التناص الشعري: سرقة ام ابداع-د.ازهر سليمان

يُعدّ التلطيف اللغوي من أرقى أدوات البلاغة، إذ يبدّل اللفظ الصريح بما هو ألين وقعًا وأخفّ حدّة، ليُجنّب المتلقي صدمة المباشرة ويُدخل المعنى في دائرة الجماليات. فاللغة، حين تُهذّب، تصبح أكثر قدرة على الإيحاء وأقل عرضة للفظاظة. ولعلّ الأمثلة كثيرة: نقول المرافق الصحية بدلًا من مرحاض، ونقول كريم العين بدلًا من أعور، ونقول تناص بدلًا من سرقة أدبية.
غير أنّ هذا التلطيف، حين يُستعمل في حقل الإبداع، يثير جدلًا نقديًا عميقًا. فالأدب إبداع، والشعر ذروته، ولا يُتصوّر أن يكون الإبداع قائمًا على الاستعارة من هنا والاغتراف من هناك حتى يغدو النصّ مجرّد تجميعٍ لا روح فيه. إنّما هو إبداع عند أنصاف المثقفين والجهلة، لا عند من يطلب الأصالة والفرادة.
التناص بين التهذيب والاتهام
من أبرز المصطلحات التي مثّلت هذا التلطيف هو التناص، الذي شاع في النقد الحديث ليصف تداخل النصوص وتفاعلها. غير أنّه في جوهره لا يبتعد كثيرًا عن مفهوم السرقة الأدبية، بل هو في كثير من الأحيان مجرد تسمية مؤدبة لفعلٍ يُضعف الإبداع ويُبتر أصالته.
وقد تناول هذا الموضوع الباحث جاسم أحمد محمد العبيدي في أطروحته للماجستير بجامعة الشرق الأوسط في الأردن، بإشراف الدكتور بسام قطوس، بعنوان التناص الأدبي والديني. حاول الباحث أن يفصل بين التناص والسرقة، وبذل جهدًا كبيرًا في ذلك، لكنه انتهى إلى النتيجة المنطقية ذاتها: أن التناص ليس إلا وجهًا مخففًا للسرقة، وأنه يقوّض جوهر الإبداع ويهدم سبب وجوده. فإذا كنت مبدعًا، فما حاجتك إلى التناص؟
الشعر بين الأصالة والاغتراف
الشعر، كما يراه النقاد الكبار، لا يُبنى على الاقتباس المموّه ولا على استعارة الأنوار من الآخرين، بل على إشعال نار جديدة في اللغة.
خاتمة
التلطيف اللغوي، وإن كان أداة بلاغية رفيعة، يصبح في النقد الأدبي سلاحًا ذا حدّين: فهو إمّا أن يُجمّل المعنى ويُثريه، وإمّا أن يُخفي وراءه عجزًا عن الإبداع. والتناص، مهما تزيّن بالمصطلحات، يظلّ في جوهره سرقةً أدبيةً مؤدبة. فالإبداع الحقّ لا يحتاج إلى أقنعة، بل إلى أصالةٍ تُعلن نفسها بلا مواربة.





