النثر الفني

أ طفالُ غزّة لا يموتون – صافي خصاونة

رجل مسن يرتدي بدلة رسمية برقم ألوان رقيقة، يجلس أمام نافذة تحمل تسربًا من الضوء.

في الزاويةِ العشرِين من هذا العالم

حيثُ الحيطانُ تتهجّى أسماءَهم كأدعيةٍ مفجوعة

يخرجونَ من الحطامِ

بأجنحةٍ من غبارِ الخبزِ

وعيونٍ تشبهُ المطرَ قبل أن يسقطَ …

ولا يسقط.

أطفالُ غزّة،و

لا يلصقُ الموتُ أختامَهُ على جفونِهم

لأنهم كُتِبوا بالحياةِ

في هوامشِ الكتبِ المدرسيةِ التي لم تُسلَّم

وفي الطباشيرِ التي كُسِرتْ

قبل أن تكتبَ كلمةَ سلام

هم لا يموتون

بل ينامون في ذاكرةِ الأرضِ

كفراشاتٍ خبّأها نيسانُ تحتَ جلده

ينتظرونَ ربيعًا

لا يُعلنُهُ العالمُ في نشراتهِ الملوّثة

سمعتُ صراخهم في عروقِ المدينة

كأنّ الجدرانَ تُنجبُ أصواتًا

وتحملها إلى السماءِ

على هيئةِ سؤالٍ لا يُجابُ عليه في الأممِ المتّحدة

قالت أُمٌّ

طفلي كانَ يكتبُ اسمهُ على الحائطِ

حين أكلتهُ قذيفة

تركتَ اسمهُ فقط…

واختفت

لكنّ الطفلَ لم يمت

الاسمُ يتجوّلُ في الطرقاتِ

يرسمُ وجههُ على زجاجِ السياراتِ

ينامُ في يدِ أبيهِ كلّ مساءٍ

كما لو أنّه سيعود

غزّة لا تبكي

لأن البكاءَ ترفٌ لا يُشترى تحتَ الحصار

غزّةُ تُربّي أبناءَها على أن يكونوا

نصفَ ضوء

نصفَ نار

أن يحملوا حقيبةَ المدرسةِ

وحقيبةَ الإسعافِ

ويختاروا بين الحلمِ والنجاة

في أقلّ من ثانية

في غزّة

الطفولةُ لا ترتدي أصفرًا

بل تختبئُ في أزقّةٍ

تشمُّ روائحَ البارودِ بدلَ الياسمين

وترسمُ الأملَ

بفُتاتِ الطبشورِ على أبوابِ الملاجئ

أطفالُ غزّة لا يموتون

لأنّ الموتَ

يخجلُ أن يواجهَ أعينًا

تحملُ في حدقتها

أسئلةَ الوجودِ كلّه

هم نشيدٌ مؤجّل

قصيدةٌ لم تُكتَب بعد

صرخةٌ محفورةٌ في صمتِ العالم

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading