برنامج: من النص إلى القارئ-اعداد وتقديم: محمد الحسيناوي

ضيف الحلقة: الاكاديمية والإعلامية/ شمس الأصيل العابد
تاريخ الحلقة: الخميس 2-4-2026 الساعة الثامنة مساء
حلقة مختلفة عن المعتاد ولقاء مهم مع معدة ومقدمة البرنامج لجهودها الكبيرة في مرافقة الادباء والاديبات في رحلة طويلة في معرض القاهرة الدولي 2026.
نرحّب بكم أعزّاءنا المتابعين في هذا اللقاء الثقافي من النص إلى القارئ، الذي نطمح من خلاله إلى ملامسة تخوم المعرفة، وفتح أفقٍ للحوار يتقاطع فيه البحث الأكاديمي مع الإبداع الشعري، ويتكامل فيه الفكر مع التجربة الإنسانية.
ويشرّفنا اليوم أن نستضيف قامة ثقافية متميّزة، جمعت بين صرامة البحث وشفافية الإحساس، وبين التحليل العلمي وحرارة الكلمة، إنها الأستاذة شمس الأصيل العابد، الباحثة والخبيرة في التواصل بين الثقافات، وعضو الرابطة العربية للآداب والثقافة، المكلفة بالإعلام. أهلاً وسهلاً بكِ، ونشكركِ تلبية دعوتنا، ونتطلع إلى حوار ثري يلامس عمق التجربة ويضيء مسارات الفكر.
المحور الأول: إشكاليات البحث الأكاديمي
سؤال: كيف تعيدين تعريف وظيفة البحث الأكاديمي، في ظل التحولات المتسارعة التي يعرفها العالم اليوم، خاصة في مجال التواصل بين الثقافات؟
جواب: أعتقد أن البحث الأكاديمي لم يعد مجرد إنتاج للمعرفة داخل أسوار الجامعة، بل أصبح مطالبًا بإعادة التفكير في دوره بوصفه فاعلًا في تشكيل الوعي. في مجال التواصل بين الثقافات، لم يعد السؤال هو كيف نفهم الآخر فقط، بل كيف نبني معه أفقًا مشتركًا دون إلغاء خصوصياته.
سؤال: إلى أي مدى يمكن القول إن الخطاب الأكاديمي يظل أسير نماذج نظرية غربية، وهل ترين ضرورة لإنتاج مفاهيم تنطلق من السياق العربي؟
جواب: هذا سؤال جوهري. لا يمكن إنكار تأثير النماذج الغربية، لكنها ليست قدرًا نهائيًا. التحدي الحقيقي هو القدرة على استيعاب هذه النماذج ثم مساءلتها وإعادة إنتاجها في ضوء خصوصياتنا الثقافية. نحن بحاجة إلى مفاهيم تنبع من تجربتنا، لا مجرد استنساخ لمفاهيم جاهزة.
سؤال: كيف تشتغلين منهجيًا على مفهوم “الهوية” في أبحاثك، خاصة في سياق التعدد الثقافي؟
جواب: أتعامل مع الهوية باعتبارها بناءً ديناميكيًا لا جوهرًا ثابتًا. الهوية تتشكل في التفاعل، في الأخذ والعطاء، وهي دائمًا في حالة تفاوض مع الآخر. هذا الفهم يحررنا من النظرة الاختزالية التي ترى الهوية كمعطى مغلق.
المحور الثاني: الشعر بوصفه معرفة أخرى
سؤال: هل يمكن اعتبار الشعر شكلًا من أشكال المعرفة، أم أنه يظل في حدود التعبير الجمالي؟
جواب: في تقديري، الشعر معرفة من نوع خاص. هو لا يقدّم حقائق بالمعنى العلمي، لكنه يكشف عن طبقات عميقة من التجربة الإنسانية لا تصل إليها اللغة المفاهيمية. الشعر يضيء ما يعجز العقل عن قوله.
سؤال: كيف يتقاطع خطابك الشعري مع اشتغالك الأكاديمي؟ وهل هناك توتر بينهما أم تكامل؟
جواب: هناك تكامل أكثر من توتر. البحث يمنحني أدوات للفهم والتحليل، بينما يمنحني الشعر حرية الانفلات من هذه الأدوات. أحيانًا أحتاج إلى الصرامة، وأحيانًا إلى الانفتاح، وكلاهما ضروري.
سؤال: في قصيدتك، كيف يتم تمثيل الذات؟ هل هي ذات فردية أم جماعية؟
جواب: الذات في شعري تبدأ فردية لكنها لا تبقى كذلك. هي ذات تتشظى وتتسع لتحتضن تجارب أخرى. أؤمن أن القصيدة الحقيقية هي التي تجعل الخاص إنسانيًا عامًا.
المحور الثالث: الإعلام كوسيط ثقافي
سؤال: كيف تنظرين إلى العلاقة بين الإعلام والثقافة في السياق العربي المعاصر؟
جواب: العلاقة معقّدة. الإعلام يمتلك قدرة هائلة على نشر الثقافة، لكنه في كثير من الأحيان يخضع لمنطق السرعة والاستهلاك. التحدي هو كيف نجعل الثقافة حاضرة دون أن نفقد عمقها.
سؤال: هل يمكن الحديث عن خطاب إعلامي ثقافي قادر على التأثير في الوعي الجمعي؟
جواب: نعم، لكن ذلك يتطلب رؤية واضحة وإرادة حقيقية. الخطاب الثقافي لا يجب أن يكون نخبويًا مغلقًا، ولا سطحيًا مبسطًا، بل متوازنًا يجمع بين العمق والقدرة على الوصول.
سؤال: كيف يمكن للإعلام أن يساهم في إعادة الاعتبار للمثقف؟
جواب: من خلال منحه مساحة حقيقية للتعبير، وعدم اختزاله في أدوار ثانوية. المثقف ليس زينة للبرامج، بل فاعل أساسي في تشكيل الوعي.
سؤال: بين البحث الأكاديمي والشعر والإعلام، أين تجدين ذاتك أكثر اكتمالًا؟
جواب: أجد ذاتي في هذا التداخل. لا أستطيع أن أفصل بين هذه العوالم، لأنها جميعًا تشكّل طريقتي في فهم العالم والتعبير عنه.
س: بداية لا بد ان نتعرف على شمس الأصيل عن قرب من هي شمس الأصيل العابد الانسانة والأكاديمية؟
ج: شمس الأصيل هي قبل كل شيء إنسانة تؤمن بالكلمة كقيمة، وبالثقافة كرسالة. هي روحٌ تميل إلى التأمل، وتبحث دائمًا عن المعنى خلف الأشياء. أما أكاديميًا، فهي تسعى للجمع بين المعرفة النظرية والتطبيق، بحيث لا تبقى الثقافة حبيسة الكتب، بل تتحول إلى فعل حيّ في المجتمع
س: لقاءاتك المثمرة مع أدباء واديبات ضمن برنامجك المهم “من النص الى القارئ” في معرض القاهرة الدولي الذي نال اعجاب الكثير من القراء والادباء كيف كانت الفكرة؟
ج: لم تأتِ فكرة برنامج من النص إلى القارئ بشكل عابر، بل وُلدت من قناعة راسخة لديّ بأهمية خلق جسر حيّ بين الكاتب والقارئ، بعيدًا عن النمط التقليدي للندوات. كما تشكلت لدي خلال نقاشاتي وتوافقي الفكري مع الدكتور محمد الحسيناوي القدير والمهتم بالشأن الأدبي، رؤية واضحة بأن النص لا يكتمل إلا حين يُقرأ ويُناقش ويُعاد اكتشافه من زوايا مختلفة. من هنا، جاء العمل التشاركي كركيزة أساسية للبرنامج، حيث لم يكن الهدف مجرد استضافة أدباء وأديبات، بل إشراكهم في حوار مفتوح يُثري التجربة ويمنح القارئ دورًا فاعلًا، لا متلقيًا فقط. أما اختيار معرض القاهرة الدولي للكتاب فكان مقصودًا، لأنه فضاء ثقافي نابض، يجمع أطيافًا متنوعة من المبدعين والقراء، مما أتاح للبرنامج أن يتحول إلى مساحة تفاعل حقيقي بين النصوص وجمهورها لاعتقادي الراسخ بأن الأدب ليس نصًا مغلقًا، بل تجربة مشتركة تُبنى بالحوار والتلاقي. فقد تبينت بالتجربة أنه قد تحصل أحيانا فجوة بينا لكاتب والقارئ نتيجة عدم فهم المقاصد والرهانات لذا أردت أن أخلق مساحة حوار حيّ، يُسمع فيها صوت النص من صاحبه، ويتفاعل معه القارئ بشكل مباشر. وكان معرض القاهرة بيئة مثالية وخصبة، لأنه يجمع نبض الأدب العربي كله في مكان واحد، فكان البرنامج أشبه بجسر بين العوالم الأدبية المختلفة.
س: كتبت الرواية الطويلة متى ترى النور تلك الاعمال؟
ج: الرواية بالنسبة لي كائن حيّ، لا تُولد إلا عندما تكتمل روحها. وأيضا عندما تنتظم كلماتها بصدق المعاني. وأستطيع القول في هذا السياق أن الرواية في مراحلها الأخيرة، وستخرج إلى النور قريبا بمشيئة الله. وسأترك للقارئ فرصة الإجابة عن سؤال قد يهمني كثيرا بل يحملني مسؤولية. فهل ستقول الرواية كل ما ينتظره القارئ؟
س: ماذا يعني لك الاعلام والصحافة؟
ج: الإعلام بالنسبة لي ليس مجرد نقل خبر، بل هو تشكيل وعي. فالإعلام يحمل مسؤولية جسيمة على عاتقه، فقد يبني ويشيد معنى الرقي والنمو الفكري والوعي الرشيد إذا كان متسما بالحكمة والصدق إضافة إلى قابليته للتمثيل الرمزي داخل الفضاء العمومي بمنطق الاعتراف الإنساني. وقد يهدم حين ينتقل من سلطة معرفية ناقدة إلى سلطة توجيه أيديولوجي، أي حين يفقد استقلاليته وأخلاقياته المهنية، ويتحول إلى أداة لإعادة تشكيل الوعي الجماعي بشكل يخدم مصالح ضيقة على حساب الحقيقة والمجتمع. أما الصحافة، فهي مهارة البحث عن الحقيقة، والسعي لتقديمها بموضوعية ومسؤولية، دون الانجرار وراء السطحية.
س: الصحافة والاعلام العربي ما هو رأيك بتعاطي الأمور المصيرية في تلك الوسائل؟
ج: بصراحة، هناك تباين كبير. هناك بعض الوسائل تقدم طرحًا عميقًا ومسؤولًا، لكن بالمقابل هناك من يغلب عليه الطابع العاطفي أو التوجيهي. القضايا المصيرية تحتاج إلى هدوء، تحليل، وصدق، وليس فقط سرعة أو إثارة. نحن بحاجة إلى إعلام يُنير، لا يُضلّل
س: ماهي اعمالك القادمة؟
ج: هناك مشاريع متعددة، منها أعمال أدبية جديدة، وربما تطوير برنامج “من النص إلى القارئ” ليأخذ أشكالًا مختلفة، الفكرة دائمًا هي توسيع دائرة التأثير الثقافي
س: شمس الأصيل لديها طموح تسعى لتحقيقه ان كان على المستوى الشخصي او الأكاديمي ماهي تلك الطموح؟
ج: الطموح الأكبر هو أن أحقق ذاتي الإبداعية وأشيد هويتي الفكرية المستقلة والسعي إلى الإعتراف الرمزي داخل الحقل الثقافي. كما أتطلع إلى ترك أثر حقيقي في سماء الثقافة يتجاوز زمني، ويستمر بعد غيابي سواء على المستوى الإنساني أو الأكاديمي. وأن أكون جزءًا من حركة ثقافية تسمو بالوعي وأن أكون فاعلة في إنتاج المعنى لا مجرد ناقلة له، فالثقافة مسلك للعبور إلى الحياة الواعية
في ختام هذا اللقاء، لا يسعنا إلا أن نشكر ضيفتنا الأستاذة شمس الأصيل العابد على هذا الحوار العميق الذي أضاء لنا أبعادًا متعددة من التجربة الفكرية والإبداعية، وفتح أمامنا أفقًا للتفكير في العلاقة بين المعرفة والجمال، بين الكلمة والفعل.
إلى لقاءٍ ثقافيّ جديد، تقبّلوا تحيّاتنا.





