مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
القصة القصيرة

طليقٌ أنا مثلُ وجه الحمام – إبراهيم سليمان نادر

صورة رسمية لرجل في بدلة سمراء وقميص أبيض ورابطة عنق مخططة، يبدو أنه يتطلع مباشرة إلى الكاميرا، مع خلفية بيضاء وشعار على الجانب الأيمن العلوي.

رواية

ليس للعاشق سوى عشقه،

والخسارة أصعب من عدم اللقاء،

تبقى عيناكِ، منفاي الذي أقصده.

أحبكِ، لأحتمي بكِ مني …!!!

           جمال ثريا

شاعر تركي

إليها ….

(الموصل … مدينتي)…

عروسة ( دجلة الأغر )  ,

وكل الصباحات المشرقة ,

حيث الكل في واحد  ….

إبراهيم

إليّ …

دعي قدميكِ تتسابقان

إليّ…

دعي رجليكِ تسرعان,

لأن عندي كلمة أخبركِ بها

كلمة الشجر وهمس الحجر,

وصوت السماوات والأرض

والأعماق للنجوم….

إنني أفهم البرق الذي لا تعرفه السماوات

والكلمة التي لا يعرفها البشر,

ولا تفهمها حشود الأرض …

تعالي ولسوف أكشفها لكِ !!!

(نص بابلي)

                 المشهد الأول   

همهمات غزل

الزرقة داكنة في عينيها, ولكن .. !!

في البحر تستعر الرغبة, بين شفتيها ثورة من قصائد جاهلية, لكن البحر تهدأ ثورته حين تطبق جفنيها عليه كضفاف (البسفور) العتيدة وقلاع (بنو عثمان) .

كأنها الأن قبالتي, ببنطالها الأزرق الجينز, وقميصها المخضب بالأرجوان . أنموذج سحري من عرائس البحر.

تبقى مقلتاي تروي ظمأها في سر ملامح وجهها الصبوح .

افهميني شكراً, أنا لست قطوفا دانية في فراديس الحب, قدري انك قبالتي, ونصلك يسافر في أنسجتي.

لمن احصي حبات المطر, وأنت لبوة أماّرة بالحب وفيك حنين غريب يفوق لغة الشمس .

هكذا ينطفئ البرق في داخلي مثل طفل متعطش للطيران, يصعد برغبة طائشة إلى منصة حلمه العجيب.

قدري انك قبالتي الأن, مثل سلال ملونة من القصب, أو كأشرعة زاهية الأشكال, أو بيارة تعج بالليمون والبرتقال .

طليق أنا قبالتك مثل وجه الحمام, ولكن!!.

أمنيتي, هي أن اعثر على مفتاح اخضر يفتح أمامي أبوب الحصون والمعابد, ويجذبني إلى فراديس التيه والضياع, لكن قدري أنني أصبحت من رعاياك على سطح هذا المركب.

لا ادري كيف اصل معك على النحو الذي تشتهين وانا المغامر العربي المتوغل في متاهات الجسد وأفياء العشق والظلال وفنون السحر الأنثوي.

كم أبارك فيك صهيل جوادي المسافر في دمك لأعتقل جنوني وانجو من فضاءات الحب وطلاسم هذا الجمال الذي داهم مقلتيّ دون استئذان من حراس صومعتي.

الأن تموج ذاكرتي في كل الجهات, وأعراف خيلي الراكضة المسافرة معي في غياهب هذا الوهم الجميل.

أرى وهني يتسلل في مفاصلي بوقاحة وأنت قبالتي, وضعفي أمامك يفضحني, وجعك لذيذ وقاتل أيتها الصعبة الجميلة.

سأغسل جسدي بكل العطور المقدسة واقداح امواه دراويش الطريقة, ومشايخ الجذبة.

ساحرة ودافئة ومدهشة وذكية انت, مثل حمامة بيضاء تحرر المجهول وترف في المدى بلا شتاء او اتجاه.

سأطبع باصرتي على صفحة خديك, واحرر جسدك من اشيائه الداخلية.

اريدك (فينوس) (*), قطنية التضاريس, لزجة الابعاد والثنايا والتجاويف المعتمة.

انا من يحاصر الحياة, ويوغل في متاهاتها الاسطورية.

لقد خلقت انا من اجل الحب, بل الحب خلق معي, فكلانا يحيا ويموت معا في نخب كأس فضية أمام (باخوس) (*).

على سطح المركب المغامر مثلي, يتوقف المطر عن الهطول, وينسرح الماء صعودا, لكن الغيم يبقى في سباق المسافات, وانا في فنائك أذوب.

درت (استانبول) كلها, ازقتها, حصونها, قصورها, قلاعها, اسواقها, بيوتها, فراديسها, كل زاوية وركن فيها، لا هي احبتني، ولا أنا نلت من أفيائها.

الزمن يمضي, والجدران تتداعى, ربما يطل فجر جديد من شباكه, وانت قبالتي على رصيف العمر.

اقرأ عيناك, شفاهك تنتظرني برجاء.

من أين بزغت أيتها الأيقونة الساحرة ؟ أأنت عمري إلى الحب؟ أم عمري إلى الموت ؟

رياحك تحمل لي عبق الياسمين, وانت الانثى بكل مقاييس الانوثة, ولكن (ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه).

اعرف جيداً ان فيك كل شهوات الزمن, وكل شهقات الجسد المضطرب, وكل بياض الياسمين, وكل سمات الفناء, فكلانا يذوب في مسامات الآخر, بين عويل الحواس, وارتعاش الخلايا. اهتف ملء فمي, من وراء اسوار مدينتي, (نينوى) الملاحم … ايها الأله المتسامق, يا جلجامش(*) العظيم, بحق صديقك انكيدو, يا باحثا عن الخلود, ابعد عني طيش هذه الافكار, ودعني انزوي في مخدع الزمان.

النوارس والقطاريس تحلق فوق مركبنا والبحر, وهي قبالتي تتخيل يدي في مداعبة حلمة ثديها, واني أجول وأجول في تضاريس الجسد الصافي المشرأب بالارجوان.

عرق ينز من جسدها بنكهة إلى عالم اللاحلم, وانا الى مائها اتوق.

ما هذه الروح التي تئن ملعونة من وجع الزمان وانا اطلق كل حمامات الرغبة لتحمل اسفاري واوجاعي العتيقة.

ايتها الانثى الطفلة, دعيني أجوب بين الوجد واللاوجد . جسدي شتاؤه, وصيفه شتاء . نافذتي مطفأة والعصافير غادرت الاعشاش مبكرة إلى اللا أفق
واللا فضاء.

أصبح الصيف خريفاً, والشتاء ربيعاً.

دعيني أيتها القادمة من (فينكس) ألملم أشيائي وارحلي إلى (أريزونا) , فما زلت أحلم في ذاكرة الفصول , واغادر ذاكرة الفصول واغلق كل مسامات الجسد المنهك, وابقى حياً لذكرى تراودني دائماً (هي أنتِ), لا ادري, أهي في نثار الخلايا؟, ام في جنون الذاكرة ؟.

كنت في البداية أرقبك عن بعد وأنا متكأ على ناصية المركب . لم أحص عدد المرات التي مددت فيها يدك لتدارين فوضوية الشعر المسافر معي ونحن نجتاز المضيق.

لقد ذاب الملح في البحر بعد أن صرخت أنا فيه (بكم تبيع ملحك يا بحر؟).

تبقى الروح بانتظار(زوربا), ها أنا أسمعها تناديني عن بعد (أيها الرجل المحلق بنصف جناح, في عينيك يتقد نصف العالم, وعلى عري أقدامك تنام الكواكب, وتتلاشى الافلاك والمجرات, املأ البحر والمضيق بالنواح, وأدع النرجس والياسمين يرشفان بلذة قهوة الصباح).

قالت بغنج:

-أيها الموصلي العنيد, سلبتني كل ما أملك وما ارتويت, فدعني أنشد فيك الراحة والوقت.

في الطريق اليك, تختصر المسافات وتتجدد الفحولة, ويستيقظ (أبولو)(*) من جديد.

قبالة قميصك المبلل, يتوج الياسمين مقلتاي, وعلى صدري تستحم انفاسك العطشى, يا لعطشك الذي لا ينضب, غزال الحب أنت ؟ أم غزال الموت؟.

كنت أتنشق رطوبة الجسد فيها ورعشة الطبيعة الزاهية.

اقتربت منها و (كاميرتي) تلاحق باشتياق كل حركاتها ومداعباتها الطفولية.

قالت وهي تبتسم:

– عيناك والكاميرا, أين المفر من عدسات ثلاث تلاحقني؟.

قدري ، أن تهيج روحي أمام بسمتك, إن الهوى فضاح لايستتر, لولاك, ما كنت, ولولاك ما عشقت(ديانا)(*)

من أقاصي الارض جئت, لم أكن اعلم اني جئت لكي أغني لك, ياكل الصباحات الجميلة.

من أجلك خرج البحر من السديم, وبان الحجر في القاع, وبدأت اللغة بالكلام, وكنت أنت مثل سحابة فينيقية ملونة بالياسمين والارجوان, تجعل المستقبل مستحيلاً.

أنت عرافة هذا الزمن, قدري أن اجلس قبالتك لتكتشفي طالعي الضال.

جائني صوتها ناعماً مثل سندس واستبرق:

-أمامك طريق سيملأ السماء, لكنك دائما في المستحيل.

أيتها الحورية الضاجة بالعطاء, يا عروس البحر, دعيني ألثم نهديك, ففيهما قداس الروح وبلسم الحياة.

ايتها البيارة الملونة بلون الشروق, ها هو العالم ينحني إليك.

عانقيني, وتسللي في مسارات دمي ومسامات جلدي, إعط عشقا لقلبي المتعب, فخلجان عروقي يابسة, ما من أنثى غيرك امتلكت مني أبجدية العشق ومخالب الشهوة.

نهداك يضيئان السماء, إن ارتجفا بيدي, يتحرك معهما الزمن, فطوبى لك.

  • لن أتسلل في داخلك, فأنا غجرية في عالم الحقول, أرقص على أنغام (زوربا).

قرب ناصية المركب, وعراك النوارس على فتافيت الخبز والبسكويت, وقفت قبالها في لحظة الوجد إلى الوصول, والرغبة في المسير, أتوق إلى نهاية الحدث في امتداد الكون وعالم التماهي, حيث تنعدم الألوان, وتتلاشى الفروق.

يصبح الشوق بعادا, والليل نهارا, والصحراء قفاراً, والضوء ظلاماً.

– هل تشعرين بالبرد ؟.

– كلا.

– أنت مستعرة بحرارة اللقاء ؟.

– بالتأكيد.

– أهي الصدفة, أم توق العناق ؟.

– كلاهما.

عيناي تعانق شفتيك.

إذا فأنت لي.

في كل ساعة يزيد اقتناعي بأنك لي.

-كيف عرفت ؟.

-فمك ينشد قصائدا والحان.

-لا ارى شيئا.

-وهل القصائد ترى ؟, أنت أمرأة لكل الأزمان. تضيئين مرة واحدة, , فكوني فضاءا لحقلي.

-أنت التي تعرف قلبي دعيه يغادر ساحة الشعور, واتركيه يقر علناً بأنك حبيبتي, ونصفي, وكلي.

تطوقني رائحة العشب والطحالب كلما رسى المركب بنا عند رصيف مرفأ مجهول.

أناس ذهاب, وأناس إياب, غدو ورواح في كل الاتجاهات . ينساب الهوى, وترتجف الشفاه, وتخفق القلوب في الضلوع .

دروب (استانبول) وطأتها قدمانا, في يقظتنا وشرودنا, في كل صباحات النرجس وخفق الروح وكلام الزهاد.

كانت الأرض تغني معنا, وكنا نملأ الأرض حبورا ونصلي في شارع (الاستقلال) أو (استقلال جاده سي) ونلقن الحمائم المتناثرة على قباب المساجد وفوق المآذن كلامنا المسحور في (تقسيم)(*)

كان الشعر يحرقني حين اخط منه رؤاك, ويعربد جسدي كما الارض في مواسم الخصب.

في ساحة (تقسيم) جلست قبالتي والناس في فوضى الزمن, وانت تتربعين عرش الذكورة وترتلين لحناً من قواميس الصلاة, لحناً فرنسي الرنين, لحناً مثل مدينتي حزين.

نجلس في مكان قصي, قرب باعة الورد, نغرق في ملكوت الغربة, ننسج احلامنا الشاحبة ونرقب الصبر البعيد القريب بكل جذاذات الماضي ونبحر في ذاكرتنا الممتلئة بهموم الفراق.

-تعال معي إلى (اريزونا). خالي يعمل قنصلا في السفارة الامريكية, وبسهولة أحصل لك على (الفيزا) وتذكرة الطائرة.

– أنا وحيدة أمي, ورثت عن ابي معملا كبيرا للأدوية في (فينكس), لدينا بيت جميل وحمام سباحة في مزرعة واسعة خارج المدينة .في العطل والاعياد نذهب إلى بحيرة سد(هوفر). المشهد هناك جميل, والطبيعة ساحرة عند نهر (كولورادو).

– أنت مثلي لم ترتبط بعد, هيا نحقق معاًهذا الحلم الجميل في أسرة صغيرة يضللها الحب والأطفال, ترف في فضائها الفراشات والابتهالات وارتعاشات الكون, ألا تتوق إلى سماع كلمة (بابا) ؟. ليتني أسمع (ماما) من طفلة جميلة يهديها لي الرب من رجل احبه وأناديه (يا مالكا قلبي).

عندما يتوقف المطر عن الهطول, يغزل الياسمين أكاليله, فأراك قبالتي ملكة يضج العطر واللون من ثناياها الجميلة, عندئذ يحتفل الربيع بقصائد لم تسمع بها فراشات الحقول وهي تتناسق لتنثر الالوان على عرش ملكة الربيع, هذا الربيع المقبل من نيسان أبدي الخضرة, حضر فيه على الشر ان يدخل, وعلى الخير أن يجيء.

في هذا البستان السماوي يبتهل النساك على مزامير الابتهالات متشوقين إلى لقاء في غياهب الهيام.

تمر الأيام بيننا, ويستمر اللقاء على رصيف مرفأ(أميننو)( *)

نركب المركب ليمخر بنا إلى جزر (الأميرات), هنالك أطلب الوجد منها كما يطلب البحر ماؤه من المحيط.

اليك (سندريلا)….

يا انوثة الكون الاولى, ويا عبق كل الصباحات الجميلة.

فيك يبتديء الطريق, وتكوني أنت البداية, وأنت النهاية, البحر والنور, والأرض والسماء, فأنا الذي ضاع في متاهات الحلم المفاجئ.

أنا الذي فقد الغاية وأضاع الهدف.

لماذا لا نتوحد معا في رعشة الجسد, ونمارس طقوس الرغبة بعيداً عن الضفاف التي تلهث مع لهاثنا.

لا ادري من أين يأتي المسك, حين أضاجع حلمك, وادعو الصباح أن لا يرحل.

(سندريلا) أو (ساندي), هكذا تشتهي أن أناديها من دهاليز ظلمتي باحثا عن النور لأشكل قبلات لا تجد لها فماً على الاطلاق. تعالي أحتويك من الداخل والخارج, وأقبض على عمائك الكوني, لألتذ برضابك واسكر في حلي وترحالي.

لكن ذاكرة المكان, لا تدعني أرى إلا وجهك وقصائد حب أقرا فيها حريتي مثلما أراها الأن قبالتي طليقة مثل وجه حمام مسافر إلى اللا منتمي.

أيتها الأنثى الصعبة, كيف تغيب باصرتي ووجهك حضوره دائم أمامي؟.

سيدتي, أنت في ذاكرتي حبيبة عمر ضاع, وعمر آت لاريب فيه سوف يضيع.

حبيبتي, في الربيع نحن ولدنا, وبين الشقائق نضجت رؤانا, حتى لو اتعبني العمر, ووهن العظم مني, فالحب ربيع دائما, تنكسر الريح فيه ،لكن الامل لا يموت, ففي المسافات الطويلة تنحر الكلمات, وتتوهج الشفاه مع نبضات القلب المسافر ليبدأ الخلق من جديد. تلك هي تراتيل الحياة, تحيا في ثوب قديس وعصا ساحر. يبدأ الخلق, وتطلق الشمس أشعتها وتخبو المسافات, وتنام الاحداق.

ايتها الغبية المتمردة أحبك, وأحب الفكرة التي أجيء بها معك في الطريق الصعب, فأنت أميرة هذا العالم وأنا حارسك.

هل رأيت أحداق الناس حين تمرين أمامهم؟. الكل يحدق فيك همساً, فيخفق قلبي حين يرتج نهداك, وترتجف شفتاي, ففيك تتعطل كل لغات العالم عن الكلام.

أيتها الصعبة الجميلة, الطفلة المتمردة.

انا في محراب حبك إماما, أتلو الصلوات وأعزف لأجلك ناي الصوفية, واسامح كل ألوان البشر, فالأرض ما تزال واقفة لا تدور.

من فمك ابتدأ الكلام. ولجأ الفضاء اليك بلا همس, بل بأنات الروح, ثم تحرك, منحته شهقة روحك الاثير فرأى كل زهور العالم.

الان آوي الى وحدتي, وأسبح في خيال وجدك فأنا مجنون في الجنة ومجنون في السماء, بعينيك ارى العالم, وتستيقظ الروح من جديد.

هذا (المضيق) يسرق عمري كلما سترت الشمس رؤيتنا الفاضحة.

كم ذعر الحب وهرول منا؟, كم مرة شكى العقل والروح وعاندت الذات الذات؟, فأنا الطائر الشريد, وأنا المؤمن الضال, وأنا الضائع في بحور الحلم اللذيذ, أنا التائه في عينيك المثقلة بالكرى، أنا رسول السلام الى روحك الهائمة قبل التوحد.

أرفع همسي وأنشد وقف الهذيان في انكسار قوس قزح وذبول أعشاب الارض.

أعلم ان لا جدوى كلما نظرت الى وجهك. يطالعني السديم, فأفقد الجهات, ومن يعرف الجهات, يضل الطريق اليك.

المشهد الثاني

طائر يجوب المدى

هدأت شقهة الليمون, وذهبت فوراً مع الريح . انطفأت البروق فجأة.

أصبحت مثل أندلس بلا ربيع, نصفي في (استانبول) والاخر أهبه لريح الشمال.

مثل حمامة بيضاء تحرر الأفق, كانت (ترابزون)(*) قبالتي؟, هذه العروس الفينيقية الجميلة, كيف نساها (هوميروس) في ألياذته العجيبة هل لأنه كان ضريراً؟, ام اصبح جواداً مكتظ مثلي الهزائم…

(ترابزون)

يا عروس البحر, و يا حلم الليالي, في صحو جسدك, قلبي يبتهج, وفي لمس رمالك أذوب. بين روحي وروحك تتلاشى الحدود وتتحد القلوب. لكنني أختفي حين تظهر أمام باصرتي, وفي غيابك أظهر.

(ترابزون), انت الليل وأنا النهار, كلانا يعيش بأنفاس الاخر.

أصبحت الدنيا تعلم بعشقي, والغزلان تهاجر نحوي لكنهم لا يعرفون من المعشوق ومن العاشق, اصبحت صعلوكا في العشق, في جهتي اليك ينكسر الزمن, ويصيب الشلل أطرافي الموجعة.

(ترابزون), أنت الأنثى الوحيدة في حياتي, وأنت الاول والاخر.

خبئيني بين نهديك, وازرعيني بغيثك الابدي، سأنكر كل الوجودات, وكل الديانات, إلا أنت.

أخرجيني من ظلام عزلتي, وادخلي جوفي, فأنا وحدي اعرف اتجاهات الرياح والمسافات.

قلبي يضيع, وأنا بحمى الورد, أرقب من بعيد ضفاف الكلمات, لكن نورك يصب في لغتي ويشتعل في صمتي رماد الحروف.

أنا مذنب الان, صلي من أجلي.

ألجأ إلى ضالتي في (استانبول) ليقتص منفاي من فرحي شبق هذا المنفى, كنهد انثى يترنح من خدر اللجوء المعتق.

ألتفت, فلا أحد يقترب مني, الكل يبتعد ويهرب. فزع, تراجع, بكاء, كأن احداً لم يولد بعد.

لماذا يقتص هذا المنفى مني؟, ويشدني الى حنين الظل الذي تفيأت به على ضفاف ومراكب (البسفور).

حنين أعصى من أن يطاع, وأحلى من أن يذاق.

لم يكن حبي مأساة, بل مجرد ملهاة بين طفلين أحمقين.

بقيت اتسكع على الارصفة والضفاف الصامتة, أفكر في العودة واللاعودة.

تتمسك بي هذه المدينة, وتجذبني الى قاعها المظلم وأنا عبثا أحاول الافلات منها, لكني استنفذت كل ما لدي من عشق, ونثرت ما تبقى من أمل في قاع كأسي العتيق ورحت أوزع أملي على لجج البحر المديد.

كنت شهوانيا, تستدرجني الحياة الجميلة لأضاجعها مرة واحدة والى الابد.

ما بال هؤلاء النسوة اللائي لا يحسن بي وكأن شيئاً لم يرد له أن يكون. يسألني أملي مجاملاً قبيل رحيله:

(أما زلت تحن اليها؟, هيا ارحل ولا تلتفت وراءك, واياك ان يقتلك سم الشفاه مرة أخرى, اقضم كل شاماتها بالقبل ولا تخف, فهي في ذروة النشوة حين تطوقها ذراعيك، اذن حان وقت الرحيل, انا آت اليك يا فينوس, فاستعدي لجمري المستعر).

تعبت من جمالك يا (استانبول), ها أنا اعود اليك مرة اخرى, سعيداً وحزينا, مشتاقاً وخائباً, ضالاً ومهتديا.

في (آق سراي)(*) يقف (كيوبيد)(*) قبالتي متنهداً ويقول (إرم سهامك بعيداً وارحل, فلا جميلات بعد اليوم ولا عشاق تصيبهم).

كان الزمن يتأهب لرحلة أخرى, واعتدت على التعثر الدائم بالأيام. لم يفرق الزمن بين جنبات الايام لازدحامها على مدخل الامل.

كلها كانت أيام, نهارات وليالي, لا تمييز بين يوم وآخر, ولا أساس للطقس والحدث.

لا عشق بدونها, ولا عشاق أقنصهم.

جميل أن أعثر عن ضالتي, بين نهديها (صفارة) أطفال تتدلي في سلسلة وتغفو بين حلمتين مخضبتين بالأرجوان.

لن اغادر استانبول قبل أن ألقاها, وأشدها، من يدها ودمعي كالتائه يروي خديها.

(آه, يا زيوس(*), كم أنت قاصر مثلي).

تتعثر الايام بساعات بعضها, وتتيه فيما أجوب انا أزقة ودروب استانبول, وما زلت انتظر.

كل شيء هنا عاشق ومعشوق, حاولت أم نسيت.

في حينها على سطح المركب, قالت محتضنة كفي في اطباقة حانية:

– لا تمزق صورتي, فدموعي ستراك.

منها من لقي عناقا, ومنها من ينتظر, هي اكثر العاشقات شبقا, وأعذب المسكرات, وأنا نرجسي في قبلة لثورتي على خديها وفي زوايا شفتيها.

هكذا تأتي الاصوات, وهكذا تروح, هكذا يحط الحمام ويرف مذعور, كبوح عاشقة اختارها الجمال عشاً ونعشاً.

ترفع خصلة من شعرها وتخبأها خلف أذنها, وتعود الشعيرات لتتراشق بالعطر كالنثر على وجنتيها, تعيدها بعفوية, فتعاند تقاسيم الجمال المرتلة على وجهها, تحملها بحذر بين السبابة والوسطى وتودعها في مكانها, برؤوس اظفارها تتأكد من افتراش كل شعرة مكانها, وتواصل انسيابية صوتها المتكلم عن (فينكس) وبحيرة
(سد هوفر) وأقفاص العصافير وكلبها المدلل (لاكي).

في الصباح كنت عند رصيف مرفأ (أميننو), لعلي ألقاها مصادفة أو في سوق التوابل والجامع الأزرق. لم تكف حمامات القباب عند الصباح عن الهديل, ظلت تسألني وأنا أنظر اليها بحيرة.

كنت مغالياً في يقيني بجماليات صوتها الانثوي, وكانت رشيقة كشجرة خريفية اعتراها قطن السماء, فارتقت اغصانها العارية جمالاً عن ازهارها.

هنا شربنا القهوة من بائع متجول, قالت حينها أن قهوتها هي الاطيب من بين الاناث.

راحت ترشفها بشفتين، نبيذتي اللون والرائحة, وتستلذ كأنها تقبل بتأمل ناسك متعبد.

يتمدد خيط الشهوة الوصلي ليصل بين زاويتي الشفتين, كأني أعض بشراييني على احداها لتغسل شفتاي بوصلهما وتنالان شيئا من برودة (البسفور).

ما بين الشفتين كان يسكن شيطان الشهوة, وحرقة الاشتياق.

حمامتان تمدان برأسيهما كحلمتين بنبيذ الشفتين,

ترقدان ناهضتين على صدرها, تنبضان وتشهقان بتواتر هبوط وصعود الروح الى السماء, تتململان في احتكاكهما مع قميصها الارجواني وتلامس احداهما الاخرى.

تحمران خجلا, مضيفتان الى بياض الرقبة والفخذين بعضا من حمرة أصيل, اعتصرت من شمس (استانبول) المرهقة.

كانت حماماتها كصوتها, وضفائرها دائمة الحركة والبرودة والاثارة.

التفتت نحوي وقالت:

– لا تكن حزينا, فحماماتي لا تكف بالهديل عنك, تريد أن تحمحم قليلا كلاما دافئاً معك, وتنفض من عطرها عليك, ربما تعود معي الى (فينكس).

(كم تعشق الاستفزاز هذه الانثى؟.)…

تذهب لتستحم, والحمامات ما تزال تهمس.

في الدروب والطرق والساحات التي ابحث فيها, تخر شهب الاوقات وتتبدل أحوالها, كأن الزمن يدلكها فيزيد من نعومتها واذعانها ويهيئها لي, وبينما أحبو على مهل, يمر شيء في الافق, يشبه الذكريات, أهمس لها بشيء, تصهل اعماقي جراءة بنداء عميق, وترتج بأصدائه التي ترتطم ببعضها, كأنني اتحدث دون أن أحرك لساني.

يتمطى الجسد كله, كأنه شفتان كبيرتان, ويتكلم جسدي الاعزل الذي يحبو نحوها مثل طفل يتعلم الاتجاهات, يناجيها في الطريق المنقطع الذي يفتقر الى نظير وهي أشبه بدمعة ينقلب حولها الزمن.

ماء وملح في ضباب الرؤية والطعم والمراكب تمخر تباعا وسط المضيق.

أحلم أن أمسك بشكل من اشكالها في نموها الدهاليزي المحير الذي تخيلته لها.

أريد أن أدخر تحولاتها, أن أحتفظ بنضجها وأنوثتها المفاجئة من مرحلة الى اخرى في ابعد نقطة من اعماقي, أدفنها هناك وأجعل منها طبقات لأنثيال القرون, مثل تلك التي تعرضها الطبيعة عندما تعري مرتفعاتها فينكشف لي طولها الفارع العميق المدفون, الذي يتخبط فيه الزمن.

أدنو بحذر يقلب الطيات والثنايا فأرى تلال النضج والانوثة تتشكل على جسدها الناعم الممشوق, اراها تقفز الى شكلها الدوامي الذي يضعها امامي في اشد لحظات حياتها الى تلويحة يائسة تتفقد فيها ندبة وجودها العالق العاصي الذي لا يستطيع أن يمسك الضفة.

أتخيل شكل ماضيها وحاضرها, وحركاتها القلقة التي انصاعت لها دائخة وهي تتفادى لسعات العشق وتستسلم الى حكمة شائخة تحتاج الى مساحيق لترسمها بها الان أو بعد حين.

تلك هي أمامي الان!!.

تستعرض أعمارها مثل طفلة هرمة بتبرم ووجل ولا مبالاة.

أوشكت ان أمسك بها وادفعها في اعماقي, أن أخبئها في قلبي, دون ان يكون لذلك اسم أو نعت, فهو اقرب الى البرية التي جاء منها, اقرب الى صفوة المبهم الذي ينزلق, بينما هي تؤجل ملامح الكلام كله, تبلعها مثل دواء لتشفى وتتخلص كأنها قطة تقفز من قبضتيّ.

تنجذب نحوي كي تنفر مني, وهي تظن انني ريح تتلصص على سهوها.

أدنو اكثر فتنخلع قطعة اخرى من زمن يتقشر ويسقط فأحس صوت انسحاقه تحت قدمي.

(مروري يحرك الزمن)….

يحركني ويحركها لتبقى المسافة ذاتها فاصلة بيننا في هذه المضيق الضيق الذي يتقلص وينبسط مثل عاصفة تتحرر أمام يد, لكنها لن تبتعد اكثر, إذ سوف تتعثر بي, سوف يعيقها شيء مني عن الكلمات والقبل ذات لحظة, فتستدير وتطارد اثاري وآثامي ورائحة وجودي.

اراها الان في قلب برية مقفرة تبحث جاهدة عني, مع أحد, أو مع لا أحد على الاطلاق, وحيدة وتائهة مثل حيوان بري يحن الى قطيعه الضال, تصغي الى فوضى المرافيء الذي يتسرب اليها مثل خرير شلال بعيد لا وجود له.

تدمع عيناها هناك وهي منسية تماما وملقاة مثل ورقة تذبل تحت الاشجار. كانت تتعلم ان تبكي بكاءاً اعزل بين نتوءات الطبيعة, وتحولات الفصول وهي تحتضن محنتها.

تقدمت منها اكثر, لأتيح لها أن تحدس نواياي, وتخطيء في فهمي كعادتها.

دنوت منها كي اقودها واضللها بسلسلة من الوساوس والحركات والمعاني, كي اكون معها وضدها تماما خائضا في بحر التشوش الذي خلقته حولها.

ها هي أمامي أخيراً….

أكاد ألمسها. مدت يدي ومسحت الغبار الذي علق بشعرها, وحط على خديها وعلى بسمتها المكسورة المحنطة التي أعدت رسمها عشرات المرات,

جاهلاً تماما انها لن تكون إلا على تلك الصورة. رحت أدنو منها, من ذلك الضوء المنفلت, الذي تنثره حركتها البريئة, العزلاء حولها.

كنت اقترب ببطء, انخطف اليها عبر المسافات, أتخيل انني اقطعها, فأصبح قرب الشهيق الذي تستعين به لتقول شيئا يصدني عنها.

اقترب, واقترب, اقترب اكثر فاكثر. تخر شهب وتتفتت نيازك, ولم ألعق بعد ذلك البروز الارجواني النافر من صدرها ولم افركه لا بالماء ولا باليد. لن اعلق صوراً لم التقطها, ولا طقوسا لم اقربها.

سأنقش في السماء اسمها, واطرز كل اسواق (استانبول) القديمة, واتسلق ذلك النهد واغسله من ريقي كل صباح.

ألملم الزغب بعد كل زمن, وارميه الى خارج المكان بعد كل مساء, هكذا انا, وهكذا اكون حين أختلي بما تبقى لي من خطايا في (جيهان كير(*)) و(الفاتح) و(بايزيد) و(مرمرة) و (طوب كابي) و(سلطان احمد) و(فلوريا) و(ميني تورك) و (كباتاش) و(آق سراي) و(لاللي) و(بيير لوتي) و(هركاي شريف) و كل احياء (استانبول) القديمة, في الممرات الضيقة والزوايا المعتمة, فخطاياي المقدسة لا تستحق الارتكاب ان علقت عليها بعض آثامي…

لم اعرف بعد لذة الخطايا…..

ولن اعترف بارتكاب أي منها…

ولكن سأنتظر دروري اليها, واتأبط كفارات عن خطايا جديدة, شاركت مدنا اخرى بها, خطايا أنوي افتعالها بعد الرحيل.

نقف معا على حافة صف من السياح. أعيد النظر في ما اخترت من خطايا يحلو ارتكابها هناك, فأمامي من الايام الكثير.

أعيد ترتيب أولياتي. بعضها تعفن, وبعضها هبط عن مرتبته.

كفارات قدسية, لا ادري من أين هطلت, وجاءني انثيالها غفلة وأنا لم اتعلم الشهقة بعد.

همست في اذني وهي تبتسم:

– ألم تأخذ قرارك بعد؟, إذن اصرخ في الصمت كما تشاء, فأنا لك, ولا لغيرك أحد. أصمت حتى تعود لك ذاكرتك.

لك ان تتألم إن تماديت, وترتل حزنك بكاء, ولكن …, كن لوحدك, فاني راحلة .

كان صوتها يرقص كاللحن اذا غنت, واذا تكلمت, كنت كالخاشع أنا.

بيارة برتقالاتي تنحني, وردة احتار الاوان متى يؤونها, ومن أية جهة يقضمها,

وفي أي فصل من السنة…

على أية نوتة موسيقية…

من ذقنها؟, أم زاوية التقاء الشفتين؟, أم من تجويف قاع العنق أو باطن الكفين المصقولين كالرخام.

ضحكت من قولها, وطوقتها, كما لم أطوقها من قبل.

– خطأي اني أحببتك اكثر من نفسي, لم يرفض أحد طلبي قبلك, أدعوك فترفضني, ترفض (ساندي)، (ساندي) التي أحبتك بكل شرايينها واعصابها ودمها.

– من قال أني أرفضك؟, مجرد وقت أعيد فيه حساباتي, ليكون قراري ثابتا لا رجعة فيه, أنا لن اترك البرتقال يزهر في بياراته, سأحمل اشياءك معي, أو اتركها حيث أنت, لقد تعلمت العشق على يديك, وأدمنت الشهد في شفتيك.

– أفّاق, ومراوغ ولص قلوب وفنان في السحر.

– هيا نبحث عن شيء نعشقه في هذا الصباح.

بهت حفيفها, وتلاشت موسيقى لأسطرها.

كانت (استانبول) متمردة مثلنا, نهش منها الشتات ازمانا, فأصبحت الحياة فيها ضرباً من اللذة والتعب. لابد للسماء أن تمطر, مهما عزفت دموعها الانبثاق. في المركب العتيق, وفي ذات الركن كعادتنا ونحن نرشف (كابتشينو), قالت:

– بوسعك ملء الفراغات, وضخها بحلمك المقيد. الان أنت بين احتمالين, لا ثالث لهما, هذه سيرتي باختصار, سأخوض في التيه معك حتى النهاية, وأحتسي بكل ما يتاح لي من عصير الظنون, وخجل الرغبات.

(فينكس) .. وطني وفضائي . أنا من عشاق الحب الخاطف, ألم أقل لك هذه من قبل؟.

المشهد الثالث

أنثى لا تعرف الكذب

خطايا من شهريار مغترب, أضناه العشق, فراح يرف بنصف جناح, طليقاً مثل وجده حمام لا هديل له. ها أنا أقضي نصف عمري في تشييد عالمي الخاص مع أنثى من طراز خاص.

انثى فيها كل سجايا الانوثة, وكل ما يتمناه رجل مثلي وتشتهيه فحولتي.

أكتشف متأخراً باستمرار, أن نزع حصاة صغيرة كفيل بخلخلة هذا العشق الكبير الذي كنت أضنه شامخاً لا يتزعزع.

ربما اكون قد وفقت في اختيار العش, رغم اعتراضاتها وغضبها, فلولا هذا المضيق الهادئ, وقصور (بنو عثمان) والكنيسة القديمة التي تحتل الزاوية المقابلة, ورنين اجراسها الدافئ, وبقايا اشجار الكرز ونباتات الظل في واجهات البيوت كتقليد متوارث لانعاش ذاكرة النسيان, لولا ذلك كله لكان القلق هو زادي الوحيد.

منذ جئت هنا, وأنا ألهث في ظمأ لا ينتهي ولا يرتوي, وكل ما انشده هو الراحة والهدوء, أكاد أتسول الهدوء تسولا.

الآن فقط بدأت أفهم لماذا يحمل العربي في روحه كل هذا الضجيج والرغبة في الخروج من سجن ذاته.

لماذا يفور ويضج أبداً, وحتى ليبدو هاجسه الوحيد الانعتاق من كل أسر, والنفور من كل ما يدعوه الى الثبات.

انه قوة نافرة تحارب على الدوام القوة الجاذبة المركزية الهائلة, وإذ يخسر دائما, فأنه يتحول الى التشنج الموتور, ويبدأ عبثا بالتفتيش عن نقطة ارتكاز ولحظة هدوء تنأى كالسراب.

ترى أين نحن الان؟.

مثلما يعش الحياة عريضة لا طويلة كعصافير مسقسقة. أو سنونوات مهاجرة من فضاء الى فضاء, ومن أفق الى أفق, لا تطيق البقاء في مكان وتفضل قضاء العمر في السفر والحركة والترحال الابدي, تماما كما يشتهي كل ذي روح ضاجة بالألق.

كانت وعود السعادة كلها تبرق في عينيها, مثل صقر يجوب المدى بحثاً عن طرائد مستحيلة.

أنا اعشق الاختزال في كل شيء, لكن قصائد العشق الطويلة ليست قصائدي, فلم يعد ثمة متسع لقصيدة جديدة.

على سطح المركب, أفتح صدري شاسعاً للرياح, وهالة من قوس قزح تحيط باصرتي بمنجلها الملون.

لن تترك لي هي أرضا أو فسحة خضراء ألعق فيها سرابي واتصفح خيبتي.

تتعقد الامور, وتصبح لعبة الحب أشد مخاضاً مما كنت أتوقع أن يكون.

 التوغل في قلب انثى, الغاء للبصر, وعمق لتدمير دفاعاتي, لكن الان ليس بوسعي ايقاف هذا الفيضان العارم, واكون صديقا اثيرا, ينعم بالاحتمالات كلها, ولا يأبه بفتح نعناع الكلام.

أنصاع امامها ضريراً, منقادا, مأخوذا ببريق الصوت, أحبو مثل تلميذ مطيع على حضارة الحساب, يتربى عاطفيا تحت ظلال الندى من جديد.

أرفع رايتي البيضاء, واضع كامل أسلحتي تحت تصرف الفراشة القادمة من (فينكس) بولاية (أريزونا), واذوب مثل قطعة سكر في شاي ساخن لأرطب عطش شفتاي.

كيف سأقنع اصابعي بالصبر؟, وشفتيّ بتأجيل الرغبة؟.

قد لا أصبر طويلا أمام الحب المتغلغل في شراييني, وانهيارات الجرف التي تئن في اضلعي وتهددها بالضمور, وانا المدجج بالحماقات وفنون العشق.

مشهد لنهاية لن أرضاها لنفسي.

صباحات (استانبول) تنتهك أقدامي, ومساءاتها تشيع ادباري, وانا متورط حتى اذناي في دبق الارتحال والتداعيات.

سأدافع عن اخطائي بحماسة, واعيد الرؤى المارقة الى جنة الماضي, وأنحت من رماد نزواتي نصبا تذكارياً. ربما تشوهت صورتي في مرآة عينيها, لكنها لم تفقد الأمل, بل ظلت متمسكة به, بيديها واسنانها وأهدابها واظفارها المخضبة بحناء (استانبول) المعطر بماء الورد. في الاماد المفتوحة, تزورني شياطين الافكار ونحن معاً تحت ظلمة اللحاف.

عبثاً يأتي النوم, أتقلب من طرف السرير الى طرفه الاخر, أقفز كالملدوغ من جديد الى الضفة الاخرى, أي قلق تشربته هذه الروح المتعبة وتغذت به.

سألتني غفلة:

– أيعجبك الشعر؟.

– ومن لا يحب الشعر.

– ماذا يعجبك في الشعر؟.

– قيس وليلى.

– ومن هما؟.

– روميو وجوليت, بل أروع منهما.

– ألم أقل أنك رومانسي ورقيق, وهش.

– وأنت؟.

– أنا جوليت, جوليت حتى نهاية القصيدة.

– وهل نجحت؟.

– في أول لقاء لنا.

احتضنتها فتأوهت:

– آه, لقد قصمت ظهري.

ارتفع الصمت اللذيذ من جديد بيننا. كانت العتمة تتكشف بأطراد لتصل الى اعماق كل منا, وكان المصباح الخافت في زاوية الحجرة يتكفل بإضاءة الفسحة الضيقة.

هل آن لي ان أرتجل عن صهوة الجرح, واتفق معها على ما اختلفنا عليه؟.

أشرعتي راحت تفقد ألوانها ببطء, وحبنا قد يصبح أندلساً بلا ربيع.

هل أملأ النصف الاخر. بوهم آخر, أهبه لريح الشمال, وأهشم جوالي, وألغي بريدي الالكتروني, وأحسب ان الله لم يخلقني؟.

ينبعث صدى احساس قديم في نفسي, قديم او مبهم, لا فرق, فالمكان هو المكان نفسه مهما تغيرت الأشكال واختلفت المعالم لكنني أتحرك في قلب الظلمة, مستعينا بأناملي, أتلمس الاشياء واتحرك بمنتهى البطء خوفاً ان يصدمني ما هو صلد.

اخطو كما لو في فراغ أو مكان مجهول, سيان سواء كان مكانا أو لا مكان, والنقطة التي أروم الوصول اليها لن تتحدد أبداً, انها امامي مباشرة, ولكن أمامي على الدوام.

أتقدم اليها بتؤدة, فتتبدد باستمرار, إن ما هو امامي يختلف بالتأكيد, ولكن مقياسه ليس واضحا, ففي العتمة لم تعد لي جهة أمامية, إلا انني ادفع بجسدي نحوها, ومن الممكن ان تصبح الجهات كلها, ودون أي تحديد, هي جهتي الامامية.

أغلب الظن انني أمشي الى الوراء, لا أحد يبصرني, لكني أسمع خطواتي تبتعد.

الألوان والأنوار هي ذكريات, كذلك الملامح, ولكنني مع مرور الوقت, وبقدر ما أصل الى معرفة ما هو ورائي, فأنني ازداد جهلا لما هو أمامي, فأسعي اليه ولو حدث لي وان عدت, فسأركض في دروب عرفت خباياها, ولكن, ذلك مماثل الى لوي العنق, ثم ان الظلمة تبتلع الاشياء التي تندفع روائحها الى الوراء, ولهذا انني أسير الى امام فقط ودون أن أحث الخطى.

المكان مظلم كليا, وليس هناك اي فعل خارق أو مدهش للشمس. انها سوداء وداكنة ايضا, ولولا هذه الخيوط الدقيقة المشعة التي تتراقص وهما أمامي لقلت في نفسي: (اني لم ابصر شيء منذ بدأت أسير, بل منذ قررت ان لا اتوقف عن المسير) .

لقد مللت من قطع الامتار المحدودة التي تصنع لي حركتي اليومية داخل الحجرة, حيث كنت اتعلم ان أخطو بحذر شديد بين الارائك والمناضد الصغيرة اثناء الظلمة. الان أريد ان اتقدم مستمتعا بحرية الاشكال وبرودتها دون ان استنتج ما هو عدا ذلك. فلتكن ما تكون, دوائر أو مربعات أو مكعبات, ليس لذلك أي أثر. عشرات المرات كان النور خادعاً. وكانت الانثى كاذبة.

نهد ضامر, وتجاريف مغلقة, التصقت الاشياء فيما بينها فأصبحت سداً تصعب القضبان المجيدة على فتحه والولوج داخل عتمته الاسطورية, أما الآن حيث لا أرى بل أتحسس بسبابتي ثناياه, فأنني سعيدا جداً, رغم أن بعض تضاريسه الدافئة. قد شوهتها لزوجة العشب الانثوي.

لقد ادركت ذلك منذ الوهلة الاولى, أو بالأحرى منذ ان لم أعد أرى, وان ما حولي قد اصابه ليل داكن, فلم تعد عيناي هما عصاي, بل خيالي, وهكذا وببساطة فرحت بهذه الهبة الجديدة, فلا يليق بها منذ الان أن يكون فارسها صعلوكاً, فتأريخي المجيد يشهد علي بذلك.

هكذا تكون كبرياء الفرسان, فلدي من الجنون ما يكفي وقد حافة أخطأت التقدير عند هذه الحافة الخطرة, التي تخلخل الأطر وتسحق الارصفة وتثقب السقوف لينبثق الحب من جوف المستحيل ويخترق جثة الزمن العنيد وسفوح الهضاب وامتداد السهول وخضرة البراري, فمهما ضعفت معنوياتي أو هبطت, وتملكتني ثورة الغضب, فكل قلوب العالم لو اتحدت, لما افلحت في اعتقال فورة واحدة من فورات جنوني, أو حصاد آهة من آهاتي, فأنا من يحاصر النهد ويأسره ويداعب كل اسراره الداخلية ويقيدها بسلاسل عشق لم تعهدها أية انثى تمرست على فنون الحب…

(من يجعلك تعتقدين, أنك قادرة على حبسي الى الابد في قلب مسكين له جدران؟ ).

أنا العبث الذي لا تحده احلام, ولا تجرؤ شمس على السطوع في افيائه من غير اذن. نعم, ربما اكون متورطا فيك على نحو ما ومتواطئ مع تجليات انثى, لكن المعادلة بيننا ستبقى وحيدة ومقيدة بأساور القلق.

هذا العرش الذي تعتليه أنتِ من نار, لكن عرش مدينتي من طين لازب وصلصال كالفخار.

هذه صنعتي ولا اشياء اخرى. لن يكتمل البدر, لكنني أخشى اكتماله أخيراً.

صوت قطار يعلو من بعيد, القطار الذي يسير مع ضفاف (البسفور) يشوش هذا الصمت, ويفسد هذه الخلوة, انه يعكر صفوي وصمتي, سواء كان قادماً نحوي, أو ذاهبا الى (بلوڤدف)(*).

هذه العربات المتلاطمة تثير في داخلي الاشمئزاز, بودي لو اني لا أسمعها لاستمتع بمشواري اكثر, فعندئذ لن اخشى أو بالأحرى لن اغير اتجاهي عن الجهة الامامية, لن أحيد بسبب قطار كبير أو مركبة صغيرة ولو انني ذهبت بهذا الغروب الى أبعد هذين الأمرين, فلربما استطعت الوصول الى حالة اخرى بحيث لا أتألم من أي كرسي أو منضدة أو حائط قد يصدمني على الطريق.

(سأسير ملء حريتي, وليكن ما يكون…).

أرقب ضوء الشمس الذي يكنسه الغروب عن سطح (البسفور) تدريجيا حتى يهب هواء ندي بارد يمس وجهي بعد أن يحمل شيئاً مياه المضيق, فأرتجف منتشيا بعشرات الافكار التي تتدافع لوحدها وتزحمني دون الى تلمس الذين يمرون من أمامي.

ذلك هو العالم الاكبر لعدد لا يحصى من المرات التي اختلست فيها انشغال عينيها عني لأبحث بين مئات المرئيات عن هدوء غريب يتسلل الى اطرافي ويعقد الدهشة على فمي.

(مضيق البسفور)…

الوحيد الذي عايشته بضفتيه الكاملتين تحت سماء تتشكل فيها غيوم قليلة. على الضفة الاخرى, يصطاد الناس السمك بسناراتهم الطويلة التي يلقون بها الى البحر طول النهار, تضلل هاماتهم قبعات كبيرة ملونة صابرين ابدا كأنهم جزء من جسر (غلاظة)(*) الذي يقفون على ناصيته.

تنطلق احيانا صيحات متباينة هنا وهناك, كلما علقت سمكة بسنارة احدهم, هذا هو (البسفور) بجنونه الازرق, وموجة المتلاطم, يتنفس كما مخلوق خرافي ينوي النهوض. داهمتني ابواق السفن وهي تزجي وسط المضيق.

جاءني صوت (ساندي) ناعما كعادته:

– أود رؤية (بورصة) وأسواقها القديمة.

– الوقت متأخر, سوف يدركنا الليل, غداً صباحاً نركب (العبارة) أو نعبر جسر (الفاتح) بالحافلة.

أطبقت على كفها, كانت مليئة بالفراغ الابيض الشفاف الذي لم تعكره الاسماء والنعوت والافعال, فراغ بلا أبعاد وبلا اوقات, لا صوت فيه ولا صدى, بل امتداد مشرق وضاء تصب فيه بحور ضوء مجرات, أكوان, ذلك هو التصاق (البسفور) بسرة رحم أمه (مرمرة)

أين اختفت الاسماء والصفات؟.

تسللت بالقرب منها, على ذلك النحو, كأنني أجلي صدأي, وكلما تقدمت نحوها ناداني البياض التام.

أحسست بجسدها لصقي, يزاحمني على مساحة وقوفي, شعرت به يتسامى وينحل ليلج خلاياي, سمعت صهيل روحها وصياح دمها.

هكذا تخيلت دفئها.

عندئذ ذاب كل شيء, كل ذلك اختفى دفعة واحدة فزلزلني الفراغ, بزغ مثل نقطة في غاية الصغر, ومر كعاصفة الى شفة الطلل, وتلكأ قليلا عند مجرى المضيق قبل ان يقذف بنفسه اليه.

طوقتني من الخلف وقالت:

– لن أدعك ترحل عني.

أحسست بأزيز بين اللهب والماء, لهب يغطس فيغلي المضيق, ذلك هو المشهد. ماج (البسفور) مثل حصان تحرره البرية, ماج ثم انطفأ، خاطبني صوت ناء, بعد تلك سنين العشق كلها, سنون الركض المرير, وحراثة والافاق, انبعث خافت متبددا في المسافة الوجيزة بيننا.

– هيا بنا.

راحت تجر جسدي وسط اتضاح الامور كلها.

كانت (استانبول) تستحم في هالات من الضوء الملون الجميل, في الشوارع والجسور والساحات والميادين العامة وعلى المآذن والقباب, كأنما عادت (استانبول) بأزمنتها المتعاقبة, وتوالت من ظهورها مدن راحت تطفو واحدة وراء الاخرى, وواحدة مع الاخرى, حتى اكتملت أمامي أمجاد ومآثر (بنو عثمان). بانت أبواب وحصون وتماثيل مزدوجة من فارس وانثى, تحوم فوقهم النسور, وتحرسهم الاسئلة والتعاويذ, فيما يمشي حملة الاجوبة القديمة داخل الاسوار, وبقيت احاصر الحياة, والعب بأسرارها الداخلية واغرس اظفاري الذئبية في رغوة شبقها الابيض القادم من (فينكس) بولاية (أريزونا).

– متى نصعد سلم الحب معاً وننحت اسطورتنا المقدسة؟.

– حين نصل كهف الاله (ديوميسوس).(*)

تمخض العشق فكنت أنا الوليد والكارثة والدخان والمصائب.

تعتريني العاصفة حين تداهمني, فتشل اطرافي ويتجمد الدمع في مقلتيّ, لا ادري هل ولدني الحب, أم أنا الذي ولدته وتشبثت بتلابيبه, حتى أصبح لا يستطيع التخلص والافلات من قبضتيّ النحيلتين.

أنا لا اريد ان أغتسل في متاهاته الغبارية, التي تتشكل أمامي كل حين, لتعيد بناء شبابها ملايين المرات في جلال الصمت والكتمان.

اريد أن أهذي أمامها, تحت عنقودين وغصن. شفتيها المكتنزتين هما عنبي الذي أبحث عنه, هما انكسار الضوء وقوس قزح الخطايا ورفيف جناحي المكسورتين. أريد أن اجلس امامها مثل طفل تحرر من الوصايا والمحرمات تحت سطوة عينيها المستيقظتين على فجري المشتت الذي أدور فيه دائخا من خمرة التعلق والوداد. اريد ان استطعم فيها صهيل أعماقي, وصرخة روحي, فأنا الذي ملأت الارض والسماء بالكلام.

أريد ان أغلق فمي على أسمها الهائل الذي يطوي الاسماء وينطق باسم الاشياء والاماكن الممتلئة.

أريد أن أغمض عينيّ على ملمس جلدها الناعم وزغبه الخفيف الاشقر, لأتعلم كلاما آخر وابتكر لغة اخرى اجعلها كرة تتدحرج على بياضات مساماتها الصافية.

(أين أنت (ساندي؟)..

أيتها المهرة النافرة، هناك على بعد أصابع في غاية الحذر والحياد والشهوة.

(لما لا نتعلم الجنون الحكيم معا؟)….

على هذا النحو الذي يرمم حياتنا بقدسية الزلل العظيم الذي يقودني اليها.

اتركي يدك تشق بحري العميق وان تلتقط الاصداف من قاعي, فأنا غاطس لا محال في حراسة التماثيل من حولي, اتنفس الوداد الذائب في رضابك وأصفيه بفضل مهاراتي وفني في الانفلات المزمن من عيوب المحيطين من حولي, ربما يكون كلامي اكبر من الجنون.

توحد جسدينا يهز الارض, ويحطم العادات البالية, ويكسر انتظام التعود البليد.

مرورك في داخلي, هو مرور اخر بقوة خلود (مرمرة والبسفور والاسود والدردنيل وايجه والابيض المتوسط). اقترابك مني يرتقي بي الى لحظة محيرة لا اسم لها, اعلقها وتعلقني بين ذروة الصحو, وذروة السكر.

الكلام هنا يا (ساندي) أصغر من أناملنا, وأصغر من أن أعلقه على هذا الجبل العالي، جبل نهديك, حيث أزيح الحجارة والاعشاب دائما في الطريق الى المغارة لأكمل دورة المغامرة في هذا التجويف العجيب. تنفسي واشهقي مثلي عطر هذه البسالة التي تنقلنا من العالم عند أول رجفة وبداية كل اهتزاز.

أريد أن أتشبث بك لأتخلص من هذا الطنين الذي اسميه (العالم).

(ساندي), أنت اكتمالي المنغلق, فأنهضي من اختبار الآثام, وانفضي عنك غبار الأثار, وخذي إليّ تلك الطفولة العالقة أمامك, لا جدوى من النساء, لكنك لن تتوقفي عن الدوران هناك لتصغي.

المشهد الرابع

حمامة بيضاء تحرر الأفق

كان المطعم التركي في (بورصة) شعبيا, وتراثيا جميلا, لكن الأجمل فيه ان (سندريلا) كانت تأكل بيديها, دون شوكة أو سكين.

كانت وجبة الطعام (باريفي), وبين حين واخر كانت تمص أصابعها مثل طفل رضيع, وبعد ان انتهت أخرجت من شنطتها دفترا صغيراً وراحت تسجل اسماء ما شاهدته في هذا المطعم الصغير القابع في الزقاق الضيق قبالة البنسيون الذي اقمنا فيه.

– ما اسم هذا المطعم؟

– يلدز لوقنطسي.

– والخبز المحشو بالارز واللحم؟.

– بردا بيلاو.

– ماء بارد؟.

– صوو بوز.

– اللبن الرائب؟.

– عيران.

– وورق العنب المحشو بالارز واللحم؟.

– (يرباغ) واحيانا (دولمة).

– والحم المشوي على الحطب؟.

– البعض يسمونه (كباب), وآخرون (شاورمة).

– والايس كريم هنا له طعم مميز.

– يسمونها (دوندرمة), والبطيخ الاحمر (قاربوس) والعنب (اوزوم) والخبز (اكمك) والبيضة (يومرطا).

– البارحة كان العشاء لذيذا. اللحم مع الصلصة المفروشة على العجين داخل الفرن.

– هذه يسمونها (لحم بعجين), لقد امتلأ الكراس بالأسماء والمفردات.

ضحكت (ساندي) وهي تضع الكراس الصغير في شنطتها. في الصباح ركبنا (التلفريك) الصاعد الى جبل (أولوداغ).

تتصدع اركان الصمت, فيسيل الحب رقى وتمائم.

أنا الان بكامل قواي العاطفية.

اجر نوافذ بيتي واهلي ومدينتي معي, ربما انتهت صلاحيتي بسذاجة وهدوء.

ليس الامر صعبا وعسيرا على مغامر متمرس بفنون الحب مثلي.

هذا تعريف جهنمي لخصائصي, ولا شك انه تعريف مثير, وربما جميل, مهما دغدغ (ساندي) شبق الرجولة في جسدي, ووهم التحدي المرير في خاطري.

انا لا احب الشمس حين تغالي في اشراقتها واصفرار وجهها الى درجة الصداع والغثيان.

يكاد الحنين الجارف يذبحني, حين اتخيل الفراق والابتعاد عنها.

تربت على كتفي, أفز من رغوة الحلم اللذيذ وابتسم مجاملة لها.

– هه… اين سرحت حبيبي؟.

– لا شيء.

تمخض العشق فولدت يتيما, لكني احمل خطايا شهريار مغترب, يودع شهرزاد الامس.

اصبح نصفي هنا, والاخر أهبه لريح الشمال. راحت (ساندي) تحت خطى مشوشة باتجاه البنسيون, وفي اعماقها نبض حار يلسع.

كان شريط العشق يخر من كل خطوة حائرة, تعتقد هي انها صائبة.

كان العشاق يمرون من امامنا اشباحا بتحياتهم الواشية المنداة بريق التشفي. لم يكن هناك احد امامها, لم يعترض طريقها احد. لأول مرة تتمتع (ساندي) بكونها غير مرئية, لكن روحها تلوب, تتقلب باللمسات والانامل والشفاه واللعاب والسخونات المفاجئة التي تندلق إثر كل حب. تنشقت رائحة الفوز المحيط, هذا الصادق العجيب, الدافيء, الذي تنام برودة نادرة على شفتيه التي يأخذها الى اطراف الارض ساحرا ومسحورا بها, الذي رش تفاصيله الصغيرة في كل شيء.

من بوصة الى بوصة كان يعيد خلق العالم, ويومئ للزمن ويقلب الارجاء, ويجري المدى, ويجوب الافلاك والمجرات. كان يشتغل على روحها, ينقر على ذلك الباب البعيد الموصد (آن الاوان لأن تقدمي روحك, وتوخي جسدك).  نداء حميم مبهم ينهض وينمو ويتغلغل.

كان شيئا يشتعل وهو يلج الى أعماقها المهجورة.

قلت لها:

– أنت يقيني, كوني لعوبا امامي, ولكن قديسة أمام الناس.

لكنها سرعان ما قلبت المعادلة, ودارت مثل الفصول والنواميس والأمم والاحوال والامزجة مسحولة من الطفولة الى العدم.

ما كانت تبحث عنه هو متكأ بعيد لم تلمحه في ذهابها الدوامي الى كل اتجاه, لكنها كانت تعرج في الطريق اليه, متى جاء كاتب الرؤى بوظيفته النادرة التي لم تكن موجودة قبله, ولن تظل بعد ولن تعطي لسواه وبسحره الداخلي الذي تحرسه سمرة دميمة.

تحصن مطري من السقوط.

في الحافلة, قالت لي:

– سأفتنك بأنوثتي, بكلماتي الى ما شاء الله, حتى تقتنع بي وتأتي معي.

– أعدك بذلك, فهذه صنعتي, ولا أعدك بأشياء اخرى, قد تكون وجها ثالثا لي في مرآة عينيك. أعدو بجرحي الى شاطيء ورملي, وأرتاح من هذا العناء, واطهر روحي من شحنة الحروف والكلمات, متسللا الى كوخها عنوة.

القرب منها نعيم, والبعد منفى. وطني هو جسدي, وبلادي مبللة بأريج النداء القصي, ملتفة على جذعها مثل شجرة ثكلى.

في عملية ولادة متشنجة, ملتوية, تمخض العشق الأسطوري, فولدت أنا, بلا رجلين أو يدين. ليس معي الا عيناي وقضيبي المجيد, اقارع به وافتح كل المنافذ والتجاويف التي طمرتها لزوجة العتمة وعشب الانوثة الدافيء على مرور الازمنة.

ثمة اوراق بيض ترشح سطحها لقضيب يغتصب حياده ويلطخ امجاده بالسواد على بكارة الماء.

أهو موعد للعذاب, أم مورد للعذوبة؟.

تتصدع اركان الصمت بيننا قبيل حاول المساء. يسيل الغموض رقى وتمائم, وفوق الاسطح والسقوف من دوحة المعنى.

أجر نوافذي خلفي.

هل انتهت صلاحية قضيبي بسذاجة وهدوء؟, حتى لو اضطررت الى الاستعانة بسرابيل الكلام, يكاد الحنين الجارف يذبحني كلما داهمتني فكرة الفراق والابتعاد عنها.

أعرف أنني لن أصمد طويلا في هذه المضمار, مضمار الحب الخاطف الذي لم يكن في الحسبان, ولم أستعد له.

أحفظ خبزي من مغبة جوعي, وسأواصل ملء ما تبقى من دروع وسيوف, اكنس فيها غياهب الحب كلم استيقظ مزاجي وشدني اليها الفراغ المشكوك في شرعيته. قررت الاقتصاص من كل ما يذكرني بها, ويوقد في شراييني شهوة القبل، تلك القبل التي يلسعني شهدها كلما هبط على مدارج مخيلتي.

ماذا بعد ان لا نلتقي؟.

هل سأسأل المرافئ والمارة والمراكب عن شكلها وجاذبيتها؟, أم القي بأعقاب الأمل الى سلة المهمسات؟, أم أرقب الرؤى وهي تنحدر من السفوح الى واديها العجيب واعود اليها بلا وجه ولا طيش؟. هل سأكون بطلا يا ترى, مثل (روميو أو ماجدولين أو آنا كارنينا).

كم أنا مراهق أعمى أجوب في وله أسئلة الصحراء, وفي كفي صنع القرار, وحسم ما يطن في أعشاش مخيلتي, لكني حين أتمعن بالوجه الجميل الذي يهيمن على فضاء صوري, أنقلب الى نصفي الغائب المتبقي من الجسد المفترض, واغوص في دهاليزه المجنونة, بحثاً عن سماء او ملاذ, ففي جسدي تكمن لعبة المعنى والبحث عن الذات, عن الحقيقة الدافئة, المرة العنيدة الساحرة، هكذا منذ ولدت والعشق متغلغل في نخاع عظامي, لكن مخاضه كان عسيرا, لذا ولدت يتيما.

(اللعنة على نزقي)….

أنا فوضى في حواصل طيور مهاجرة تبحث عن أعشاش الوهم، درت على نفسي, فلم أجد قبالتي سوى أسئلتي بذات الغباء.

أدركت أن الامر مجرد مزحة, لكنها مزحة بائسة لا تجد لها فما على الاطلاق.

مراهق أعمى وأصم أنا, ولا أسمع سوى حفيف شهوتي المتقد.

لماذا انا منشغل بنصفي السفلي الفائر المظلم؟.

هل لا أصلح أنا للنور؟.

اذن كيف تبدأ روايتي؟, أو أن تنتهي هذه المزحة الباردة الثقيلة بلا ضغائن.

تطلعت (ساندي) الى الاطفال في حافلة مدرسة, يلوحون لها ويرسلون قبلات من اكفهم الصغيرة, قالت لي:

_ إنس أمر القطيعة بيننا, لن أدعك ترفّ من يدي.

أصبحت عاريا أمام الخلق, لاشيء يستر جسدي من السهام الغازية. ربما افقد ذاكرتي إلى الأبد، ما كنت أحسب انني سأخرج من اللعبة مهزوما بهذا الحجم من المفاجأة.

أتضاءل في غربتي, وأصبح بحجم نملة.

آه من طيشي….

متى أدرك نفسي يا ترى؟, أسلحتي باتت قديمة وبالية وقاصرة.

أصطدم بدرجة الصفر, وأصلب على رؤوس الاشهاد لا بيرق يلفني, ولا نشيد يرتل ولا طبول تدق لي.

كل فرح في التاريخ كامل, إلا أفراحي وأحزاني, كأنني نهارات بين شمس تموع, أو نحاس يتثلج.

يغمر المكان نور جديد, يتذبذب, بين بواطن ألواح زجاج الحافلة والواقفين خلفي بغباء بائن.

عبرت الحافلة مضيق (البسفور) على جسر (الفاتح), كانت الشمس قد انطفأت فغطس المشهد كله في صمت داكن, وغابت الزرقة عن الضفاف.

– أخيرا ما الذي بوسعي أن أفعله؟.

لم تأبه لسؤالي, إذ انها داهمتني بسؤال خاطف :

– ما الذي جرى؟.

سحبتها من يدها خوفا عليها من سيارة مرقت امامنا فجأة:

– ما بك؟.

انطفأت لهفتها عن الاجابة, فأردفت ببرود:

– العجيب انني أحببتك فوق طاقتي.

مشت امامي, فتمليت هذا الكيان الذي عشت عمري كله وانا اردد لنفسي: (أنني أحبه).

سحبت (ساندي) النظارة عنها, ورمتها في سلة مهملات عند منعطف الطريق, فبدت عيناها المضببتان من أثر البكاء.

طبعت قبلة على خدها الصقيل وقلت:

– شاهدي الضوء مثلي.

أجابت:

– احبك … احبك … احبك

أفضيت اليها بمخاوفي من أن أظل أحبها, ومن ان تجد هي سبيلا الى سواي بفضلي, لكنها قادتني بيديها الى حجرتها, حيث لا يطرق علينا الباب أحد.

كان ظلها يقرا قصائد العشق بهمة, وهو يغرق غرقا بطيئا في العتمة الزاحفة من الاسفل الى الاعلى, وتكورات جسدها ترقص مع كل هالة ضوء تمرق من امام النافذة.

– قل لي أنك تحبني الآن, وسوف تحبني الى الابد.

– أتتوقعين سماع خلاف ذلك؟.

– كلا, ولكن ليطمئن قلبي.

– دعي قلبك ينام ويستيقظ على طمأنينته معي.

هذه الجمل العفوية البسيطة, كانت تفاجئني بها مطلع كل لقاء.

في حينها, كانت الحمرة تدفع خديها, فيبدوان مثل رمانتين ريانتين مؤهلتين لقطاف يديّ, اتذكر انني نبهتها مرارا الى انه لا جدوى من محاولة مفاجئتي على ذلك النحو, ففي كل لقاء كانت شفتاها محتقنتين, وقد ضغطت بهما على مخارج حروف جملتها الازلية تلك.

ان الحب يصبح يوما وراء يوم شيئا مختلفا عن ذلك الذي بدأ به, قد يكون أعمق منه على نحو ما, ولكنه اكثر يسرا وانزلاقا, وتصبح الكلمات والاعترافات خلاله اكثر عسرا على الشفتين, فلا أعود أتفاهم معها إلا من خلال طلب, او حاجة ماسة ملحة.

أتأمل طولها الفارع الذي يكاد يماثل طولي, ورشاقتها المتناسقة التي تضفي جمالا خلابا على وقوفها بجواري عند ناصية المركب, ويذهب مع شعرها الاشقر الطويل المنثور حتى نهاياته البعيدة السائبة المتناثرة وراء قامتها, والتي تبدو مثل موجات متصلة متموجة يلح عليها الهواء فيحركها بطواعية ولين.

لكنها تدير وجهها بعيدا عن عينيّ الطامعتين, وتصطبغ ملامحها بحمرة الرغبة والخجل معا عندما تحرجها نظراتي فتتوسل اليّ هاتفة:

– قل لعينيك ان تتحشما امامي فالكل ينظر الينا. كان ثمة تلفاز في ركن الحجرة يبث اغنية تركية (لأبراهيم تاتليس ), (*).

كانت رومانسية, رغم اننا لا نفهم معناها, وفجأة انقطع البث ثم انداح صوت المذيع فيما بعد متحدثا عن انفجار عبوات وسيارات مفخخة في اماكن مختلفة من مدن بلادي.

– هذا هو العراق, ماذا تنتظر بعد؟.

 بقيت صامتا, مطبقا شفتيّ.

أحنت رأسها نحوي بحب وقالت:

– لا تتردد, لم يعد للملل دور في حياتك.

جثيت امامها مثل طفل صغير حائر, ثم غبنا في عناق ساخن لم نعهده نحن الاثنان من قبل.

– احبك (ساندي), واحب فيك الفكرة الجميلة التي تجيء معي في الطريق الصعب, وفي اعراف الخيول الراكضة, واعشاش القبرات, واحلام الارانب البرية.

خلال الايام السعيدة التي عشتها في (استانبول) مرة اخرى, اتيح لي ان استحضر صورة تنقلي في العراء وضياعي معها في عمق الارجاء التي اعرفها والتي لا اعرفها, على الرغم من كل ما جرى, ولم يكن يدور في ذهني ان ذلك كله سوف يحدث, لكنه جرى.

(لماذا الذكريات في هذا الوقت بالذات)؟.

نعم قد يكون ثمة خيط يربط اجزاء حياتي مع بعضها, ولكنه خيط لا يخضع لأي اعتبار مدروس سوى ما يمكن ان تحتمله ذاكرتي من ازدحام للصور والحالات والاحداث التي سبق ان عشتها عبر سنواتي الغاربة, فليس معقولا ولا متفقا مع الجرح الفج العميق الذي ينوء رأسي بحملها والذي يؤلمني ان افكر بالمدى الذي خذلته ملامح وجهي فيما مضى, ولكنني ارغب في ذلك, ولعل ذلك يعود اوليا الى احساسي بالمدى التي احدثته هذه اللقيا, ولم تكن بالحسبان.

 عبر العديد من الاشكال والتغيرات والتعودات, وصلت الى هذه اللحظة, ولم يكن يعوزني بعدها سوى ان يكف عن التفكير ولا سيما انني قد وضعت حدا لحياتي يجعلني دونما ادنى ريب بمعزل عن الخوف او التردد في اتخاذ اخر قرار لي. كنت اتسأل في داخلي كثيرا كما لو احسنت في اتخاذ القرار اللائق لحياة اتحملها بتلك الجدارة وتلك المسؤولية.

الان اتقدم بحيوية واتسأل كما يتسأل اي انسان اخر يصل الى ذلك المستوى ولا يجد اجابة ممكنة.

(أُقسم باني لم ازعل).

الروح تسير عارية, والجسد لا يتوكأ على الذاكرة. قلت لها:

– انا بعيد جداً, مدن كثيرة تمتد بيننا, وموج شاسع بين اعيننا, لكني اسمع صوتك, وارتجاف شفتيك انت معي في رفة عصفور, او هديل حمامة, وحين امشي على ضفاف (البسفور) تكونين معي بنفس التنهدات واهتزاز النهدين الشامخين, فيكفي ان احرك اصابعي في شعرك المجنون واشم العطر السحري المخبأ في ثنايا العنق الصقيلة, او لأحضن خصرك الرهيف؟.

غصت, ولم تقل شيئا.

كانت عاجزة عن الكلام امام غول المسافة القابع بيننا

– أتسمعينني؟.

تنهدت:

– الا تراني؟, اني أهز راسي.

كان الشوق مستبدا, طاغيا, لكنها تدرك تماما ان الحياة بلا عشق, كالجسد بلا روح.

العشق يجعل الحياة رحبة, والامنيات يانعة, يجعل لألواننا فضاءا ً, ولعطورنا قيمة, ولوجودنا معنى.

(ساندي)…. آه, أبدا, (افروديت) تأمرني, (*) غدا يهل عيد الحب, من اجلك سأحتفل به, واقدم لك الورد, ذلك الورد الذي اعجبك في ميدان (تقسيم), بل سأطلب من (فلورا) (*) ان تختار لك ويبارك (ايروس) (*) هذا العشق العتيد.

كادت تبكي (سندريلا).

ما اسرع ان ينهمر الدمع من مقلتيها.

أهي الحياة هكذا, تفنى بين وداع ووداع؟!!!

اسرج اضلاعي بالوجد, وافتش في ذاكرة الاحياء, أيموت القفل بأضلاع الباب؟.

احكم مغاليق دمي, واغلق كل الحكايات وحدائق الروح، سأضوع في انفاسها عبقا, لتسند كفها جرحي ويحصد اليراع عشب صدري, فبعدها لن اشعل بقلبي مصباحا, حتى تصطفق كل الابواب وراء اكداس الوهم أو الحقيقة.

المشهد الخامس

ما تبقى من آثام طائر مهاجر

لن أقول وداعا شهرزاد.

لن اكون غبيا وظالما. أو مجنونا مثلما فعل ويفعل شهريار من قبلي وبعدي.

لن أهدم مرافئ عمري على ضفاف الفرح, فتلك هي امتدادتي نحو عشقي الاتي ابدا, الى اجمل قصائدي, وقطوف روحي.

لتكن مشيئتي الى ربيع لا ينصب, وعلى مرأى من أسراب الشحرور والدوري والسنونو والوروار. انادي كل ذئاب الكون, ودموعي ومدادي اللذان يرويان عطش ورقي المتناثرة شظاياه في الدروب والاسواق المسقفة.

ماذا اقول لشلال نبض يتهاوى عند اقدام السؤال. وانا فارس العشق العتيد؟.

ماذا اقول لمهرجان الورد الذي يتشظى في مسارات دمي المسفوح؟.

اكان الوعد سرابا, تراءى فوق كثبان الصدى؟.

ام واحة من شهب تداعت فوق انياب القفار؟.

نضبت كل أباريقي, ورمى العشاق ما تبقى لديهم من اكاليل الغار والالوان والعنبر, تنطفئ البروق امامي فجأة, وأشاهد من بعيد قطيعا لغزلان برية تهاجر نحوي, كأنني جواد طاعن بالعشق, مكتظ بالآثام والهزائم والاحزان.

كلماتها البيضاء تنثال عليّ. وهن أبكار عذارى, واباطرة العشق يوقدون نار الغل والتشفي بحرقي, وشواء لحمي على آخر ما تبقى في شرفات الروح.

جمرة من لفتات (سندريلا) في القلب ما زالت, وفي عينيها البرق والرعد والارجوان.

في غيابها تتلاشى الجهات وتختفي, ولا ادري كيف اقيم صلاة الحزن لآلهة الرجوع؟.

ينورس العشق فاتحة للبدء, ويبرعم في انتظار الاماني, قبل ان يشهر الزمن أنيابه في وجهي.

امام قصائد عشقي, اقر واعترف قبل أن أصلب, ان ألملم الملح من ضفاف الجرح, قبل ان يباغتني طعم الحرائق, فانا (الموصلي), عرّاب الشمس والفصول الأربعة, سأكتب قصائد صمتي من عرق تضاريس العذارى, ومن مسارات عربتي التي تدحرجت يوما على اجسادهن البكر, مثل امير ناخ عند اول كرمة, فكل عشاقي يهطل من اجسادهن اللوز والقداح والمسك.

هنا من قبل ايام, كسرت الجرة الاولى, امام اولى انثاي, فسال عسل بري من نهديها, واهتز المركب بما يحمل من انس وجان وطير وزنابق.

يومها درات (ساندي) حولي. لا ادري, ربما انا الذي دار حول (ساندي), لم أصح من نشوتي الا بعد الاف من الخيل المسومة القافزة من فوقي. كانت الشمس في كفيها ترش الزعفران والنعنع البري, وكانت نسوة في المركب يتضاحكن ويتغامزن:

(من الهائم هذا, على وجهه شيح وفي عينيه دخان؟). اتشبث بكل صبايا المضيق : (هل فيكن من تعرف وجهها؟).

هنا منذ الاف الوجوه, غاب عني وجهها, لكنه لم يبتعد عن القلب بضع ثوان.

هذا هو زمن اللاحب, لقد آن لهذا الحب ان يرتجل, وان يعبر (البسفور) بشراع قلبي الاخير, فالعيد على ابواب (استانبول), ومديتها على عنق فؤادي, حتى هذه اللحظة لا اعرف كيف تقدم القرابين في هذه المدينة؟, رغم اني عشت فيها ردحا من الزمن, قبيل قرون مضت وبرفقة سلاطين (بنو عثمان). اختفت الحمائم من سماء (استانبول), لا ادري لماذا انا خائف, خائف جداً.

ولكن لا خوف من كائن يحيا بألم, ألم مزمن سيبقى لصق ظله اينما حل.

لقد احسنت (ساندي) قتلي, ثم توارت عن الانظار واختفت عن انتظار في حجيرات قلبي.

زينت رخام الضريح بالألوان والزهر وسقته بماء الورد، وحفرت على شاهدة القلب.

(لا تحزن ان بكيتك يوما, فدموعي ستراك, مزق الصور وهشم الذكريات, لكنها ستلاحقك حتى في الاحلام. في اتون اللقاءات, يوم تدرك ما اضعت, هيهات ان تستجدي ضعفا من احد.

هيهات ان يبعث رمادا, من نام على صدري, ثم ذبحني مثل شاة يوم النحر).

انادي ملء فمي: (يا نسوة استانبول, هل فيكن من تعرف وجهها؟). منذ الآف الوجوه, غاب عن وجهي, ولم يبعد عن القلب سوى بضع ثوان؟.

أرحل, أم أبقى أعاقر الآما بين جداريات أيامي.

سأظل اجري, الى ابعد ما يهطل المطر, وكما يجري الحمل الوادع الى ضرع حليب, ففي صدري حقل خصب من الزهر, ولعل الصبح يبزغ عن قريب.

هنا في هذه المدينة, قررت ترك البداوة والترحال. سأبني كوخا, واوقد النار, لعل انتظاري يدغدغ وجهها, فبين الوجه والوجه مسافة زفير, وبين القلب والقلب مسافة جرح ساخن؟.

لمن اكتب هذه السطور؟.

أرض كلماتي تراب أبيض, وحقول تشهق بالبابونج والخزامى والنعناع والشقائق.

حين قرأت أحزان عشقي, نبذتني المدينة والعشاق, وحين ارتديت صمتي, هجرني الوطن.

تنشق الارض امامي, ثم تميل.

تنحل طلول, وتنام طلول, فأعدو طافحا بالبشارة, وتعدو معي غزلان برية هجرها العشق مثلي.

يبتلع السيل اصنام الاوهام, وخلف السيل, تنهال سيول وتمتد سيول.

صارت (ساندريلا) نجمة في الافق, وانا العاشق المدلل في حيرة بين نافذة وفضاءات من ضباب حبلى بالأمنيات, لكني سوف أتبعها, وأسكن الغيم والهضاب والبراري

ستعود (سندريلا) ويقينا ستعود, حتى ولو كنت متعبا او حزينا, مثل حمامة (صابونية)(*) بيضاء, طارت من جزر (الاميرات) وصارت نجمة في الافق. تصّدع الفضاء من حولي. وامتد غبار الهم مد البصر, اصبح الناي في كفي عصفور جريح, وفضة الحلم في شفتيّ تتشظى حطبا.

لم يزل قلبي يصغي لدندنة المطر. كأسي مترعة, وانجمي ترقرق, (استانبول) تبتل بالضياء.

حلم لذيذ. تنقصه (ساندي), لكن الحلم سقط في قعر الجب مثل أية حصاة, فامتلأت جيوبي بالتراب.

 أيها العندليب المغرد الجميل, حلق معي بعيدا عن القاع, فقد يطول البعد, ويلوك مرارته القلب, لكنني سأواصل اغنيتي وادندن: (عمي يا بياع الورد, كلي الورد بيش) (*), حتى ارى البرق يومض ثانية من قاع روحي.

الوقت غدا….

لا الزمن يشدني الى صدرك, ولا المرفأ يسكن قلبي فأختبيء من الضوء المارق الى مقلتيّ, واغسل سرابيل الضوء في مرايا الماء.

ألواح صقيلة تحاصرني, تطل ملامحك قبالتي بألف وجه وانت على مرمى قبلة مني.

أينما وليت شطري, خطف الضجيج الناي من شفتيّ لم تعد اجفاني تبتل بضوء الفجر, فحلمك الجميل لملم اخر الازهار من (تقسيم) واشاح عني ظل من احببت, ثم ابتعد.

انا سندباد العشق, ملأت شطئان البحر وضفاف (البسفور). لا برق ولا رعود تخيفني, اشرعتي تمخر عباب كل البحار, لكن حمامتي رفت مني ودخلت انا القفص.

ايها الاله (نبتون) (*), زدني عواصفا ورعودا, واطوي بموجك هذا الركام, فقد اصبح فضائي رماد.

مرحبا بالأعاصير, توقد جمرات دمي, وتفزز في شجر القلب هديل حمامتي البلقاء.

ايها الاله (أورورا), (*) اين أنت من افتراس غراب الليل بباز الصبح, اطلق الباز للقنص وحرر مقلتاي من جذوة العشق التي تلاحقني وتسبق ظلي في ذهابي وايابي.

مرحباً بمراكبي العطشى, تعلو وتهبط بي, حين يبحر وجه حبيبتي معي, ويرش المضيق بتجلياته الجميلة ومن حطامها انشر لهبي ومعي شهرزاد, فوجهي شراعي ومراكبي هذي البلاد.

اتيت (استانبول) ولست ادري:

استبحت الصمت والعشق, فأورقت الفصول خلسة, وتكاثف العمر في قطرة ماء اغتسل بها قبيل اندلاع الغياب.

يتدفق الجلنار في خرائب الوقت, واشهد انه ما كان وهما, ولا حلما, ولا همساً.

التفت نحوي وعيناها ترفان لي:

– هذا لقاؤنا الاخير؟!!, كنت احبك حتى البكاء, وحتى الوجع, انت اكثر الخاسرين صمتا, وانت اول هزائمي الكبرى, لقد اضعتني واضعت نفسك, ما اقصر عمر الكلمات في عينيك دون دلائل.

– دعيني, احبك بألف طريقة اخرى.

– لا فائدة منك حتى ولو نطق الصمت فيك.

– في عينيك تتألق ملامحي.

– تساقطت اوراق الصمت كشجرة تتعرى في حضرة الخريف, وتبعثرت رجولة اليراع, فما عاد ينظم شعره الاصيل كما ينبغي.

– الربيع آت لا ريب فيه.

– أعرف ذلك, ولكن بعد أعوام أو دهور.

– أنت الازل, منك ابتدأت, وفيك انتهي الى الابد. افتحي للحب نافذة, فاجمل يومنا فجر, واجمل تاريخي كان غداً.

اصرخ بقوة, ولكن لا احد يسمعني. تردد الفلوات والفضاءات والنوارس والقطاريس صدى صرختي, لا احد يسمعها مثلي.

(الوردة لي والشوكة للريح)….

(أكون أو لا أكون…).

راح الزمن يركض قبالة ذاكرتي, وسط خضرة مبللة بالغيوم وأثار اقدام الخيل النافرة. كنت اقنع جرحي النازف, بأن المراكب المقطورة بين امواج المضيق وقصور سلاطين (بنو عثمان) تحمل فوانيس تضاء من ضلوع الرجال, وأدعية النسوة اللواتي يقرأن الطالع.

كم ضفة يجب ان اجتاز؟.

كم موجة تتنفس من رئتيّ؟.

لكني ما عرفت ان الليل داج, والطائرة الان ترف بسندريلا الى فضاءات (فينكس) عندئذ ادركت تواً اني خارج اسوار الاندلس.

(اسكليبوس)(*) اين اكسير حياتي؟, لهيب (فولكن)(*) يلاحقني ويضيء بجرحي أفواج العابرين, فتتشعب من تفاح قلبي اغصن متسامقة من النيران.

سأنتظر ضوء الدمع الياقوتي, شفافية ماء الورد, هكذا قالت لي ( منيرفا)(*) من بين سحب الغمام, القطني المخيم فوق لجج المضيق.

انا الشاعر الموصلي…

انا فارس الرومانسية, انا القادم من شرفات شتى ومن غيوم متناثرة.

انا من اخترع العشق, جئت الى كل البشر, عشاق وثكالى, أتأمل الايام والطرقات, لكن الزمن كان قتيلا. هكذا قال لي (أيروس(*)), قبل ان املأ الحسرات والنجوى صهيلا.

حمامتي قنديل مبتل, بأغنية تجيء من (فينكس) هذا المساء, سماؤها الزيتون, واقواسها قناطر فوق المضيق. وحجرتي عش صغير مهجور, سأظل ادلف في تفاصيل الزمن ولن أنام.

كانت (ساندي) قنطرة من مرمر, ونهدان أجمل من ألف وجه قمر, هكذا أومأت لي (سيلين(*)).

كانت غزالة من فضة, وجسد من حرير يضئ طوال الليل, حتى ركعتي الفجر.

ستبقى في ذاكرتي مهرة بيضاء تمسك ثوبها, وتراقص الصمت الحريري المشاكس.

هل ستفرق الدنيا اغانينا، وتجمع شمل ادمعنا القبور؟. لم اكن ادري ان للمياه عرساً لا ينضب, ولم اعلم ان الحجارة في جبل (أولوداغ)(*) تصير طيوراً ترف في الفضاءات التي شهدت أعذب طقوس العشق.

انا من صنعت سر العشق فيك, وزينته ببهاء اللون وترنيمة النبع, ودفء الثلج.

الان ادركت سحر رشاقة الروح, وإشراقة الرؤيا التي أشم عطرها فيك كل ليلة.

يومها غنى لنا الشحرور في الكهف المضيء, حينئذ ادركت ان محراب الصمت قد قادك الى نور الرحيل. (جونو)(*) الوحيدة التي كشفت سرك وقالت لي:

– ايها الموصلي المغامر, أدرك نصفك الاخر, فأنت النبيذ وهي الشذى, تكسرت أعتى السيوف بأضلعك, ما لان لك ضلع ولا انكسر, (أطلس)(*) بانتظارك في صومعته ليرش قناديل الضوء واكاليل الغار.

عيون يراعي متقدة.

ألمح طيف (ساندي) من عبراتي العصية, أغفو على صدر المساء, وأحتضن الذكرى الحبيسة, فزغب اجنحتي ينمو الان في دمها.

أحدق في عينيها, واكتشف قارات العالم, فلقد حانت اللحظة المناسبة للتوغل في دماء اللهب.

في (بورصة) تجاهلت نبوءة فتاة غجرية, و(ساندي) بصحبتي:

– ان النار ستشق نهراّ في بياض القميص, وأنت سلطان منزوع التاج.

هنا يتشظى الشهيق مطرا, وتشتعل النار.

الان اجعل من نهديها مظلة وأحتمي بهما, خرساء هذي الظلال.

 آه (سندريلا)… إن شوقي يحتسي دمي, كنورس أعمى, ضل ساحله مثلي.

الشوق أكل نصف قلبي, ودهن لساني بالغبار.

سألوني عنك فقلت:

– شهرزاد أخرى, لا تعرفها كتب الأساطير والحكايات.

– لا, بل موسيقى كانت تنتَّ من أناملك زهراً, ونجوما وهديل حمائم. أنت جبان في الرأي والقرار. أعطتك الكثير ولم تأخذ منك حتى القليل.

كفاك نواحا وتأنيب ضمير, فمثلك جاف كأغصان توت يابسة راحت تطقطق في تنور مستعر. ضاع العمر فيك, لا بغداد بلغت ولا نلت الذهب, كنت سلطان الجهات المسكون بالرؤيا, وبالعشق العظيم, هذا رقيم الوجد, فاقرأ ما توهج في الصنم الاصم, وما تشظى خلف فساتين الصبايا, ومناديلهن الوردية.

كانت انثى سحرية, وشجرة كاردينيا, وشلال ضوء خرافي, حين تصمت, وحين تمشي. هيا أرحل عنا ولا تعد.

ثمان حجج مضت ولم يأتيني رد منها.

ثمان حجج توالت, واحدة بعد أخرى, وانا أحيا هذا الكرب العظيم.

ربما ان أتممت عشراً, فمن عندها وما أريد أن أشق عليها ولن ينفد صبري.

جاءني الحنين غفلة الى مرفأ (أميننو), صرخت بأقصى انتفاخ تستطيعه رئتاي:

(هل من أحد ينقذني في عرض البحر؟). لم يجيبني أحد, وبدأت أبتلع الماء, أعب منه على دفعات, ثم أطبق فمي وكلي تصميم أني لن أفتحه مجدداً حتى لا أبتلع المزيد, ولكن لا أدري كيف كان الماء يغافلني ويدخل جوفي قسراً.

كانت جرعات الماء شديدة الملوحة, بحيث أنه جرح حلقي, وامتلأت معدتي منه حتى شعرت بالاقياء. طالما أحببت طعم الملح وفضلته على بقية النكهات, لكن كان الملح هذا الماء طعم رهيب.

لأول مرة اكتشف للملح طعما آخر غير الملوحة… انه المرارة.

كان الماء مالحاً صبرا, ومراً علقماً. بدأ التعب ينال مني, واحسست بحاجة الى النوم, لكن كيف يكون النوم وسط البحر.

هنالك اكثر من خوف, الخوف من الماء…. من الملح …. من السمك المفترس…. من أن يطول النوم.

رحت اقاوم هذا النعاس المفاجئ بشتى السبل, لكنه تغلب عليّ أخيراً, فنمت.

صحوت بعد قليل لأجد نفسي ملقى على سطح خشبي يغطيني سقف أزرق واسع, يبدو أني نجوت أو ان أحدهم أنجدني.

كنت ملقى على سطح مركب آخر لا أعرفه ولا أعرف جهة سيره.

ركلني احدهم بقدمه وكأنني فقمة هرمة ليتأكد من حالتي, فوجدني حيا, تركني وسار بلا مبالاة.

في هذه الاثناء, عاد النعاس من جديد يفاوض أجفاني. نمت مجدداً, ولم أدر كم مرة من الوقت الى أن فتحت عينيّ لأبحث عن اللون الازرق الحر للسماء, فلم أجده. بحثت عنه طويلاً حتى اهتديت اليه أخيرا. كان مقطّعا بخطوط سوداء, ومجمّعاً في زاوية صغيرة على المرفأ. نظرت الى جسدي المنهك من السباحة, فوجدت عليه كدمات حمراء وزرقاء تغطيه, ووجدت بعضا من قطرات دم تناثرت على قميصي ويدي.

تلمست الارض التي غدت حجرية تحتي بدلاً من خشبية رطبة.

بدأت ذاكرتي تعود إليّ شيئا فشيئا. تذكرت أني لم أكن في سفينة أو مركب, ولا كنت اصارع الامواج العاتية.

لقد خرجت تواً من حجرة الاعتراف, ورميت في سجن منفرد رثيما يعاد التحقيق معي, وعليّ أن أعترف على الذين لم يغرقوا بعد.

قرأت في سقف الحجرة وأنا ممدد على الأرض: (مهما جرى, ويجري, سأبقى أنتظر, لن افقد الامل, دموعي تراك كل صباح, فالأشجار تحيا في الصيف, وأما في الشتاء, فتفكر… ساندي… فينكس… أريزونا)….

المشهد السادس

طائر يرّف بنصف جناح

درت حول شعاب (استانبول) كلها, ما تركت بيتاً ولا زقاقاً ولا مقهى إلا وولجت فيه.

أنا أعرف بكل خبايا واسرار وطباع هذه المدينة الغامضة منذ كومة من السنين, وأنا أعرف العجب العجاب فيها. الليل فيها داكن تنساب ظلمته على تموجات المضيق, وثمة أشباح تغطس وتطفو, تحمل السلاح والتعاويذ والاحجية والمخدرات وأعشاب السحر.

هذه المدينة مسكونة بأقدارها ومصيرها.

صوت عجائبي, أمواج وموسيقى صاخبة, تنبثق من تحت جسر (غلاظة).

يلتصق الصوت بمسامات الجلد ويخترق العظم, ويملأ الجسد من قمة الرأس حتى آخر ابهام في القدمين. صوت مخيف, لكنه يشبه الغناء, صوت ابعد من أي وصف أرضي.

مشيت ذهاباً, شرقا وشمالاً, ورجعت غرباً وجنوبا, حتى وصلت ميدان (دائرة أمور عسكرية).(*) كانت سرادق كبيرة قد نصبت لمعرض الكتاب الدولي. رحت افتش عن (اوسكار وايلد) و (ماركيز) و (جبرا) و (هنري ترويا) و (ديكنز) و (ايزابيل الليندي). ضاعت مني (صحراء التتار) و (الميت الحي) منذ عشرين سنة مرت على قراءتها, لم أعثر ثانية على تلك الروايات التي جننت بها, بل شاهدت كراساً جميلا وملونا عن أحدث الطائرات.

يومها تذكرت أيامي في انكلترا, قبل اكثر من سنين على ما جرى, تمكنت من دراسة الطيران الشراعي في مدينة (استرلنك) بشمال (إسكتلندة).

كان استاذي العجوز الطيب (ريد ستارك) يطبطب على كتفي بعد اعطائي شهادة الكفاءة.

– شاعر وطيار ودون جوان.

– سيدي, أنا شاكر ومسرور بمعرفتك.

– احبك ايها المغامر, أنت تشبهني في أشياء كثيرة.

أتذكر صوتها البريء, وهي تهمس في وجدانها وتقول:

– تضحك من نقاوة النهار, وتركض بلهفة عمياء, الى حضن الليل.

– النهار الذي تكرهينه يجعلك لينة بين يديّ, واشارات الوقوف رغم حدتها, توقفك لصقي برهة من الزمن, توقف هذا الجسد الحبيب الذي يجعلني عاشقا, كعشق الحمل الى الرضع. كل ذرة في جسدي هي ذرة فيك.

أرفع جسدي بكل ما فيه من لحم وشحم وفرح وافكار واحلام وشرايين وخطط وخيالات وصفات وأوردة وعظام وغضاريف. اقف عند الرف الثالث حيث الحكايات الشعبية واغاني الشعوب ونوادر الف ليلة وليلة وروبنسون كروزو.

كنت افكر بالرجوع الى هذا العالم وانتقم من الصمت الذي تطوق حباله عنقي.

الخلق هنا لا يشبهون الشجر وانا المبعوث بأسم الحب, المنذور للأشواق.

لا عشاق من بعدي. مجنون بعمق البحر وامواج الدموع وقد اشتعل الصبا شيبا. شبعت من التصفيق واعجاب الحسناوات.

زادت العتمة, فتركت المكان وأنا ألهث مثل ذئب جائع.

في الصباح, ولجت الى مقهى (فيروز أغا) في (جيهان كير). تلك الصومعة التي مارست فيها أعجب طقوس العشق مع (ساندي) وبين تراتيل الخلق.

كان (الكورال) يبارك حبنا ويردد التراتيل معنا, ونحن نقدم القرابين والطاعة الى (مارس(*)).

لم ارشف القهوة وحدي, بل كان قبالتي (مارس) بذاته مؤنبا فعلتي:

– كيف تغفل عن قطاة برية تخطف جناحك وترف عنك صوب الفضاء واللأفق؟.

– لكنها تركت لي نصف جناح.

– مغفل, أنت محطم, لن تستطع التحليق به.

– ليت جرحي يندمل.

– هل تعتقد ذلك؟.

– إذن, هذه نهايتي.

– أنت مكتظ بالإحباط والهزيمة واللعنات.

– هذا قدري, ولا حول ولا قوة.

– لا بل فعلتك الشنيعة وأنت فارس الحب الذي تتباهى به الالهة.

– بأستطاعتي اللحاق بها.

– لكن كيف؟.

– لعل هناك من يعيرني جناحه.

– لا احد يعيرك الكل تخلوا وابتعدوا عنك. ويحك, صارعت العشق واستهزأت بنظامه المقدس, فكانت الحالة التي أنت فيها الآن.

– أنقذني, أيها الاله الحبيب, فأنا أغرق.

– أعلن الحرب اذن على الطيور, واسترجع قوتك من جديد, فهناك بعض من رمق.

– لا أعرف كيف, ومن أين أبدأ؟.

– ابدأ بنفسك أولا, أجزم على الفوز وبلوغك الهدف المنشود.

هيا… لا تتخاذل, ولا تجعل الاحباط يدب في احشائك, لديك قدرة مهولة على قهر المستحيل.

خطط اولا, ثم اشرع بالهجوم, فالنصر حليفك, هذا ما تراه عيناي فيك.

كانت كلمات (مارس) بليغة ومؤثرة في نفسي, وأنا أرشف قهوتي معه ببطء, وأصغي الى كلماته باهتمام ويقين وايمان.

– لكن من اين ابدأ؟.

– أن تترك السجائر أولاً, ثم أعطيك تفاصيل خطتي.

أعجبتني كلمات (مارس) .

 فقررت المضي بعزم وثبات دون تراجع حتى تطأ قدماي الهدف المنشود.

(إن السماء المخضبة بالبطولة, تؤذن بالليل, لا بالنهار). هذا ما رددته مع نفسي.

من الذي يدفعنا اليوم الى الهجرات والرحيل الى المكان الاخر. هل هو حلم اللاعودة…, ام الحلم بالوصول…. المنفى والمكان المستحيل, ام الصورة الاستعارية للفردوس؟. الفكرة التقديسية, غير الهندسية للكون, ام الاصول الاولى والتي تعني البحث عن الفردوس المحاط بالجمال العصي عن الوصف.

هذا الفردوس الارضي يحجب مشهده الانيق الضباب الاغريقي المخيم على المضيق الرحب.

هذا المضيق الذي شهد كل آلامي وتداعيات وتجليات الانثى القطاة التي رفت غفلة الى (فينكس) في (اريزونا) الجنوب.

الليلة تنضم حشود الالهة معي بكل قوتها وجبروتها, وتعينني على اللحاق بها بنصف جناح.

هكذا أنبأتني (عشتار) (*), عن الاحلام غير المتبلورة عن الفردوس الارضي, ام المكان المجهول دون حدود؟. رحت افكر بالرحيل العظيم… بالهجرات… بالمنافي الكثيرة والتي ربما لا تجيب على أي سؤال من الاسئلة التي طرحها (مارس).

كنت افكر بالمصير الغامض الذي يشوش اكثر مما يحجب ظلمة المشهد, افكر بالأشكال العديدة وبالوجوه التي لا تحصى, والتي تسبب تناقض الآراء والاحكام دون شك, افكر بالمجهول الذي انطلق اليه لأكشفه, افكر بالطرق الغامضة والنياسم الناقصة التي كنت اتتبع آثارها المشوهة.

لم ينقل أحد لي الى اليوم لغة غير معروفة, او خبراً من عرق مجهول, فمنذ سنوات لم تهز البشرية اكتشافات جغرافية كبرى على الارض, لكنني كنت اعرف على الدوام ان العشق هو الذي يجسد في العالم الغامض وغير المعروف جوابه الاخير.

اتذكر الان وصولي الاول الى (استانبول). كنا نسير على ضفة من الحصى قرب البحر, وكان الظلام دامساً, وفي الغسق الشفاف كان رذاذ البحر يضرب وجوهنا, انتابني تلك اللحظة شعور غريب, شيء اشبه بلحظات نسيان أو نوم, حركة الظلام وهي تسقط في المياه العميقة في البحر, صوت الصخرة التي يضرب بها الموج, وهذا العشب الغض الذي كنت اجاوره بقدمي. احسست بدماء عنيفة تنبض في داخلي, تدفع عني الضعف والنوم والنسيان.

شيء يلهيني, ويجعلني اركض, او انغمر بالماء, اتحد بالبحر والفضاء والرمال. الرحلة تمرين هي على الشعر, تجديد وانبعاث للجسد مثلما تجدد (سندريلا) الشعر بفعالية الجسد المضطرب لتبعد عنه التكلس والموت, والعاشق شاعر اصيل وغامض, مكتشف فنان, مليء بالأسرار, لكنه متوحش قليلاً, وحيواني ايضاً, لأنه يفترس الجمال بنهم, مثل حيوان جائع, ليحيا في النهاية مدمى القلب, يرف مثلي بنصف جناح. تتقدم المراكب امام باصرتنا مسحوبة بخطوات وئيدة, وتبدو النفس وهي طافية, بعذوبة الفراغ, حيث يسهر الجميع وهم ينصتون لحصون وقلاع (بنو عثمان) يصغون لصمت النورس والقطرس الذي يفيق نصف إفاقة, والهمسات المشوشة للمضيق العظيم النائم.

قرب مقاعد حجرية متناثرة, جلست احدق بالمشهد الجميل وقد ارتخت اعصابي تماماً. زرقة البحر الساكنة. البواخر الكبيرة والمراكب المتجمعة عند الرصيف. الرافعات العملاقة وسفن الصيد الصغيرة, ومن الضفة الاخرى, (الجامع الازرق, جامع السليمانية الكبير, أياصوفيا, طوب كابي سراي). كنت احدق بسفوح التلال البعيدة, بالجزر التي تختفي في ضباب البحر, بالقلاع والحصون التي تعسكر حولها الاشجار الضخمة, بقطاف الثمار المكومة في الاكشاك وعلى الارصفة، بالصمت الذي يقترب من المقاهي ويبتعد عن الرصيف, بالود الذي يغري الطيور نحو الشبكة, بالحرية الحزينة التي تنقلها خطى النادلات, بالبحر الذي يتسلى بالرصيف وهو يمد مجرفته الطويلة الزرقاء عند الحجر.

هل هناك ما هو اجمل من هذا؟.

النسوة التركيات طبعاً…. نساء صغيرات جميلات, كل واحدة منهن ذراعاها مشغولتان بالحرير والاغصان اليابسة الهشة. نساء صغيرات أشبه بمصباح, روحهن بخار, وأكاليلهن عطر, نساء صغيرات يافعات يذهبن, دائرات اظهرهن للبحر, ووجوههن الى السماء, نساء صغيرات رشيقات. خفهن لا يدوس البلاط, وحديثهن لا يباح, وصورتهن لا تمر دون جرس في الطريق, غزلان برية تميز على وجوههن قمر المغيب, وعلى شفاههن المخضبة (بالديرم)(*) نداوة الليل.

هذا المشهد البسيط والمحايد, يلح على ذاكرتي باتخاذ قرار جريء كلما سمعت هذه الكلمة السحر التي تنتمي الى عالم الخيال, اكثر مما تنتمي الى عالم الواقع

(استانبول)…..

هذه الكلمة التي عذبت (سيفيسيوس)(*) طويلا… الكلمة المفتاح التي تحرك المشهد البسيط الذي يحيط بي….الرصيف المغسول برذاذ البحر, اشجار الصنوبر والكالبتوس اللتان ينعشهما نسيم الصباح, العجوز التركية التي تجلس في الشرفة في العمارة المقابلة وهي تروف الجواريب بيديها, وعلى مقربة منها حفيدتها بالملابس المختصرة تسقي زهور الظل, وفي الشرفة السفلى, كان عصفور الكناري في القفص المعلق تحت شجر الاكاسيا يلقي برأسه الى الوراء, ويشدو ثملا على برودة الهواء القادمة من المضيق الجميل.

هل هذه (استانبول) التي دوخت التاريخ, ودوختني معها؟. أهذا قبر (محمد الفاتح) مثل ضريح نبي محاط بالزهور؟. اين ركائب السروج التي تسلقتها جزم سلاطين (بنو عثمان)؟. اين السيوف والدروع والخيل والمدافع التي كانت تبرق في ظلمة التاريخ؟.

مرة أخرى…. مرات…. مرات.

أتملى بوجهك (ساندي), بجمالك وقدك المياس, كما أتملى بوجه (استانبول) الشابة الابدية العجيبة.

ها أنا أعود لمدينتي, مكتظ بالجراحات والهزائم, أمشي بطيئاً, وأرف متعباً, ولكن بلا اجنحة تشدني الى الفضاء البعيد, حيث (فينكس) و(اريزونا) و(سد هوفر) و(نهر كولورادو) وسحر الطبيعة هناك والمزرعة المنشودة, وحمام السباحة.

المشهد السابع

ركام الزمن في أحلام مؤجلة

رأيت في ما لا يراه اليقضون.

ان جراحي قد اندملت, وانني شفيت من كل الرواسب والركامات, وان جناحي عاد قويا سليما معافى وبأمكاني التحليق به أعلى الفضاءات.

جرح واحد في داخلي لم يكف عن الشوق والصهيل, (استانبول)….

تلك المدينة الغامضة التي تلاحقني كوابيسها في اليقظة والمنام.

ها انا اعود اليها متسكعا كعادتي, في طرقات الماضي, بمنجل معقوف واحد, يكفي ان يقطع عنقي عن الدنيا بأسرها.

ضباع تطاردني في الصحاري والادغال, وانا احارب ذلك العواء في أحلك ساعات شبابي.

(قوس قزح في القلب)…., لماذا اتعامل باللون الرمادي وحده, وانا مع اجمل نساء الكون؟. من يقيم الليلة قداساً لطقوسي وجنوني وحناني, والبلاد التي بكيتها بعد منتصف الليل؟.

قشعريرة حب ورعشة لم تفارقني خلف شموع العش الليلي.

النادل المرصع بالأزرار الارجوانية, أراه قبالتي يرقص مع (ساندي), ويغفل عن الحساب. الجنون يغطي المكان, لا احد يدري بهذا اللص الذي يتشفى بالنظر اليَّ. يقطع الخيط الفاصل بين اللذة والشلل، فيختار الركوع والسجود على صدري البعيد الذبيح….. يتأرجح قبالتي بين جمرة العشق, واغواء (ساندي) وطيبتها هنا.

اي صخب لذيذ وممتع في قبو (سندريلا) هذا, واي جمهور مسالم بسيط يتموج في رقعة الرقص, وفجأة تحول المكان الى كرنفال بهي يغمره فرح اسطوري لم اعشه من قبل, كأنه قن دجاج أتاه طعام وفير.

كنت فارس (ساندي) الوحيد في حلبة الصخب والجنون.

التصقت (ساندي) بجسدي امام عيون السكارى والتائهين والعشاق المقنعين الذين سرقهم الرقص دفعة واحدة الى (ساندي) بكثير من الشهوة والانبهار, ربما بكثير من الامتنان, فقد انقذتهم من تجمع رومانسي كاد يهدم واحدة من اجمل لياليهم, لعل اجملها طرأ بعد الذي صار من ترنح لذة في احتساء المزيد من الخمرة على نغم جامح فرضته أصابع عازف القيثارة وسيطر به على مشاعرهم برغم العاصفة التي صار بعض زفيرها يصل المكان من خصائص الخشب المدهون الذي بات يهتز مثل عباءة (أمي) في شتاء المدينة.

اهتز على ذكريات خطفت مثل وميض مكتوم, تهتز اغصان الشجر, يهتز سعف النخيل, وانا احكي مثل عجوز (لا بد في شرايينك الكثير من الدم العربي يا (ساندي), أنت مهرة عربية اصيلة فعلاً).

وكما في حلم او فردوس او واحة من العنبر والسوسن والياسمين, سمعت (ساندي) تهمس بعشق بدوي مخلوط بالفلفل الصحراوي:

  • يا لك من أبله يا حبيبي, الا تعرف حقا ان دمي ينتمي اليك؟..

قلت لها وثمة ضوء يشع في قلبي:

  • لا اعني الكلام الذي يشبه فروض الطاعة, بل كلانا انا وانت على صراط مستقيم واحد، عندما نهبط, سنهبط مرة واحدة دون رجعة.

قاطعتني بلهفة بدائية طريفة:

  • على مهلك, انا لا احب الرجل الواعظ, لا تحرقني بهذا الكبريت المبلل, اخبرني بما تريده فوراً, بلا نقوش ولا زخارف, كما تفعل مع القصائد والاغنيات.

قلت, وانا اسرق دور راهب عجوز متمرس في تعذيب المجدليات الباكرات:

  • هل في دمك شيء عربي؟..

قالت بخفة طائر, دون شرود:

  • ولماذا هذا السؤال؟.

قلت لها ورائحة الخردل والشاورمة تتسرب من مكان بعيد الى أحشائي وانفي:

  • انتصارك الجميل على هؤلاء المغفلين يشبه عندي….

 راحت (ساندي) تضحك.

اتحسس وحشا حلزونيا يمشي حولي, وانا اراها اضحك.

البخور والحرمل والمسك والضباب يلف (ساندي) وهي تضحك, أي وجه ماكر مهووس:

  • أنا والله من اصل عربي فعلا, الم تكتشف بعض طقوسي وطباعي وانفلاتي وكل بلاء جسدي؟, ظننت انك تدري, أو هكذا تخيلتك ذات مرة, لكنك حقا مثل اي رجل اعمى, لا تريد ان ترى, انما تسمع وتكتفي.
  • انا يا حبيبي من اصل عربي وربما, لهذا السبب, احببتك اكثر مما يجب, بل اكثر مما تستحق ايها الحبيب المخبول.
1 2الصفحة التالية
زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading