مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
القصة القصيرة

ليس في الرماد – ابراهيم سليمان نادر

1 1

السيدة الانيقة التي غرق زوجها قبل سنوات افتتحت لها صالونا للحلاقة في شقتها بحي ( الاندلس ) . في البداية اقتصر عملها على الصديقات والمعارف ، ثم اتسع حتى اصبحت تعتذر عن استقبالهن احيانا .

في صدر الصالون تتوسط صورة لزوجها مجللة بالسواد ، وثرثرة النسوة لا تتوقف . بجانب حجرتها المقابلة للصالون ، حجرة صغيرة لابنها الوحيد . كانت المراة تتفوق بصنعتها في كل مرة ، فهي تتابع باستمرار مجلات الازياء الاجنبية وآخر موضات العصر حتى تميز صالونها وذاع صيته في المدينة ، اضافة الى كونها ذكية وذات ذوق وجمال .

كانت السيدة تقابل مصاعب الحياة بابتسامة وصبر لغاية مهمة هي ان تربي ابنها الذي اصبح أعز شيء بعد وفاة ابيه .

كان الصبي في السابعة عندما بدأت امه تمتهن فن الحلاقة ، وغالبا ما يجلس بجوارها يعينها ويرى امامه الفتيات والنسوة وهن شبه عرايا . كانت الزبونات جميعا يعرفنه باسم ( حمادة ) ، يقدمن له الحلوى والهدايا ويضحكن ويحكين له الطرائف والنكات .

عندما كبر ( حمادة ) ونضج ، منعته امه من الجلوس في الصالون ، فاصبح لا يرى الجميلات وهن يخلعن ملابسهن ، بيد انهن كن يحببن ان يشاهدنه كلما جئن لتصفيف شعرهن ، فإذا لم يجدنه ، كن يسألن عنه ، فتجيبهن امه انه يذاكر دروسه ، وكانت من بين النسوة اللواتي يرتدن الصالون بانتظام ارملة في الاربعينيات وهي ( الهام خاتون ) تتميز عن بقية النساء بصوت دافئ ، ذي بحة غير طبيعية وعينين ناعستين يخيل للمرء ان صاحبتهما قد بكت ، وما ان تدخل الصالون حتى تسأل عن ( حمادة ) وتداعبه وتمازحه باسمة :

  •  لقد كبرت بسرعة .

كان ( حمادة ) قد تطور جسده ، وقوي جسمه ، واخشوشن صوته
وبرزت عضلاته حتى غدا محل الاعجاب . كانت امه تسمع ضحكاتهن وهن يداعبنه فلا تتصور اكثر من عطف ومجاملة لها .

ذات مساء جاءت ( الهام خاتون ) الى الصالون ولم تجد السيدة ، بل وجدته وحده يذاكر دروسه وحينما استفسرت عن امه اخبرها انها تزور زميلة لها المشفى اقتربت اليه وقالت بدلال :

  • انت تقرأ الانكليزية ؟
  • نعم
  •  وتجيد التحدث بها ؟
  • تقريبا
  • إذن قل لي ( أحبك ) بالانكليزية ؟

توردت وجنتاه  ونكس راسه ولم يجب .

اقتربت منه حتى لامس نهداها صدره واخذ تمسد له خصلته المتدلية وتنظر الى قميص المفتوح وعضلاته النافرة ، ثم سالته بصوت ناعم وهي تضغط بيدها على ذراعه :

– هل تمارس الرياضة ؟

– نعم .

– أين ؟

– في النادي واحيانا في المدرسة .

  • هل تذكر يا ( حمادة ) حينما كنت احملك واقبلك ؟

– أذكر ذلك ولا انساه .

– لكنني الان لا استطيع ، فقد اصبحت رجلا .

رفع وجهه اليها والتقت عيناهما . كانت عيناها تلتمعان وشفتاها منفرجتان وصدرها يعلو وينخفض .

تمعنت في عينيه طويلا ، ثم انحنت على شفتيه وهو يهتز ويرتجف والعرق يتصبب منه ولا يدري ماذا يحدث في داخله .

كان السعير والصخب قد حملاه الى عوالم اخرى ، ولما كلمته بعد ذلك لم يرد عليها ، فقد كان لايسمع شيئا .

جلس على كرسيه وأراح رأسه على الكتاب ، واغلق عينيه ، ثم غاب عن الحاضر .

تسارعت الايام و( حمادة ) يتفوق في دراسته حتى نجح في الامتحان النهائي .

كان قبول ( حمادة ) في احدى جامعات العاصمة ايذانا بانهيار هذا المشهد النسائي الجميل ، فقد انقطعت النسوة واحدة تلو الاخرى ، بينما سافرت ( الهام خاتون ) الى العاصمة بغية ايجاد سكن لها هناك ، فما زالت في الرماد جذوة ….

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading