الحياة… الفيلم الأعظم – هشام فرجي

في هذا المقال، يأخذنا الكاتب هشام فرجـي في رحلة تأملية عميقة، يُقارب فيها بين الفن والحياة، بين دور الممثل في فيلم وبين الإنسان في رحلته على هذه الأرض. بأسلوب أدبي وفلسفي، يسلّط الضوء على معنى القدر، وتنوع الأدوار، وعمق الرسالة التي يحملها كل مشهد في هذا “الفيلم الإلهي العظيم”.
نص المقال:
في قاعات السينما، حين تنطفئ الأضواء، تبدأ القصة. وجوه مختلفة، ملامح متناقضة، قلوب تنبض بألوان متباينة، وأرواح تتصارع أو تتلاقى في مشاهد لا تُنسى. هناك البطل النبيل، والشرير المتغطرس، والفقير النقي، والغني الجشع، والأم الحنون، والأخت المنحلة، والعاشق، والخائن، والصديق الوفي، والمخادع الماكر… كلٌ يؤدي دوره بحرفية، وكل مشهد لا يكتمل دون الآخر.
تخيل لو أن كل الأدوار أُعطيت لشخص واحد، أو طُبعت على نفس القالب، أو اقتصرت على صنف واحد من الناس… هل كنا سنبكي؟ نضحك؟ نتحمّس؟ نتأمل؟ أم سنغادر القاعة في ملل؟
النجاح في السينما، كما في الحياة، يكمن في هذا التنوع، في اختيار الممثل المناسب للدور المناسب. فالغني الطيب لا يُشبه الغني المتسلط، والفقير الظالم لا يُشبه الفقير المظلوم، وكلٌّ منهم له لحظة ظهور، وله تأثير على سير القصة.
وهكذا هي الحياة تمامًا… فيلم عظيم يُعرض بلا توقف، لا يُعاد، ولا يُحرَّر، ولا يُقصّ منه مشهد. كل ما يحدث فيه، مهما بدا مؤلمًا أو عبثيًا، هو دور مُسند من المخرج… بل من الخالق الأعظم.
نعم، نحن الممثلون، نمشي فوق خشبة الوجود، نؤدي ما كُتب لنا بدقة تفوق التصور. قد نرتبك، قد نشتكي من حجم الدور أو من شدته، لكننا، في النهاية، لا نؤدي إلا ما أُعطينا من نص، ولا نحمل إلا ما وُهِبنا من مواهب وقدرات.
حجم
تلك التي تراها امرأة منهارة قد تكون البطلة في مشهد محوري. وذلك الطفل الباكي قد يُنقذ القصة من ظلمة القسوة. والرجل المقهور الذي تسخر منه الحياة، قد يُقلب الموازين في لحظة انتصار صامتة.
نحن لا نختار أدوارنا كما لا نختار أسماءنا عند الولادة. لكننا نملك شيئًا أسمى: أن نؤدي الدور كما أراده الكاتب الأعلى، أن نعطي للحياة أفضل أداء في هذا الفيلم الكبير.
وحين تُغلق الستائر، وتُطفأ الأضواء، ستبقى أرواحنا على الشاشة… شاهدة على أننا عشنا أدوارنا كاملة، بصدق، وعمق، وأثر.
في نهاية المطاف، لسنا مطالبين بفهم كل مشهد، ولا بتبرير كل موقف، بل أن نثق أن في “سيناريو القدر” حكمة لا تُرى من داخل الدور.
أحيانًا، نود لو كنا في دور آخر، أو نرفض ما كتب لنا، لكن حين ننظر إلى المشهد من أعلى — من زاوية الخالق العارف بكل التفاصيل — سندرك أن كل لحظة، كل دمعة، كل ضحكة، كانت جزءًا من تحفة إلهية لا يُمكن أن تكتمل بدونها.
ولعل أجمل ما في هذا الفيلم… أنه لا يُقاس بنجاح الأبطال ولا بهزيمة الأشرار، بل بقيمة الأداء، بصدق المشاعر، وبالأثر الذي نتركه في القلوب قبل أن نغادر.
فكن بطلًا في دورك، ولو لم تُصفق لك الجماهير… يكفي أن المخرج الأعظم راضٍ عن أدائك.
عن الكاتب:
هشام فرجي ، باحث وأديب مغربي، من مواليد سنة 1978.
يشغل منصب مدير تربوي بإحدى المؤسسات التعليمية، وهو دكتور باحث في مجال الاقتصاد والعلوم الاجتماعية، وفاعل ثقافي مهتم بقضايا الفكر والمجتمع.
له مساهمات علمية وأدبية وفكرية منشورة في عدد من المجلات العلمية والمجلات والجرائد الورقية و المنابر الإلكترونية…، ويُعرف بأسلوبه التأملي العميق، الذي يمزج بين الفلسفة والواقع بلغة أدبية شفافة.





