دراسات أدبية

الشِّعر قبل الإسلام – عبد الله الطيب، فاس

ولم يكن هدفُ الأعشى ببساطة التفاخرَ بالمآثر الغرامية، بل تسلية مستمعيه البدو وإمتاعهم، لكن رغم استمتاع بعضهم، كان آخرون يغارون بالضرورة من فُجُوره الصريح. ومثَّل هؤلاء الغيورون أيضًا موضوعًا للمزاح:

لَهَا مَلِكٌ كانَ يَخْشَى القِرَافَ

إذا خالطَ الظَّنُّ منهُ الضَّميرا

إذا نزلَ الحيُّ حلَّ الجَحِيشَ

شقيًّا غويًّا مبينًا غيُورا

يقولُ لعبدَيهِ حُثَّا النَّجا

وغُضَّا مِنَ الطَّرفِ عَنَّا وسِيرَا

فليس بمُرعٍ على صاحبٍ

وليس بمانِعِه أنْ تَحُورَا

وَلَيْسَ بِمَانِعِهَا بَابَهَا

ولا مُسْتَطِيعٍ بِهَا أنْ يَطِيرَا١٢١

على النقيض من روح الدعابة عند الأعشى، والرومانسية التي تتَّسم بالروح الرياضية عند امرئ القيس، كان هناك شعراء العاطفة، وقد رفع بعضهم الحُب إلى آفاق سامية للبسالة والنُّبل، وابتُليت قلوبُ بعضهم بالحُب، وأُربِك بعضهم تمامًا. وقد يؤخذ عنترة بن شداد مثالًا للنوع الأول. وُلِد عبدًا، وأمُّه جارية اسمها زبيبة، «سوداء الجبين»، «والشعر منها مثلُ حبِّ الفلفلِ.» جعله حُبُّه لعبلةَ يطمح للمجد ويتميَّز مقاتلًا شجاعًا وباسلًا. ذات يومٍ، هاجم المُغِيرون أهلَه، بني عبس، قال له والده (وقد رفض من قبل أن يعتبره في منزلةِ ابنٍ حُر): «كرَّ!» فقال عنترة: «العبدُ لا يُحسِن الكرَّ، إنما يُحسِن الحِلابَ والصرَّ.» فقال: «كرَّ وأنت حر.» فكَرَّ.١٢٢ مع الحرية جاء الاعتراف. وبسرعةٍ تميَّز بأنه أشجعُ مقاتلي العشيرة، وحين تحدَّاه المنافسون الغيورون لمنافسةٍ شعرية، مفترضين أنه، لأنَّ أصله عبدٌ، سيكون عَييًّا في أساليب قصيدةِ الفخر، قبل تحدِّيهم برائعته الشهيرة، معلَّقته. وكانت عبلةُ مصدرَ إلهامه:

إنْ تُغدِفي دوني القِناع فإنني

طَبٌّ بأخذِ الفارس المُستَلئِم

… … … … …

… … … … …

ولقد نزلْتِ فلا تظُنِّي غيرَهُ

منِّي بمنزلةِ المحبِّ المكرَمِ

… … … … …

… … … … …

عُلِّقتُها عرَضًا وأقتل قومَها

زعمًا وربِّ البيتِ ليس بمَزعَمِ

عروة بن الورد مثالٌ للنوع الثاني، مَن ابتُليت قلوبهم بالحُب.١٢٣ رفيقًا لعنترة من رجال القبيلة، اشتُهر ببسالته، وشِعره ودعمه المثالي ورعاية المتشرِّدين الشُّجعان الذين طردتْهم قبائلهم. سلَّحهم وحارب معهم جنبًا إلى جنب. حظيتْ سلمى من بني كنانة، وقد سباها في إحدى غاراته، بحبِّه واتَّخذها زوجة. وبعد سبعة عشر عامًا، وهما في الطريق إلى مكة، موطنها الأصلي، يعبُران سوق بني النضير اليهود، خدعتْه ذات ليلة وهو سكران، بأن يخيِّرها بين أن تبقى معه أو تلتحق بعشيرتها، وكان بعضهم في السوق. ولم يتوقَّع أن تفضِّل عليه أحدًا، لكنها أعلنتْ، مما أثار غمَّه، في صباح اليوم التالي في السوق، رغم أنه أفضلُ الرجال، فإنها لا يمكن أن تفضِّله على عشيرتها؛ لأنها تكره نساء قبيلته اللائي لم يتوقَّفن عن وصفها بسبيَّة عروة:

ذكرْتُ منازلًا من أمِّ وهب

محلَّ الحيِّ أسفلَ ذي النقيرِ

وآخَرُ مَعهدٍ من أمِّ وهب

مُعرَّسُنا فُويقَ بَني النَّضِيرِ

وقالت ما تشاء؟ قال ألهو

إلى الإصباحِ آثِرَ ذِي أثِيرِ

بآنسةِ الحديثِ رُضَابُ فِيهَا

بُعَيد النومِ كالعِنبِ العَصِيرِ

سَقَونِي النَّسءَ ثم تَكَنَّفُونِي

عُدَاةَ اللهِ من كذِبٍ وزُورِ١٢٤

الإشارة هنا إلى رجالِ عشيرة سلمى، الذين حدَّد لهم أن تبقى معه تلك الليلة وتعلن موقفها في الصباح. المرقش الأصغر١٢٥ مثال للنوع الثالث، أربكه الحُب تمامًا. كان ينتمي لعائلة من الشعراء الكبار منهم طرَفَة وعمرو بن قميئة والمتلمِّس والمرقِّش الأكبر. وكان يحبُّ فاطمة، ابنة المنذر اللخمي، ملك الحيرة. كان المرقش من أكثر الرجال وسامةً في الوجه والشَّعْر. اعتادت فاطمة أن تجلس على أسوار قصرها تتفحَّص الناس، لتختار شخصًا مناسبًا لها من بينهم، كما كانت عادة بعض النبيلات العربيات. وكانت لها جاريةٌ اسمها بنت عَجْلان (أي «بنت الرَّجُل السريع»، وربما كان لقبًا يشير إلى قدراتها بوصفها قوَّادة)، وقد اعتادت أن تجلب لها الشباب الذين يروقون لها. وعندما قويت العلاقة بين فاطمة والمرقش، ارتاب صديق للأخير اسمه عمرو بن جناب، وكان يشبهه في الطلعة وكانت بينهما رابطةٌ لا تخفى على أحد، وطلَبَ أن يُقدَّم للأميرة وربما أمتعها مثل صديقه. اعتقدا أنَّ فاطمة في الظَّلام لن تستطيع التعرُّف على الاختلاف بينهما للتشابه الشديد بينهما، لكن كثرة شَعر جسد عمرو كانت واضحةً لها، وأُبعِد المرقش عن بوَّابة حبيبته، ولم يدخلها ثانية قَط. فَقَدَ فطنتَه تمامًا وبحث عن العزاء في الشِّعر والترحال. تستشهد «المفضليات» بقصيدةٍ كاملة لهذا الشَّقاء. تبدأ بالنسيب التقليدي المعتاد، ملمِّحة إلى حبيبةٍ رمزية، بدوية من بني بكر، وليست أميرة،١٢٦ ثم ينتقل إلى التيمة الحقيقية:

وإنِّي لأَستَحيي فُطَيمةَ جائعًا

خَميصًا، وأَستَحيِي فُطَيمةَ طَاعِمَا

وإني لأَستَحيِيكِ والخَرقُ بيننا

مخافةَ أنْ تَلقَي أخًا ليَ صَارِمَا

وإني وإنْ كَلَّتْ قَلُوصِي لَرَاجِمٌ

بها وبِنَفْسِي، يا فُطَيمَ، المَرَاجِمَا

•••

ألَا يا اسْلمي بالكوكبِ الطَّلقِ فاطِمَا

وإنْ لم يكُن صَرفُ النَّوَى مُتلائِمَا

ألَا يا اسْلمي ثُم اعْلَمِي أنَّ حاجتي

إليكِ، فرُدِّي من نوالِكِ فاطِمَا

أفاطمَ لو أنَّ النساءَ ببلدةٍ

وأنتِ بأُخرَى لاتَّبعتُكِ هائِمَا

متى ما يشأْ ذو الوُدِّ يَصرِمْ خليلَهُ

ويَعْبَدْ عليه لا محالةَ ظالِمَا

وآلَى جَنابٌ حِلْفةً فأطَعْتَهُ

فنفسكَ وَلِّ اللَّومَ إنْ كنتَ لائِمَا

•••

فمَن يَلقَ خيرًا يَحمَدِ الناسُ أمرَهُ

ومَن يَغوِ لا يَعدَمْ على الغيِّ لائِمَا

ألَمْ ترَ أنَّ المرءَ يَجذِمُ كفَّهُ

ويَجشَمُ من لومِ الصديقِ المَجَاشِمَا

أمِنْ حُلمٍ أصبحْتَ تنكُتُ واجِمَا

وقد تعتري الأحلامُ مَن كان نائِمَا

وكان المرقِّش الأكبر أيضًا مُحبًّا أربَكَه الهوى، كما قد نرى في أبيات طرَفَة:

وقد ذهبتْ سلمى بعقلكَ كلِّه

فهل غيرُ صيدٍ أحرزتْه حبائلُه

كما أحرزتْ أسماءُ قلبَ مُرقِّشٍ

بحُبٍّ كلمعِ البرقِ لاحتْ مخايِلُه

وأنكَحَ أسماءَ المُراديَّ، يبتغي

بذلك عوفٌ أن تُصابَ مقاتِلُه

فلمَّا رأى أنْ لا قرارَ يقِرُّه

وأنَّ هوى أسماءَ لا بدَّ قاتِلُه

ترحَّل من أرضِ العراقِ مرقِّشٌ

على طرَبٍ، تهوي سِراعًا رَواحِلُه

إلى السَّرْوِ، أرضٌ ساقَهُ نحوَها الهَوَى

ولم يَدرِ أنَّ الموتَ بالسَّروِ غائِلُه

•••

لعَمْري، لموتٌ لا عقوبةَ بعدَهُ

لِذِي البَثِّ أشْفَى من هوًى لا يُزَايلُه

فوَجْدي بسَلْمَى مثلُ وجدِ مرقِّشٍ

بأسماءَ، إذْ لا تَستَفيقُ عَوَاذِلُه

قضى نَحْبَه، وجدًا عليها مرقِّشٌ

وعُلِّقْتُ من سَلمَى خَبالًا أُمَاطِلُه١٢٧

أصبحتْ قصةُ المرقِّش نموذجًا لكلِّ الحكايات العربية التالية عن الحُب المُحبَط، مثل حكاية عروة وعفراء وحكاية قيس وليلى في العصر الأُموي. واستمرَّت نُسَخ من هذه القصص تُحكَى لقرون حتى بين شعوبٍ مختلفةٍ تأثَّرت بالتقاليد العربية، في كثير من البلاد، كما حدث، على سبيل المثال، في قصةِ تاجوج ومحرق الحمراني، قبيلةٌ عربية سودانية ترجع أصولها إلى الحجاز.

(١٠) المدح والهجاء

كانت هناك، على وجه العموم، ثلاثُ فئات من المدح: فئة مستوحاة من عاطفةٍ أصيلة، وأخرى ممَّا قد يسمَّى زهوًا اجتماعيًّا، وثالثة بغرض الارتزاق من الدعاية. وقد تظهر الفئات الثلاث كلُّها أحيانًا في قصيدةٍ واحدة، حيث تكون العاطفة الأصلية صادقة. المدح الذي يعبِّر عن العرفان الشخصي هو العنصرُ الأكثرُ تكرارًا في الفئة الأُولى، كما في كلِّ مدائح امرئ القيس، وقِطَعه القصيرة في المدح، كما في مديح سعد بن الضباب وبني تيم الذين يسمِّيهم «مصابيح الظلام»، وقد صار اسمهم بين العرب.١٢٨ وكان مدحُ بِشْر بن أبي خازم لأوس بن لأمٍ من هذه الفئة. حين أسَرَ أوسٌ بِشرًا في معركةٍ، وكان أوسٌ يريد قتله لأنَّه هجاه. نصحتْه سعدى أم أوس بحكمةٍ أن يُبقي على حياته ويعيده إلى أهله بهدايا ليكسب ثناءه؛ لأنه شاعرٌ مشهور.١٢٩ وقد يُرَى المثال الثالث في أشعار أميَّة بن أبي الصلت الثقفي في الثناء على كرمِ عبد اللهِ بنِ جُدْعَان، أحد سادةِ قريش قبل الإسلام، الذي عامل الشاعرَ معاملةً كريمة.

له داعٍ بمكةَ مُشمَعلٌّ

وآخر فوق كعبتها يُنادي

إلى رُدحٍ من الشيزى مِلاءٍ

لُبابَ البُرِّ يُلبكُ بالشِّهادِ١٣٠

الفئة الثانية من شِعر المديح تُشبه، إلى حدٍّ ما، شعرَ الحُب المُستوحَى من روح الشهامة. قد يسافر الشاعر إلى بلاط أمير في دمشق أو الحيرة أو اليمن أو إلى خِيام زعيمٍ قبلي مشهور، ويؤلِّف شعرًا في مدحه، ويحصل على جائزته، ثم يعود إلى أهله ليتباهى بنجاحه. ولا ينبغي الخلط بين شعر التباهي هذا والمديح الاحترافي، رغم أنه يمكن القول بأن الأخير تطوَّر منه إلى حد ما. على سبيل المثال، زار حسان بن ثابت بلاطَ جبلة بن الأيهم، ملك الغساسنة، وكان قريبَه من بعيد، في دمشق، لترسيخ مكانته بين رفاقه من رجال القبائل في يثرب. تقول الخُرافة إنَّ حسانًا والنابغة وعلقمة الْتقوا في بلاط الغساسنة وحصل حسانٌ على الجائزة الأُولى على شِعره في المديح. ورغم أنه يقال إن حسان قد بلغ الستين حين هاجر النبيُّ محمد من مكة إلى يثرب، لا يمكن أن يكون قد خاض منافسةً شعرية مع علقمة، الذي كان معاصرًا لامرئ القيس. قال حسان في مديحه لملك الغساسنة:

أولادُ جَفنَةَ عند قبرِ أبيهمُ

قبرِ ابنِ ماريةَ الكريمِ المُفضِلِ

يُسقَون من وردِ البريصِ عليهم

كأسًا يصفِّق بالرحيقِ السَّلسلِ

يُغشونَ حتى ما تهرُّ كِلابهم

لا يسألون عن السوادِ المُقبلِ

بيضُ الوجوهِ كريمةٌ أحسابُهم

شمُّ الأنوفِ من الطرازِ الأولِ١٣١

المسيَّب بن عَلَس، خال الأعشى، سافر بطريقةٍ مماثلة إلى زعيم بني تميم، القعقاع، ليمدحه بعينيَّته:

فلَأُهدِيَنَّ مَعَ الرِّياحِ قَصيدَةً

مِنِّي مُغَلغَلَةً إِلى القَعقاعِ

تَرِدُ المِياهَ فَما تَزالُ غَريبَةً

في القَومِ بَينَ تَمَثُّلٍ وَسَماعِ

وَلَأَنتَ أَجوَدُ مِن خَليجٍ مُفعَمٍ

مُتَراكِمِ الآذِيِّ ذي دُفَّاعِ

وَكَأَنَّ بُلقَ الخَيلِ في حافاتِهِ

يَرمي بِهِنَّ دَوالِيَ الزُّرَّاعِ

وَلَأَنتَ أَشجَعُ في الأَعادي كُلِّها

مِن مُخدِرٍ لَيثٍ مُعيدِ وِقاعِ١٣٢

ينشأ المديح الاحترافي أحيانًا من إعجابٍ شخصي حقيقي وتعلُّق بالشخص، وأحيانًا من دوافع سياسية، ويكون أحيانًا مهنة للتكسُّب. يقال إنَّ زهيرَ بن أبي سُلمى كان معجَبًا بعمقِ بالأدوار التي لعبها هَرِم بن سِنان والحارث بن أوفى، اللَّذين دفعا ديةَ نزاعٍ قبلي، وكانت ثلاثة آلافِ جمَلٍ في ثلاثِ سنوات. ومدح زهيرُ هذَين الرجلَين في المعلَّقة. ويستهلُّها بنسيبٍ رائع يصفُ قافلةَ أم أوفى، ثم يتحوَّل مباشرةً إلى مساعي هرم والحارث. من بُعْدٍ شكلي، تحلُّ أسفارهما لتحقيق هذا الغرض محلَّ رحلة التخلُّص التقليدي. لكنَّ مدح هذين الزعيمين عرَضي بالنسبة لغرض القصيدة، وهو التحذير من الحرب وحثُّ العشائر الغسانيَّة المتناحرة على الوفاء السريع بعهودها وتجنُّب الغدر:

فلا تكتمُنَّ الله ما في صدُورِكم

ليخفى ومهما يُكتَمِ اللهُ يعلمِ

يؤخَّرْ فيوضعْ في كتابٍ فيُدَّخرْ

ليومِ الحساب أو يعجَّلْ فيُنقَمِ

(A. J. Arberry)١٣٣

تنتهي المعلَّقة بسلسلةٍ من المقولات الخُلُقية. يسود في القصيدة كلِّها جوٌّ من الحركة الرقيقة البطيئة تقريبًا، من وصف قافلة الهوادج الحمراء التي تتحرك ببطء بالجميلات، بتلميحٍ موجَز لحشود الحُجَّاج التي تتحرك ببطءٍ حول الكعبة، ومشهد مئات الجِمال، كبيرة وصغيرة، تظهر من ممرَّات الهِضاب، إلى وصف طواحين الحرب الثقيلة التي تطحن وتسحق. ويلي ذلك غدرُ حسين بن ضَمضَام، وإعلان الشاعر بأنه سَئمَ أعباءَ الحياة. وكلُّ هذا منسجمٌ مع جوِّ المفاوضات الطويلة، التي وضعت في النهاية نهايةً للصراع المميت:

وكَائِنْ ترى من صامتٍ لك مُعجِبٍ

زيادتُهُ أو نقصُه في التكلُّمِ

ومَن لا يزَلْ يسترحلُ الناسَ نفسَه

ولا يُعفِها يومًا من الذلِّ يندمِ

وفي نهاية القصيدة يقول زهير لرُعاته:

سألنا فأعطيتُم وعُدْنَا فعدتُمُ

ومَن يُكثِر التسآلَ يومًا سيُحرمِ١٣٤

كان زهير مؤيِّدًا للقيم الخُلُقية، وممثِّلًا للتوحيد العربي قبل الإسلام. في إحدى قصائده الشهيرة الموجَّهة إلى هَرِم، راعيه طوال حياته، يقول ثناءً على عشيرته، التي ينتمي إليها الحارث أيضًا، شريك هرم في المفاوضات:١٣٥

وفيهم مقاماتٌ حِسانٌ وجوهُهم

وأنديةٌ ينتابها القولُ والفعلُ

على مُكثِريهم رزقُ مَن يعتريهمُ

وعند المقلِّين السماحةُ والبذلُ

[إذا جئتَهم ألفيتَ حولَ بيوتِهم

مجالسَ قد يُشفَى بأحلامها الجَهلُ]

وإنْ قام فيهم حاملٌ قال قاعدٌ

رَشَدتَ فلا غُرمٌ عليك ولا خَذلُ

سعى بَعدَهم قومٌ لكي يُدركوهُمُ

فلَمْ يفعلوا ولم يُليمُوا ولم يألوا

فما يكُ من خيرٍ أتوه فإنما

توارثه آباءُ آبائهم قبلُ

وهل ينبِتُ الخَطِّيَّ إلا وشيجُهُ

وتُغرَسُ إلا في منابتِهَا النَّخلُ

فضَّلَ عمرُ بن الخطاب، ثاني الخلفاء الراشدين، زهيرًا على كلِّ شعراء الجاهلية؛ لأنه كان لا يتتبع حُوشي الكلام ولا يمتدح أحدًا إلا بما فيه.

واشتُهر النابغة بمديحه لملك الغساسنة واعتذاره للملك الحارث. مثل زهير، كان مناصِرًا للمبادئ الخُلُقية القبلية، لكنَّ أسلوبه يتمتَّع بلمسةٍ شخصية أكثر وبتلقائية. يقول في مديحه:

وثقْتُ له بالنصر إذ قيل قد غزتْ

كتائبُ من غسَّانَ غيرُ أشائبِ

•••

إذا ما غَزَوا بالجيش حلَّق فوقَهُم

عصائبُ طيرٍ تهتدي بعصائبِ

يصاحبْنَهُم حتى يُغِرْنَ مُغارَهم

من الضارياتِ بالدماء الدَّوارِبِ

تراهُنَّ خلفَ القومِ خُزْرًا عيونُها

جلوسَ الشُّيوخِ في ثيابِّ المَرانِبِ

جوانحَ قد أيقنَّ أنَّ قبيلَه

إذا ما الْتقى الجمعانِ أولُ غالِبِ١٣٦

قصائد النابغة في الاعتذار تهتمُّ غالبًا بمدحِ راعيه النُّعمان، والهجوم على أعدائه أكثر ممَّا تهتمُّ بالإعلان ببساطة عن براءة الشاعر من التُّهم الموجَّهة إليه. وهذه التيمة الأخيرة، على الرغم من أهميتها بوصفها غرضًا رئيسيًّا في كلِّ هذه القصائد، تعالج غالبًا وكأنها استمرارٌ للنسيب في العينية١٣٧ واستطرادٌ مقتضَب من المديح في الدالية:

ما قلْتُ من سيِّئٍ مما أُتيْتَ به

إذن فلا رفعتْ سوطي إليَّ يدي

… … … … …

… … … … …

إذن فعاقبني ربي معاقبةً

قرَّتْ بها عينُ مَن يأتيك بالفندِ١٣٨

بائية علقمة الموَّجهة إلى الحارث بن أبي شَمِر الغسَّاني، مثال للمديح السياسي. ثمَّة مثالٌ آخر وهو مديح عَبِيد بن الأبرص لحُجْر، والد امرئ القيس، الذي كان ملِكًا مستبدًّا عامل بني أسد، أهل عَبِيد، بوحشيةٍ فظيعة. وهكذا سعى عَبِيد لاسترضائه بالثناء عليه؛ وبمجرد القيام بذلك خطط عَبِيد ورجال بني أسد لاغتياله ونفَّذوه. قال عَبِيد:

يا عينُ فابكي ما بني

أسدٍ فهُم أهلُ الندامةْ

… … … … …

… … … … …

حِلًّا، أبيت اللعن حِـ

ـلًّا إنَّ فيما قلْتَ آمةْ

… … … … …

… … … … …

إمَّا تركْتَ، تركْتَ عفـ

ـوًا أو قتلْتَ فلا ملامةْ

أنت المليكُ عليهمُ

وهمُ العبيدُ إلى القيامةْ

(C. J. Lyall)١٣٩

لكن هذا لم يمنعه فيما بعد من الردِّ على تحدِّي امرئ القيس، حين سعى الأخير للانتقام من بني أسدٍ لمقتل والده:

يا ذا المخُوِّفُنا بقتْـ

ـل أبيه إذلالًا وحَيْنَا

… … … … …

… … … … …

نحن الأُلى جمِّعْ جمو

عًا ثم وجِّههمْ إلينَا

… … … … …

… … … … …

نحمي حقيقتنا وبعـ

ـضُ القومِ يسقُطُ بينَ بَينَا

(C. J. Lyall)١٤٠

يقال إنَّ عمل المدَّاح المحترف بوصفه داعيةً ظهَرَ في المرحلة الأخيرة من العصر الجاهلي.١٤١ ويقال إنَّ النابغة فقَدَ بعض مكانته القبلية بين أهله، بني ذبيان؛ لأنَّه قبل هدايا الملوك على مدائحه، لكن حقيقة تكريمه في عكاظ توحي بالعكس. يشير بيته:

وعيَّرتني بنو ذبيانَ خَشْيَتَه

وهل عليَّ بأنْ أخشاكَ من عارِ؟

إلى بعضِ الرفض لدوافع مدحه، وليس إلى حقيقة تقديمه قصائد مديح لملك. ويبدو أن مكانة الأعشى ترجع إلى اعتباره داعيةً محترفًا متجوِّلًا ومادحًا، يتنقَّل من راعٍ إلى آخر، مقدِّمًا نفسه وسيطًا ومقيِّمًا لأهمية العرب الكبار في عصره على ضوء المدونة القبلية.

في منافرة بين متنافسَين من بني عامر، هما علقمة بن عُلاثة وعامر بن طُفيل، منَحَ وقوفُ الأعشى بجانب الأخير مكانةً أعظم. سمِعَ الأعشى عن منافرتهما وتنافُسهما، وذهَبَ أولًا إلى علقمةَ وطلب منه، لاختباره، أن يُجيره؛ فاستجاب علقمةُ بسهولة. ثم سأله الأعشى إن كان يمكن أن يحميه حتى من الموت؛ فاعترف علقمةُ إنه لا يستطيع ذلك. فتركه الأعشى، وذهَبَ إلى عامرٍ وطلب منه مثلَ ما طلب من الأول. وحين عرض عامرٌ أن يُجيره حتى من الموت، سأله: وكيف تُجيرني من الموت؟ فقال عامر: إن متَّ في جواري بعثتُ إلى أهلك الدية. فقرَّر الأعشى دعمَ موقفِ عامر، وأثنى عليه، وهجا علقمة. ويقال إنه فيما بعد، حين صار عامرٌ عدوًّا للنبيِّ وأعلن نيته في أن يقوِّمه واعتنق علقمة الإسلام، ساءت سمعة هذه القصيدة وتجنَّب الناسُ روايتها أو الاقتباس منها،١٤٢ لكنْ يبدو أنَّ الاقتباس الشهير لعليٍّ منها وهو يقارن خلافته بخلافة عمر، يدحض ذلك:

شتَّان ما يومي على كورِها

ويومُ حيَّانَ أخي جابرِ١٤٣

ومات الأعشى دون أن يعتنق الإسلام في سنة ٦ﻫ/٦٢٧م، عجوزًا جدًّا. وكان ينوي أن يذهب إلى المدينة ويقدِّم للنبي قصيدة مديحٍ يعتذر فيها له على النحو:

نبيٌّ يرى ما لا ترون وذِكرُهُ

أغارَ لعَمري في البلادِ وأَنْجَدَا

قابله بعضُ سادةِ قريش في الطريق، وعرضوا عليه مائةَ جمَلٍ وطلبوا منه أن يؤجِّل رحلته إلى المدينة إلى العام التالي. فقَبِل لكنَّه مات قبل نهاية تلك السنة. وهذه الحكاية منمَّقةٌ بقصة أنَّ القرشيِّين حذَّروا الأعشى من أنَّ محمدًا لن يسمح له بشُرب الخمر؛ لكنَّ تحريم الخمر جاء بعد عامَين من موتِ الأعشى. وفيما يلي أمثلة للمدائح الاحترافية للأعشى. في قصيدة يعظِّم فيها ملكَ اليمن قيس بن مَعْدِيكَرِب، يقول:

تقول ابنتي حين جدَّ الرحيلُ

أَرانا سَواءً ومَن قد يَتِمْ

أبانا فلا رِمتَ من عندنا

فإنَّا بخيرٍ إذا لم تَرِمْ

… … … … …

… … … … …

أَرانا إذا أضمرتْكَ البلا

دُ نُجْفَى وتُقطعُ منَّا الرَّحِمْ

أفي الطَّوفِ خِفتِ عليَّ الرَّدى

وكم من رَدٍ أهلَه لم يَرِمْ

إلى المرءِ قيسٍ أُطيلُ السُّرى

وآخُذُ من كُلِّ حَيٍّ عُصُمْ

وما مُزبِدٌ من خليجِ الفُرا

تِ جَونٌ غَوَارِبُه تَلتَطِمْ

يكبُّ الخليَّةَ ذاتَ القِلا

عِ قد كاد جُؤْجُؤُهَا يَنحطِمْ

تَكَأْكأَ ملَّاحُها وسطَهَا

من الخوفِ كَوْثَلَها يَلتَزِمْ

بأجودَ منه بمَاعُونِه

إذا ما سماؤُهُمُ لمْ تَغِمْ١٤٤

وفي قصيدته عن الحكم بين عامر وعلقمة يقول:

عَلقَمَ، لا لستَ إلى عامرِ

الناقِضِ الأوتارِ والواتِرِ

واللابسِ الخيلَ بخيلٍ إذا

ثارَ غُبارُ الكبَّةِ الثائرِ

سُدْتَ بني الأحوصِ لم تَعْدُهُم

وعامرٌ ساد بني عامِرِ

ساد وألفى قومَه سادةً

وكابرًا سادُوكَ عن كابِرِ

… … … … …

… … … … …

إنَّ الذي فيهِ تمارَيتُمَا

بُيِّنَ للسامعِ والآثِرِ

حكَّمتُمُوني فقَضَى بينَكُم

أبلجُ مثلُ القمرِ الباهِرِ

لا يأخُذ الرِّشوةَ في حُكمِهِ

ولا يُبالي غبَنَ الخاسِرِ١٤٥

أكسبَت الأعشى شهرته وسمعته بوصفه مدَّاحًا قبليًّا وداعيةً لقبَ «صنَّاجة العرب». واقتفى المدَّاحون التالون خُطاه، من الحطيئة، وهو أحد تلاميذه، وصولًا إلى القمة في العصر العباسي في شِعر أبي الطيب المتنبي.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية
زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading