ربما تكونين انت – ابراهيم سليمان نادر
كومت احزاني لاحرقها
مع الحطب .
فاحترق الحطب المجنون في كومة الاحزان
ربما تكونين انت
من أين ابدأ معك يا ( كندة ) ؟ ، وأنت القريبة البعيدة ، الحاضرة الغائبة .
السكة غامضة ومجهولة ، وطيفك ينشب اظفاره في احشائي ، فأزداد
سعيرا .
إنتظار مخيف يسحبني لسيف مليء بمذابح السنين ، وأنا لا أجرؤ على الالتفات الى ( اللاذقية ) والى البحر . أعدو والغبار يتبعني . أردد في سري :
( هل لي أهل ؟ ) . شيخ التكية يقول لي : ( كلنا أهلك يا فتى باب لكش ) ، لكن شعورا تملكني بأني منبوذ وضائع . أدرت ظهري ورحت أحاول حفظ قصيدة أنشدها المتنبي يوما لسيف الدولة ، لكني تعثرت بمقعد اسمنتي ووقعت . ثيابي تنز غيوما في أول لقيا . كنت أنت . لم تكن امرأة اخرى ، كنت أنت .
وجاء عطرك مميزاً مع هبوب أول نسمة وأنت قبالتي . وجهك البلوري يقتحم مملكتي ، مملكة الصمت ، ويشرق ألوانا صوب الجنوب . البحر يظل صامداً كالزمن ، ونحن الاثنان معاً في حافلة تخب بين ( اللاذقية وحلب ) .
لكنت تغيبين بين اللحظة واللحظة مع انزلاق الضوء . اتابع ظلالك
وأطيافك . عطرك ، قربك وبعدك . مقعدي لا يزال حتى الان مسكونا بأسمك ،
( كندة ) . أسمع وشوشة صوتك الى رفيقتك : ( أحب النعناع والعنبر ، أحب الزيت والزعتر ) . ها أنا أملأ المنزل همسا ، قد تكون البداية أروع . كلما سقطت ورقة عنب على العتبة ، أحس بهمس يدخل . لا أدري البداية صعبة أم النهاية ؟.
أنت القادمة أبداً . كلما نطت قطة الجيران في الشرفة قلت أنت . أستجدي من الحركة حركة . ربما تكونين أنت ، ولكن ؟؟ .
تميل الشمس نحو الغروب ، يتكرر احتضار قرصها البرتقالي كعادته . أظل صامداً لا أفقد الامل . افتح المذياع . ثمة ألحان راقصة ، نسميها نحن اليوم في داخلنا ( سوقية ) . مجرد صخب افريقي . هز مجنون للأرجل والأجساد ، أو ربما لتحرك العفاريت أو الملائكة في داخلنا . حتى هذه اللحظة ، لا أدري حين نحب ، مالذي يعترينا ، ما الذي يولد في داخلنا ، مالذي يستعر فينا ، حين نغدو عاشقينا .
حزنت لان جمرة الوقت لم توقظ شرارة الكلمة .
أيتها المتمردة الصعبة . الحاضرة الصاخبة ، المسافرة القريبة . كم أود الان لو أحرقك بقصائدي ، وأحرق طروادة المسافرة في عينيك . يتبلد ذهني
الان ، وتحط غيوم وحشية كثيفة في ذاكرتي ، ولا أدري حتى هذه اللحظة ، أأنت عمري الى الحب ، أم عمري الى الموت ؟ .
الحجرة تضيق عليّ ، وثيابي تضيق . أشعلت كل الشموع ، وملأت كل اقداح النبيذ ، ولكن عبثاً أحاول الهرب منك .
الفقاعات القرمزية تتجمع وتنزلق بطيئاً على الحافات . أحيانا أحس أنني أطفو معها وأظن نفسي انني الاعلى والاكبر ، ولكن سرعان ما يتلاشى الزبد الملون فأتبدد وأسيح مع فقاعاته الكاذبة .
هكذا تستمر معي الحياة ، وتتعاقب الايام وأستمر معها في تخيلك . الجدران تشرئب في وجهي . تمتد منها اصابع رفيعة واظفار مدببة لتخنقني . أخرج الى الشرفة . رياح كانونية تلسعني ، ترمي ثلوجها وتغادرني إليك ، كلما أراها تركض نحوك أهتف في نفسي : ( هناك في النقطة الزرقاء الغامضة شجرة بلوط تستظل بها امرأة من رائحة الجنة ، المرأة تلهب كل شيء عندما تحضر
المكان ).
تمنيت أن أنمسخ طائراً غرّداً ، أقتحم كل ضباب البحر وأرف اليك ، أقطف اقحوانا واعود بك . قد تتخضب جناحيّ بالدم ، ولكن هذا لا يهم ، المهم ان اعود بك ، قبل أن تفقد مفردات اللغة بهجتها وتموت . أنت لا تفقهين ما اكنه لك . أرجوك لا تعيدي الموال نفسه ، فأنا لا أومن بالصدفة ، ولا أثق بالزمن وخبطة الحظ .
انظري الآن الى البحر ، هو ايضا يقول معي اني أحبك ، أتقولين لا ؟. هذا مستحيل ، اني اتقن قراءة الاحداق . اتخيلك الان تضحكين وترددين لي بصوت هاديء حكاية حب ( بنو كندة ) .
كل ذؤابات الشموع تتراقص ، وخيالاتك تتراكض أمام عينيّ . أي امرأة أنت ؟؟؟.
ملامح الوجوه تتراكم في قعر الاقداح المصفوفة أمامي . أكسر هذه
الاقداح ، كأنما أكسر وأبدد خيالاتك بها . في اللحظة القاتلة ، لحظة الذوبان هي مجرد فوارق أمتلكها كي تفرين ، أخرج الى فسحة البيت . الضيوف عندي كثيرون ، كلهم أنت ، البعض واقفون ، والاخر جالسون ، ينتشرون في الزوايا والاركان . يدخنون ويدندنون ألحانا لا أفهمها . لا تمتلك امرأة ، أية امرأة على انتزاعي من عباءة الكآبة ودفعي الى براري الالهام وهضاب الفرح ، إلا أنت . أنت وحدك القادرة على كل شيء ، ولكن مع ذلك كان الليل لزجاً وثقيلاً والموعد المهزوم الذي رسمته لنفسي ينتصر في النهاية ، وغيابك ينتصر على ضياعي الطويل .
افتح الباب وأغلقه كل لحظة وأهمس لنفسي : ( ربما كانت وراء الباب ، ماذا لو نقرت النافذة بأصبعها ، أو مررت وردة بهدوء على لوح الزجاج . هل ضلّت الطريق ، أو ضيعت المكان ) .
الان يرف في صدري طيف لذيذ ، يجعلني أهرع بكل لهفة السنين التي ضاعت من عمري الى المرأة الاولى ، لكن أطيافا من نور تهطل فجأة لتستمتع باشلائي المبعثرة ، وحطامي الكثير وتعزز انوثتك وحضورك معا .
هل تظنيني خيالاً أو شبحاً ؟؟.
كم أخشى تأويلاتك للاشياء . ما معنى ألا تأتي بعد أن تؤكدي المجيء ؟.
لم تكن لي القدرة على التخيل المقهور اكثر .
الباب يقرع . أشلاء وريح تهجم من حواف النافذة . الستائر تهتز . دوي الرعد يقطع السكون . عتمة ومطر . الساعة بعد منتصف الليل . البداية والنهاية تمتزجان . يختلط اللون الرائب بالماء . أسئلة جديدة تخرج وتتفرع من رحم المفاجأت . أدرّب ذراعيّ لأحتضانك ، وأتوق الى شم عطرك . انتظر ، أضحك على نفسي بالانتظار ، بينما ينفض كانون عتمته على المدينة .
أقول لنفسي بعد سنين من الذكريات : ( هذه المرأة ليست لك ، وأنت لست ابن هذه الحقبة من الزمن . عليك أن تعود الى الوطن ، أو تصير شاعراً شعبياً يركض في أزقة الكلام وحارات المفردات ) .
ما هذه الهواجس التي تقتحم دنياي ؟؟؟.
ابتعدوا عني ، لا أريد ان اخاطب أحدا . أريد ان أعدو حتى ألهث ، وتلهث البراري مع لهاثي . أروي ظمأي من الغدران كالذئاب . ابتعدوا عني . انا لا أصدق أي شيء . لن أحرك مصيري ، بل يحرك مصيري المجهول . أنا
السبب ، لماذا التقيتها ؟. ركضت ورائها عبر الشوارع ، الهابطة والنازلة . اتجهت نحوها صوب البحر ، لكنها غابت عني . انتهى المشوار وبقيت وحيداً .
الان يلتهم البحر اشلاء خيبتي . منذ الازل يكتم هذا الازرق الصاخب أسرار البشر ولا يبوح بها ولا يحزن . حيادي هو كموجه المجنون ، وكصوت ريحه المصطكة بالصخور . أحس بالخوف والوحشة . تصطدم نظراتي بشبحين ، ابتعدا وغابا في عتمة الاشجار . صارا كنقطتين ثم اندمجا . أشعر بحنين جارف اليك ، واشعر احيانا بالحقد عليك . افتح صدري لاحتضانك ، لكني لا أشم
عطرك ، ولا شعرك الذي أعبث به وأذره في كل الجهات وكأنني أذرو به النساء جميعاً .
ها هو المطر العاصف يبدأ . ينقر زجاج وجهي . حباته كانها أناملك . أريد أن أبكي ولكن لا أستطيع ، لماذا ؟؟.
وراء كل نافذة حكاية ، وتحت كل مصباح موعد . أنا والموسيقى نتسكع على بساط البرد . أجتر خيبتي مهزوماً . انها الهزيمة العاشرة لي . منذ ولادتي وأنا احترق في بيت يكتظ بالبؤس والدمى الرخيصة المحشوة بالقطن . أهز رأسي بلا مبالاة ، واتخيل نفسي متسلقا شجرة البلوط . اصطاد فراخ العصافير . صرت أبكي . أشعر بالخوف والوحدة . لا أريد الدخول الى عالم مجهول بكل هذه الاشياء التي تنمل الاطراف والجسد . يبدو لي ( الشاطيء الازرق ) بعيداً في وحدته وصخوره النافرة التي تتحرك من تحت لجج الموج كشياطين جائعة .
تتفتح ذاكرتي على آخر مدى من عزلتها ، وتتفتق جعب الزمن . تخرج منها حورية من زبد البحر ، ثم تختفي فجأة .
المدينة مختبئة وأنا أتلمس أذناي اللتان قرصهما البرد . النقطتان تصيران عاشقين . رجل وامرأة ، يتعانقان أمام الريح . يتحديان البرد . الرجل يشهر شوقه في وجه العتمة . المدينة لا تتسع لهما رغم خيلها المتعبة . العالم ضيق ولزج وهما يعبّران عن لحظة انعتاق للمستقبل . تذكرت أمي عندما ألعب وأعود الى حضنها . داهمني احساس اني أُقبّل حجراً بارداً . البرد يأكل مفاصلي منذ تلك اللحظة وحتى هذه اللحظة المستطيلة على جرف مهجور في ( الشاطيء
الازرق ) . رذاذ الموج يصفع وجهي . صرخة أمي المقهورة تأتي عبر هذا المدى السحيق وتوقظني ، تنقذني من براثن حيرتي . أسأل نفسي : ( لماذا أنا هنا ، بعيدا عن وطني وأهلي وعشيرتي ؟؟ ).
عندما نكبر ، نقطع حبل السرة الى الابد ونترك ثغوراً طائشة مع أسباب وجودنا في الحياة . رائحة سمك مشوي تملأ المكان . العاشقان يتجاوزان المكان . أشعر بالاكتئاب . أتخيل رأسك الان على صدري ، وأناملك تداعب شحمة أذني . هنا كنا نشرب القهوة ، وهناك أرشك بالفل والقصائد . أنا متعب ، أود الجلوس والتكور أمام خيوط البرد والمطر . الليل يهبط علينا دون خلق الله . لا أهتم بالتفاصيل .
( أتحبينني …… هه …… قولي ؟ ) .
كم أشعر بذلة السؤال وأنا أطرحه عليك مرات ومرات . الحب هو الذي جعلني أتيه في دوامة هذا العصف .
كانون والسنة في آخرها . العمر يلفظ انفاسه ، وأنا لدي الكثير من
القصائد . هل أنت امرأة أخرى هبطت فجأة من قطيع الغيم . كان أبي يتقن الزجل ويملأ الريف بمواويله . اغرورقت عينا أمي بالدموع حينما رأتني أحفر أسمي وأسم أبي على جذع بلوطة متسامقة .
زغردت ، وراحت تربت بحنان على كتفي وتمسد شعري الأشعث وقالت :
( لقد أصبحت رجلا يا بني ) .
الان تتفتح ذاكرتي وتخرج عن عزلتها وأنت معي في عذابات الزمن . مركبات تجرها خيول بلق ، تخب وتصهل . كم أحبك يا ( كندة ) ، كم أحبك أيتها الصعبة الجميلة ، وأحب خيلك النافرة في ذاكرتي ، وأحب الفكرة التي أجيء اليها معك في الطريق الصعب .
غزال الحب أنت ، أم غزال الموت ؟؟؟ .
سأنتظرك في سنوات الحب وشدو القبرات وعرس الغزلان وحلم الارانب البرية . في أريج النعناع وطعم الزعتر وصخب البحر ، فقد تعودين يوماً ما ،
لابد أن تعودي ، حتى ولو كنت نحيلاً ومتعباً وحزيناً . من أجلك سأعيش الحياة بقوة وعناد . لقد سقيتني حفنة ماء منحتني بها الحياة ، لكنك غبت عني وما دريت أن آمالنا ستكبر يوماً ما وتسأل عنك في كل الدروب والفراديس وحتى أعشاش العصافير .
لقد منحتني الحب والحكمة ، لكنك غبت عني . علميني كيف أحيا بدونك ، ثم ارحلي بعيداً عني …
سيبقى البحر وتبقى رياحه . يرش ملحه على البيوت . يهز النوافذ
والابواب . يتألق النعناع والزعتر ، يتفتح فل آخر .
ربما ألقاك ، وربما لا .
لقد نضب الشعر في أعماقي ، فلم أعد أكتب شيئا ……





