي، ولذلك فنيت هذه العواطف بعد قليل.
أما إذا استمرت زمنًا طويلًا بعد قراءة الرواية، دل ذلك على مهارة الروائي.
العنصر الاجتماعي
وعنصر آخر للرواية وهو العنصر الاجتماعي والمادي، أو بعبارة أخرى عنصر الزمان والمكان اللذين تمت فيهما حوادث الرواية، وهذا العنصر يتضمن البيئة الكاملة للقصة والعادات والتقاليد، وطرق المعيشة التي تدخل فيها.
وبعض الروائيين في الرواية الحديثة يصورون تصويرًا كاملًا الحياة كاملة في عصر من العصور لا برواية واحدة، ولكن بمجموع روايات فيمثلون مثلًا حضارة أمة من الأمم في عصر من العصور في كل مرافقها ومظاهرها، ولكنهم قليلون، وكثير منهم خصص نفسه لجانب واحد، أو جانبين كروايات البحر، وروايات الحياة الحربية، وروايات الطبقة العليا والطبقة الوسطى أو السفلى، وروايات الحياة الصناعية والتجارية أو الفنية أو العملية، ونحو ذلك.
خصصت بعض الروايات للمكان فوجدت روايات تختص بأقاليم خاصة وبنوع خاص من الناس في مكان ما.
ووجدت روايات تاريخية ترمي إلى الجمع بين المتعة التمثيلية، وبين شرح ظواهر مختلفة لحياة قوم في عصر من العصور. كتصوير النهضة الإيطالية، ولا تقتصر هذه الرواية على الحياة الظاهرة، بل تتعداها إلى الحركات الثقافية الممتازة والصراع الروحي.
ومن الضروري أن نلاحظ العلاقة القوية بين التصميم وبين البيئة. ومتعة الروايات التاريخية تنحصر في تصويرها الحيوي للحياة في عصر ما، وهذا هو المبرر لوجود الرواية التاريخية. ومهمة الروائي هنا أن يستخدم الخيال الخالق في الحقائق الجافة التي يرويها المؤرخ العلمي. وهذه ملكة عند بعض القصاص تمكنهم من إيضاح عصر ما منظورًا دون استخدام معلومات جافة، وتجعل القارئ العادي عالمًا بهذا العصر.
وهناك نقطتان هامتان يجب أن نوضحهما:
الأولى: أن الرواية التاريخية يجب أن تكون صادقة في حكاية الحوادث الواقعية التي جرت في أيامها، ويجب أن تصور تصويرًا أمينًا عادات العصر ومزاجه. فلا تجعل مثلًا هارون الرشيد يجلس في مجلس مضاء بالكهرباء، أو أن يتحدث مع جعفر البرمكي بالتليفون، وكالذي وقع للمؤلف الروائي الإنجليزي سيرولتر سكت، إذ جعل في إحدى رواياته شكسبير يؤلف روايته «حلم في منتصف ليلة صيف» في زمن لم يكن شكسبير فيه يزيد عن سن الحادية عشرة.
والأمر الثاني: أن معنى أهمية الصدق في الرواية التاريخية أن يتحمل الروائي مسئوليات المؤرخ العلمي، ويجب في وقت واحد أن يرضي مطالب التاريخ ومطالب الفن.
ومن الناحية المادية يجب أن يستخدم الروائي الطبيعة استخدامًا صحيحًا كأنه وسام للمناظر الطبيعية، لكن يجب أن نتذكر أن الروائي مثل الشاعر إذا عرض لمناظر طبيعية كمّلها بخياله، وربطها ربطًا محكمًا بقصته، إما بوسيلة التعارض أو بوسيلة التعاطف.
فوسيلة التعارض هي أن يجعل موت البطل العظيم مثلًا في يوم صحو باسم، كأن الطبيعة لا تعنى به، ولا تحزن لموته، كالتي قالت:
فيا شجر الخابور مالك مورقًا كأنك لم تجزع على ابن طريف
ووسيلة التعاطف أن يجعل موته في يوم غائم عابس كأن الطبيعة قد حزنت لموته، وأكثر هاتين الوسيلتين استعمالًا هو جعل الطبيعة منسجمة مع الحوادث، أو مع الحالة النفسية للأشخاص.
أما التعارض فيستخدم على معنى السخرية، وعدم مبالاة الطبيعة بأفراح الإنسان وأحزانه، كقوله:
والشمس كاسفة ليست بطالعة تبكي عليك نجوم الليل والقمر!
وكما نجد كثيرًا في أشعار ذي الرمة إذ يمثل لنا إذا صدت حبيبته عنه كأن كل شيء حوله في الوجود باكٍ حزين، ووسيلة التعاطف أسمى وأكثر إنسانية من وسيلة التعارض.
النقد الروائي للحياة
إن الرواية أول ما تهتم، تهتم بالحياة وبالرجال والنساء وعلاقاتهم، والأفكار والعواطف والانفعالات والدوافع التي تحكمها وتسيطر عليها بأفراحهم وأحزانهم، وصراعهم ونجاحهم وفشلهم. وإذا كان موضوع الروائي هو الحياة من جانب واحد، أو عدة جوانب فلا بد للروائي أن يستخدم قصته كأداة لنظرياته وآرائه في الحياة، وحتى ما كان من أبسط أنواع الروايات، فإن التحليل الدقيق يدلنا على ما للروائي من نظرات إلى الحياة مهما كانت نظراته تافهة، كما تدلنا على فلسفته في الحياة. والفرق بين روائي وروائي، هو الفرق بين فلسفة جديدة عميقة وفلسفة تافهة، والروائيون العظام يمتازون بفكرة في الحياة، وخبرة بها وتناولهم للحقائق، ومشاكل التجربة الشخصية، عدا حكمتهم الناضجة التي يستخدمونها في رواياتهم. وهذه التجارب والفلسفات تتخلل الرواية ولو من غير قصد، فما يعتقد الروائي عن الحياة سوف يقوده إلى قوله، سواء كان شاعرًا بذلك أو غير شاعر، ويتجلى ذلك في تصميمه للرواية، وتناوله لشخصياته.
ويستطيع الروائي أن يعرف نقده للحياة وفلسفته فيها بطريقتين: الأولى أن يعمل عمل المؤلف المسرحي فيفسر الحياة بعرضها فقط، والطريقة الثانية أن يشرح فلسفته مباشرة بذكر الوقائع ومناقشة الأشخاص، فيتكلم عن المسائل الخلقية التي تعرض لأشخاص.
والناقد يختبر القصة من ناحيتين: من ناحية صدقها، ومن ناحية أخلاقيتها، فصدق الرواية ليس هو الصدق الذي تتطلبه الأخلاق. وقد أدرك الفرق في ذلك أرسطو، فبين أن أعمال الخيال العظيمة فيها شيء اسمه الصدق الشعري، كنكتة ساخرة رويت، وقد قال بعضهم: إن كل شيء في الرواية صادق إلا الأسماء والتواريخ، وكل شيء في الدنيا كاذب إلا الأسماء والتواريخ.
ولكن هذه العبارة مهما كانت مبالغة فإنها توضح نوع الصدق الذي تقوم عليه الرواية.
وفي الرواية نوع من الواقعية ونوع من المثالية، قال (جوته): «إن عمل الفنان يكون واقعيًّا فيما هو فعله نفعي، ومثاليًّا فيما لا يكون واقعيًّا أبدًا.» وعلى الرغم مما بين الروائيين والنقاد من التخاصم حول الواقعية والمثالية فسوف نرى أن كلتيهما إذا فهمت فهمًا صحيحًا كان لها ما يبررها، فإن الواقعية تنشأ من استمتاعنا برؤية القريب والمألوف، ومنشأ المثالية هو استمتاعنا بالبعيد غير المألوف، ولكلتيهما ظروف خاصة، فالواقعية يجب أن تمزج بالعنصر المثالي، والمثالية يجب أن تُنقذ من الشذوذ بمزجها بالواقعية.
والعنصر الأخلاقي في الرواية مهما قال النظريون بعدم مبالاة الرواية بالأخلاق، فإن الروائيين العظماء في العالم كانوا أخلاقيين، واهتموا كثيرًا بالمعاني الخلقية، ولكن يجب على الروائي ألا ينقلب واعظًا، وإذن يجب أن تبحث عن عنصر الأخلاق لا في الدروس المباشرة، بل في النقد العام للحياة وثنايا عرض الشخصيات والأعمال وشرحها. وغريزة حفظ النوع ترفض الفن الذي لا يفيد في تغذيتها الثقافية وقوتها الخلقية، فكل الفن العظيم يجب أن يكون أخلاقيًّا، وجهاد الجنس الإنساني في انتقاله من البربرية إلى المدنية هو محاولة واحدة مستمرة في سبيل الاحتفاظ بالأخلاق والتوسع فيها. ومن الواضح أن هذه الملاحظات تنطبق على الرواية النثرية والشعرية وليس من حق أحد أن يقول: إن الفن كفن ليس له شأن بالأخلاق، فالفن يصدر من الحياة ويغذي الحياة، وإذن فلا يمكن أن يهمل مسئولياته تجاه الحياة. ومن السخف التحدث عن الفنان كأنه يقف مستقلًّا عن الأخلاق.
الرواية التمثيلية (الدراما)
وبما أن الرواية والدراما تتكونان من نفس العناصر فإن مقدارًا كبيرًا مما يقال عن الرواية ينطبق على الدراما، وعلى ذلك فالمبادئ العامة التي وضعناها لدراسة التصميم والتشخيص والمحاورة والبيئة المكانية وتفسير الحياة في الرواية تصلح أيضًا في معظمها بالنسبة لنفس العناصر في القصة التمثيلية. وإذن ففي دراستنا للدراما سنجد أننا قد قمنا بكثير من هذه الدراسة سابقًا، وقد أجبنا عن كثير من المسائل وخاصة مسائل التقدير، ولكننا قلنا أيضًا بعد ذلك إنه برغم أن الروائي والمؤلف التمثيلي عناصر عملهما واحدة، فإنهما يعملان تحت ظروف مختلفة جدًّا، ولهذا السبب يصدران مادتهما في طريقتين مختلفتين. ومن هنا نشأ الاختلاف العظيم بين الرواية والدراما في كل شيء يتصل بالصنعة، وهذا الاختلاف هو نقطة بدايتنا في هذا الفصل. وسندرس المسائل الأخرى فيما بعد، وهي وإن كانت متضمنة في تحليل الرواية كما هي في الدراما، فقد أخرنا دراستها حتى الآن لأنها تكون أفضل في الفهم في هذا المكان من دراستنا، ولكن اهتمامنا الآن سيكون ببعض العناصر الأولية من الدراما كنوع خاص من الفن الأدبي.
من المهم في البداية أن ندرك أن ما نسميه مبادئ التكوين الدرامي وقوانين الصفة الدراسية تنتجها وتفرضها المطالب التي تضطر الدراما إلى الخضوع لها بسبب ظروف وجودها. الملحمة القديمة كانت تنشأ للإنشاد، والرواية الحديثة تكتب لتقرأ، وأما الدراما١ فتخطط لغرض العرض بواسطة الممثلين الذين يشخصون أشخاص قصتها، والذين تتوزع بينهم الحكاية والمحاورة. وإذن فبينما الملحمة والرواية تقصان وتخبران إذا بالدراما تقلد بالحركة والكلام. وظواهر تكوين الدراما يجب أن تحدد وتشرع بالرجوع إلى الضرورات الأساسية التي يتطلبها هذا التقليد. وعلى ذلك نجد ميزة كبيرة للاسم القديم للدراما وهو القطعة المسرحية Stage-play لأنه يساعدنا على تذكر هذه النقطة دائمًا وعلى تذكيرنا بأن الفن الأدبي للدراما تتحكم فيه ظروف تمثيلها المسرحي.
الدراما كقصة مسرحية
برغم أن كل قارئ للدراما والرواية يعرف معرفة نظرية الاختلافات الأساسية في الصنعة بين الفنيين، فهو لا يعرف ما لهذه الاختلافات من تأثير عملي في تكوين كل منها، ولذلك يجب أن نوضح ذلك توضيحًا تامًّا.
والرواية تحتوي في ذاتها على كل شيء لها، أي أنها تحتوي في دائرتها الخاصة على كل شيء رآه الكاتب ضروريًّا لإدراك عمله وتقديره. وأما الدراما فهي حين تصلنا في صورتها المطبوعة وحين نقرؤها كأدب كما نقرأ الرواية لا تكون محتوية في ذاتها على كل شيء فيها، فهي تتطلب في كل مكان فيها معاونة العناصر الخارجة عن ذاتها، وهذه العناصر لا تكون موجودة فيها وهي على تلك الصورة، فما نقرؤه لا يزيد كثيرًا عن أن يكون تخطيطًا تقريبيًّا أراد أنه يملأ بواسطة فن الممثل وعمل الإخراج المسرحي، وعلى كونه أساسًا أدبيًّا لهذا العرض المسرحي حسب فيه حساب الأداء الكامل لتخطيطه، ولذلك ففي قراءتنا المجردة لقصة تمثيلية نتعرض لمصاعب وأخطار معينة، إذ كثير من تأثيرها علينا معرض لأن يضيع لنقص هذه الأشياء التي تخاطب الخيال مخاطبة مستمرة، كالأوصاف والشروحات والتعليقات الشخصية التي تساعدنا في الرواية على أن نرى المناظر ونفهم الناس ونقدر العوامل وندرك المغزى الأخلاقي للحوادث. ولهذا السبب يكون فهم القصة التمثيلية والاستمتاع بها كقطعة من الأدب يستلزم منا مطالب أعظم بكثير مما يقتضيه منا فهم الرواية وإدراكها، إذ يجب علينا أن نمد أنفسنا بالظروف الخارجية التي تستمد منها كثيرًا من حياتها، والسير الكامل للأداء الفعلي. وبدل أن نعتمد على الممثل نعتمد على أنفسنا في الإدراك والتفسير، وعلى ذلك يجب أن يكون خيالنا حاضرًا إلى درجة أن كل منظر يصبح مرئيًّا كأننا نراه يمثل أمامنا، ونحن في قراءتنا العادية للروايات المسرحية نغفل أشد إغفال هذه الأمور التي هي على بساطتها عظيمة الأهمية، ونحن نهمل ذلك بنوع خاص حين ندرس دراسات شكسبير التي نعتقد أنها أدب خالص، وقلّ أن ننظر إليها في صفاتها البدائية كقصص تمثيلية كتبت لأجل الأداء على المسرح.
وعلى ذلك من اللازم أن نؤكد أننا في دراستنا لأي دراما يجب أن نبذل كل جهدنا لكي نخلق ظروفها ومحيطاتها المسرحية الصميمة، وبذلك نجعل قراءتنا الشخصية لها بديلًا صالحًا إلى أقصى درجة ممكنة عن الأداء المسرحي. والقصص المسرحية الحديثة تطبع، وفيها قدر كبير من الشرح الموجه إلى القارئ حتى يستعيض به عن أداء الممثل والمخرج، ففي دراسات إبسن Ibsen مثلًا نجد وصفًا تفصيليًّا للبيئة التي يحدث فيها كل منظر، ووصفًا لمظاهر الأشخاص وتعبيرات وجوههم ونبرات أصواتهم وحركات أجسامهم، ولو أن الطابعين الأوائل لدرامات شكسبير عملوا مثل هذا العمل لساعدونا كثيرًا على فهم طبيعة الأداء المسرحي في أيامه أكثر مما نفهمه الآن.
اعتماد الدراما على ظروف المسرح
حتى الآن فهمنا الظروف العامة للعرض المسرحي، ولكننا أيضًا يجب أن نفهم الظروف الخاصة التي تتغير في الأزمان المختلفة فتؤثر على طرق الكاتب التمثيلي، وتعطي قالبًا خاصًّا لفنه واتجاهًا خاصًّا له. ونمثل لذلك بمثالين: المأساة الإغريقية، والدراما الشكسبيرية.
المأساة الإغريقية
من المستحيل أن نفهم الميزات التكوينية أو أن نقدر التأثير الجمالي للمأساة الإغريقية بدون معرفة حالة المسرح الأثيني، فالنظارة كان عددهم عظيمًا يزيد على عشرين ألف نفس، وخشبة المسرح ضيقة، والممثلون يلبسون ملابس ثقيلة تقليدية، فيضعون نعالًا غليظة محشوة لها كعوب عالية لكي يظهروا في هيئات البطولة، ويضعون فوق وجوههم دائمًا أقنعة مرسومًا عليها ملامح أعظم وأعرض من ملامح الرجل العادي. وهذه الحقائق الثلاث إذا أخذت معًا شرحت المبادئ البارزة المتعددة للدراما القديمة، وبخاصة خلوها من كل شيء يقارب الحركة الحرة السريعة أو الشخصية الفردية البارزة للمثل أو الصفة الواقعية، وكل هذا نجده في القصص التمثيلية الحديثة، فضيق خشبة المسرح حال دون مناظر الجماعات، ودون كل منظر يقتضي الاتساع والبعد، وابتعاد الممثلين عن النظارة جعل من المستحيل الإيماءات والإشارات المفصلة الدقيقة، ولما كان الإلقاء السريع والنبرات المنخفضة والنغمات المتبدلة أمورًا تضيع في هذا المسرح العظيم في الهواء الطلق، لذلك كانت اللغة المستعملة لغة بلاغية وليست لغة الحديث الواقعي. فكانت نوعًا ملائمًا لإلقاء الكلام كمحفوظات، وهذا يشرح ما تتميز به المحاورة الإغريقية من جمود وتحدد يختلفان عن هذه الحيل الماهرة في استعمال الكلمات والألفاظ في أسلوب شكسبير وغيره من أساتذة الدراما الإنجليزية. وملابس الممثلين الثقيلة المرهقة كانت ترغمهم على أن يتحركوا في خطوات محددة بطيئة، وعلى أن يتجنبوا كل حركة قوية مجهدة، بينما استعمال القناع حال دون كل محاولة لتغيير سحنات الوجه دليلًا على العواطف المتبدلة فظلت الملامح واحدة جامدة، وأصبح الأشخاص أشخاصًا نموذجيين للجنس أكثر منهم شخصيات فردية. كل هذه الحقائق تكفي لتوضح لماذا كانت ظروف العرض في المسرح الإغريقي غير ملائمة لعرض أعمال العنف والانفعال، ولعرض المعارك والمبارزات والحروب وجرائم القتل وأمثال هذه المناظر.
وهكذا نفهم كيف أن كثيرًا من الميزات الغربية للمأساة الإغريقية كانت نتائج مباشرة وضرورية لهذه الظروف الخاصة من العرض العام، وذلك مثل بساطتها المتناهية، والقالب البلاغي الذي لمحاورتها، وكون شخصيتها شخصيات نموذجية تقليدية، وليست فردية مستقلة، وخلوها من الحركة والسرعة. ولنذكر حقيقة أخرى ليس أشد غرابة على القارئ الحديث للدراما الكلاسيكية من وجود (الكورس Chorus)٢ فيها.
وقد سبب وجودهم الدائم أمام الممثلين هذه النتيجة الخطيرة: وهي أنه لما كان من المفروض أن الدراما تؤدى من أولها إلى ختامها أمام الكورس — وهم مجموعة من الشهود لا يتغيرون ولا ينتقلون من مكانهم ولا يغيبون — كان من الواجب على المؤلف أن يجعل قصته تحدث كلها في مكان واحد، وتحدث كلها في يوم واحد، ومن هنا نشأت وحدات الزمن والمكان وكانت قواعد مقررة للتكوين الدرامي.
الدراما الشكسبيرية
كان المسرح الإليزابثي مختلفًا تمامًا عن مسرحنا الحديث؛ ولذلك فمن المستحيل تمثيل روايات شكسبير كما كتبها وبترتيب فصولها الأصلي على خشبة المسرح الحديث؛ ولذلك نجد المخرجين يحدثون تغييرات كثيرة فيها، فيضمون مناظر بعضها إلى بعض، ويلغون مناظر إلغاء تامًّا، وسبب ذلك أن المسرح في عصر شكسبير لم يكن مسرحًا متحركًا، أي مسرحًا تتغير فيه المناظر كمسرحنا الحالي، بل كان خشبة بسيطة لا تتغير ولا يتبدل ما عليها، ويدخل الممثلون ويخرجون وتتعاقب المناظر دون أن تتغير، وتصور المنظر المطلوب يترك لخيال النظارة، فيتصورون في الخشبة تارة قصرًا، وتارة حجرة، وتارة شارعًا، وهكذا. دون أن يحتاج المخرج إلى عرض هذه المناظر حقيقة، وسبب ذلك أن كان المؤلف في حرية واسعة من الإكثار من مناظره كما يشاء، ما دام المخرج لن يتعب نفسه في تصويرها، وسبب ذلك كثرة المناظر في روايات شكسبير، وتتابعها في سرعة عظيمة إذ لم يكن الأمر يحتاج إلا إلى خروج الممثلين ودخول غيرهم، وبذلك يتغير المنظر بلا حاجة إلى تغييره فعلًا. أما في المسرح الحديث الذي لا تتبع فيه هذه الطريقة، والذي يصور كل منظر تصويرًا فعليًّا، فإن إخراج هذا العدد العظيم من المناظر وبتلك السرعة أمر عسير، بل هو أحيانًا مستحيل؛ ولذلك يلجأ المخرجون المحدثون كما قلنا إلى ضم المناظر بعضها إلى بعض أو إلغاء بعضها.
وعلى هذا الضوء نفهم كثيرًا من مميزات الدراما الشكسبيرية، فهي لا تهتم مطلقًا بالبيئة المكانية، ولا تُعنى بوحدة المكان وهي تحتوي على كثير جدًّا من المناظر الثانوية التي تفكك التصميم وتسبب حيرة كبيرة للمخرجين المحدثين، والتي قد لا تُرضي الآن ذوقنا الذي تعوّد في الدراما الحديثة على التركيز واختصار المناظر وحصر الانتباه في عدد قليل منها، وغير هذا من الأمور. ومن الحقائق المسرحية التي أثرت في تكوين درامات شكسبير أيضًا أنه كان المسرح خاليًا من الستار، ولذلك كان إذا انتهى المنظر فلا بد أن يخرج كل أشخاصه لكي يدخل أشخاص المنظر الجديد، إذ ليس من ستار يسدل عليهم ثم يرتفع فيرى النظارة الأشخاص الجدد، فكان النظارة يشاهدون بأنفسهم خروج الممثلين؛ ولهذا ترى كل منظر في درامات شكسبير ينتهي بأن يخرج جميع الأشخاص، ولكن هذا ليس شيئًا هامًّا. وأهم منه أن الستار الآن يؤدي نفعًا عظيمًا للمؤلف، فإنه يستطيع به أن يختم منظره عند أي نقطة يرغبها بمجرد إسدال الستار، وهذا نافع في اللحظات الرائعة التي تبلغ فيها الدراما أقصى تأثيرها وقتها، ثم يسدل الستار فيحتفظ ذلك بكل التأثير على النظارة. أما في درامات شكسبير فهذا مستحيل، لذلك لا بد أن يطيل الكاتب بعد بلوغه القمة الحقيقية لعظمة الفن التمثيلي لكي يحتال في إنهاء المنظر وإخراج الأشخاص من على الخشبة، وذلك يؤدي كثيرًا إلى إضعاف التأثير القوي على النظارة، ويضطر الكاتب إلى الإطالة المملة في كثير مما لا حاجة إليه بعد بلوغ المنظر إلى أحسن نقطة فيه.
من كل هذا نفهم كيف أن طبيعة الدراما تتأثر في عناصر تكوينها بطبيعة الإخراج المسرحي وضرورات الأداء التمثيلي.



