قدر و مصير ✍️رانيا أقلعي

كان أيمن شابا طموحا، أنهى دراسته الجامعية بامتياز، حالما بمستقبل مشرق ووظيفة مرموقة، لكن الأقدار لم تكن في صفه، بحث طويلا عن فرصة عمل تناسب شهادته، لكن الأبواب كانت تغلق في وجهه واحدا تلو الآخر.
مع مرور الأيام، بدأ اليأس يتسلل إلى قلبه، وتحولت أحلامه إلى رماد.
زوجته سارة كانت نعم السند، تشاركه مرارة الفقر والحرمان، وتتجرع معه كأس اليأس،كان الألم يكمن في قلبيهما لسبب آخر أيضا؛ فقد كانا عقيمين، وشوقهما للأبوة والأمومة يكاد يمزقهما.
ضاقت الدنيا بأيمن ذرعا، واضطر للعمل في جمع النفايات، يفتش في حاوية القمامة بحثا عن أي شيء ثمين يمكن بيعه، كانت نظرات الناس تلاحقه باشمئزاز، وكأنه كائن من عالم آخر.
في صباح يوم شتوي بارد، كان أيمن كعادته يفتش في أحد الحاويات، حين لمح شيئا يثير فضوله، لم يكن قطعة بلاستيك أو ورقة، بل كان شيئا يتحرك…
اقترب أيمن بحذر، ليرى رضيعا صغيرا ملفوفا بقطعة قماش مهترئة، ووجهه يميل إلى الازرقاق من شدة البرد،كان الرضيع لا يزال على قيد الحياة.
صعق أيمن من هول المشهد، ففكر في الاتصال بالشرطة، لكن صورة سارة التي طالما حلمت بطفل لمعت في ذهنه، هذا الطفل قد يكون تعويضا لهما عن كل ما حرموا منه، أمسك بالرضيع وخبأه تحت معطفه، وعاد إلى منزله مسرعا.
لم تصدق سارة عينيها حين رأت الرضيع، بعد لحظات من الصدمة، تبدلت ملامحها إلى مزيج من الفرح والحنان، واحتضنت الطفل كأنه قطعة منها، لم يعد هناك يأس أو حزن، فقد ملأ هذا الرضيع الصغير حياتهما دفئا وحبا.
أطلق أيمن وسارة عليه اسم “أحمد”، وبدأ أيمن يشعر بمسؤولية جديدة، لم يعد مجرد جامع نفايات، بل أصبح أبا، هذا الإحساس أعاد إليه كرامته وطموحه المفقود، فقرر أيمن أن يبحث عن عمل حقيقي، من أجل أن يربي أحمد أفضل تربية.
تغير أيمن تماما، لم يعد يرى اليأس في عينيه، كان يعمل بجد، ويسعى بجهد، هذه المرة، كانت محاولاته مثمرة، فقد وجد وظيفة بسيطة في البداية، ولكنه أثبت جدارته، ومع مرور الوقت تحسنت أحواله، وتدريجيا، حصل على وظيفة أفضل تناسب شهادته.
مرت السنوات وأحمد يكبر، وكان خير جزاء لأيمن وسارة، ربياه أحسن تربية و علماه الصبر والعزيمة، وعوضهما عن كل ما حرموا منه، أصبح أيمن أبا ناجحا، وزوجا محبا، وشخصا يفتخر به الجميع، وأصبح أحمد دليلا على أن الأمل يمكن أن يولد من أحلك الظروف، وأن السعادة قد تأتي من أكثر الأماكن يأسا.



