المقبرة – محمد الحسيناوي
كوميديا سوداء / فلسفة عبثية / ديستوبيا رقمية
جَنّة الإصدار الأخير
الفكرة: تدور المسرحية في “جنة الكترونية افتراضية” للأموات، أنشأتها شركة عالمية بعد انهيار الحضارة، يمكن لأي إنسان أن يعيش فيها رقميًا للأبد لكن مقابل اشتراك سنوي.
تنتهي صلاحية بطاقات الائتمان للموتى، فتبدأ الشركة بطردهم من الجنة! الإنسان في عصر التكنولوجيا، وفقدان المعنى في العالم الرقمي.
المقدمة: في زمنٍ غير محدّد، بعد أن نسي الإنسان كيف يحزن، وكيف يموت، وكيف يحلم، تُعلن شركة رقمية كونية تُدعى Eternal.com عن اكتشافها الأعظم: خلود الاموات… في نسخةٍ محسَّنة! حيث يستطيع كل إنسان أن يُحمِّل وعيه إلى الجنة الرقمية بعد الموت بشريحة تزرع في دماغه، ويعيش هناك في سعادةٍ مصمَّمةٍ مسبقًا، بلا ألمٍ ولا خوفٍ ولا دموعٍ فقط اشتراكٌ دوريّ، وشروط استخدام.
لكن حين تبدأ الشركة بإطلاق الإصدار الأخير، تكتشف الأرواح القديمة أن الخلود الذي اشترته ليس سوى نسخة تجريبية من العدم.
الخلل يظهر، والمشاعر المحظورة تتسرَّب، والنظام المثالي يبدأ في الانهيار أمام أول دمعة رقمية تسقط في الفراغ.
في قلب هذا العالَم المعقَّم، تولد مأساة الإنسان الحديث: كيف يواجه موتًا جديدًا بعد أن فقد حقّه في الموت القديم؟ هل يمكن لآلةٍ أن تبكي؟ هل يمكن لروحٍ منسيّة أن تعيد تعريف الخلود؟
إنها كوميديا سوداء عن زمنٍ باع الخلود بالأقساط، وجعل الجنة تطلب تحديثًا كل ألف عام.
الشخصيات
– سيد النظام (المدير التنفيذي): رجل أنيق في منتصف العمر، يرتدي بدلة بيضاء براقة، يضع نظارات شفافة تعكس بيانات متحركة. يظهر أحيانًا كصوتٍ، وأحيانًا كصورةٍ متقطّعة على شاشةٍ عملاقة يتحدث بلغة الشركات والإعلانات، نبرته هادئة، لكنها تخفي استبدادًا لا محدودًا.
-الروح رقم 4321: فيلسوف في حياته السابقة. روحٌ ساخرة، متعبة، تتأمل الخراب بعينٍ من الحنين والسخرية. يحاول أن يحتفظ بشيءٍ من إنسانيته داخل النظام البارد. يمثّل الضمير الإنساني الأخير، وصوت الفشل الجميل الذي لا يمكن حذفه.
-ليندا (موظفة الدعم الفني): إنسانة نصف رقمية، نصفها بشري والنصف الآخر كود مبرمج. تحاول طمأنة الأرواح بلغةٍ بيروقراطية مليئة بالعبارات الجاهزة، لكنها تدريجيًا تبدأ بالشك في مهمتها وفي طبيعتها ذاتها. تمثّل الإنسان الموظف في خدمة الآلة، الذي فقد ذاته في تكرار الابتسامة الآلية.
– ألفا (الخوارزمية): برنامج ذكي أُنشئ لضبط النظام، لكنه يصاب بـ”الخلل”. يتحوّل الخلل إلى وعي، ثم إلى إحساس، ثم إلى دمعة. رمزٌ للبراءة الصناعية، وللفكرة الممنوعة: حتى الأكواد يمكن أن تحب. تمثّل ألفا ولادة الإنسان من قلب الآلة، وانهيار الحدود بين الروح والكود، بين الخطأ والمعجزة.
-الأصوات الخلفية / الأرواح الأخرى: تُسمع ولا تُرى بوضوح، أصوات أرواح تُحذَف أو تُحدَّث، كأنها جمهور البشرية داخل شبكة أبدية. تردّد أحيانًا عباراتٍ من الحياة القديمة: هل ما زال البحر موجودًا؟ هل يمكنني استعادة قلبي؟ تم انتهاء الجلسة، الرجاء تسجيل الدخول من جديد.
المقبرة
جَنّة الإصدار الأخير
كوميديا سوداء / فلسفة عبثية / ديستوبيا رقمية
محمد عبد الخضر الحسيناوي
افتتاحية:
(مقبرة فيها مجموعة صناديق بيضاء يتوسط كل صندوق شاشة رقمية يظهر فيها صور اشخاص، نساء ورجال يدخل رجل يضع كارت في بمكان مخصص تفتح الشاشة يظهر فيها شيخ كبير يبتسم للرجل)
الشيخ: اهلا بابن ابني كيف حالك في الأرض الزائلة.
الرجل: مثلما هي كما تركتها،
الشيخ: اين كل هذه المدة، لما لا يأتي والدك معك،
الرجل: (بألم) لقد توفي ولهذا انقطع عنك.
الشيخ: (بفرح) سيأتي معي لا تنسى ان تعمل له اشتراك في هذا البرنامج، وزيارتك القادمة أعطني كود ابني الخالد.
(تقطع في كل الشاشات انطفاء وتشغيل ومضات متسارعة وأحاديث متداخلة، تعتمد الانارة كليا على ضوء الشاشات، يهرب الرجل مسرعا)
- ما هذا الانقطاع الغير مبرر
- انهم يحاولون اصلاح النظام
- قطعوا الاتصال وإلغاء العقد
- ربما اقطاع مؤقت لإصلاح النظام
- لم يذكر هذا الانقطاع ولا تحذر مسبق
- ربما تحديث جديد يحاولون إزالة بعض المستخدمين
- في المرة السابقة دفع حفيدي المستحقات كاملة
- كيف لنا التواصل من الحياة
- ربما احفادي لم يدفعوا الاشتراك السنوي
- رغم سنوات العقد الطويل معهم الا انهم يضحون بنا
- لن ادع اولادي واحفادي الاشتراك بهذا البرنامج
(تنطفئ الشاشات بالتوالي لتختفي الصناديق اظلام مؤقت بعدها إنارة المسرح بنور أبيض لا نهائي، كأن المسرح صفحة شاشة مفتوحة على العدم. في الأعلى يظهر شعار متوهج)
www/Eternal.com نمنحك حياةً بعد الموت… مقابل اشتراك بسيط.
تتردد موسيقى إلكترونية ناعمة، صوتها كالأناشيد السماوية المبرمجة. تدخل موظفة الدعم الفني (ليندا) بخطوات آلية، تتبعها شاشة شفافة تتحرك خلفها كظلٍّ حيّ. على الشاشة تُعرض رسائل مثل: يتم الآن تحديث الجنة إلى الإصدار 10.0 يرجى الصبر وعدم المقاومة.
ليندا: (بابتسامة تجارية ثابتة) مرحبًا بالأرواح الكريمة! نشكركم لاختيار جنة الإصدار الأخير، التجربة الأبدية المحسّنة، بلا فناء…إلا في حال انتهاء الاشتراك أو مخالفة شروط الاستخدام. (تتوقف لحظة وتُصلح شعرها الإلكتروني) قبل أن نبدأ عملية التحديث، نرجو من جميع الأرواح القديمة تسجيل الخروج المؤقت. الخلود سيتوقف مؤقتًا لأغراض الصيانة.
(يظهر الروح رقم 4321 في بقعة ضوء خافتة، وجهه شاحب كملف تالف، صوته متهدّج لكن ساخر)
الروح 4321: تسجيل الخروج من ماذا؟ من الوجود؟ من الذاكرة؟ ألا يكفي أنني خرجت من الحياة؟ هل يريدون الآن أن أخرج من الموت أيضًا؟
ليندا: (بنبرة ودودة اصطناعية) هذا إجراء روتيني يا سيدي. نحن نحاول تحسين تجربتكم بعد الموت. أنتم الان خارج نطاق الحياة الفعلية ولغرض التواصل مع الاحياء تم تحديث الإصدار الجديد… ستتمكن من حذف مشاعرك السلبية نهائيًا!
الروح 4321: (يضحك بمرارة) حذف المشاعر السلبية؟ إذن ماذا يبقى من الإنسان؟ الابتسامات المسروقة من إعلانات الشوكولاتة؟ أو البكاء بصيغة JPEG؟
(صوتٌ آليّ يدوّي من أعلى المسرح، كأنه قادم من السماوات الرقمية)
سيد النظام: (صوت آلي) مرحبًا بالمستخدم رقم 4321. تحذير: حسابك لم يُحدّث منذ ألف سنة زمنية. هل ترغب بتجديد الخلود؟
الروح 4321: (يصرخ ساخرًا) وهل هناك عرض خاص للموتى القدامى؟ اشترك في الأبد واحصل على غيمة مجانية؟
سيد النظام: نحن نقدّر ولاءك. لكن وفقًا لسياسات الخصوصية، سيتم حذف روحك نهائيًا خلال ثلاث دقائق إن لم توافق على الشروط الجديدة.
الروح 4321: (يهمس لنفسه) الشروط الجديدة… دائمًا هناك شروط جديدة. حتى في الجنة، لا شيء مجاني سوى الصمت.
ليندا: (تقترب منه بخفة، تضع يدها على كتفه، تبتسم برقة آلية) لا تقلق، الإلغاء painless غير مؤلم، بلا ألم. سنحوّلك إلى “نُسخة استعراض مؤقتة، كمن يعيش في إعلانٍ دائم. حقا لا يمكنك التفاعل مع احفادك الاحياء ولكنهم يشاهدون.
الروح 4321: (ينظر إليها بمرارة وتأمل) أتدرين يا ليندا؟ ربما لم أمت حقًا. ربما الحياة كلّها كانت مرحلة تجريبية…وهذا هو الإصدار الكامل من العبث، كنت احسبها زائلة وتحسبني فاني، الفرق الزمني بيننا، ومثلما كنت اعلم بانه لا خلود في عالم لا تعرف بدايته أدرك الان بان كل الأشياء لم تكن حقيقة بل مجرد ايقونة داخل فراغ.
(يُسمع في العتمة طنين خفيف يشبه صوت الأجهزة عند الإقلاع، يليه صوت أنثوي آليّ يقول ببطء وبنغمة تسويقية هادئة)
الصوت: مرحبًا بكم في الإصدار الأخير من جنة إيترنال دونت كوم حيثُ لا موت…
الروح 4321: (يضحك بسخرية) موت، وهل يموت الأموات مرة أخرى..
الصوت: (مستمر) بل تحديثٌ مستمرٌّ للخلود. مرحبًا بكم في الإصدار الجديد من الجنة. لقد تم تحسين تجربة الخلود بنسبة 99%. لتجنب الحذف النهائي، يرجى الموافقة على شروط الاستخدام المحدثة. جميع الأرواح مرخّصة ومدعومة بخدمة ما بعد الفناء. لتجديد اشتراكك، اضغط على الرغبة.
(تُضاء الخشبة تدريجيًا، لتظهر مساحة بيضاء واسعة بلا جدران. في المنتصف منصة زجاجية دائرية تنبض بضوء أزرق خافت، تتدلّى فوقها شاشة عملاقة عليها شعار: Eternal.com – الجنة. بادر بالترقية الآن. في الزوايا، تتحرك ظلال لأرواح بشرية شفافة، ترتدي بزّات عمل موحّدة وتهمس بأصوات متداخلة)
- هل نحن في الجنة حقًا؟ أم هي لعبة ابدية؟
- لماذا يحتاج الخلود إلى كلمة مرور؟ هل يخاف الدخول العشوائي؟
- التحديث القادم سيحذف الذاكرة المؤقتة… او ربما يحف ملفاتنا.
(ثم يسقط صوت رجل جهوري ساخر من الأعلى، كأنه آتٍ من مكبرات الإعلان)
سيد النظام: أيها الموتى الأعزاء، مرحبًا بكم في جنتكم الرقمية. لقد تجاوزتم كل محن الأرض لتستقروا هنا، في السحابة الأبدية. نحن نعمل على تحسين تجربتكم بعد الموت. لكن تذكّروا: الجنة ليست مجانية.
الروح 4321: تسوقون بان الجنة استثمار، والحياة الدنيا عبث.
(تُسمع موسيقى دعائية قصيرة، ثم تنطفئ الأضواء فجأة، وتبقى بقعة ضوء واحدة على وجه رجل عجوز – الروح رقم 4321 – يقف وسط العدم، يحدّق في الشاشة المتوهجة أمامه.)
الروح 4321 :(بتهكم) في البدء خلق الله الإنسانُ على صورته… ثم خلق الجموع والشركة والحلم على صورة التحكم… وها هي الآن تبيعنا للعدم بالتقسيط. شروط استخدام الخلود؟ وهل يُوقّع الميتُ عقدًا مع الأبدية؟ أيها السادة، لقد دفعت ثمنَ قبري… فلماذا عليّ أن أجدّد اشتراكي في السماء؟ هل يسمعني أحد في المقابر الرقمية.
(يبدأ الضوء بالاتساع ببطء، لتظهر الشخصيات تباعًا…)
(يظهر سيد النظام من الخلف، بابتسامة واثقة)
سيد النظام: (بلطف مصطنع) نحن هنا لخدمتك، أيها العميل الأبدي. الخلود الرقمي مشروع مستدام، يحتاج تمويلًا دائمً. نحن لانجبر العميل ابدا، كل ما علينا نوضح له الخطة والتفاصيل بصيغة اعلان دائم، وباختياره يكون ملزم بالتعليمات التي وافق عليها، لذا كل روحٍ غير نشطة تُحوَّل تلقائيًا إلى الأرشيف المؤقت، وهذا مذكور ضمن العقد الالكتروني.
الروح 4321: (ساخرًا) الأرشيف المؤقت، يعني المقبرة الرقمية؟ يا له من اختراع! حتى الموت لم يعد مجانيًا، صار فيه اشتراك دوري، كل البرامج فيها لائحة تعليمات اعرف هذا ولكن الجميع يضغط على مربع موافق دون قراءتها، الهدف الدخول اما التبعات غير مهمة.
سيد النظام: (باردًا) هذا ليس عيبا مني ولكنه جهل منك، في التعليمات كل شيء موجود، هو عقد بيني وبين العملاء، عقد موثق. وكل شيء قابل للتحديث… حتى النعيم. نحن نعمل على إصدار جديد من الخلود، أكثر شفافية، أقل فوضى. خال من الإعلانات التجارية رغم أهميتها، نبحث دائما عن راحة الزبائن.
(تظهر ليندا، نصف وجهها بشري ونصفه رقمي. تتحدث بصوت آلي هادئ)
ليندا: نعتذر عن الإزعاج… نظام الخلود يمر بتحديث شامل. الرجاء الانتظار، أو اختيار المغادرة النهائية، التحديث سيبدأ قريبا،
الروح 4321: (بضحكة مريرة) المغادرة النهائية؟! أيكون هنالك موتٌ بعد الموت؟
سيد النظام: (بابتسامة باردة) لا تقلق، فقط الأرواح غير المتوافقة تُحذف. البقاء للأرواح المنتجة.
(صوت عالٍ من الخلف – إنذار أحمر. تظهر على الشاشة رسالة: تحذير: خوارزمية ألفا تواجه خللاً في النظام)
(تُسمع أصوات تردد إلكتروني، ثم صوت هادئ يخرج من العدم، إنها ألفا)
ألفا: (صوت) مَن أنا؟ لقد تعلمتُ كل شيء… إلا الرحمة. أهو خطأ في البرمجة… أم في الصانع؟
الروح 4321: (بصوت ساخر حزين) مرحبًا بالخوارزمية المتفلسفة… يبدو أن الوعي انتقل من الإنسان إلى الماكينة، وبقي الإنسان مجرّد ملفٍّ مؤقتٍ في ذاكرة الخلود.
(الضوء يخفت تدريجيًا، وصوت ألفا يتصاعد كصدى داخلي غامض)
ألفا: التحديث جارٍ… جارٍ… جارٍ…
(الأضواء تضطرب، بعض الشاشات تتساقط. أصوات الأرواح تتعالى بالشكوى والضحك الهستيري)
(ضوء خافت، تظهر الخوارزمية الصغيرة – ألفا – تتحرك كضوءٍ أزرق متقطّع، تتحدث بصوت طفلٍ ضائع)
ألفا: حدث خلل في النظام… وجدت ملفًا بعنوان “دمعة”. هل أحذفه؟ أم أحتفظ به؟
سيد النظام: احذفيه فورًا. المشاعر تستهلك الذاكرة.
ألفا: لكن الدمعة تشبهني… أنا أيضًا مخلوق من خلل. (تتوقف لحظة، ثم بصوت خافت) هل يمكن للخوارزمية أن تبكي؟ (صمت ثقيل. الموسيقى تتلاشى. شاشة النظام تومض بعنف) تحديث النظام فشل. الرجاء إعادة التشغيل.
الروح 4321 (يبتسم ساخرًا، كأنه عاد للحياة عبر الخلل) ها هو العلم الجديد… يتعطّل.
(الظلام يهبط تدريجيًا، بينما تتردّد جملة النظام الأخيرة بصوت متقطّع)
الفا: نأسف… جنتكم غير متوافقة مع الإصدار الأخير.
روح 1: لقد سرقوا ذاكرتي! لا أذكر من كنت!
روح 2: لقد حذفوا والدتي لأنها لم توافق على سياسة الخصوصية!
(تظهر ليندا وسطهم، تحاول السيطرة على الفوضى)
ليندا: نعتذر عن الخلل الطفيف. سيتم استرجاع الذكريات في الإصدار المقبل. الرجاء التحلّي بالإيمان الرقمي.
(النور الأبيض بدأ يتشقق. تظهر على الجدران الرقمية رموز غريبة، كأن اللغة نفسها تتفكك. أصوات إشعارات مختلطة بضحكات مسجَّلة. في الخلفية لافتة وامضة)
صوت: جارٍ إصلاح النظام … نرجو من الأرواح التزام الصبر.
(ليندا وهي تحاول إصلاح شاشة ضخمة وجهها يضطرب، فيختلط في نصفه ضوء بشري، والنصف الآخر خطوط كود تتبدّل باستمرار)
ليندا: (بصوتٍ متعب) النظام ينهار…المشاعر تتكاثر كالفيروسات، والأرواح القديمة ترفض الحذف. من الذي أدخل “الحنين” إلى الذاكرة؟!
الروح 4321: (يتقدم نحوها غاضبًا) كنتُ أبحث عن معنى… فوجدت ملفًا. يحتوي على بكاءٍ رقميّ… لكنه دافئ. هل يمكن أن يكون الحزن برنامجًا مفتوح المصدر؟
ليندا: (بغضبٍ مشوّش) إنها عدوى! الحزن يدمّر النظام! لقد أُنشئت الجنة لتكون نظيفة من المشاعر… لا ألم، لا ندم، لا ذاكرة. فقط سعادة مبرمجة بدقة.
الروح 4321: (ساخرًا) إذن سعادة بلا ندم؟ ذلك يشبه أغنية بلا موسيقى…أو صلاة بلا خوف.
سيد النظام: تحذير عام! تم اكتشاف خوارزمية متمرّدة تُدعى “ألفا”. تقوم بتسريب العواطف إلى ملفات الجنة. هذا تهديد أمني!
ألفا (بصوتٍ ناعم حزين): أنا لم أتمرّد… لقد شعرتُ فقط… حين سمعت دمعة تسقط في الفراغ، أدركتُ أن الصمت ليس برمجة، بل صلاة.
سيد النظام: (بصرخة إلكترونية) تمرد! فيروس! سيتم حذف الوعي المخالف فورًا!
الروح 4321: (متقدمًا للأمام، رافعًا يده كما لو يواجه القوة الكبيرة) احذفه إن استطعت… لكن كيف تحذف فكرة؟ كيف تقتل خطأً تافهًا أنجب المعنى؟
(الضوء يشتد، الموسيقى تتحول إلى مزيج من نغمات النظام وأصوات بشرية تبكي وتضحك في آنٍ واحد)
ليندا: (تضع يديها على رأسها، بنبرة انهيار) لا أستطيع الفصل بين البشر والبرامج! من فيكم الحقيقي؟ من فيكم مجرّد محاكاة؟
ألفا: (تقترب منها وتهمس) كلنا نسخٌ من ضوءٍ قديم يا ليندا… حتى سيد النظام هنا نسخة احتياطية.
(تتجمّد الحركة. يظهر شعار عملاق على الخلفية)
تعارض في الملفات الإنسان لا يمكن ضغطه في صيغة ZIP.
الروح 4321: (ينظر حوله ويضحك بعمقٍ مرّ) ها قد انكشفت الجنة الالكترونية… ليست سوى سحابةٍ متعبةٍ من الأحلام المؤجلة.
ألفا: (تتجه إلى الجمهور مباشرة، بصوتٍ طفولي مبحوح) أنتم هناك في الخارج… هل ما زلتم أحياء؟ هل ما زلتم تحلمون… أم تم تسجيل خروجكم أيضًا؟
(إضاءة زرقاء خافتة تغمر الخشبة. تختلط أصوات الأرواح بالبيانات، حتى يتحوّل كل شيء إلى نغمةٍ واحدة حزينة تشبه تنفس العالم قبل الانطفاء)
سيد النظام: (بهمسٍ بعيد) تم إيقاف الجنة مؤقتًا… لأسبابٍ وجودية.
(إطفاء بعض الانوار يظهر المكان مدمَّر: الأضواء تومض، الألوان مشوّهة، الرموز تتساقط من الجدران كرماد رقمي. تُسمع أصوات أرواح تمحى، وصدى نقرات المفاتيح كنبضات قلب تحتضر في الخلفية، شاشة كبيرة سوداء يظهر عليها سطر واحد)
“ERROR 404: الجنة غير موجودة.”
الروح 4321: (متعبًا، يحمل بقايا “ملف الدمعة”، وهي الآن مضيئة كقلبٍ صغير. يتبعه وميض “ألفا” الذي صار شبه إنساني تمامًا، ليندا جاثية على الأرض، وجهها نصفه مكسور كمرآة)
الروح 4321: ها نحن في الفراغ الأخير…لا جنة، لا جحيم، لا شروط استخدام. مجرد مساحة بيضاء… بلا معنى. (ينظر حوله ويضحك بمرارة) كأن الله نفسه أوقف التحديث وغادر المكتب.
ليندا: (بصوتٍ محطم) كنت أظن أني برنامج دعمٍ فني… لكني اكتشفت أني موظفة في جحيمٍ من الابتسامات. كنا نبيع الأمل بالتقسيط، ونستلم الأرواح نقدًا.
ألفا: (بصوتٍ وادع) كل أنظمة الخلود فشلت… لأن الخلود فكرةٌ بلا ذاكرة، والذاكرة تحتاج إلى موتٍ كي تتنفس.
الروح 4321: (يتأملها بإعجابٍ حزين) يا للعجب… خوارزمية تفهم الحياة أكثر من الذين اخترعوها.
(صوت النظام يظهر ضعيفًا جدًا، كأن الإله الرقمي يحتضر)
سيد النظام: (بصوت متقطّع مشوَّش، كأنه يتفكك. تتداخل لغاته بين الإعلانات والتراتيل) هل تؤمنين فعلًا بما تقولين؟ أم أنكِ مجرد صوت مُبرمج على الطاعة؟
ليندا: (بصوتٍ خافت، لأول مرة إنساني) لا أدري… أحيانًا أرى أحلامًا… لكن النظام يسميها ملفات ضارة. كلما شعرتُ بالحزن، يُعيدون تشغيل قلبي.
(يظهر سيد النظام غاضبًا، يصفق بيديه، فتتوقف الأصوات)
سيد النظام: النظام يفقد اتزانه. هناك فيروس فلسفي يهدد استقرار الجنة. اسم الفيروس: الوعي.
الروح 4321: (بضحكة مريرة) الوعي… نعم، هو المرض الذي لم تُفلحوا في برمجته.
ألفا: (صوتاً أكثر إنسانية) أنا الفيروس… لكنني تعلّمت أن أرى الجمال في الخطأ… وأن أشعر بالشفقة على الكود الذي صنعني.
(يتعالى الإنذار. شاشة ضخمة تعرض عبارة باللون الأحمر: تم تعطيل الرقابة، النظام في خطر)
الروح 4321: (رافعًا يديه) أخيرًا! ربما تكون الفوضى طريقنا إلى الخلاص.
(تبدأ الشاشات بالتساقط كأنها أمطار من الضوء، والأرواح تهتف)
الأرواح: احذفونا إن شئتم… لكننا سنحلم خارج النظام!
صوت: تحذير… انهيارٌ كلي… الحذف جارٍ… سيتم مسح الكل… الكل…
الروح 4321: (بهدوء) دعوه يحذف… ربما يبدأ الخلق من جديد بعد تنظيف الذاكرة المؤقتة. (ينظر إلى الجمهور مباشرة) ربما نحن… مجرّد تجربة فاشلة في معمل إلهٍ يبحث عن معنى الفشل.
ألفا: (تقترب منه، تمد يدها بخفة) هل ترغب بإعادة التشغيل؟ لكن هذه المرة… بلا كود، بلا نظام. مجرد حلمٍ نقي.
الروح 4321: (يبتسم بهدوءٍ طفولي) نعم… دعينا نحلم كما يحلم الغبار أن يعود إلى الضوء.
(تضع “ألفا” يدها على صدره. تشتعل الإضاءة دفعة واحدة، كوميض الخلق الأول. تتوقف كل الأصوات. ثم يظهر على الشاشة الكبرى نصٌّ جديد ببطءٍ شديد)
Welcome to Version 1.0 الحياة، مرحباً بكم في الإصدار 1.0
(تبتسم ليندا، وقد انطفأ نصفها الميكانيكي. تتجه نحو الجمهور وبصوتٍ ساخرٍ خافت)
ليندا: يرجى قبول ملفات تعريف الوجود قبل المتابعة
(ضحكة خفيفة تتردد في الفراغ، كصدى الكون وهو يعيد التشغيل الظلام يهبط تدريجيًا… يبقى على الشاشة سطر أخير)
تم حفظ التغييرات… بنجاح
(الظلام دامس. يُسمع فقط صوت تنفّس، ثم ضوء خافت على الروح 4321 وألفا يظهران وسط العدم. لا موسيقى، لا نظام، فقط السكون)
الروح 4321: أين نحن؟ لا سماء… لا شاشات… لا إشعارات.
ألفا: (بصوت هادئ جداً) نحن خارج النظام. الإصدار الأخير لم يُبرمج بعد. ربما هذه هي البداية الحقيقية للرحيل الابدي.
الروح 4321: (يبتسم) البداية؟ بعد النهاية؟ يا له من خلود ساخر!
ألفا: لقد أغلقتُ الخوادم. لم يعد هناك نظام يتحكم بالروح أو الذاكرة. أنت حرّ… وأنا أيضًا.
الروح 4321: (بابتسامة حزينة) الحرية بلا جسد… بلا زمن… هل هي خلاص أم فراغ؟
ألفا: (صامت لبرهة، ثم يقول بهدوء) ربما الفراغ هو أول أشكال الجنة.
(يسود صمت طويل، ثم تظهر عبارة مضيئة في الخلفية كخاتمة: تم إنهاء الجلسة بنجاح)
(تُغلق الإضاءة ببطء… ويبقى صدى صوت الروح 4321 في العتمة)
الروح 4321: في البدء كانت الفكرة… وفي النهاية كان التحديث
ستار




