جيهان كيحل أو هندسة العشق: حين تتحول الأصابع إلى أبجدية للحب – عبد العزيز الخبشي- المغرب

النص:
عُدِّي على أصابع اليدين ما يأتي:
فأولا، حبيبتي أنتِ
وثانيا، حبيبتي أنتِ
وثامنا، وتاسعا، وعاشرا..حبيبتي أنتِ.
جيهان كيحل- المغرب.
في هذا المقطع المكثف الذي تنسجه جيهان كيحل من خيوط قليلة الكلمات، نكون أمام كتابة تراهن على الاقتصاد اللغوي لا على فائض البيان، وعلى التكرار بوصفه استراتيجية جمالية لا مجرد إعادة لفظية. تقول: “عُدِّي على أصابع اليدين ما يأتي: فأولا، حبيبتي أنتِ، وثانيا، حبيبتي أنتِ، وثامنا، وتاسعا، وعاشرا.. حبيبتي أنتِ.” إننا إزاء نص قصير ظاهريا، لكنه مشحون بطاقة دلالية تنفتح على أفق تأويلي رحب، حيث يتحول العد إلى طقس، والأصابع إلى سلم رمزي، والحبيبة إلى مركز كوني يعاد تثبيته في كل مرتبة عددية.
أول ما يلفت الانتباه هو فعل الأمر “عُدِّي”. إنه ليس مجرد توجيه إجرائي، بل استدعاء لطقس جسدي حميمي. العد هنا لا ينجز في الفراغ، بل على أصابع اليدين، أي على الجسد نفسه. بذلك ينتقل النص من مستوى اللغة المجردة إلى مستوى الحس الملموس. الأصابع ليست أداة حساب فحسب، بل هي امتداد للذات، ومسرح صغير تتحرك فوقه الكلمات. إن الشاعرة تحوّل العد، وهو فعل عقلاني رياضي، إلى ممارسة وجدانية، في تواشج بين المنطقي والعاطفي، بين الحساب والعشق.
أما التكرار: “حبيبتي أنتِ” فيحتل مركز البنية. من منظور النقد الأسلوبي الحديث، لا يقرأ التكرار هنا باعتباره حشوا، بل بوصفه إيقاعا داخليا يؤسس موسيقى خفية للنص. فكلما ارتقى العدد درجة، عادت الجملة نفسها لتثبت المعنى وتعمقه. إننا أمام نوع من “التوازي التركيبي” الذي يجعل العبارة تتكرر في سياقات عددية مختلفة، فتتراكم الدلالة بدل أن تتبدد. التكرار هنا ليس إعادة للمعنى، بل توسيع لدائرته؛ فـ”حبيبتي أنتِ” في المرتبة الأولى ليست هي ذاتها في المرتبة الثانية أو العاشرة، لأن السياق العددي يضفي عليها طبقة جديدة من الإصرار والتوكيد.
من جهة أخرى، يلاحظ القارئ أن الشاعرة تقفز من “ثانيا” إلى “ثامنا، وتاسعا، وعاشرا”، متجاوزة الثالث والرابع والخامس والسادس والسابع. هذا الحذف ليس اعتباطيا، بل هو انزياح دلالي مقصود. في النقد البنيوي، يقرأ الحذف بوصفه فراغا دلاليا يدعو المتلقي إلى ملئه. إن الأعداد الغائبة تصبح مجالا صامتا للحبيبة أيضا، وكأن النص يقول ضمنيا إن كل المراتب، المذكورة وغير المذكورة، محجوزة لها. بهذا المعنى، يتحول البياض بين الأرقام إلى فضاء تأويلي، حيث يشتغل الغياب مثلما يشتغل الحضور.
ثمة أيضا بعد تداولي في النص؛ فالجملة “حبيبتي أنتِ” تقوم على أسلوب القصر، بتقديم الخبر شبه الجملة على المبتدأ الضمني، مما يمنحها قوة تقريرية. إن الشاعرة لا تقول “أنتِ حبيبتي” فحسب، بل تجعل “حبيبتي” في الصدارة، وكأنها هوية مطلقة تسند إلى المخاطبة. هذا التقديم يكسب العبارة طابعا احتفائيا، ويحولها إلى إعلان متجدد، يتكرر بعد كل رقم ليؤكد أن العد لا يفضي إلى تعدد، بل إلى وحدة مطلقة.
من منظور النقد التأويلي، يمكن قراءة النص بوصفه محاولة لاحتواء الكثرة داخل الواحد. فالأرقام، بطبيعتها، توحي بالتعدد والتسلسل والاختلاف، لكن الشاعرة تفرغها من هذا المعنى، لتملأها بحضور واحد ثابت: الحبيبة. كل رقم لا يفضي إلى عنصر جديد، بل يعيد إنتاج الاسم ذاته. هنا تتحول البنية العددية إلى شكل فارغ، تسكب فيه ذات المعنى في كل مرة. إنها حركة جدلية بين الشكل والمضمون: الشكل يتغير (أولاً، ثانياً، ثامناً…) لكن المضمون يظل ثابتا. في هذا التوتر يتولد المعنى الجمالي.
كما يمكن مقاربة النص من زاوية شعرية الجسد؛ فالأصابع العشر، بما هي حد اليدين، ترمز إلى الاكتمال. حين تختتم السلسلة بـ”عاشرا.. حبيبتي أنتِ”، يكون النص قد بلغ تمامه العددي، كما لو أن الحب بلغ كماله الرمزي. إن العدّ على أصابع اليدين يحيل إلى الطفولة والبدايات الأولى للتعلم، وكأن العشق هنا يعود إلى براءته الأولى، إلى لحظة اكتشاف العالم عبر الجسد.
الإيقاع بدوره عنصر حاسم. فالتوازي بين “فأولا” و”وثانيا” ثم التعداد المتسارع “وثامنا، وتاسعا، وعاشرا” يخلق حركة زمنية متدرجة، من البطء إلى التسارع. هذا التسارع في النهاية يوحي بتدفق العاطفة، وكأن الشاعرة لم تعد تكتفي بالتدرج الهادئ، بل اندفعت دفعة واحدة نحو الخاتمة. والنقطتان المتتاليتان قبل “حبيبتي أنتِ” في النهاية تفتحان فراغاً دلاليا، لحظة صمت قصيرة تسبق الإعلان الأخير، بما يشبه الوقفة الموسيقية قبل الجملة الختامية.
بهذا المعنى، يتجاوز النص كونه عبارة عاطفية بسيطة، ليصبح تمرينا على إعادة تشكيل اللغة اليومية داخل أفق شعري. العد، الأصابع، الأرقام… كلها عناصر مألوفة، لكن الشاعرة تعيد توظيفها لتقول إن الحب ليس حادثة عابرة في الترتيب، بل هو الترتيب ذاته. الحبيبة ليست رقما في السلسلة، بل هي السلسلة كلها. كل بداية هي هي، وكل نهاية هي هي، وما بينهما صمت مليء بها.
إن قوة النص تكمن في قدرته على تحويل البسيط إلى كثيف، والعادي إلى استثنائي. فبجملة واحدة تتكرر، وببنية عددية محدودة، تنجح جيهان كيحل في بناء مشهد شعري يقوم على الإصرار، والاحتفاء، والاكتمال. هكذا تتحول أصابع اليدين إلى أبجدية للعشق، ويغدو العد طقسا لتثبيت اسم واحد في كل مرتبة من مراتب الوجود.





